الأسير المحرر النعنيش: لا زالت صورة نابلس القديمة مطبوعة في ذاكرتي رغم المشاهد الحديثة
نابلس - دنيا الوطن - عبد الرحمن عوض
ما أن وطأت قدما الأسير المحرر سمير نايف النعنيش أرض مدينة نابلس حتى ذُهل من هول المنظر بعد السنوات الطوال التي قضاها بعيدا عن مدينته، عاد به شريط الذكريات إلى ما قبل اعتقاله فيقول: "لا زالت صورة نابلس القديمة مطبوعة في ذاكرتي، ورغم المشاهد الحديثة والجميلة التي رأيتها اليوم إلا أن تلك الصورة تبقى تتجلى أمامي بكل تفاصيلها".
ربع قرن غيبته السجون في ظلمتها بعد تنفيذه لعملية "الساقوف" داخل أزقة البلدة القديمة في نابلس عام 1989 ذاق خلالها مرارة البعد والألم التي اصطحبته إلى الزنازين بعد أن استقرت في جسده رصاصة احد القناصيين لتمزق جزء من رئته قبل اعتقاله بعامين.
الثأر المؤجل
لم يكن النعنيش ليصارع السجان ببراءته حين كان عمره (6 أعوام) عندما رأى جنود الاحتلال يقتادون والده ويضربونه ويركلونه ويضعونه تحت "مزراب الماء" في فصل الشتاء، فقد هب في ثورة شعبية مع اقرأنه لمقاومة الجنود الذين يقتحمون الأحياء في كل يوم خلال وجود الحاكم العسكري والإدارة المدنية في نابلس.
وفي عام 1985 كانت تجربته الأولى مع السجون حيث اعتقل لمدة (4 شهور) في سجن الفارعة بعد جولة من المواجهات مع جنود الاحتلال، ولم يمض عام على خروجه من السجن حتى أُعيد اعتقاله في عام 86 لمدة (18 يوما) على ذمة التحقيق.
ويعود النعنيش (47 عاما) بذاكرته إلى المشاهد الحية في حارة سوق الحدادين في نابلس فيقول لمؤسسة التضامن:"كنا نلعب لعبة "جيش أولاد" ونشكل فريقين، فريق يمثل جنود الاحتلال والآخر يمثل الشبان الفلسطينيين، ولم أكن ارغب بالانضمام إلى فريق الجيش حتى في اللعب، وفي تلك الأثناء وعند قدوم دوريات الجيش الإسرائيلي كنا نتوحد وتبدأ المعركة الحقيقية بيننا وبين الاحتلال".
الرد بالساقوف
كتلة إسمنتية كبيرة جهزها النعنيش والأسير المؤبد إبراهيم الطقطوق مع أربعة شبان آخرين على سطح احد المنازل بانتظار دورية راجلة كانت تحاول الدخول للبلدة القديمة فيقول:"رصدنا ثمانية جنود على مدخل بوابة البيك، وعندما أصبحوا أسفلنا مباشرة أسقطنا الساقوف على رؤوس الجنود فقتل احدهم وجرح آخر".
ومنذ تلك اللحظة أصبح النعنيش على قائمة الاستهداف اغتيالا أو اعتقالا، وكان ذلك عندما حاصرته قوات الاحتلال في بساتين شارع يافا وسط نابلس حيث يقول:"اعتقلتني قوة خاصة كانت تتحصن في احد المباني ولم يتمكنوا من تحديد هوتي إلا بعد حضور ضباط المخابرات الذين قاموا بتشخيصي وكان ذلك بتاريخ 5/3/1989 أي بعد (9 أيام) من تنفيذ العملية".
وبعد جولات التحقيق القاسية التي مر بها في سجن نابلس المركزي، كان الحكم المؤبد الصادر عن المحكمة العسكرية في المدينة، ومنذ تلك اللحظة بدأ رصيد العمر بالنفاذ بين جدران العزل، تارة في عزل سجن الجنيد وعزل "نيتسان" في الرملة الذي استمر (12 شهرا).
