هيكل: مؤتمر نصرة سوريا أشعرنى أن مصر فى القرن الـ18.. ومرسى لا يملك قطع العلاقات مع دمشق

رام الله - دنيا الوطن
عندما تتلبد غيوم السياسة، وتتعقد الأمور فى الوطن، يكون الحوار مع الأستاذ ملاذاً لفهم الواقع والتنبؤ بالمستقبل، ففى هذه الحلقة الاستثنائية من حلقات الحوار الممتد الذى تجريه الإعلامية لميس الحديدى منذ بداية العام فى الفترات الحرجة «مصر أين وإلى أين؟» مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، على شاشة الـ«سى بى سى»، يقرأ «الأستاذ» الأزمة، قائلاً: إن مهمة أى رئيس الحفاظ على الوحدة الوطنية ومياه النيل باعتبارهما الركن الركين فى الأمن القومى المصرى، فى هذا الحوار قيّم الأستاذ أداء الرئيس محمد مرسى لأزمة مياه النيل التى وصفها بالارتجال الذى أخرج مصر من أفريقيا. وأكد أن شهر يونيو الحالى شهد 3 كوارث كفيلة بإسقاط أى نظام، تمثلت فى اجتماع «مرسى» بعدد من السياسيين حول أزمة سد النهضة، ومؤتمر القوى الوطنية حول أزمة النيل ومؤتمر «نصرة سوريا».

وطالب محمد بديع، مرشد تنظيم الإخوان، بالخروج والاعتذار للشعب والاعتراف بأنهم تنظيم ليس له علاقة بالسياسة والانسحاب من المشهد.

* المشهد الراهن مرتبك فوضوى.. كيف ترى هذا المشهد بعد اقتراب عام على عهد الدكتور مرسى؟

- بأمانة شديدة، شهر يونيو الحالى يعتبر شهراً كاشفاً وخطيراً فى تاريخ هذا البلد وهذا النظام، وهناك 3 كوارث وقعت على مدار 3 أسابيع متلاحقة، كل واحدة منها تكفى لإسقاط نظام بمفردها، كانت البداية فى الأسبوع الأول من الشهر الحالى، بمؤتمر الحوار الوطنى لمناقشة أزمة النيل الذى أذيع على الهواء، وعندما شاهدته حزنت وأحبطت، وعندما جاء الأسبوع الثانى، فوجئنا بالمؤتمر الذى عقد بقصر المؤتمرات حول قصر النيل الذى بدأ بأغنية عن النيل وهذا غريب، ولا أعلم لماذا اختيرت هذه الأغنية، وانتهى المؤتمر بأن كل الخيارات مفتوحة، ولا أعلم لماذا استعار قصيدة ليس لها علاقة بالنيل وكان الأحرى أن يستعين بقصيدة لا تخطئها عين، وهى قصيدة أحمد شوقى الشهيرة عن النيل التى غنتها «أم كلثوم» وهى «أيها النيل»، بدلاً من استخدام قصيدة لا تمت للموضوع بصلة، وأرى أنه اجتماع غريب انتهى بعبارة غريبة، وهى أن كل الاحتمالات مفتوحة، وهى عبارة لا يملك أن يقولها ولا يملك أحد فى العالم أن يقولها، ثم جاء الاجتماع الثالث تجاوز فيه الرئيس الخط المسموح.

* هل هناك خطوط مسموح بها لأى رئيس؟

- هناك عدة مسائل، أولاها أنه لا يملك أى رئيس أن يتجاوز حدود الأمن القومى المصرى، والأمن القومى لأى بلد محدد باستمرار بالجغرافيا والتاريخ أو بالممارسات المتبعة التى لا يملك فرد أو نظام حتى أن يغير فيها، والأمن القومى المصرى يستند إلى الوجود فى سوريا والعلاقة بها لا تقبل المناقشة، وإذا خرجت من سوريا وفقدت التأثير على الوضع فى سوريا، ستخرج مصر من آسيا بالكامل، إضافة إلى انحسارنا فى أفريقيا، وأرى أنه اتخذ قراراً يخالف القرار الاستراتيجى المصرى يتعلق بالأمن القومى المصرى.

* قطع العلاقات مع سوريا؟

- لا يملك الرئيس أن يخرج مصر من سوريا، ومن أغرب الأمور التى حدثت أن الدولتين الكبار اجتمعتا، ومندوب الجامعة العربية فى الأمم المتحدة قال لا حل لهذا الصراع الدائر فى سوريا سوى تدخل القوتين، وهذا موقف متشابك ولا أريد الولوج فيه بالتفصيل لكن الموضوع عند القوتين أفضى إلى أمور هامة، أولاً أن هناك مفاوضات وهناك حل سلمى، وليس ثمة مناقشات فى شىء غير ذلك، إضافة إلى مؤتمر «جنيف2»، وأن هناك محاولة تدخل وأنه يجب أولاً أن يتوقف الاقتتال هناك، ما حدث فى تركيا والمشهد السورى يضع لنا صورة عامة بأن الأزمة السورية ستحل أو على الأقل فى طريقها للحل.

