حلمي الزواتي : الاغتصاب خلال الحرب ظاهرة دخيلة على المجتمعين العربي و المسلم

حلمي الزواتي : الاغتصاب خلال الحرب ظاهرة دخيلة على المجتمعين العربي و المسلم
رام الله - دنيا الوطن
بمشاركة نخبة من أساتذة القانون الدولي، و الناشطين الحقوقيين، و الإعلاميين، و العاملين في سلك القضاء الكندي و الدولي، عقد في الثامن من شباط/فبراير الماضي في كلية القانون بجامعة تورنتو الكندية المؤتمر الدولي الأول عن الفظائع الجنسية التي ارتكبت خلال الحرب الأخيرة في ليبيا و كذلك الحرب الدائرة حاليا في سورية تحت عنوان: "العنف الجنسي خلال النزاعات الأخيرة في ليبيا و سورية: تحديات حماية الضحايا و ملاحقة المعتدين". الدكتور حلمي الزواتي، صاحب فكرة المؤتمر و عضو اللجنة التحضيرية له رحب في مستهل حديثه بالحضور وتناول في ورقته التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في ليبيا لمعاقبة مرتكبي الجرائم الجنسية في الحرب الليبية الأخيرة. و أكد على أن الجرائم الجنسية ارتكبت من قبل طرفي النزاع: كتائب القذافي و مليشيات الثوار. ارتكبت كتائب القذافي الاغتصاب كسلاح سياسي في المعركة ضد المدنيين في المدن الثائرة، و خاصة مصراته و أجدابيا و الزاوية، و ذلك لتمزيق البنية الأساسية للمجتمع الليبي المعارض. كما استخدمه الثوار بنسبة أقل كنوع من أنواع الثأر خلال الحرب، ولانتزاع المعلومات ممن ألقي القبض عليهم من مقاتلي القذافي و مواليه.

 

كما أشار الدكتور الزواتي إلى أن نظام العدالة الليبي الحالي غير مؤهل لإنصاف الضحايا و توفير محاكمات عادلة للمذنبين حيث لم يقم المشرع الليبي حتى الآن بإدخال الجرائم الدولية الواردة في ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية في القانون الجنائي الليبي. كما أن المادة الرابعة من القانون رقم 38 الذي صدر خلال الفترة الانتقالية، و الذي يعفي الثوار من أية مسؤولية جنائية عما ارتكبوه من جرائم خلال الحرب أو بعدها، لا يساهم أبدا في تحقيق العدالة الجنائية في ليبيا، وسيترك لذوي الضحايا أخذ حقوقهم بيدهم مما يقوض الأمنين السلمي و الاجتماعي في ليبيا و يدخلها في فوضى عارمة. و أنهى الدكتور الزواتي حديثه بالتوجه الى الحكومة الليبية الانتقالية بضرورة لجم مليشيات الثوار و دمجهم في الجيش الوطني الليبي، و إغلاق مراكز الاعتقال التي يديرونها و التي لا تتوفر فيها أدنى حدود التعامل الإنساني مع المعتقلين، و كذلك تأسيس دولة القانون بإلغاء المادة الرابعة من القانون رقم 38 و بالقضاء على ظاهرة الفرار من العقاب، و تحقيق المصالحة الاجتماعية بين كل مكونات الشعب الليبي و قبائله، و إنشاء محكمة خاصة  مختلطة على غرار محكمتي سيراليون و كامبوديا لمحاكمة مجرمي الحرب من الطرفين.

