جمعتهما حربان عالميتان وفرقتهما... سوريا
موناليزا فريحة
للنهار اللبناني
بلا بريطانيا أو معها، يبدو أن واشنطن قررت المضي في "تحركها المحدود" ضد سوريا، ولكن هل لقرار لندن البريطاني التخلي عن حليفها الوثيق في تدخل كانت من أكثر المتحمسين له، أية تداعيات عسكرية أو سياسية ؟
من رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل ونزولاً، تبارى الزعماء على ضفتي الاطلسي على امتداح "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة، وخصوصاً في ما يتعلق بالشؤون الدولية.كانا جنبا الى جنب في الحربين العالميتين الاولى والثانية والحرب الكورية والحرب الباردة وحرب الخليج، وخاضا معاً غزوي العراق وأفغانستان.ولكن واشنطن التي قررت بعد تردد طويل خوض المغامرة السورية، وجدت نفسها الخميس،وحيدة بلا حليفها الاكثر وثوقاً، أقله حتى الان، بعد رفض مجلس العموم طلب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الانضمام الى الاميركيين في "معاقبة" النظام السوري ردا على استخدامه اسلحة كيميائية.
طغى هاجس الخوف من تكرار السيناريو العراقي على التصويت البريطاني، لكن ذلك لا يخفف وطأة كونه
يشكل هزة نادرة وقوية في العلاقات الاميركية-البريطانية التي مثلت أساساً استراتيجياً للسياسة الاطلسية طوال عقود شهدت تحالفاً عسكريا بين لندن وواشنطن، هو أحد أقوى التحالفات في التاريخ الحديث.
عملياً، ماذا يبدل قرار لندن عدم المشاركة في الضربة المحتملة؟.
حتى الان، دفعت بريطانيا الى المتوسط بغواصة واحدة على الاقل من نوع "ترافالغار" يمكنها حمل نحو 12 صاروخ "توماهوك". ويقول خبراء عسكريون أنه كان يمكن استخدام هذه الغواصة لاطلاق صواريخ "كروز" على أهداف سورية، على غرار ما حصل إبان الحملة العسكرية لاطاحة الزعيم الليبي العقيد الراحل معمر القذافي.
ولكن في معرض تقليل انعكاس القرار البريطاني على قدرة واشنطن، ذكَّر مراسل الامن القومي في مجلة "الفورين بوليسي" جون ريد أمس بأن "الغواصة "أتش أم أس ترايومف" البريطانية أطلقت خلال الحملة على ليبيا في آذار 2011 ستة صواريخ "توماهوك" على ليبيا، بينما وجهت الغواصة الاميركية "يو أس أس فلوريدا" المزودة صواريخ مجهزة، أكثر من تسعين "توماهوك" في اتجاه الدفاعات الجوية الليبية، ممهدة الأجواء للمقاتلات الاميركية والبريطانية والفرنسية لقصف ليبيا من دون مواجهة أي خطر.
ومع أن المقاتلات الاوروبية اضطلعت بدور قيادي في قصف قوات القذافي، ذكر ريد بأن واشنطن مدت حلفاءها الاوروبيين بذخائر وقطع غيار قيمتها 24 مليون دولار، بعدما تبين أن قوات حلف شمال الاطلسي افتقرت الى الذخائر الموجهة في خضم الحملة.
وفي معرض المقارنة أيضاً، لم يفت أكثر من معلق التذكير بأن الحملة على ليبيا استغرقت سبعة أشهر وكانت تهدف الى تعطيل سلاح الجو الليبي وحماية الثوار الليبيين من قوات النظام. وفي حينه، كان تحالف دولي واسع ضروريا جداً للقوات الاميركية التي كانت تركز جهودها في حينه على أفغانستان. وفي المقابل، يرجح أن تكون أية ضربات لسوريا جراحية ومحدودة جداً ، في عملية ترمي على ما يبدو الى اعادة ترسيم "الخط الاحمر" الذي وضعه اوباما للرئيس السوري.
