فضيلة الشيخ سالم أحمد سلامة يشارك اليوم بمؤتمر لبيك يا قدس
رام الله - دنيا الوطن
شارك رئيس رابطة علماء فلسطين والنائب في المجلس التشريعي د. سالم سلامة بورقة عمل بعنوان: " مكانة القدس في القرآن والسنة وحكم التطبيع مع العدو الصهيوني " وذلك في مؤتمر" لبيك يا قدس " الذي تعقده وزارة الأوقاف
والشئون الدينية اليوم الثلاثاء 4/6/2013م في فندق الكومودور بمدينة غزة، وسط حضور حشد كبير من العلماء والدعاة ووزراء الحكومة ونواب المجلس التشريعي والأكاديميين وأساتذة الجامعات.
حيث قال د. سالم سلامة في ورقة العمل: " إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا ضال له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وعلى من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم القرار. وبعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وإن خير الهدي هدي محمد بن عب الله صلوات ربي وتسليماته وعليه وعلى آله وصحبه الكرام .
لقد خص الله سبحانه وتعالى أزماناً وأماكن بما لم يخص به غيرها، فخص الله سبحانه وتعالى الأشهر الحرم بما فيها يوم عرفة وأيام التشريق ، وشهر رمضان ، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، خص بعض الأماكن على وجه الأرض ، فخص البلدة الحرام مكة المكرمة ، وفيها الكعبة المشرفة فكانت أول بيت وضع للناس في الأرض كما قال سبحانه وتعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (آل عمران: 96-97 )، كما اختص بلاد الشآم فجعلها مباركة ، وبيت المقدس قلبها فجعلها مباركة مقدسة ، مبارك ما حولها ، كما كان بيت المقدس ثاني بيت وضع للناس في الأرض . " سئل النبي r عن أول بيت وضع للناس في الأرض ، فقال : البيت الحرام . قالوا : كم بينه وبين المسجد الأقصى المبارك ؟ قال : أربعون سنة ."
والمسجد الأقصى المبارك هو مسرى النبي r ، ومعراجه إلى السماوات العلى ، وفيه صلى حبيبنا المصطفى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إماماً ، وله من الميزات ما ليس لغيره . سأذكر بعضها :
قال تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1 وفي هذا دلالة على مسألة هامة. وهي أنّ بيت المقدس الذي صلى فيه رسول الله r إماماً للأنبياء هو مكان رباني يريد الله أنْ تتم فيه النبوات وتختتم بمحمد r . وهذا هو التحدي الرباني لكل من بعث الله لهم بأنبياء وجحدوهم وقتلوا بعضهم وانحرفوا عن عقيدتهم. فصلاة محمد r إماماً بالأنبياء تعني أن ديانة التوحيد سيقودها هذا النبي وأن المسجد الأقصى الذي هو مقدس رباني أولى بمحمد r وبمن آمن من المسلمين الموحدين الذين أناط الله بهم مسؤولية حماية بيته المقدس.
فوصف القرآن الكريم للبيت الحرام بالمسجد الحرام في سورة الإسراء مع أنه كان يعج ب 360 صنماً ، جاء إرهاصاً ربانياً بأنّ البيت الحرام سيحرّر من الأصنام ويعود مسجداً للموحّدين من جديد كما كان زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وإذا نظرنا أيضاً إلى وصف القرآن الكريم لبيت المقدس بالمسجد الأقصى مع أنه كان مهملاً ، بل كان مكاناً تلقى فيه النفايات والقاذورات ، رغم ذلك سماه مسجداً لأنّه إرهاص بأنّ هذا المكان المقدس سيحرّره المسلمون. وفعلاً تمّ تحرير بيت المقدس على أيدي المسلمين بعد وفاة رسول الله r بست سنوات في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب t .