و على هامش المؤتمر التقت مجلة الحقوق الدكتور الزواتي فكان هذا الحوار:

أشرت في مقالك "المرأة الليبية و الموت الخفي: العنف الجنسي كجريمة ضد الإنسانية خلال الحرب الأهلية الليبية الأخيرة"، و المنشور حديثا في مجلة نيوجيرسي للدراسات القانونية، إلى أن الاغتصاب سلاح استراتيجي بل سلاح دمار شامل في الحروب لتمزيق نسيج المجتمعات المتحاربة، خاصة إذا كانت هذه المجتمعات تقيم وزنا كبيرا لعفة المرأة. تأريخيا استخدم هذا النوع من العنف في تسعينات القرن الماضي في الحروب الأهلية في أوروبا الشرقية في أعقاب الحرب الباردة وامتد على مساحة جغرافية واسعة لتصل الى الصحراء الإفريقية. ترى ما هي الأسباب الكامنة وراء استخدام هذا السلاح؟

شكرا لك! هذا سؤال مهم. و ربما يكون من المناسب في البداية، و قبل الإجابة عن هذا السؤال، أن أشير إلى أن فكرة انعقاد هذا المؤتمر الذي يناقش تحديات استخدام العنف الجنسي خلال الحروب الأهلية الأخيرة في ليبيا و سورية قد انبثقت من هذا المقال. و بهذا الخصوص أود أن أوجه التحية للسيدة رينو ماندين، مديرة البرنامج الدولي لحقوق الانسان في كلية القانون بجامعة تورنتو، و التي بذلت وفريق عملها جهدا مضنيا خلال الأشهر العشرة الماضية من أجل حمل فكرة المؤتمر الى حيز الوجود.

عودة الى سؤالك! وكما أوضحت في أبحاث منشورة سابقة، فإن الاغتصاب ظاهرة صاحبت الحروب منذ فجر التأريخ للترفيه عن المقاتلين و لإعلان الانتصار على العدو باغتصاب نسائه و إظهار فشله في حمايتهن. و لكنه استخدم لأول مرة كسلاح سياسي و أداة من أدوات الإبادة العرقية وإبادة الجنس البشري في حروب تفكيك يوغسلافيا السابقة و حرب الإبادة الجماعية في رواندا في منتصف تسعينات القرن الماضي. و بصفة عامة، فقد اعتدي على النساء خلال الحروب الأهلية و الإقليمية، و وقعن ضحايا الاغتصاب في منازلهن و أمام عوائلهن و في الأماكن العامة و مخيمات اللجوء بناء على انتماءاتهن الدينية و العرقية و الوطنية. لقد أظهرت الدراسات و الأبحاث الأكاديمية الحديثة تباين دوافع المغتصبين للاعتداء على نساء خصومهم. و على سبيل المثال، فقد اعتدى الجنود الروس على النساء الألمانيات خلال الحرب العالمية الثانية انتقاما للنساء الروسيات اللواتي اغتصبن من قبل الجيش النازي. ولكن الروس أنفسهم اغتصبوا النساء المسلمات في شيشنيا لإذلال المجتمع الشيشاني المسلم الذي يقدر عاليا شرف المرأة و نقاءها. ومن جهة أخرى اعتدى الجنود الأمريكيون على النساء الفلبينيات في الحرب العالمية الثانية و كذلك على النساء العراقيات بعد احتلال العراق في مطلع الألفية الثالثة بسبب الإحباط و الحقد و الكراهية التي يكنها هؤلاء الجنود للشعبين الفلبيني و العراقي. وفي حرب تفكيك يوغسلافيا السابقة استخدمه الصرب كأداة من أدوات حرب الإبادة العرقية لتهجير مسلمي البوسنة و كوسوفو من قراهم و مدنهم و إرهابهم و عدم تمكينهم من العودة إليها مستقبلا. و استخدم حديثا في الحرب الأهلية الليبية و خلال الحرب الدائرة في سورية لعدة أهداف: استخدمته القوات الحكومية و أتباعها من المجموعات المسلحة على نطاق واسع لإذلال المجتمعات المعارضة لأنظمة الحكم و إحداث تصدعات في المجتمع يصعب رأبها، و استخدمه الثوار أو هددوا باستخدامه بوتيرة أقل كنوع من الثأر لأعراضهم المنتهكة و لانتزاع المعلومات خلال التحقيقات مع من يقع في أيديهم من جنود النظام أو مجموعاته المسلحة.