ليست هذه المقارنة لتأكيد قدرة واشنطن على المضي في المهمة وحدها، بقدر ما هي محاولة أميركية لتقليل أهمية الدور البريطاني، بعد الصفعة التي وجهها مجلس العموم . ولكن هل يكون لما يقول خبراء إنه القطيعة الكبرى في "العلاقات الخاصة" بين لندن وواشنطن منذ حرب الفوكلاند عام 1982، أية تداعيات سياسية؟
بالنسبة الى اللفتنانت جنرال المتقاعد ديفيد بارنو الذي قاد قوات التحالف في أفغانستان بين 2003 و2005 إن "قرار حليفنا القديم البقاء خارج المهمة سيجعل تسويق فكرة الضربة هنا في أميركا وحول العالم أصعب بالنسبة الى الرئيس".
وليس هذا فحسب، إذ يقول الضابط المتقاعد والمؤرخ روبرت سكيلز لمجلة "تايم" الاميركية إن خطوة كهذه ستظهر أوباما أقل مهارة ديبلوماسية من سلفه، "وهذا يعني أن جورج بوش تفوق على أوباما في حشد تحالف الراغبين".
وفي ظل استمرار الشكوك في شأن الادلة الاميركية على استخدام الاسد اسلحة كيميائية ، وفي غياب تفويض قانوني واضح للضربة العسكرية، كانت الادارة الاميركية تعول على دعم دولي "تشرع" به تدخلها في سوريا.ولكن الباحث في مركز سابان لسياسة الشرق الاوسط كن بولاك يقول :"إذا لم تكن الادراة الاميركية قادرة على الاعتماد على دعم كامل من حليفها الاكثر وثوقاً، الدولة التي لم تتخل عنا في أسوأ أيام العراق، فلا شك في أن شرعية هذه الحرب ستكون موضع تشكيك".
وبدوره، يقول المحلل السابق الكبير لشؤون الشرق الاوسط في وكالة الاستخبارات المركزية "سي اي اي" جورج بيلار إن خسارة الدعم البريطاني سيؤدي الى زيادة التدقيق في الحجج الاميركية ضد سوريا.ويضيف أن "بريطانيا هي في نواح عدة، الحليف الاهم للولايات المتحدة.ومن هذا المنطلق، ينطوي القرار البريطاني على دلالات حتمية".
نفوذ لندن
وعلى الضفة المقابلة من الاطلسي، برزت مخاوف من أن يؤدي القرار البريطاني الى اضعاف نفوذ لندن حول العالم.
وقال القائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان ريتشارد كمب إن "عدم دعم أميركا يلحق ضررا ببريطانيا وبعلاقتنا مع واشنطن وموقعنا على الساحة الدولية".
ومن جهته، قال مدير معهد الابحاث "روسي" مايكل كلارك أن هذا الفيتو البرلماني يفوت على بريطانيا العمل الرمزي بالمشاركة " في تدخل في سوريا بعدما كانت من أحد أكثر المتحمسين له".ولفت الى أن "لدينا علاقة وثيقة على مستوى الاستخبارات مع الولايات المتحدة، وما نوفره لنظرائنا الاميركيين على صعيد التنصت والمراقبة سيستخدم.ومن المحتمل أيضا أن تكون هناك قوات بريطانية خاصة في سوريا تجمع معلومات استخباراتية ،ولا أتصور ولو ثانية، أن هذا الامر سيتغير".
أما الن مندوزا من مؤسسة الرأي "هنري جاكسون " البريطانية فيقول بتشاؤم ل"وكالة الصحافة الفرنسية" إن هذا التصويت يدل على أن بريطانيا ستنضم الى دول المنطقة الثالثة ، وأنها محكومة بأن تكون سجينة الاحداث من دون أن تتمتع بالقدرة على التأثير فيها".
