دنيا الوطن في رحلة الي بلغراد الجميلة .. حياتها الليلة لامثيل لها وتراثها العثماني ثري
بلغراد –دنيا الوطن- جمال المجايدة
زرت بلغراد عاصمة صربيا الجميلة , تلك المدينة الودودة التي ترحب بزوارها وتمنحهم الحب والامان , واكتشفت في بلغراد التي زرتها للمرة الاولي مع الاتحاد للطيران مطلع اغسطس 2013 كل بواطن الجمال في تلك المدينة البلقانية الاخاذة , وتمنيت طول الاقامة فيها علي عكس مدن اخري كنت اشعر فيها بالوحشة واختصر برنامج الرحلة واعود الي مدينتي الحبيبة ابوظبي .
في صيف بلغراد يتصل النهار بالليل وتتجمل المدينة ليلا وترحب بزوارها في امسيات الصيف الطويلة بالموسيقي والورود والاسترخاء علي ضفاف انهارها / الدانوب وسافا / في تلك الحدائق الرومانسية .
كثيرون يعرفون ان بلغراد كانت عاصمة يوغوسلافيا السابقة وهي اليوم عاصمة صربيا تتمتع بالكثير من الجمال الذي يمكنها تقديمه للسياح المغامرين، و تلبي احتياجات كل أنواع الزوار، من هواة التاريخ الذين يرغبون في استكشاف تاريخها الأثري الكبير، إلى محبي الاحتفال .
تعد بلغراد وجهة مثالية للباحثين عن عطلة في المدينة، إلا أنك إذا تجولت أكثر في صربيا فستجد بلدًا لم يمسسها أحد، ولازالت بعيدة تمامًا عن مسار السياحة، كما أنها منخفضة التكلفة أيضًا، خاصةً حين يتعلق الأمر بالطعام والشراب،
ركبت سيارة التاكسي من فندق حياة حيث اقمت في العاصمة وتوجهت الي قلبها النابض بالحياة , حيث هناك ميدان الجمهورية ويعرف باسم ريببليكا سكوير وسط العاصمة , هناك تتلاقي ابتسامات الاحبة ونظرات العاشقين , ويتلقي الزوار مع احد معالم المدينة الجميلة الذي تتفرع منه شوارع مخصصة للمشي علي الاقدام بلاسيارات وهناك المقاهي والاستراحات التي يحلو فيها الجلوس وتناول المرطبات والمشروبات باسعار زهيدة .
لم تعجبني كثيرا منطقة "نيو بلغراد" التي يقع فيها مكاتب الحكومة والشركات و المعمار الذي يعود إلى الحقبة الشيوعية، وهي منطقة بنيت بعد الحرب العالمية الثانية،
احببت المدينة القديمة كثيرا ومشيت اليها علي قدماي عبر جسر يمر فوق نهر سافا، الذي يحدد النقطة التي تبدأ عندها أوروبا الجنوبية الشرقية والبلقان. كما توجد في مناطق ناطحات السحاب شوارع مليئة بالمباني المشهوبة، وتظل بقايا المباني التي قصفها الناتو في عام1999موجودة كتذكرة بالماضي القريب،
وقلت لزملائي انني ربما لن اعود الي الفندق لتناول العشاء معكم فقد سئمت طعام الفنادق الفاخرة والاجتماعات وودت ان اترك العنان لنفسي كي اتنفس هواء بلغراد واتجول في شوارعها فهي مدينة عالمية مليئة بالمطاعم والحانات والمعارض، ولم اشعر بالملل اطلاقا وانا اتجول في شارع "كنيز ميخيلوفا"، حيث توجد بعض أشهر المباني في بلغراد، ويؤدي الشارع مباشرة إلى حصن كاليميغدان والحديقة، ويطل حصن كاليميغدان على إلتقاء نهري سافا والدانوب، كما أن بها إطلالة مميزة على "نيو بلغراد" وجزيرة "أدا سينغاليغا" الخضراء .
كما توجد بالقرب منها شوارع حي سكادارليغا البوهيمي التاريخية، وهو الحي الذي يعد موطنًا للفنانين والشعراء وتمتليء تلك الشوارع بأقدم مطاعم المدينة التي ظلت موجودة لقرنين.
إنه حي رائع جدا يمكن للزائر التمتع فيه بالتجول مساءًا، ثم تناول وجبة على أنغام موسيقى "الستاروغرادسكا" التقليدية الحية، و تتمتع بلغراد بمجموعة ضخمة من النوادي والحانات، وتجذب النوادي النهرية الراسية دائمًا والمتناثرة على ضفاف نهري سافا والدانوب الشباب في نهاية الأسبوع، ويعلو صوت الموسيقى في تلك البوارج الممتعة حتى الفجر. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين لا يحبون الرقص طوال الليل فهناك الكثير من الحانات لتناول مشروب صربيا القومي "راكيا".