وكل مقدس إلهي اتضح أمره في القرآن الكريم هو مقدس إسلامي، يخص كل منْ أمن بأنْ لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن انتقص هذا التقديس فإنه ينتقص بعضاً من شعائر الله ، وما من محب لله ورسوله إلا ويحذر أنْ يقع في هذه الحرمة الواضحة. فالقدس لله ولرسول الله ولأمة الإسلام الوارثة لميراث النبوة ، فرض على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها ويستشهد في سبيلها.
وقال تعالى في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء71
وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ }الأنبياء81. والأرض المباركة هي فلسطين أي ما حول المسجد الأقصى وذلك باتفاق الآراء.
وقال تعالى في قصة سبأ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ }سبأ18وهو ما كان بين مساكن سبأ في اليمن وبين قرى الشام من العمارة القديمة فباركنا فيها أي الشام ومنها القدس مركز البركة.
وقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ }* {وَطُورِ سِينِينَ }* {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } التين1-3. قال ابن عباس: التين بلاد الشام والزيتون بلاد فلسطين وطور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. والبلد الأمين مكة.
وقال تعالى: ({وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } المؤمنون50 . قال ابن عباس: هي بيت المقدس.
وهناك آيات أخرى فسّرها المفسرون على أنّها تدل على بلاد الشام بعامة التي منها بيت المقدس. (انظر سورة الأنبياء 105، ق41، النور 36، النحل17-18، الحديد 13).
فمكانة القدس والأرض المباركة في القرآن الكريم لا تقل أهمية عن مكانة البيت الحرام. ولهذا السبب كان المسجدان مرتبطين ارتباطاً وثيقاً. وقد فهم المسلمون الأوائل مسؤولية الدفاع عنهما والجهاد لأجل الحفاظ على قدسيتهما حتى يرث الله الأرض وما عليها.
وأما الأحاديث التي تحدثت عن مكانة المسجد الأقصى المبارك في السنة النبوية المشرفة كثيرة ، أذكر بعضاً منها :
- وعن ميمونة مولاة النبي r قالت يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس فقال : " أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قالت أرأيت من لم يطقْ أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال فليهد إليه زيتاً يسرج فيه فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه." (رواه أحمد 6/463 وابن ماجه 1/429) وهذا يدل على فضل العبادة والصلاة ببيت المقدس.
2- روى الإمام أحمد عن معقل بن أبي معقل الأسدي: أن رسول الله r نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط4/210. والقبلتان هما الكعبة والمسجد الأقصى.
3- عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو مخاصر فتى من قريش يزن بشرب الخمر. فقلت بلغني عنك حديث. أنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه. ثم قال عبد الله بن عمرو إني لا أحل لأحد أن يقول عليّ ما لم أقل. سمعت رسول الله r يقول: ..... الحديث المسند 2/176.
4- وجاء في الحديث: من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله ما تقدم من ذنبه (أو وجبت له الجنة) رواه أبو داود في سننه. وفي سنن ابن ماجه (من أهلّ بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب). وقد أحرم منه عمر بن الخطاب t وابنه عبد الله كما روي ذلك في الأنس الجليل الصفحة 146.
5- عن جابر أنّ رجلاً قال يا رسول الله أيّ الخلق أول دخولاً إلى الجنة؟ قال الأنبياء قال ثم من؟ قال الشهداء قال ثم من قال مؤذنو المسجد الحرام. قال ثم من ؟ قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي هذا قال ثم من؟ قال سائر المؤذنين على قدر أعمالهم. (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ص 148).
6- وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) قال البزار إسناده حسن (الفتح 3/67).
7- قال r : لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول r والمسجد الأقصى. وفي رواية أخرى: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي ."
