إحنا الشباب الفلسطينيه بنطيش على شبر ميّه ، هيك بتقول الظاهرة العسافيه

إحنا الشباب الفلسطينيه بنطيش على شبر ميّه ، هيك بتقول الظاهرة العسافيه
كتب : زياد مشهور مبسلط – دنيا الوطن حصريا ً

حقيقة لاأدري ، هل حزننا وهمومنا ومصائبنا تجعلنا نتعلق بأي خبر نرى فيه تنفيسا ً عن الهم والغم ، ولحظة فرح نسرقها من الزمن ؟

أم أننا وصلنا لمرحلة الإكتئاب المزمن من واقعنا المرير لنوجه بوصلتنا لأمور أخرى نهرب من خلالها للأمام طواعية لنغطي رؤوسنا بالرمل كالنعامة فيرانا الجميع ولانرى أنفسنا ؟

أم أننا نمارس لعبة تعويض عن خسائر حقيقية لنعيش نجاحا ً مبالغا ً فيه لدرجة التضخيم والإنفجار؟

أم أن عاطفتنا الفلسطينية التي جعلتنا ننحاز للحزب والفصيل والقريب والعشيرة دون تفكير منطقي أو محاكمة موضوعية عقلانية للذات خلقت فينا هذه الهبة الجماهيرية والمتابعة الحثيثة لأدق تفاصيل حدث معين لايقّدم ولا يؤخر في مسيرة هذا الشعب على أرض واقعه البالغ التعقيد ؟؟


***

أعتقد جازما ً أن كل هذه السيناريوهات والقراءات الأولية جاءت مجتمعة في ذاتنا الفلسطينية لتشكل العقل الجمعي الفلسطيني للسواد الأعظم من بناة مستقبلنا وأملنا الواعد ؛ ألا وهم الشباب الفلسطيني .

نعم ، أكرر للمرة المليون ، أننا نفرح لكل مواطن فلسطيني يحقق تميزا ً وحضوراً داخل فلسطين وخارجها ، وبأي شكل من الأشكال الإبداعية سواء أكان الإبداع أدبيا أو فكريا ً أو ثقافيا ً أو رياضيا ً أو فنيا ً أو علميا ً .. الخ ، لكن أن نضخم فرحنا وإهتمامنا لدرجة تفوق حجم الحدث ، هنا نضع ألف علامة إستفهام على مستوى تفكيرنا وعقليتنا وحصيلة تجاربنا وتاريخنا النضالي الطويل بما يتخلله من صمود ومواجهات ومعاناة وعذابات .

أقولها بكل صراحة دون مجاملة أو مواربة ، أصبح عقلنا الجمعي الشبابي الفلسطيني لايرقى لمستوى التعاطي مع الأمور بواقعيتها ودلالاتها وإستحقاقاتها ، ويأتي الإعلام الفلسطيني متناغما ً ومنسجما ً مع هذا التعاطي بغض النظر إن كان موجها ً ومدروسا ً لتغيير بوصلة هذا الشعب نحو أمور أخرى أو يجاري مايريده الجمهور .

***

ومن هنا ، فليغضب من يغضب وليشتم من يشتم ، طالما لايملك أداة فكرية منطقية عقلانية للحوار ، أعلنها بكل مرارة أن شبابنا الفلسطيني - أساس البناء والعطاء - في غالبيته لايحمل الهم الوطني بعقله وفكره وتفكيره ، بل ينصب جل اهتمامه على إهتمامات حياتية لاتميزه عن غيره من شباب البلاد الأخرى ؛ لكنك أيها الشاب الفلسطيني لاتملك قسطك الجامعي ، ولاتملك أيها الخريج فرصة عمل ، ولاتملك أيها الشاب حرية الحركة والحياة الكريمة لأنك تعيش في ظل الإحتلال والقهر والعذاب والمعاناة ، فأنت حقا ً مختلف بكل تفاصيلك .

وإستنادا ً لهذه الفرضية لابل الحقيقة المريرة تنامت الظاهرة العسافية وتعاظمت لدرجة أننا بتنا نتابع كل سكنات وحركات وتحركات الفنان / محمد عساف لنعرف قصة حبّه ، لحظة خروجه من الفندق في غزة وتلويحه للجماهير المحتشدة والنزول اليهم ومصافحتهم ، الفريق الإستشاري الطبي الذي عاين حالته الصحية حال وصوله لغزة ، تغيير مسار موكبه لأسباب أمنيه ، مدى تأثير الحقنة على إستقراره ونومه ، لون سيارة المرسيدس المخصصة له في دبي وجنسيات وأعداد افراد حرسه الخاص ومرافقيه ، وقيمة بيته في دبي ، وهل باع سيارته التي فاز بها أو تبرع بها للاجئين الفلسطينيين ، إستقبال سفارة وقنصلية فلسطين والمجلس الإقتصادي الفلسطيني له في دبي .