[email protected]
للنهار اللبناني
بلا بريطانيا أو معها، يبدو أن واشنطن قررت المضي في "تحركها المحدود" ضد سوريا، ولكن هل لقرار لندن البريطاني التخلي عن حليفها الوثيق في تدخل كانت من أكثر المتحمسين له، أية تداعيات عسكرية أو سياسية ؟
من رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل ونزولاً، تبارى الزعماء على ضفتي الاطلسي على امتداح "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة، وخصوصاً في ما يتعلق بالشؤون الدولية.كانا جنبا الى جنب في الحربين العالميتين الاولى والثانية والحرب الكورية والحرب الباردة وحرب الخليج، وخاضا معاً غزوي العراق وأفغانستان.ولكن واشنطن التي قررت بعد تردد طويل خوض المغامرة السورية، وجدت نفسها الخميس،وحيدة بلا حليفها الاكثر وثوقاً، أقله حتى الان، بعد رفض مجلس العموم طلب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الانضمام الى الاميركيين في "معاقبة" النظام السوري ردا على استخدامه اسلحة كيميائية.
طغى هاجس الخوف من تكرار السيناريو العراقي على التصويت البريطاني، لكن ذلك لا يخفف وطأة كونه
يشكل هزة نادرة وقوية في العلاقات الاميركية-البريطانية التي مثلت أساساً استراتيجياً للسياسة الاطلسية طوال عقود شهدت تحالفاً عسكريا بين لندن وواشنطن، هو أحد أقوى التحالفات في التاريخ الحديث.
عملياً، ماذا يبدل قرار لندن عدم المشاركة في الضربة المحتملة؟.
حتى الان، دفعت بريطانيا الى المتوسط بغواصة واحدة على الاقل من نوع "ترافالغار" يمكنها حمل نحو 12 صاروخ "توماهوك". ويقول خبراء عسكريون أنه كان يمكن استخدام هذه الغواصة لاطلاق صواريخ "كروز" على أهداف سورية، على غرار ما حصل إبان الحملة العسكرية لاطاحة الزعيم الليبي العقيد الراحل معمر القذافي.
ولكن في معرض تقليل انعكاس القرار البريطاني على قدرة واشنطن، ذكَّر مراسل الامن القومي في مجلة "الفورين بوليسي" جون ريد أمس بأن "الغواصة "أتش أم أس ترايومف" البريطانية أطلقت خلال الحملة على ليبيا في آذار 2011 ستة صواريخ "توماهوك" على ليبيا، بينما وجهت الغواصة الاميركية "يو أس أس فلوريدا" المزودة صواريخ مجهزة، أكثر من تسعين "توماهوك" في اتجاه الدفاعات الجوية الليبية، ممهدة الأجواء للمقاتلات الاميركية والبريطانية والفرنسية لقصف ليبيا من دون مواجهة أي خطر.
ومع أن المقاتلات الاوروبية اضطلعت بدور قيادي في قصف قوات القذافي، ذكر ريد بأن واشنطن مدت حلفاءها الاوروبيين بذخائر وقطع غيار قيمتها 24 مليون دولار، بعدما تبين أن قوات حلف شمال الاطلسي افتقرت الى الذخائر الموجهة في خضم الحملة.
وفي معرض المقارنة أيضاً، لم يفت أكثر من معلق التذكير بأن الحملة على ليبيا استغرقت سبعة أشهر وكانت تهدف الى تعطيل سلاح الجو الليبي وحماية الثوار الليبيين من قوات النظام. وفي حينه، كان تحالف دولي واسع ضروريا جداً للقوات الاميركية التي كانت تركز جهودها في حينه على أفغانستان. وفي المقابل، يرجح أن تكون أية ضربات لسوريا جراحية ومحدودة جداً ، في عملية ترمي على ما يبدو الى اعادة ترسيم "الخط الاحمر" الذي وضعه اوباما للرئيس السوري.