فهاتان الروايتان من أهمّ الروايات وأدقها وهما تكفيان صحة الحديث. والحديث يدلّ على مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين. بل مكانة المسجد الأقصى في الشرع الإسلامي. وبالتالي يدلّ على منزلة المكان الذي بُنِي فيه المسجد الأقصى ومكانة ما حوله من الأصقاع لأنّ الله سبحانه وتعالى بارك فيها بنص القرآن الكريم فهو ثالث ثلاثة مساجد يضاعف فيها ثواب المسلم والقدس التي تضم المسجد الأقصى ثالثة ثلاث مدن هن أركان أمة الإسلام .
ولعلّ في حديث رسول الله r عن الإسراء من الإرشاد ما يكفينا من قول حول مكانة المسجد الأقصى.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أنّ رسول الله r قال: أتيت بالبراق –وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء –أي عند باب المسجد. ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة.
المسجد الأقصى القبلة الأولى:
روى البخاري عن البراء بن عازب أنّ النبي –r - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار وأنّه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت الحرام. وأنه صلى عند وصوله المدينة أول صلاة فيها صلاة العصر. وصلى معه قوم. فخرج رجل ممّن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله r قِبَلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت وكان اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل البيت المقدس. ولما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومن طريق أخرى عن البراء بن عازب كان رسول الله –r - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً. وكان رسول الله يحب أنْ يوجّه إلى الكعبة فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون). البقرة الآية 144. فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود – { مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }البقرة142.
وقد اختلف المفسّرون المسلمون اختلافاً بيّناً في تفسير قوله تعالى : {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }الإسراء5 ، فمنهم من قال إنّ الله سلط على بني إسرائيل جالوت وجنوده. ومنهم من قال إنّ نبوخذ نصر أو العمالقة أو سنحاريب أو أهل فارس والروم ومن قائل العرب.
كما رجح عند كثير من المفسرين أنّ اليهود أفسدوا بقتلهم أنبياءهم وأنّ نبوخذ نصر البابلي هو الذي قضى على علوهم وإفسادهم الأول. ثم أفسدوا ثانية بقتلهم زكريا ويحيى عليهما السلام وأن الرومان هم الذين قضوا على علوهم وإفسادهم الثاني.
ولو دقّقنا في الآيات الكريمة التسع من سورة الإسراء لوجدنا ضَعْفَ ما ذهب إليه بعض المفسرين . لا سيما إذا عدنا إلى دراسة طبيعة الصراع بين المسلمين واليهود على مر التاريخ. فالروايات التي رواها المفسرون لم تستندْ إلى رسول الله r . والواقع أن للمفسّرين عذرهم لأنّهم لم يتنبأوا بما ستؤول إليه الأمور من ضعفٍ للدولة الإسلامية وقيام كيان اليهود في فلسطين. فالمفسّرون لم يكونوا أمام واقعنا الحاضر من علوّ اليهود وإفسادهم في الأرض واستيلائهم من جديد على بيت المقدس ففسّروا الآيات بأن أحداثها قد وقعت.
وقد أشرنا إلى أنّ مكة لم تكنْ تحت حكم المسلمين وأنّ الكعبة لم تكنْ مسجداً يعبد فيه الله وحده سبحانه وتعالى، وإنما كانت بيتاً تقوم حوله الأصنام ويطوف به المشركون. ولم يكنْ هناك معبد داود وسليمان في دولة يهودا يعني مسجداً بالمعنى الإسلامي. إنّما كان المعبد معبداً يأكل بنو إسرائيل من حوله السحت ويعيثون فساداً بل يضعون فيه الأصنام ويبيعون فيه الحمام ويجتمع به اللصوص كما قال السيد المسيح في الإنجيل...
ولكن الله -عز وجل- تحدّث عن هذا الإسراء بأنّه انتقالٌ من مسجدٍ إلى مسجد تبشيراً للمسلمين بأنّ أمرهم سيعلو بحيث يصبح البلد الذي استضعفوا فيه وهانوا وحلت حرماتهم فيه مسجداً ودار أمن وسلام.