كما نوَّهتَ سابقا في كتابك "هل الجهادُ حربٌ عادلة؟: الحربُ و السلامُ و حقوقُ الإنسان تحتَ الشريعةِ الاسلاميةِ و القانون الدولي"، فإن القانون الإسلامي يحرم الإساءة لضحايا الاغتصاب و يشجع الشباب المسلم على الزواج منهن و إحسان معاملتهن، إلا أن السؤال المحير يبقى قائما و هو لماذا تتعرض تلك الضحايا للقتل بدافع الشرف في بلاد العرب و المسلمين، أو يُطردن من بيوتهن و يرفضهن المجتمع، على أحسن تقدير،  في حين أنهن ضحايا تم الاعتداء عليهن رغما عنهن؟ ثم  ما هي الأساليب الأكثر عدلا و إنسانية والتي على المجتمعات اتباعها في التعامل مع هؤلاء الضحايا؟

الاغتصاب خلال النزاعات المسلحة ظاهرة غريبة على المجتمع العربي و المسلم. للأسف، إن اغتصاب المرأة العربية يعني الحكم عليها بالإعدام المؤكد بدنيا و اجتماعيا و نفسيا. و لذا فهي عرضة للقتل بدافع الحفاظ على شرف العائلة، أو الهجر و الطرد من المجتمع، و كأن شرف العائلة و مسؤولية الحفاظ عليه منوطة بالمرأة دون الرجل الذي قام بجريمة الاغتصاب. ربما تُقتل النساء من قبل أوليائهن (الأب، الأخ، الزوج) أو ربما يرتكبن جريمة الانتحار كخطوة وقائية أو استباقية لئلا يُغتصبن. لقد ذكرت التقارير الواردة من داخل سورية أن رجلا اطلق النار على ابنتيه و زوجته عندما هاجمتهم مجموعة من المسلحين المناصرين للقوات الحكومية (الشبيحة) خوفا من تعرضهن للاغتصاب. وفي مشهد مأساوي آخر وثقته منظمة أطباء من أجل حقوق الانسان، وهي منظمة أهلية أمريكية، أن ثلاث شقيقات، تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة و السابعة عشرة، قد ذبحهن والدهن في وقت لاحق، بعدما تعرضن للاغتصاب من قبل مقاتلي القذافي ومرتزقته في مدرسة تقع في إحدى ضواحي مدينة مصراتة، لاعتقاده أن اغتصابهن قد ثلم شرف العائلة وجلب الخزي و العار للأسرة. وكما أشارت الدكتورة سهام سيرقيوة، طبيبة نفسية ليبية في مستشفى بنغازي، إلى أن 50% تقريبا من النساء المتزوجات المغتصبات قد طُلقن، و 15% هجرهن أزواجهن، و 20% تركن ليبيا الى المجهول، و ما تبقى قُتِلنَ من قبل أوليائهن أو انتحرن. و هذا ما حصل تماما للنساء المسلمات في البوسنة و كوسوفو في تسعينات القرن الماضي عندما تعرضن للاغتصاب المنظم على يد القوات الصربية. إن إساءة معاملة الضحايا يشكل اعتداء آخر عليهن، ليس من المغتصبين، و لكن من قبل الأهل الذين لم يستوعبوا الصدمة و عاقبوا الضحية في مخالفة واضحة للشرع الإسلامي و لكل القيم الإنسانية النبيلة.