لقد تناولنا العشاء مع رئيسة هيئة السياحة في بلغراد بحضور زملاء اعلاميين في احد المطاعم سكادارليغا , كان عشاء لايوصف فهو اشبه بالاطباق التركية والشرقية وقالت لنا رئيسة الهيئة ان المطبخ الصربي وفي بلغراد تحديدا متاثر الي حد كبير بالمطبخ التركي نظرا لوقوع المدينة تحت السيطرة العثمانية لفترة طويلة من الزمن .
الحياة الليلية في بلغراد رائعة جدا ولاتنسي لدي كل من يزورها فهي نابضة بالحياة ليلا ، حيث تستمر عدّة حانات ونوادي ليلية مفتوحة للعموم حتى ساعات الفجر الأولى، ومن أبرز معالم الحياة الليلية في بلغراد، وهناك شوارع خاصة بمقاهي العشاق وطلاب الرومانسية تسودها اجواد الهدوء حيث تحلو الجلسات الطويلة تحت الاضواء الخافتة .
ويقال ان بلغراد هي صاحبة لقب ثاني افضل مدينة في الحياة الليلية في العالم بعد نيويورك وهي خامس مدينة في العالم الاكثر امنا , اذ لاتوجد فيها الجريمة المنظمة او العنف , اذ يجد الزائر فيها ملاذا للهدوء والاستقرار والشعور بالحياة الرغدة باقل الاسعار .
كثيرون يأتون الي بلغراد لقضاء عطلتهم الأسبوعية والاستمتاع بحياتها الليلية عوض تلك الخاصة بمدنهم الأم، ويعود ذلك لعدّة أسباب، منها شهرة الملاهي الليلية والحانات البلغرادية، وأسعار المشروبات المنخفضة ، وعدم وجود حاجز لغوي اذ ان الغالبية العظمي من اهل المدينة يتحدثون الانجليزية بطلاقة علي عكس كل شعوب بلاد البلقان المجاورة .
واذكر مرة انني قرأت تقريرا في صحيفة التايمز البريطانية مفاده ان افضل حياة ليلية صاخبة في اوروبا هي تلك الخاصة بمدينة بلغراد , واكتشفت بعد مرور سنوات علي قرائي للتقرير انها هي حقا كذلك ولاتنازعها اية مدينة اخري في اوروبا في الحصول علي هذا اللقب عن جدارة !
في اليوم التالي للزيارة عدت مرة اخري الي شارع إسكدارليا ، وهذه المنطقة الشاعرية ومحيطها الجميل تتميز بأفضل المطاعم التقليدية في بلغراد وأقدمها، والتي تعود أيضًا لأواخر القرن التاسع عشر ، وكل مطعم له شرفة وفي كل شرفة تصدح الموسيقي المحلية وكانها ترحب بالزائر الغريب الذي يتلمس طريقه نحو الجمال .
وقلت في نفسي يجب ان اضع برنامجا افضل لرحلتي القادمة الي بلغراد !
بلجراد تعد واحدة من أقدم مدن أوروبا على الإطلاق إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الثالث قبل الميلاد على يد قبائل كلتية قبل أن تصبح مستعمرة رومانية تدعى باسم سينجيدنم .
كانت عاصمة لصربيا منذ عام 1404 م وعاصمة ليوغسلافيا بين عامي 1918 و 2003 م. كانت بلغراد آخر بقعة مسيحية دانت للمسلمين العثمانيين في البلقان وكان ذلك في القرن .
خلفية تاريخية
يحتل القسم الجنوبي لمدينة بلغراد، بموقعه الجغرافي، نهاية امتداد الجبال الصربية، ويمتد قسمها الشمالي فوق سهول الدانوب الوسطى، لذلك فإن ارتفاعها الوسطي عن سطح البحر يراوح بين 200 و500م. ونتيجة لذلك، ولسيطرة المناخ القاري المعتدل، وتوافر الترب السطحية الخصبة في الظهير الجغرافي الزراعي لمدينة بلغراد، وهطل كمية أمطار تراوح سنوياً بين (500-1000مم)، انتشرت زراعة الحبوب والشوندر السكري وتربية الماشية في شمالها، وزراعة العنب والأشجار المثمرة والتبغ وتربية الماشية في جنوبها.