وحسب الرأي المنشور في مجلة الأزهر في تفسير آية {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا{ لا تنطبق هذه المرة تمام الانطباق إلا على الدور الذي قاموا به على عهد النبي وأصحابه وعاقبهم الله وسلّط عليهم فيه. ثم يقول هذه المرة هي المرة الأولى ولا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله r وذلك للأسباب التالية:
1- فهم أي أصحاب رسول الله r يستحقون شرف هذه النسبة (عباداً لنا) لأنهم الموحّدون أتباع عبده الذي ورد في أول السورة وهو الرسول الذي أسري به. أما أتباع نبوخذ نصر وسابور وسنحاريب فاضطربت فيهم الأقوال فقد كانوا عبّاد وثن ولا يستحقون شرف الاختصاص بالله في قوله عز وجل "عباداً لنا" .
2- وهم الذين وصفهم الله في كتابه أشداء على الكفار رحماء بينهم.
3- وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار.
أما أتباع بختنصر فقد ذكروا أنّه قتل منهم سبعين ألفاً وأنّه دخل بيت المقدس في أهله وسلب حليه. فهو اجتياح وليس جوساً. ويستمرّ رأي الأزهر على المنوال نفسه ليؤكد عنوان المقالة سورة الإسراء تقضي نهاية إسرائيل.
بعد ذلك نود أنْ نقول:
1- يعلو بنو إسرائيل في الأرض مرتين مصحوبتين بإفساد. ومن المؤكد أنّ العلو الذي عاشوه في ظلّ بعض رسلهم لم يصحبه إفساد.
2- ينتج عن هذا العلو والإفساد صراع ودمار وخراب في الوقت الذي يضع فيه القرآن بني إسرائيل طرفاً واضحاً وأكيداً في المرتين. فإنّه يؤكد أيضاً على وجود طرف آخر يتكرر نفسه في المرتين تماماً كما يتكرر بنو إسرائيل كطرف. وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطرف باسمه مرة واحدة في أول الآيات عباداً لنا ثم استمرت الإشارة إليه بضمير الغائب إلى آخر السياق تأكيداً على أنّه الطرف نفسه الذي يواجه بني إسرائيل في المرة الأولى فبعد قوله تعالى: (بعثنا عليكم عباداً لنا) تأتي الأفعال فجاسوا –رددنا –جعلنا. ثم تأتي الأفعال المضارعة في قوله يسؤوا –يدخلوا– يتبّروا. فالضمير محلّ فاعل أو مفعول يعود في جميع الأفعال الثلاثة الأخيرة يسؤوا– يدخلوا– يتبّروا عائد كما هو واضح على –عباد لنا– مما يؤكد أنها في الحالتين معركة بين طرفين فقط. الطرفين نفسهما– المسلمين واليهود.
3- من الواضح أنّ التفسيرات الأخرى تشير إلى مواجهة بني إسرائيل لأكثر من قومٍ فمرة نبوخذ نصر ومرة سنحاريب. ومرة الروم. ومرة الفرس. وحتى العرب. وهذا يغاير ما اقتضته الآيات من أنّ المواجهة بين طرفين يتكرّران في المرتين بمعنى إذا كان صراع المرة الأولى مع الفرس أو الروم فصراع المرة الثانية يجب أن يكون معهم.
4- لم يَعِد الله سبحانه لليهود الكرّة لا على بختنصر ولا سنحاريب ولا الروم ولا الفرس ولم يجعلهم الله أكثر نفيراً من هؤلاء (فالآيات تشير إلى أنّ اليهود يصبحون أكثر نفيراً وما كان اليهود أكثر نفيراً من الروم والبابليين. أمّا الآن فقد استطاعوا أنْ يستنفروا كل أمم الأرض ولم يكنْ اليهود في يومٍ ما أكثر نفيراً وناصراً منهم اليوم ولم يتمتعْ اليهود في تاريخهم بمثل ما يتمتعون به اليوم.