في الواقع هناك فجوة كبيرة بين العادات و القيم الاجتماعية من جهة، وبين تعاليم الدين الاسلامي من جهة أخرى. إن القانون الاسلامي قد جرم الاغتصاب في حالتي السلم و الحرب قبل 1400 سنة من وضع اتفاقات جنيف الأربع و مواثيق محاكم يوغسلافيا السابقة، و رواندا، و سيراليون، و كذلك ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، حيث اعتبر الحق في الحياة و منع التعذيب و المعاملة غير الإنسانية أهم أحد الحقوق المحمية بالحدود، وهي عقوبات محددة من قبل الله تعالى و لا يحق للقاضي التدخل للتخفيف منها أو إلغائها، وخاصة جريمة الاغتصاب. و عليه فإن أي مقاتل مسلم لا يلتزم بقواعد الاشتباك التي حددها الشرع الاسلامي مع العدو، وخاصة ارتكاب جريمة الاغتصاب، فإنه يعرض نفسه إلى عقوبة الرجم بالحجارة حتى الموت أو عقوبة الجلد، و هذا يتوقف على فداحة الجريمة و على حالة الجاني الاجتماعية إن كان محصنا أم لا. إن من الأهمية بمكان أن نشير الى أن كثيرا من البلاد العربية و الإسلامية التي نصت دساتيرها على أن الدين الاسلامي هو مصدر التشريع في الدولة قد فشلت تماما في تطبيق هذا الادعاء، و لهذا لم تُنصف الضحايا في معظم الحالات.


دعوتك غير المسبوقة لاعتبار ضحايا الاغتصاب في ليبيا و سورية على أنهن جرحى حرب و ليس مجرد أرقام مخجلة تجلب العار لأسرهن يساهم كثيرا في تحقيق العدالة الانتقالية و التصدي لظاهرة الإفلات من العقاب، حيث يصبح لدى الضحايا الجرأة الكافية للكشف عن الجرائم التي ارتكبت بحقهن دون الشعور بالخزي الذي عادة ما يصاحب هذه الجرائم. كيف ترى صدى هذه الدعوة على الضحايا أنفسهن و على عملية علاجهن و إعادة تأهيلهن في المجتمع؟

دعوتي لاعتبار ضحايا الاغتصاب في كل من ليبيا و سورية كجرحى حرب انبثقت من مفهموم جديد أبلوره حاليا عن دور وصمة العار المصاحبة لجريمة الاغتصاب في الحؤول دون تحقيق العدالة. حقيقة، لقد ظل شعور الضحايا بالخزي و العار مُعَوِّقا لتحقيق العدالة و ملاحقة المجرمين لسنوات طويلة. وفي الوقت الذي تعاني فيه الضحايا من الاحباط و عدم القدرة على البوح بالمعاناة، و الجرأة على التقدم للحصول على الرعاية الصحية و النفسية و الاجتماعية، بقي المجرمون طلقاء خارج نطاق العدالة، مما عزز ثقافة الإفلات من العقاب و زاد في تكرار حدوث هذه الجريمة البشعة. و لذلك، أشرت في مقالي المذكورأعلاه الى أن على الحكومة الليبية الجديدة أن تعترف بحقوق النساء الليبيات المغتصبات، و تعلنهن بطلات وطنيات، استهدفن في أعز ما يملكن خلال معركة الشعب الليبي للتخلص من حكم شمولي دام اثنتين و أربعين سنة.  كما ينبغي اعتبار ضحايا الاغتصاب، سواء كانوا رجالا أم نساء، جرحى حرب بدلاً من مجرد ضحايا للعنف الجنسي. كما أن على الحكومة الليبية أن تنشئ مراكز رعاية اجتماعية و طبية خاصة للاعتناء بالضحايا، تديرها اختصاصيات مدربات تدريبا جيدا، نظراً لأن الضحايا يترددن عادة في التحدث إلى أطباء رجال في مثل هذه الحالات. أخيرا، على الحكومة أيضا تأهيل القضاء الليبي للبت في جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، سيما جرائم العنف الجنسي خلال الحرب، و تشكيل فرق قانونية مدربة تتولى جمع المعلومات و الأدلة الخاصة بجرائم الاغتصاب، و ذلك ضمن لجان تقصي جرائم الحرب التي ارتكبت في ليبيا خلال الحرب الأخيرة، و كذلك بث الوعي القانوني و الشعور بضرورة تطبيق العدالة بين المواطنين الليبيين للمساعدة في التوصل الى المجرمين وتقديمهم للعدالة، سواء أمام المحاكم الليبية المختصة أو المحكمة الجنائية الدولية رغم عدالتها الانتقائية.