إن موقع مدينة بلغراد على نهر الدانوب، الذي يعد ثاني أطول نهر في أوربة، جعلها نقطة وصل مهمة بين دول أوربة والبحر الأسود والشرق الأوسط، ومحطة على الطرق المهمة المعترضة في جنوب شرقي أوربة، بين إقليم الجبال والبحر الأدرياتي غرباً وجنوباً غربياً، فيمر منها الطريق الدولية والخط الحديدي الذي يصل وسط أوربة بمدينة صوفية واصطنبول وأثينة شرقاً. وبسبب هذا الموقع المهم فقد تعددت الدول الطامعة في احتلالها، إذ تعرضت للغزو والهدم والحرق مرات كثيرة.
نشأت المدينة التي عُثر فيها على آثار من العصر الحجري، حول حصن قديم أقامه الكلتيون في القرن الرابع قبل الميلاد، وعُرف لدى الرومانالذين احتلوا المنطقة في القرن الثاني قبل الميلاد، باسم سينغيدونومSingidunum، وصار ميناءً تجارياً مهماً على نهر الدانوب أيام الحكم الروماني.
غزاها الهون وخربوها في أواسط القرن الخامس الميلادي، ثم تناوب على امتلاكها السرماتيون والقوط قبل أن يستعيدها الامبراطور البيزنطي جستنيان. غزتها قبائل السلاف والآفار والبلغار وصار اسمها في القرن التاسع سلاف بلغراد، وأصبحت في القرن الحادي عشر مدينة بيزنطية محصنة، ثم استولى الصرب عليها عام 1284، وجعل منها اصطفان لازارفيتش Lazareviç عاصمة صربية عام 1402.
احتلها الأتراك العثمانيون عام 1512 وبقيت في أيديهم ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف (ماعدا مدة خضوعها للسيطرة النمسوية) وكانت تعد مركزاً تجارياً وحربياً مهماً في ممتلكات الامبراطورية العثمانية الأوربية.
وفي عام 1806، أصبحت عاصمة لمملكة الصرب، التي نالت استقلالها التام عام 1878، وتحررت أراضيها من الاحتلال العثماني، إبان الحروب البلقانية (1912- 1913)، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت مدينة بلغراد عاصمة دولة اتحادية تضم مملكة الصربوالكروات وسلوفينية. وفي عام 1929، تحولت إلى عاصمة جمهورية يوغوسلافية الاتحادية الاشتراكية، وقد تعرضت للهجوم الألماني إبانالحرب العالمية الثانية وتم احتلالها، ثم تحررت بمساعدة الجيش السوفييتي. ونتيجة الحرب الأهلية الداخلية التي نشبت في عام 1991، تحولت إلى عاصمة إقليمية لجمهورية صربية. وقد تعرضت لتدمير الكثير من منشآتها الحيوية نتيجة الغارات الجوية وقصفها من قبل قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) إبان أزمة كوسوفو في ربيع عام 1999.
تقع مدينة بلجراد على الجانب الأيمن لنهر الدانوب عند التقائه بنهر سافاSave، وتعد من المدن الكبرى في شبه جزيرة البلقان بعد مدينتي أثينا وصوفيا، ومن أكبر المراكز الصناعية في جمهورية صربيا، وتقع في أكثف أقاليمها سكاناً، ويتكلم سكانها اللغة الصربية التي تدخل ضمن أسرة اللغات السلافية.
وقد حاصر العثمانيون بلجراد ثلاث مرات : سنة 1441م و1456م و1492م لكنهم لم يستطيعوا الاستيلاء عليها إلا في عهد سليمان القانوني ، ففي 4 من رمضان 927 هـ الموافق 8 من أغسطس 1521م نجح السلطان العثماني في فتح مدينة بلجراد التي كانت تعد مفتاح أوروبا الوسطى وصاحبة أقوى قلعة على الحدود المجرية العثمانية.
خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذت بلغراد تنمو باضطراد في ظل الحكم الشيوعي، حتى أصبحت مركزًا صناعيًا مهمًا في أوروباوالعالم أجمع. وفي سنة 1958م، افتتحت أوّل محطة تلفازية في المدينة وأخذت تبث برامجها اليومية، وفي سنة 1961م، عقدت دول عدم الانحياز مؤتمرها في المدينة برئاسة تيتو، وفي سنة 1968محدثت عدّة مظاهرات طلاّبية منددة بحكم الأخير، فوقع عدد من الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة في الشوارع. كانت بلغراد مركز المنطقة الموبوئة بآخر موجات الجدري في أوروبا سنة 1972م، الذي تمكنت السلطات المعنيّة من احتوائه بحلول أواخر شهر مايو من ذلك العام بفضل اتباعها إجراءات شملت الحجر الصحي القسري والتطعيمالشامل.
في التاسع من مارس سنة 1991م، قامت مظاهرات في بلغراد يقودها ڤوك دراسكوڤيتش، منددة بنظام حكم الرئيس سلوبودان ميلوسيڤيتش،
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم نزلت الدبابات إلى الشوارع لتفريق الناس وإعادة الهدوء إلى الأحياء.