* هل حاول ربما إرضاء الأمريكان؟

- ما قيل لى إنه حاول إرضاء أطراف نفطية تصور أنها بإمكانها أن تساعده.

- هل تقصد قطر؟

- قطر أو السعودية أو غيرهما، على أى حال القرار الاستراتيجى المصرى، خاصة إذا اتصل بالأمن القومى، لا يملكه رئيس الجمهورية، ولا يمكن أن يكون موضعاً لصفقة مهما كانت الأمور، وقيل لى إنه يحاول إرضاء السلفيين وهو شىء غريب جداً، قم بإرضاءالسلفيين كما تشاء، لكن ليس فى مثل هذه الأمور، ويكفى أن المشهد العام للمؤتمر جعلنى أشعر وأن القرن الـ18 أطل من شاشات التليفزيون على الرغم من أننا فى القرن القرن الـ21.

* كيف قرأت دعوته للجهاد؟

- شىء لا يُتصور، وأنا أريد أن أحيله إلى ما قاله «أوباما» من تصريحات مؤخراً بأنه لا يريد أن تجد الولايات المتحدة الأمريكية ولا يستعد أن يجدها فى صراع بين السنة والشيعة فى العالم الإسلامى، وعندما يتلفظ رئيس جمهورية بلفظة «النظام الرافضى» فهذه كارثة، وأنا أتصور فى ضوء ذلك أن إيران قوة فى المنطقة يجب أن يحسب حسابها، سواء أردت أن تكون صديقاً لها أم عدواً، وعليك وأنت ترسم السياسة أن تأخذ أموراً فى اعتبارك، أولاً أن تحدد الأطراف اللاعبة فى المنطقة، ثم تقرر ماذا تريد أن تفعل، وسأذكر لكِ قصة كيف يدار الأمن القومى للبلاد؟ كنت فى زيارة للبيت الأبيض فى عهد الرئيس «كيندى» وكنت مع مستشار الأمن القومى الخاص به جورج باندى، ودخل «كيندى» وعرض علىّ أن أشرب سيجاراً، وكنت لا أحب هذا النوع، وهو سيجار فلوريدا، وحدث ذلك معى مراراً وتكراراً، فما كان منى إلا أن أخرجت السيجار الخاص بى، وبمجرد أن أشعلته انتفض «كيندى»، وقال لى «كوبى» فقلت نعم، قال أطئفه لو اشتُمت رائحته فى المكان ووصل إلى الخارج قد يفرض الكونجرس سحب الثقة منى، لأن كوبا دولة عليها عقوبات وعليها حصار، وأنا أذكر المثال هنا لأكشف لكِ كيف تكون الحسابات.

* من يسائل الرئيس إذن؟

- هذه مسألة مهمة جداً وأنا أرى أننا فى موقف خطير جداً، وأرى أن الرئيس تصرف تصرفات خاطئة وعليه أن يراجع نفسه، فقراره يختلف مع قواعد الأمن القومى المستقر عليها، فهو ليس قراراً عادياً يمكن التغاضى عنه، فقد عزلنا عن آسيا وجعل مصر محاصرة فى أفريقيا، وأود أن أشير إلى أن قراراته متناقضة فهو من دعاة رفض التدخل الأجنبى فى سوريا، ومع ذلك يطلب فرض حظر على الطيران الجوى الذى لن يتحقق إلا بضرب الدفاعات الأرضية لسوريا، أنت أمام مشهد جديد أنت وضعته ورسمته وستستمر هذه التداعيات.

«مرسى» عزلنا عن آسيا وجعلنا محاصرين بالمشكلات فى أفريقيا

* من يحكم مصر؟

- «مرسى» قادم من حزب الحرية والعدالة، وتنظيم الإخوان، وهو جاء رئيساً وبدعمهم وبأموالهم، وإذا لم يكن هناك من يحاسب أو من يراجع أو يعدل فهناك أمر خطير.