خلال السنوات القليلة الماضية نصت مجموعة من المواثيق و القرارات  الدولية على منع الاغتصاب و تجريمه خلال النزاعات المسلحة، و أخص بالذكر قرارات مجلس الأمن الدولي رقم 1325، 1820، و 1888. ترى ما هي العوائق الرئيسة لتطبيق هذه القرارات؟ و ما هي الوسائل الأكثر فعالية للتخلص منها؟ لقد تم إدراج الاغتصاب تحت بند جرائم ضد الإنسانية في مواثيق معظم المحاكم الجنائية الدولية و التي أنشئت في تسعينات القرن الماضي، فإلى أي مدى يؤثر هذا التصنيف على تطبيق قرارات مجلس الأمن المشار إليها أعلاه؟

من وجهة نظر قانونية محضة، لم يعتبر الاغتصاب جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب قبل إنشاء محكمتي يوغسلافيا السابقة و رواندا عامي 1993 و 1994 على التوالي. كما أن مواثيق إنشاء المحاكم العسكرية في نيرومبرغ و طوكيو بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية قد استبعدت جريمة الاغتصاب من جرائم ضد الإنسانية رغم وروده في قانون رقم 10، و مع ذلك لم يحاكم أحد على ارتكاب هذه الجريمة تحت هذا القانون. كما أشرنا قبل قليل إلى أن مجلس الأمن الدولي قد أدرك حديثا ضرورة تجريم هذا الفعل الشائن من خلال تبنيه عدة قرارات منها قرار رقم 1325، 1820، 1888، 1889 و التي تدعو أطراف النزاعات إلى اتخاذ إجراءات خاصة لحماية النساء من جرائم العنف الجنسي. في الحقيقة، لقد صنف القرار رقم 1820 الاغتصاب، ولأول مرة التأريخ، كخطر يهدد الأمن و السلم الدوليين.

على أية حال، على الرغم من الإيقاع العالي للغة التي صيغت بها القوانين المذكورة أعلاه، فقد تعاظمت وتيرة جرائم الاغتصاب في النزاعات المحلية و الإقليمية خلال السنوات القليلة الماضية. أعتقد أن هذا يعود لعدة أسباب أهمها عدم تطبيق هذه القوانين بصورة حقيقية وعادلة، غموض وتجريد القوانين ذات الصلة في مواثيق المحاكم الجنائية الدولية، و السبب الآخر هو سيادة القرارات السياسية على القوانين الدولية. مثال صارخ على هذا العجز هو فشل المجتمع الدولي بإحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية تحت البند السابع لجلب مجرمي الحرب من طرفي النزاع إلى العدالة. و كذلك فشل مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية فشلا ذريعا في البدء بتحقيق حول هذه الجرائم تحت المادتين 13 و 15 من ميثاق روما الخاص بالمحكمة، والتي تجيز له ذلك.

الأسوأ من ذلك كله هو تشجيع ثقافة الإفلات من العقاب التي تبنتها المنظمة الدولية نتيجة هيمنة القوى العظمى عليها و التحكم بقراراتها المهمة، و منها قرار مجلس الأمن رقم 1487 لعام 2003 و الذي أعفى الجنود الأمريكيين المشاركين ضمن القوة الدولية العاملة في العراق من المساءلة القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية عن أية جرائم يرتكبونها خلال وجودهم في العراق. النتيجة كانت صادمة؛ جرائم  اغتصاب بشعة في سجن أبوغريب، في الأماكن العامة، وفي منازل الضحايا خلال حملات المداهمة و التفتيش، و لعل أبرزها حادثة اغتصاب الطفلة عبير قاسم الجنابي ذات الأربعة عشر عاما في المحمودية جنوب بغداد، ثم قتلها و والديها و شقيقتها الصغرى و إحراق جثثهم.