قامت مظاهرات أخرى في بلغراد في شهر نوفمبر من عام 1996مواستمرت حتى شهر فبراير من عام 1997م، وقد طالب فيها المتظاهرون باستقالة الحكومة وتنحي الرئيس ميلوسيڤيتش بعد أن تبين أن له ضلعًا في تزوير الانتخابات المحلية.
كان من نتيجة هذه المظاهرات أن اعتلى رئيس البلدية زوران جينجيتشمنصب رئاسة الحكومة، وبهذا أصبح أول رئيس بلدية بلغرادي منذالحرب العالمية الثانية يصل لهذا المنصب دون أن يكون عضوًا في رابطة الشيوعيين في يوغوسلاڤيا، أو فرعها الرئيسي وهو الحزب الاشتراكي الصربي.
خلّف قصف قوّات حلف شمال الأطلسي لبلغراد خلال حرب كوسوڤوسنة 1999م، خلّف أضرارًا كبيرة في المدينة، وكان من ضمن المواقع التي قُصفت عدّة مبان شكّلت مقرّات لوزارات مختلفة، بالإضافة لمبنى الإذاعة والتلفاز في صربيا، الأمر الذي نجم عنه مصرع 16 تقنيًا، وعدد من المستشفيات، وفندق يوغوسلاڤيا، ومبنى اللجنة المركزية، وبرج آڤلا، والسفارة الصينية. عادت بلغراد لتصبح مسرحًا لمظاهرات جديدة سنة 2000م، وذلك بعد الانتخابات الرئيسية التي شهدتها البلاد، فخرج أكثر من نصف مليون شخص إلى الشارع، الأمر الذي نجم عنهخلع الرئيس ميلوسيڤيتش.
كاتدرائية القديس ساڤا
زرت كاتدرائية القديس ساڤا وهي كنيسة أرثوذكسية كبرى تُعتبر أكبرالكاتدرائيات في البلقان وإحدى أكبر الكنائس في العالم، وهي مُكرسة للقديس ساڤا مؤسس الكنيسة الصربية الأرثوذكسية. بُنيت الكاتدرائية على هضبة فراتجار، وهي تظهر للناظر من مختلف مواقع المدينة، مما يجعلها معلمًا هامًا من معالمها. يُطلق على هذه الكنيسة اسم "كاتدرائية" على الرغم من أنها ليست مركزًا لبطريركية الصرب الأرثوذكس، وإنما بسبب حجمها الكبير وأهميتها، حتى أن البلغراديون أنفسهم يسمونها "حرم"، وهو اسم آخر للكنيسة في الأرثوذكسية الشرقية ,
لقد بدأ العمل في تلك الكنيسة عام 1935 ومازال مستمرا حتي اليوم لتوفقه في فترات تاريخية اما لسبب الحروب او نقص المال اللازم لمواصلة البناء والتشيد .
ويُعتبر المتحف الوطني الصربي، الي شيد عام 1833 ميلادية ، أبرز المتاحف في بلغراد، وهو يحوي ما يزيد عن 5600 لوحة فنية و 8400 مخطوطة، موزعة على عدد كبير من المعارض، وبعض هذه الأعمال الفنية يُعتبر من التحف الباهظة التي لا يوجد لها مثيل , كذلك هناك المتحف الإثنوغرافي الذي افتتح عام 1901 .وهو يحوي أكثر من 150,000 قطعة حرفية تُبيّن نمط الحياة المدني والريفي في البلقان .
وتعتبر بلغراد اليوم مركزاً سياحياً يحتضن الموسيقى والرياضة والهندسة المعمارية والفنون والنشاطات الثقافية مثل مهرجان بلغراد السينمائي، مهرجان بلغراد للمسرح، معرض بلغراد للكتاب، لتغدوا المدينة بأنماطها المعمارية التي تتراوح بين السوفياتي و القوطية واحدة من المدن الأكثر إثارة للاهتمام في أوروبا.
إذا كنتم من محبي المشي لمسافات طويلة أو ركوب الدراجات أو ركوب الخيل والتمتع بقضاء الإجازة على نهر أو الملاحة النهرية وإذا طلبتم مكانا للاستراحة أو أردتم زيارة المعالم الثقافية-التاريخية والتعرف على الحياة في القرية فإن سورتشين أصغر بلدية بلغرادية هي المكان الذي ينبغي أن تزوروه.
وفي الختام يمكن أن نقول إن بلغراد تزداد قربا منا لتصبح ملاذا آمنا بحيث يمكن للزائر اليها التمتع بالطبيعة والجمال والاسترخاء على طريقة أهالي فويفودينا !!