ليست هذه المقارنة لتأكيد قدرة واشنطن على المضي في المهمة وحدها، بقدر ما هي محاولة أميركية لتقليل أهمية الدور البريطاني، بعد الصفعة التي وجهها مجلس العموم . ولكن هل يكون لما يقول خبراء إنه القطيعة الكبرى في "العلاقات الخاصة" بين لندن وواشنطن منذ حرب الفوكلاند عام 1982، أية تداعيات سياسية؟
بالنسبة الى اللفتنانت جنرال المتقاعد ديفيد بارنو الذي قاد قوات التحالف في أفغانستان بين 2003 و2005 إن "قرار حليفنا القديم البقاء خارج المهمة سيجعل تسويق فكرة الضربة هنا في أميركا وحول العالم أصعب بالنسبة الى الرئيس".
وليس هذا فحسب، إذ يقول الضابط المتقاعد والمؤرخ روبرت سكيلز لمجلة "تايم" الاميركية إن خطوة كهذه ستظهر أوباما أقل مهارة ديبلوماسية من سلفه، "وهذا يعني أن جورج بوش تفوق على أوباما في حشد تحالف الراغبين".
وفي ظل استمرار الشكوك في شأن الادلة الاميركية على استخدام الاسد اسلحة كيميائية ، وفي غياب تفويض قانوني واضح للضربة العسكرية، كانت الادارة الاميركية تعول على دعم دولي "تشرع" به تدخلها في سوريا.ولكن الباحث في مركز سابان لسياسة الشرق الاوسط كن بولاك يقول :"إذا لم تكن الادراة الاميركية قادرة على الاعتماد على دعم كامل من حليفها الاكثر وثوقاً، الدولة التي لم تتخل عنا في أسوأ أيام العراق، فلا شك في أن شرعية هذه الحرب ستكون موضع تشكيك".
وبدوره، يقول المحلل السابق الكبير لشؤون الشرق الاوسط في وكالة الاستخبارات المركزية "سي اي اي" جورج بيلار إن خسارة الدعم البريطاني سيؤدي الى زيادة التدقيق في الحجج الاميركية ضد سوريا.ويضيف أن "بريطانيا هي في نواح عدة، الحليف الاهم للولايات المتحدة.ومن هذا المنطلق، ينطوي القرار البريطاني على دلالات حتمية".
نفوذ لندن
وعلى الضفة المقابلة من الاطلسي، برزت مخاوف من أن يؤدي القرار البريطاني الى اضعاف نفوذ لندن حول العالم.
وقال القائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان ريتشارد كمب إن "عدم دعم أميركا يلحق ضررا ببريطانيا وبعلاقتنا مع واشنطن وموقعنا على الساحة الدولية".
ومن جهته، قال مدير معهد الابحاث "روسي" مايكل كلارك أن هذا الفيتو البرلماني يفوت على بريطانيا العمل الرمزي بالمشاركة " في تدخل في سوريا بعدما كانت من أحد أكثر المتحمسين له".ولفت الى أن "لدينا علاقة وثيقة على مستوى الاستخبارات مع الولايات المتحدة، وما نوفره لنظرائنا الاميركيين على صعيد التنصت والمراقبة سيستخدم.ومن المحتمل أيضا أن تكون هناك قوات بريطانية خاصة في سوريا تجمع معلومات استخباراتية ،ولا أتصور ولو ثانية، أن هذا الامر سيتغير".
أما الن مندوزا من مؤسسة الرأي "هنري جاكسون " البريطانية فيقول بتشاؤم ل"وكالة الصحافة الفرنسية" إن هذا التصويت يدل على أن بريطانيا ستنضم الى دول المنطقة الثالثة ، وأنها محكومة بأن تكون سجينة الاحداث من دون أن تتمتع بالقدرة على التأثير فيها".
[email protected]

التعليقات