* هل يحاسبه محمد بديع مرشد التنظيم؟

- كنت أريد ما هو أكثر منذ لك، وهم أخبرونى فيما مفاده أنهم اكتشفوا أنهم تورطوا فى الحكم ولم يكن لهم فيه، وقلت هذا جيد، إذن ماذا لو خرج المرشد وقال ولا أجد فى ذلك غضاضة، ولأن «مرسى» منهم، وهم المرجعية، ماذا لو قال الدكتور بديع: «اكتشفنا أننا أهل فكر ومبادئ لكننا لسنا أهل سياسة»، ونحن سوف ننسحب من المشهد كله، فمن الممكن أن نتركه لحق التجريب وحق المعرفة والتعلم لكن لا يمكن أن نترك اختراق الأمن القومى المصرى إما أن نصحح أو نعتذر عنه أو يساءل عنه؟

* هل تنصح «مرسى» أن يتنازل ليس فقط عن هذه القرارات بل وعن الحكم؟

- أنا واحد من الناس التى تفرق دائماً، خاصة فى ضوء التطورات الأخيرة، بين «الشعبية» و«الشرعية»، فالشعبية بطبيعتها تتـأرجح صعوداً وهبوطاً، وهى لا تؤثر فى الشرعية لأنه يحاسب عليها فى نهاية المدة، لكن المشكلة أن الذى حدث فى الأسابيع الثلاثة الماضية تجاوز كبير لدرجة لا يمكن معها أنه لا يمكن التساهل فيه، أو ورَدّه للتجربة والخطأ ما لم يصحح.

* هل تلك القرارات تهدد مستقبله؟

- أعتقد أنها تهدد مستقبل البلد أكثر مما تهدد مستقبله، وأنا أعتقد أن ما حدث فى هذه الأسابيع يهدد الدور المصرى والقيمة المصرية والقوة المصرية، وأعتقد أنه حتى الوجود المصرى.

* هل كان المؤتمر بالفعل لنصرة سوريا أم إنه كان للحشد الموجه للداخل؟

- فى كل الأحوال يكفينى جداً ما رأيت، وهو كان مهيناً جداً لهذا البلد ولتاريخه ولمستقبله، وفى كل الأحوال خارج الزمن وخارج السياق وخارج الضرورات وخارج الأمن القومى المصرى وهذا ما يعنينى.

* كيف رأيت وجود التيارات الجهادية فى المؤتمرين «النيل وسوريا»؟

- فى كل الأحوال، حتى فى تعيينات المحافظين الأخيرة، أرى أنه غلّب المصالح والرؤى الضيقة والمتخلفة على مستقبل ضرورى وفاعل لهذا البلد وبلا حساب أو تقدير، وهذا ما يفجعنى

* لا يمكن أن أنهى هذه الفقرة دون التعرض لتظاهرات 30 يونيو المرتقبة، هذه الطاقة من الشباب التى ظهرت فى مجموعة «تمرد» التى دعت إلى الانتخابات الرئاسية المبكرة وتلاحم الناس معها، كيف ترى ذلك؟

- أنا أرى أن كل الأطراف الموجودة فى الساحة إما حائرون من الموقف أو أقل قدرة من الموقف، الجزء الذى يسعدنى فى هذا المشهد هو الطاقة المتجددة لهذا الشباب، لأنه كان موجوداً فى 25 يناير وكان موجوداً فى الميادين، وكنت أتصور أن الروح خملت فى هذا البلد لكن الشباب أدهشنى جداً لأننى وجدت فيه طاقة متجددة وأفكاراً تلائم كل مرحلة، وأنا خائف جداً من عناصر الانفلات لأن الإخوان من الممكن أن تعمل حسابها والمؤسسات أيضاً وأنا آسف جداً أننى لن أستطيع أن ألوم انفلات الشارع ما دامت السلطة منفلتة تتخذ مثل هذه القرارات ومشهد الاجتماعات، فكيف أحزن على طفل أو ولد صغير يلقى الطوب على المبنى، وأنا أرى أحدهم يقوم بحرق البلد، وإذا أحببتى أن تتحدثى عن الانفلات، فالانفلات الحقيقى فى هذا البلد هو انفلات سلطة.

* كانت لك مقولة شهيرة بأن مسئولية أى حاكم مصرى هى الوحدة الوطنية والحفاظ على مياه النيل؟

- ليس لدى أى رئيس مهمة إلا هاتين القضيتين.

* هل تُحمل الرئيس مرسى مسئولياته فى ذلك؟

- أنا خائف جداً لأننا نواجه موقفاً فى غاية الصعوبة ولا أحب أن أستخدم هذه الاألفاظ والتعبيرات وأتمنى أن يقول أحدهم للرئيس أنت أمام شيئين، أنت أمام قضية كبيرة جداً لكن نزلت عليها أزمة طارئة، وأرجوك قبل أن تقارب القضية قم بحل الأزمة الطارئة، بمعنى أن لديك مشكلة مياه النيل التى عالجها «مبارك» بالإهمال، و«مرسى» يعالجها بالارتجال، وبين الإهمال والارتجال ثمة مصالح حيوية لهذا البلد حياة أو موت تضيع فأنت أمام أزمة محتقنة نظراً لإساءة التصرف مرات كثيرة جداً، وأزمة الدكتور مرسى أنه لم

التعليقات