صلة الارحام ورمضان

صلة الارحام ورمضان
رام الله - دنيا الوطن
فتاوى وصلتنا من دار الافتاء الفلسطينية برام الله ..

22- في حِقبةِ الابتلاء الاقتصادي الذي يَلُفـُّنا لوحظ أنَّ كثيراً من الناس قد توقـَّف عن صِلَةِ رَحِمِهِ؛ تـَحَرُّجاً مِما يُمكن أن يُتـَّهم به من البُخلِ، فهل تتوقف صِلَة ُ الرَّحِمِ علىٰ الهدايا التي يصحبونها معهم في الزيارة؟ وكيف يُمكن أن تكون الصِّلة في هذه الـحالة؟

الجواب: فيمكن تلخيص أهم أحكام صلة الرَّحم في الآتي:

أولاً حكم صلة الأرحام:

صلة الأرحام واجبة، وقطيعتها محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿...وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]؛ أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وعن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها]، ولولا أن صلة الأرحام واجبة لما كان قاطعُها محروماً من دخول الجنة.

ثانياً ثواب صلة الأرحام، وإثم قطعها:

جاء ذلك في كثير من النصوص، منها:

1ـ البَسطُ في رزق الواصل، وإطالة ُعُمره؛ فعن أنس، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق]، والمراد ببسـط الرزق: توسِعَتـُه وكثرتـُه، أو البـركة فيـه، وأما قوله "وينسأ له في أثره" ففيه أكثرُ من تأويل، أرجحها وأقربها إلى القبول؛ إذ المراد به البركة في العمر، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقات الواصل بـما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.

2ـ الواصلُ موصولٌ برحمة الله، وعطفِه وإحسانه، والقاطعُ محرومٌ من ذلك؛ فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؛ قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ؛ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله].

3ـ تعجيلُ ثوابِ الواصل، وعقوبةِ القاطع، في الدنيا؛ فعن أبي بكرة، رضي الله عنه، قال: إنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ، مِثْلُ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن البغي، وصححه الألباني].

ثالثاً كيفية صلة الأرحام:

(1) إن صلة الأرحام تعني تعظيم شأنها، ويكون ذلك بالبرِّ بهم، والإحسان إليهم؛ بالقول والفعل والـمال وغيره؛ فيكون بالكلمة الطيبة، وطلاقة الوجه، والدعاء لهم، وبتفقـُد أحوالهم، ومدِّ يد العون إليهم، وبدفع الشر والأذى عنهم، وبـما يُدخل السرور إلى قلوبهم، وبـما يعتبـرونه دليلاً على مودتهم وصلتهم، وبإعطائهم حقوقهم وميراثهم، وبالـجملة فإنها تكون بإيصال ما أمكن من الـخير، ودفع ما أمكن من الشر، وإنَّ قطيعة الرَّحم تكون بفعل أضداد ذلك.

(2) وليس شرطاً في الصلة أن تكون ببذل الـمال وتقديـم الهدايا، ويـنبغي على الأقارب أن يعذر بعضهم بعضاً عند العُسرة، وضيق الـحال، ولا يـجوز لأحدٍ أن يـمتنع عن صلة رحمه بسبب قلة ما في يده، كما لا يـجوز للـموصول حالئذٍ أن يتسخَّط؛ فيؤدي ذلك إلى نفور النفس، وفتور العلاقات.

(3) ومن كمال صلة الرَّحم أن يبادر الواصلُ قريبَهُ بِبِرِّه وإحسانه؛ فيقوم بصلته وإن قـَصَّرَ في حقه؛ لقوله، صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ].

رابعاً أقسام الأرحام:

القسم الأول رحمٌ مَحْرَمٌ: وهو كل مَنْ لو فرضناه رجلاً، والآخَرَ أنثى؛ لم يَحِلَّ لهما الزواج من بعضهما؛ كالأصول والفروع، والإخوة والأخوات وأبنائهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ووالد الزوجة ووالدتها، ووالد الزوج ووالدته، وزوجة الأب، وزوجة الابن، والأم الـمُرضِعة وزوجها، والإخوة والأخوات من الرضاع، وهكـذا...وهؤلاء تكون صِلـَتـُهم واجبةً، وقطيعتـُهم مُحَرَّمةً.

والقسم الثاني رَحِمٌ غيرُ مَحْرَم: وهم الأقارب الذين يَحِلُّ التزاوج بينهم؛ كأولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والـخالات، وأولادِهم؛ ذكـوراً وإناثاً... وهؤلاء تـُستـحبُّ صِلتـُهم، وتـُكرَه قطيعَتـُهم.

خامساً درجات الأرحـام:

ذكر العلماء أن الأرحام مراتبُ ودرجاتٌ، في وجوب صلتهم بالـمال والهدايا وما فيه كُلفة؛ فهم ليسوا في درجة واحدة؛ بل يتقدم بعضهم على بعض عند التزاحم؛ أي في حالة عجز القريب أن يَسَعَ بِبِرِّهِ وإحسانه أقاربه جميعهم؛ فينبغي عندئذٍ أن يُقَدِّم الأوْلى فالأولى من أقاربه في ذلك؛ فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: أن رجلاً سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به]؛ أي ثـم الأقرب فالأقرب؛ فتقدَّمُ الأمُّ في البِرِّ، ثـم الأب، ولو كانا كافِرَينِ، ثـم الأولاد، ثـم الأجداد والـجدات، ثـم الإخوة والأخوات، وهكذا...يتقدَّمُ بعضُهـم على بعض، ويتقدم ذو الرحم الـمَحْرَمِ على ذي الرحم غير الـمَحْرَمِ، والله تعالى أعلم.

التعليقات