اللهم لاحسد ، وأتمنى أن يكون لكل مواطن فلسطيني سيارة مرسيدس وفيلا وحرس خاص بحيث يصاب شعبنا بالملل من رفاهية العيش ورغده ، وتنحصر ، حينها ، همومنا في إختيار لون المرسيدس ، ودهان الفيلا ، وجنسيات الحرس الخاص وأعدادهم ومن أي دولة اوروبية سنجلب الأثاث ، والكآبة من زيارة كل دول العالم ، وإنتظار صعود مركبة سياحية للقمر والمريخ يكون على متنها أبناء شعبنا العظيم .

على ماذا نحسد ..... ؟؟؟؟

أقسم بالله العظيم ، لو تحققت لكل أبناء شعبنا هذه الأحلام الوردية منذ اللحظة ، فإنه سيحتاج ربما لسنين كي يتأهل لإستيعاب الواقع الجديد من كثرة التراكمات الحزينة وإرهاصات الهموم والعذابات في مخزون ذاكرته .

وعلى ضوء هذه الأمنية الوردية الحالمة ، لاأخفيكم إحساسي أن محمد عساف يتعرض لعملية غسل دماغ تسلخه عن واقعه الفلسطيني الذي نعرفه جميعا ً لتأهيله لعطاء فني إستثماري تجاري لأن هذا الشاب يملك حنجرة ذهبية رائعة قادرة على أداء كل الوان الغناء الطربي والجبلي والوطني والرومانسي القديم والمعاصر ، لكن عملية غسل الدماغ – لو تحققت - لن تسمح لصوت فلسطين أن يخرج من حنجرة إبنها المبدع .

وربما ينبري هنا أصحاب الشتائم والتفكير السطحي تحت شعار : أيها الحاقدون الحاسدون دعوا هذا الشاب يشق طريقه ويعيش حياته ، وإذهبوا أنتم أيها الكاذبون المنافقون وحرروا فلسطين .

نعم ، معكم حق أيها المشككون ، لأنكم تعلمون أن عساف في نهاية المطاف فنان يغني ويبدع ، وربما يعيش بفنه لذاته ومصلحته ، وأنا أتفق معكم بذلك ، ونحن أيضا متفقون – والحال هكذا - على أننا قمنا بتضخيم الحدث أكبر مما يستحق ؛ فإن غنى عساف للوطن على مستوى العالم العربي ، فهذا واجبه تجاه الشعب الذي صوّت له ودعمه ، وإن لم يغني لفلسطين وسار في ركب الفن الدارج ، فهذا حقه الشخصي ، وبالتالي ، وفي كلا الحالتين ، نحن أمام ظاهرة مطرب .

***

وهكذا ، وبعد أن عشنا ومازلنا هذه الظاهرة العسافية الغنائية ، أما آن الأوان ، ونحن بأوج حماسنا وتفاعلنا وإنفعالنا وهيجاننا ، أن نشخذ همننا من خلال شبابنا الفلسطيني ، خريج الجامعات والمعاهد وصانع التغيير عبر تاريخ الشعوب والأمم ، ونخلق ظاهرة مماثلة ، ولكن بعقلانية وتفكير وتخطيط ، نسميها ظاهرة الإنتصار للأسرى وللأقصى .... ؟؟

وأخيرا ً ، أستحلفكم بالله ، لوكان هناك مؤسسة دولية ترعى شئون أسرى فلسطين ، وتحتاج من شعبنا الفلسطيني ارسال رسالة عبر الهاتف الجوال تعلن التضامن مع الأسرى ، فكم صوت سيناله أسراكم ، وكم رجل أعمال وبنك ومؤسسة ستدعم هذا التوجه .

لو قمنا بحملة مناصرة الأقصى من خلال توجيه رسائل جوال للعالم الإسلامي وأحرار العالم ، كم من رسالة سنبعثها وكم من مؤسسة وبنك ورجل أعمال سينضم لهذه الحملة ؟؟؟؟

ياشباب فلسطين ، أقسم أنكم بناة هذا الوطن وأمله ، فلا تجعلوا السطحية والإنفعالية سيد الموقف .

زياد مشهور مبسلط

كاتب وشاعر وروائي وباحث فلسطيني

مؤسس مبادرة المثقفين العرب لنصرة فلسطين وفاق

التعليقات