5- لقد ردّ الله الكرة لبني إسرائيل على المسلمين والعرب كما هو واضح منذ سقوط القدس وقيام كيانهم واستمرار علوهم وإفسادهم.
6- إن فعل الانبعاث الوارد في مطلع الآيات يحمل من الدلالات والمعاني ما ينبغي الوقوف عنده، فالفعل هنا يحمل إيحاء الرضا ، والرضا لا يكون من الله على الوثنيين والمشركين وإنّما يكون على المؤمنين وقد جاءت كلمة بعثنا في القرآن الكريم سبع مرات كان الفاعل فيها جميعاً هو الله وكان المفعول به أي المبعوثين هم الأنبياء والمؤمنون الصالحون.
وتؤكد الرؤية الإسلامية موقفها هذا من تفسير سورة الإسراء على ضوء بعض الآيات القرآنية الأخرى التي تؤكد انتصار المسلمين على اليهود وكذلك بعض أحاديث رسول الله r وقد مر معنا بعضها.
يقول رسول الله r : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود. صحيح البخاري ج3 من كتاب الجهاد والسير.
يقول تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }الإسراء104
ويقول تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأعراف167
وقوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الأعراف168
وعندما نعود إلى قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }الإسراء7
نرى أنّ هذا وعدٌ من الله للمؤمنين عباده بالنصر على اليهود وتحرير المسجد الأقصى تحريراً مؤزراً ينتهي بتدمير ما علا من بني إسرائيل تدميراً مطلقاً كاملاً.
لقد دخل الخليفة عمر بن الخطاب t بيت المقدس صلحاً وقد جاس المسلمون ديار بيت المقدس دون أنْ يقتل شخصٌ أو يدمّر شيء. وذهب إلى الصخرة التي عرج منها رسول الله r فنظّفها ومعه القادة المسلمون ثم أمر ببناء مسجد قبة الصخرة ، إضافة لاهتمامه البالغ بمكان المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله –r - بالأنبياء.
لقد فرح المسلمون حين فتح عمر بن الخطاب t بيت المقدس وكان فرحهم يضاهي فرحهم بفتح مكة لأنّ ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى قضية قرآنية تعلو فوق كل ما هو وضعي. إنها آية من آيات القرآن الكريم التي تمتلئ بالأسرار الإلهية والإرادة الربانية.
حان الوقت كي تنهض الأمة من رقادها وتسير على خطى عبد الله بن رواحة وجعفر وزيد على خطى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة وخالد وصلاح الدين رضي الله عنهم أجمعيهن . على خطى هؤلاء الشهداء الذين سطروا بدمائهم أروع صفحات الجهاد المقدس على أرض فلسطين المباركة ومسجدها الأقصى المبارك.
حان الوقت لندرك أنّ الله سبحانه وتعالى ما ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى إلا ليقول لنا انفروا أيها المسلمون لتحرّروا مقدسات الإسلام من فساد الوثنية ومن موبقات الزناة وقتلة الأنبياء. حان الوقت لنلبّي نداء رسول الله r ونصلّي في الحرم القدسي الشريف لننال الثواب والأجر.
حان الوقت كي يعرف العدو قبل الصديق أنّ مسرى نبينا محمد r هو مكان لكل موحّد على وجه الأرض. لكلّ من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. حان الوقت لنعيد صلتنا العقدية بالمسجد الأقصى ونؤكد للعالم أنه ما ضاع حق وراءه مطالب. فالأقصى لكم والأرض المباركة حقكم. إنها الأرض العربية المسلمة الإسلامية. لا يجوز لنا أنْ نهاب الأعداء ونحن الذين وهبنا أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا لله -عز وجل- فلماذا نأتي من أندونيسيا والصين وأنغوشيا من السنغال ونيجيريا وجنوب إفريقيا من أمريكا وأوروبا وأستراليا، أليست تلبية لنداء الله. أليس استكمالاً لأركان إسلامنا. ولتكن نفرتنا اليوم لتحرير مقدسات المسلين من براثن الصهاينة .