زرت بلغراد عاصمة صربيا الجميلة , تلك المدينة الودودة التي ترحب بزوارها وتمنحهم الحب والامان , واكتشفت في بلغراد التي زرتها للمرة الاولي مع الاتحاد للطيران مطلع اغسطس 2013 كل بواطن الجمال في تلك المدينة البلقانية الاخاذة , وتمنيت طول الاقامة فيها علي عكس مدن اخري كنت اشعر فيها بالوحشة واختصر برنامج الرحلة واعود الي مدينتي الحبيبة ابوظبي .
في صيف بلغراد يتصل النهار بالليل وتتجمل المدينة ليلا وترحب بزوارها في امسيات الصيف الطويلة بالموسيقي والورود والاسترخاء علي ضفاف انهارها / الدانوب وسافا / في تلك الحدائق الرومانسية .
كثيرون يعرفون ان بلغراد كانت عاصمة يوغوسلافيا السابقة وهي اليوم عاصمة صربيا تتمتع بالكثير من الجمال الذي يمكنها تقديمه للسياح المغامرين، و تلبي احتياجات كل أنواع الزوار، من هواة التاريخ الذين يرغبون في استكشاف تاريخها الأثري الكبير، إلى محبي الاحتفال .
تعد بلغراد وجهة مثالية للباحثين عن عطلة في المدينة، إلا أنك إذا تجولت أكثر في صربيا فستجد بلدًا لم يمسسها أحد، ولازالت بعيدة تمامًا عن مسار السياحة، كما أنها منخفضة التكلفة أيضًا، خاصةً حين يتعلق الأمر بالطعام والشراب،
ركبت سيارة التاكسي من فندق حياة حيث اقمت في العاصمة وتوجهت الي قلبها النابض بالحياة , حيث هناك ميدان الجمهورية ويعرف باسم ريببليكا سكوير وسط العاصمة , هناك تتلاقي ابتسامات الاحبة ونظرات العاشقين , ويتلقي الزوار مع احد معالم المدينة الجميلة الذي تتفرع منه شوارع مخصصة للمشي علي الاقدام بلاسيارات وهناك المقاهي والاستراحات التي يحلو فيها الجلوس وتناول المرطبات والمشروبات باسعار زهيدة .
لم تعجبني كثيرا منطقة "نيو بلغراد" التي يقع فيها مكاتب الحكومة والشركات و المعمار الذي يعود إلى الحقبة الشيوعية، وهي منطقة بنيت بعد الحرب العالمية الثانية،
احببت المدينة القديمة كثيرا ومشيت اليها علي قدماي عبر جسر يمر فوق نهر سافا، الذي يحدد النقطة التي تبدأ عندها أوروبا الجنوبية الشرقية والبلقان. كما توجد في مناطق ناطحات السحاب شوارع مليئة بالمباني المشهوبة، وتظل بقايا المباني التي قصفها الناتو في عام1999موجودة كتذكرة بالماضي القريب،
وقلت لزملائي انني ربما لن اعود الي الفندق لتناول العشاء معكم فقد سئمت طعام الفنادق الفاخرة والاجتماعات وودت ان اترك العنان لنفسي كي اتنفس هواء بلغراد واتجول في شوارعها فهي مدينة عالمية مليئة بالمطاعم والحانات والمعارض، ولم اشعر بالملل اطلاقا وانا اتجول في شارع "كنيز ميخيلوفا"، حيث توجد بعض أشهر المباني في بلغراد، ويؤدي الشارع مباشرة إلى حصن كاليميغدان والحديقة، ويطل حصن كاليميغدان على إلتقاء نهري سافا والدانوب، كما أن بها إطلالة مميزة على "نيو بلغراد" وجزيرة "أدا سينغاليغا" الخضراء .
كما توجد بالقرب منها شوارع حي سكادارليغا البوهيمي التاريخية، وهو الحي الذي يعد موطنًا للفنانين والشعراء وتمتليء تلك الشوارع بأقدم مطاعم المدينة التي ظلت موجودة لقرنين.
إنه حي رائع جدا يمكن للزائر التمتع فيه بالتجول مساءًا، ثم تناول وجبة على أنغام موسيقى "الستاروغرادسكا" التقليدية الحية، و تتمتع بلغراد بمجموعة ضخمة من النوادي والحانات، وتجذب النوادي النهرية الراسية دائمًا والمتناثرة على ضفاف نهري سافا والدانوب الشباب في نهاية الأسبوع، ويعلو صوت الموسيقى في تلك البوارج الممتعة حتى الفجر. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين لا يحبون الرقص طوال الليل فهناك الكثير من الحانات لتناول مشروب صربيا القومي "راكيا".