خبران مزلزلان
وبعيدا عن قرعات السلاسل وفي وسط الجموع المحتشدة لاستقباله يبقى خبران يهزان ذاكرته في بداية اعتقاله ويقول وهو يصور المشهد:"في عام 1990 وكعادتي أتصفح الصحف التي تدخل القسم في سجن عسقلان وفي الصفحة الأولى من ذلك العدد إذا بصورة والدي أسفل الصفحة مكتوب أسفلها (نعي حاج فاضل)، لحظتها لم أتمالك نفسي ووقعت على الأرض ولم استطع الحديث، وحملوني الأسرى إلى داخل الغرفة بدون علمهم ماذا يحصل، وما أن قرؤوا الصحيفة حتى عرفوا أن المتوفى هو والدي".
وتتكالب المصائب والآلام على قلبه ويتابع:" في عام 1999 جاءت والدتي لزيارتي في سجن عسقلان، شعرت من كلامها أنها لحظات الوداع الأخيرة، وقبل أن تفارقني طلبت منها بعض الأغراض كي تحضرها لي في الزيارة القادمة، مع أن هاجسا في نفسي يقول لي انه اللقاء الأخير".
ويكمل حديثه مع التضامن:"بعد يومين من زيارتي، خرجت لتشتري الأغراض التي أوصيتها لتحضرها على الزيارة القادمة، وإذا بشاحنة تضربها في منطقة رفيديا غرب نابلس أثناء قطها للشارع وترتقي روحها إلى بارئها".
بالانتظار
وفي سجن شطة وبينما هو في نوم عميق أيقظه احد الأسرى لإخباره بورود اسمه ضمن قائمة الأسرى المنوي الإفراج عنهم، فما كان منه إلا أن سأل مسرعا "هل الأسير إبراهيم الطقطوق ضمن قائمة الأسماء؟!" وعندما كانت الإجابة مغايرة لتوقعاته تمنى عدم الخروج من الأسر.
ويتابع النعنيش: "فرحتي لا زالت منقوصة.. اشعر بان نصفي الآخر داخل الأسر، لأن رفيق دربي لا زال في السجن، وعند مقابلتي لعائلته تمنيت لو انه حرر قبلي" .
ومع استمرار اعتقال العشرات من ذوي الأحكام العالية يدعو النعنيش جميع الإطراف الفلسطينية إلى بذل الجهود للإفراج عنهم، مناشدا الجهات الرسمية والشعبية بعدم إغفال عن قضية الأسرى المؤبدين سواء كان ذلك من خلال الاتفاقيات أو صفقات التبادل.
ما أن وطأت قدما الأسير المحرر سمير نايف النعنيش أرض مدينة نابلس حتى ذُهل من هول المنظر بعد السنوات الطوال التي قضاها بعيدا عن مدينته، عاد به شريط الذكريات إلى ما قبل اعتقاله فيقول: "لا زالت صورة نابلس القديمة مطبوعة في ذاكرتي، ورغم المشاهد الحديثة والجميلة التي رأيتها اليوم إلا أن تلك الصورة تبقى تتجلى أمامي بكل تفاصيلها".
ربع قرن غيبته السجون في ظلمتها بعد تنفيذه لعملية "الساقوف" داخل أزقة البلدة القديمة في نابلس عام 1989 ذاق خلالها مرارة البعد والألم التي اصطحبته إلى الزنازين بعد أن استقرت في جسده رصاصة احد القناصيين لتمزق جزء من رئته قبل اعتقاله بعامين.
الثأر المؤجل
لم يكن النعنيش ليصارع السجان ببراءته حين كان عمره (6 أعوام) عندما رأى جنود الاحتلال يقتادون والده ويضربونه ويركلونه ويضعونه تحت "مزراب الماء" في فصل الشتاء، فقد هب في ثورة شعبية مع اقرأنه لمقاومة الجنود الذين يقتحمون الأحياء في كل يوم خلال وجود الحاكم العسكري والإدارة المدنية في نابلس.
وفي عام 1985 كانت تجربته الأولى مع السجون حيث اعتقل لمدة (4 شهور) في سجن الفارعة بعد جولة من المواجهات مع جنود الاحتلال، ولم يمض عام على خروجه من السجن حتى أُعيد اعتقاله في عام 86 لمدة (18 يوما) على ذمة التحقيق.
ويعود النعنيش (47 عاما) بذاكرته إلى المشاهد الحية في حارة سوق الحدادين في نابلس فيقول لمؤسسة التضامن:"كنا نلعب لعبة "جيش أولاد" ونشكل فريقين، فريق يمثل جنود الاحتلال والآخر يمثل الشبان الفلسطينيين، ولم أكن ارغب بالانضمام إلى فريق الجيش حتى في اللعب، وفي تلك الأثناء وعند قدوم دوريات الجيش الإسرائيلي كنا نتوحد وتبدأ المعركة الحقيقية بيننا وبين الاحتلال".