من الناحية النظرية، فإن قدرة القانون على تنطيم سلوك الجماعات و الأفراد مرهون بمدى النتائج الناجمة عن فهم و تطبيق هذا القانون على أرض الواقع. في نظريتك عن التوصيف العادل (fair labelling) و تحديات تجريم الجرائم الجنسية أمام المحاكم الجنائية الدولية خلصتَ إلى أن التوصيف العادل مهم جدا لبلوغ محاكمات عادلة أمام هذه المحاكم. إلى أي مدى ترى أهمية إعادة تصنيف و تعريف الجرائم الجنسية حسب هذه النطرية في القوانين الوطنية للدول، و ما مدى تأثيرها  في معاقبة الجناة أمام محاكم محلية ذات اختصاص عالمي؟

في العقدين الأخيرين أو نحو ذلك، حقق نظام العدالة الجنائية الدولية تقدما كبيرا من خلال اعترافه بعدد من الجرائم الجنسية التي أهملت لسنوات طويلة، و كذلك من خلال إنشائه عددا من الهيئات القضائية المتخصصة و المحاكم الجنائية الدولية. و على الرغم من الإنجازات القانونية والتطورات الهائلة في هذه  المحاكم إلا أنها فشلت بشكل مستمر في معاقبة الجرائم الجنسية التي ارتكبت خلال النزاعات المسلحة في تسعينات القرن الماضي في كل من يوغوسلافيا السابقة، رواندا، وسيراليون، و الكنغو. إن التجريد وعدم وجود وصف دقيق لهذه الجرائم ينتهك نظرية التوصيف العادل، و يؤدي إلى أحكام لا توازن بين العقوبة و الجريمة، كما يشكل عائقا أمام العدالة. إن دراسة الأحكام الصادرة عن المحاكم أعلاه يكشف أن الجرائم الجنسية كانت، ولا تزال، تحظى بمحاكمات غير عادلة، و أن كثيرا من المتهمين قد بُرِّئوا  من التهم المنسوبة إليهم لعدم وجود أدلة لا يرقى إليها الشك أو  تم سحب التهم بعد اتفاقات مساومة بين المتهمين والادعاء العام.

إن نظرة فاحصة لسجلات محكمة رواندا، على سبيل المثال، يجد المرء أن ما يقرب من ثلاثين في المائة من التهم المقدمة أمام هذه المحكمة قد شملت الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، وأن ثلث المتهمين قد أدينوا وبُرِّئ الثلثان الآخران، ويرجع ذلك إلى فشل مدعي عام المحكمة بتقديم أدلة لا يرقى إليها الشك. وعلاوة على ذلك، كانت هناك أحكام أخرى بالبراءة من الاغتصاب في المحكمة، إما بسبب فشل النيابة في تلبية أعباء الإثبات المطلوبة أو إلى حقيقة أن المدعي العام قد بادر إلى سحب دعاوي الاغتصاب والعنف الجنسي من لوائح الاتهام الأصلي. على أية حال، إن إدراج الجرائم الجنسية الواردة في نظام روما الأساسي في القوانين الجنائية المحلية يساعد في تقديم الجناة إلى العدالة وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. و على الرغم من أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يتضمن أحكاما تطالب الدول صراحة على أن تدرج مبدأ الولاية القضائية العالمية على الجرائم المذكورة في المواد 6-8  من الميثاق في القوانين الجنائية المحلية للدول، فإنه يشير إلى أن من واجب كل دولة أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية على أولئك المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية، و أخص بالذكر جرائم العنف الجنسي.

التعليقات