لقد تناولنا العشاء مع رئيسة هيئة السياحة في بلغراد بحضور زملاء اعلاميين في احد المطاعم سكادارليغا , كان عشاء لايوصف فهو اشبه بالاطباق التركية والشرقية وقالت لنا رئيسة الهيئة ان المطبخ الصربي وفي بلغراد تحديدا متاثر الي حد كبير بالمطبخ التركي نظرا لوقوع المدينة تحت السيطرة العثمانية لفترة طويلة من الزمن .
الحياة الليلية في بلغراد رائعة جدا ولاتنسي لدي كل من يزورها فهي نابضة بالحياة ليلا ، حيث تستمر عدّة حانات ونوادي ليلية مفتوحة للعموم حتى ساعات الفجر الأولى، ومن أبرز معالم الحياة الليلية في بلغراد، وهناك شوارع خاصة بمقاهي العشاق وطلاب الرومانسية تسودها اجواد الهدوء حيث تحلو الجلسات الطويلة تحت الاضواء الخافتة .
ويقال ان بلغراد هي صاحبة لقب ثاني افضل مدينة في الحياة الليلية في العالم بعد نيويورك وهي خامس مدينة في العالم الاكثر امنا , اذ لاتوجد فيها الجريمة المنظمة او العنف , اذ يجد الزائر فيها ملاذا للهدوء والاستقرار والشعور بالحياة الرغدة باقل الاسعار .
كثيرون يأتون الي بلغراد لقضاء عطلتهم الأسبوعية والاستمتاع بحياتها الليلية عوض تلك الخاصة بمدنهم الأم، ويعود ذلك لعدّة أسباب، منها شهرة الملاهي الليلية والحانات البلغرادية، وأسعار المشروبات المنخفضة ، وعدم وجود حاجز لغوي اذ ان الغالبية العظمي من اهل المدينة يتحدثون الانجليزية بطلاقة علي عكس كل شعوب بلاد البلقان المجاورة .
واذكر مرة انني قرأت تقريرا في صحيفة التايمز البريطانية مفاده ان افضل حياة ليلية صاخبة في اوروبا هي تلك الخاصة بمدينة بلغراد , واكتشفت بعد مرور سنوات علي قرائي للتقرير انها هي حقا كذلك ولاتنازعها اية مدينة اخري في اوروبا في الحصول علي هذا اللقب عن جدارة !
في اليوم التالي للزيارة عدت مرة اخري الي شارع إسكدارليا ، وهذه المنطقة الشاعرية ومحيطها الجميل تتميز بأفضل المطاعم التقليدية في بلغراد وأقدمها، والتي تعود أيضًا لأواخر القرن التاسع عشر ، وكل مطعم له شرفة وفي كل شرفة تصدح الموسيقي المحلية وكانها ترحب بالزائر الغريب الذي يتلمس طريقه نحو الجمال .
وقلت في نفسي يجب ان اضع برنامجا افضل لرحلتي القادمة الي بلغراد !
بلجراد تعد واحدة من أقدم مدن أوروبا على الإطلاق إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الثالث قبل الميلاد على يد قبائل كلتية قبل أن تصبح مستعمرة رومانية تدعى باسم سينجيدنم .
كانت عاصمة لصربيا منذ عام 1404 م وعاصمة ليوغسلافيا بين عامي 1918 و 2003 م. كانت بلغراد آخر بقعة مسيحية دانت للمسلمين العثمانيين في البلقان وكان ذلك في القرن .
خلفية تاريخية
يحتل القسم الجنوبي لمدينة بلغراد، بموقعه الجغرافي، نهاية امتداد الجبال الصربية، ويمتد قسمها الشمالي فوق سهول الدانوب الوسطى، لذلك فإن ارتفاعها الوسطي عن سطح البحر يراوح بين 200 و500م. ونتيجة لذلك، ولسيطرة المناخ القاري المعتدل، وتوافر الترب السطحية الخصبة في الظهير الجغرافي الزراعي لمدينة بلغراد، وهطل كمية أمطار تراوح سنوياً بين (500-1000مم)، انتشرت زراعة الحبوب والشوندر السكري وتربية الماشية في شمالها، وزراعة العنب والأشجار المثمرة والتبغ وتربية الماشية في جنوبها.
إن موقع مدينة بلغراد على نهر الدانوب، الذي يعد ثاني أطول نهر في أوربة، جعلها نقطة وصل مهمة بين دول أوربة والبحر الأسود والشرق الأوسط، ومحطة على الطرق المهمة المعترضة في جنوب شرقي أوربة، بين إقليم الجبال والبحر الأدرياتي غرباً وجنوباً غربياً، فيمر منها الطريق الدولية والخط الحديدي الذي يصل وسط أوربة بمدينة صوفية واصطنبول وأثينة شرقاً. وبسبب هذا الموقع المهم فقد تعددت الدول الطامعة في احتلالها، إذ تعرضت للغزو والهدم والحرق مرات كثيرة.