الرد بالساقوف
كتلة إسمنتية كبيرة جهزها النعنيش والأسير المؤبد إبراهيم الطقطوق مع أربعة شبان آخرين على سطح احد المنازل بانتظار دورية راجلة كانت تحاول الدخول للبلدة القديمة فيقول:"رصدنا ثمانية جنود على مدخل بوابة البيك، وعندما أصبحوا أسفلنا مباشرة أسقطنا الساقوف على رؤوس الجنود فقتل احدهم وجرح آخر".
ومنذ تلك اللحظة أصبح النعنيش على قائمة الاستهداف اغتيالا أو اعتقالا، وكان ذلك عندما حاصرته قوات الاحتلال في بساتين شارع يافا وسط نابلس حيث يقول:"اعتقلتني قوة خاصة كانت تتحصن في احد المباني ولم يتمكنوا من تحديد هوتي إلا بعد حضور ضباط المخابرات الذين قاموا بتشخيصي وكان ذلك بتاريخ 5/3/1989 أي بعد (9 أيام) من تنفيذ العملية".
وبعد جولات التحقيق القاسية التي مر بها في سجن نابلس المركزي، كان الحكم المؤبد الصادر عن المحكمة العسكرية في المدينة، ومنذ تلك اللحظة بدأ رصيد العمر بالنفاذ بين جدران العزل، تارة في عزل سجن الجنيد وعزل "نيتسان" في الرملة الذي استمر (12 شهرا).
خبران مزلزلان
وبعيدا عن قرعات السلاسل وفي وسط الجموع المحتشدة لاستقباله يبقى خبران يهزان ذاكرته في بداية اعتقاله ويقول وهو يصور المشهد:"في عام 1990 وكعادتي أتصفح الصحف التي تدخل القسم في سجن عسقلان وفي الصفحة الأولى من ذلك العدد إذا بصورة والدي أسفل الصفحة مكتوب أسفلها (نعي حاج فاضل)، لحظتها لم أتمالك نفسي ووقعت على الأرض ولم استطع الحديث، وحملوني الأسرى إلى داخل الغرفة بدون علمهم ماذا يحصل، وما أن قرؤوا الصحيفة حتى عرفوا أن المتوفى هو والدي".
وتتكالب المصائب والآلام على قلبه ويتابع:" في عام 1999 جاءت والدتي لزيارتي في سجن عسقلان، شعرت من كلامها أنها لحظات الوداع الأخيرة، وقبل أن تفارقني طلبت منها بعض الأغراض كي تحضرها لي في الزيارة القادمة، مع أن هاجسا في نفسي يقول لي انه اللقاء الأخير".
ويكمل حديثه مع التضامن:"بعد يومين من زيارتي، خرجت لتشتري الأغراض التي أوصيتها لتحضرها على الزيارة القادمة، وإذا بشاحنة تضربها في منطقة رفيديا غرب نابلس أثناء قطها للشارع وترتقي روحها إلى بارئها".
بالانتظار
وفي سجن شطة وبينما هو في نوم عميق أيقظه احد الأسرى لإخباره بورود اسمه ضمن قائمة الأسرى المنوي الإفراج عنهم، فما كان منه إلا أن سأل مسرعا "هل الأسير إبراهيم الطقطوق ضمن قائمة الأسماء؟!" وعندما كانت الإجابة مغايرة لتوقعاته تمنى عدم الخروج من الأسر.
ويتابع النعنيش: "فرحتي لا زالت منقوصة.. اشعر بان نصفي الآخر داخل الأسر، لأن رفيق دربي لا زال في السجن، وعند مقابلتي لعائلته تمنيت لو انه حرر قبلي" .
ومع استمرار اعتقال العشرات من ذوي الأحكام العالية يدعو النعنيش جميع الإطراف الفلسطينية إلى بذل الجهود للإفراج عنهم، مناشدا الجهات الرسمية والشعبية بعدم إغفال عن قضية الأسرى المؤبدين سواء كان ذلك من خلال الاتفاقيات أو صفقات التبادل.

التعليقات