نشأت المدينة التي عُثر فيها على آثار من العصر الحجري، حول حصن قديم أقامه الكلتيون في القرن الرابع قبل الميلاد، وعُرف لدى الرومانالذين احتلوا المنطقة في القرن الثاني قبل الميلاد، باسم سينغيدونومSingidunum، وصار ميناءً تجارياً مهماً على نهر الدانوب أيام الحكم الروماني.
غزاها الهون وخربوها في أواسط القرن الخامس الميلادي، ثم تناوب على امتلاكها السرماتيون والقوط قبل أن يستعيدها الامبراطور البيزنطي جستنيان. غزتها قبائل السلاف والآفار والبلغار وصار اسمها في القرن التاسع سلاف بلغراد، وأصبحت في القرن الحادي عشر مدينة بيزنطية محصنة، ثم استولى الصرب عليها عام 1284، وجعل منها اصطفان لازارفيتش Lazareviç عاصمة صربية عام 1402.
احتلها الأتراك العثمانيون عام 1512 وبقيت في أيديهم ما يزيد على ثلاثة قرون ونصف (ماعدا مدة خضوعها للسيطرة النمسوية) وكانت تعد مركزاً تجارياً وحربياً مهماً في ممتلكات الامبراطورية العثمانية الأوربية.
وفي عام 1806، أصبحت عاصمة لمملكة الصرب، التي نالت استقلالها التام عام 1878، وتحررت أراضيها من الاحتلال العثماني، إبان الحروب البلقانية (1912- 1913)، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت مدينة بلغراد عاصمة دولة اتحادية تضم مملكة الصربوالكروات وسلوفينية. وفي عام 1929، تحولت إلى عاصمة جمهورية يوغوسلافية الاتحادية الاشتراكية، وقد تعرضت للهجوم الألماني إبانالحرب العالمية الثانية وتم احتلالها، ثم تحررت بمساعدة الجيش السوفييتي. ونتيجة الحرب الأهلية الداخلية التي نشبت في عام 1991، تحولت إلى عاصمة إقليمية لجمهورية صربية. وقد تعرضت لتدمير الكثير من منشآتها الحيوية نتيجة الغارات الجوية وقصفها من قبل قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) إبان أزمة كوسوفو في ربيع عام 1999.
تقع مدينة بلجراد على الجانب الأيمن لنهر الدانوب عند التقائه بنهر سافاSave، وتعد من المدن الكبرى في شبه جزيرة البلقان بعد مدينتي أثينا وصوفيا، ومن أكبر المراكز الصناعية في جمهورية صربيا، وتقع في أكثف أقاليمها سكاناً، ويتكلم سكانها اللغة الصربية التي تدخل ضمن أسرة اللغات السلافية.
وقد حاصر العثمانيون بلجراد ثلاث مرات : سنة 1441م و1456م و1492م لكنهم لم يستطيعوا الاستيلاء عليها إلا في عهد سليمان القانوني ، ففي 4 من رمضان 927 هـ الموافق 8 من أغسطس 1521م نجح السلطان العثماني في فتح مدينة بلجراد التي كانت تعد مفتاح أوروبا الوسطى وصاحبة أقوى قلعة على الحدود المجرية العثمانية.
خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذت بلغراد تنمو باضطراد في ظل الحكم الشيوعي، حتى أصبحت مركزًا صناعيًا مهمًا في أوروباوالعالم أجمع. وفي سنة 1958م، افتتحت أوّل محطة تلفازية في المدينة وأخذت تبث برامجها اليومية، وفي سنة 1961م، عقدت دول عدم الانحياز مؤتمرها في المدينة برئاسة تيتو، وفي سنة 1968محدثت عدّة مظاهرات طلاّبية منددة بحكم الأخير، فوقع عدد من الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة في الشوارع. كانت بلغراد مركز المنطقة الموبوئة بآخر موجات الجدري في أوروبا سنة 1972م، الذي تمكنت السلطات المعنيّة من احتوائه بحلول أواخر شهر مايو من ذلك العام بفضل اتباعها إجراءات شملت الحجر الصحي القسري والتطعيمالشامل.
في التاسع من مارس سنة 1991م، قامت مظاهرات في بلغراد يقودها ڤوك دراسكوڤيتش، منددة بنظام حكم الرئيس سلوبودان ميلوسيڤيتش،
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم نزلت الدبابات إلى الشوارع لتفريق الناس وإعادة الهدوء إلى الأحياء.
قامت مظاهرات أخرى في بلغراد في شهر نوفمبر من عام 1996مواستمرت حتى شهر فبراير من عام 1997م، وقد طالب فيها المتظاهرون باستقالة الحكومة وتنحي الرئيس ميلوسيڤيتش بعد أن تبين أن له ضلعًا في تزوير الانتخابات المحلية.
كان من نتيجة هذه المظاهرات أن اعتلى رئيس البلدية زوران جينجيتشمنصب رئاسة الحكومة، وبهذا أصبح أول رئيس بلدية بلغرادي منذالحرب العالمية الثانية يصل لهذا المنصب دون أن يكون عضوًا في رابطة الشيوعيين في يوغوسلاڤيا، أو فرعها الرئيسي وهو الحزب الاشتراكي الصربي.
خلّف قصف قوّات حلف شمال الأطلسي لبلغراد خلال حرب كوسوڤوسنة 1999م، خلّف أضرارًا كبيرة في المدينة، وكان من ضمن المواقع التي قُصفت عدّة مبان شكّلت مقرّات لوزارات مختلفة، بالإضافة لمبنى الإذاعة والتلفاز في صربيا، الأمر الذي نجم عنه مصرع 16 تقنيًا، وعدد من المستشفيات، وفندق يوغوسلاڤيا، ومبنى اللجنة المركزية، وبرج آڤلا، والسفارة الصينية. عادت بلغراد لتصبح مسرحًا لمظاهرات جديدة سنة 2000م، وذلك بعد الانتخابات الرئيسية التي شهدتها البلاد، فخرج أكثر من نصف مليون شخص إلى الشارع، الأمر الذي نجم عنهخلع الرئيس ميلوسيڤيتش.
كاتدرائية القديس ساڤا
زرت كاتدرائية القديس ساڤا وهي كنيسة أرثوذكسية كبرى تُعتبر أكبرالكاتدرائيات في البلقان وإحدى أكبر الكنائس في العالم، وهي مُكرسة للقديس ساڤا مؤسس الكنيسة الصربية الأرثوذكسية. بُنيت الكاتدرائية على هضبة فراتجار، وهي تظهر للناظر من مختلف مواقع المدينة، مما يجعلها معلمًا هامًا من معالمها. يُطلق على هذه الكنيسة اسم "كاتدرائية" على الرغم من أنها ليست مركزًا لبطريركية الصرب الأرثوذكس، وإنما بسبب حجمها الكبير وأهميتها، حتى أن البلغراديون أنفسهم يسمونها "حرم"، وهو اسم آخر للكنيسة في الأرثوذكسية الشرقية ,
لقد بدأ العمل في تلك الكنيسة عام 1935 ومازال مستمرا حتي اليوم لتوفقه في فترات تاريخية اما لسبب الحروب او نقص المال اللازم لمواصلة البناء والتشيد .
ويُعتبر المتحف الوطني الصربي، الي شيد عام 1833 ميلادية ، أبرز المتاحف في بلغراد، وهو يحوي ما يزيد عن 5600 لوحة فنية و 8400 مخطوطة، موزعة على عدد كبير من المعارض، وبعض هذه الأعمال الفنية يُعتبر من التحف الباهظة التي لا يوجد لها مثيل , كذلك هناك المتحف الإثنوغرافي الذي افتتح عام 1901 .وهو يحوي أكثر من 150,000 قطعة حرفية تُبيّن نمط الحياة المدني والريفي في البلقان .
وتعتبر بلغراد اليوم مركزاً سياحياً يحتضن الموسيقى والرياضة والهندسة المعمارية والفنون والنشاطات الثقافية مثل مهرجان بلغراد السينمائي، مهرجان بلغراد للمسرح، معرض بلغراد للكتاب، لتغدوا المدينة بأنماطها المعمارية التي تتراوح بين السوفياتي و القوطية واحدة من المدن الأكثر إثارة للاهتمام في أوروبا.
إذا كنتم من محبي المشي لمسافات طويلة أو ركوب الدراجات أو ركوب الخيل والتمتع بقضاء الإجازة على نهر أو الملاحة النهرية وإذا طلبتم مكانا للاستراحة أو أردتم زيارة المعالم الثقافية-التاريخية والتعرف على الحياة في القرية فإن سورتشين أصغر بلدية بلغرادية هي المكان الذي ينبغي أن تزوروه.
وفي الختام يمكن أن نقول إن بلغراد تزداد قربا منا لتصبح ملاذا آمنا بحيث يمكن للزائر اليها التمتع بالطبيعة والجمال والاسترخاء على طريقة أهالي فويفودينا !!





التعليقات