التطبيع مع الاحتلال وحكمه:
التطبيع يعني قيام دول أو مؤسساتها أو أشخاصها في تنفيذ مشاريع تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية، في غياب استتباب السلام العادل، وذلك إخلالاً بالموقف السياسي التاريخي لتلك الدول والقائل بأن مقاطعة الدول العربية لإسرائيل يجب أن تستمر حتى يتحقق ذلك السلام العادل، بل وكوسيلة ضغط لتحقيقه. والتطبيع في هذه الحالة أصبح يعني ليس فقط السماح بتطوير علاقات طبيعية بين المعتدي والمعتدَى عليه في غياب العدالة، أي في وضع غير طبيعي، بل والسماح أيضاً بالأضرار في تلك الأداة التي هي إحدى أدوات تحقيق تلك العدالة المنشودة.
وماذا سيقول الداعون إلى التطبيع مع يهود بعد كل الذي قاموا به ، ماذا سيفعلون بقوله تعالى : {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الممتحنة 9
وإن بعض المنصَّبين والمستوزرين الذين يسعون لتجهيز وفد يشارك في عقد مؤتمر في تركيا بهدف التطبيع، مع حاخامات صهاينة ، وسيكون الجزء الثاني من المؤتمر في الداخل المحتل عام 1948 تحت إشراف إسرائيلي ؛ في الوقت الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى المبارك للتدنيس والدعوات لتقسيمه من قبل أولئك الحاخامات المتطرفين، ويتعرض إلى اقتحامات شذاذ الآفاق رجالاً ونساءً ، وزراء وبرلمانيين يومياً تقريباً . ونحن نقول : إنه لا يوجد مسلم على وجه الأرض يرضى بأن يطبع علاقات مع من قتل الأنبياء من قبل ، أليس يهود هم الذين قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، أليس هؤلاء الحاخامات هم الذين يفتون للجيش أن يقتلوا الصغار والكبار ، والنساء والأطفال ؟ أليس عوفاديا بن يوسف الحاخام الصهيوني هو الذي وصف الفلسطينيين بالصراصير والعقارب والحشرات التي يجب أن تقتل ؟ أليس جيشه وعصاباته هم الذين قتلوا أبناء المسلمين وهدموا بيوتهم ورحلوا آباءهم من أراضيهم خلال العدوان الغاشم عام 1948م و1956م 1973م والانتفاضتين المباركتين ، والحربين الأخيرتين ، وما زالوا يلاحقون نوابنا ووزراءنا وأهلينا في القدس خاصة والضفة الغربية عامة ، بالتهم الملفقة تارة ، وبالأحكام الإدارية تارة أخرى ؟ أليست أحزاب الحاخامات الصهيونية هي التي تضغط على حكومات الإجرام الصهيونية المتعاقبة لعدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني ولا بحقه في أرضه ، ويزعمون أنها أرضهم التي ملكها الله لآبائهم وأجدادهم ، وأن ليس لشعبنا حق في هذه الأرض المقدسة ؟
لقد علم يهود أنهم لم ولن يهدأ لهم بال ، ولن يطمئن لهم حال ما دام الإسلام نزل إلى ساحة المعركة ، لأنه الذي يرهبونه ، ويحسبون ألف حساب لمن يحملونه . فهل يظن يهود أنهم إن أغروا بعض المنصَّبين زوراً والمستوزرين ، للجلوس معهم على طاولة التفاوض ، سيجعلهم في أمن وأمان ؟!! نحن نقول لكل من تسول له نفسه الجلوس مع أعداء الله : أنتم لا تمثلون شعبنا المجاهد في شيء ، ولا تمثلون علماء الأمة الذين أجمعوا على حرمة التطبيع مع يهود ، وحرمة زيارة المدينة المقدسة وهي تحت حراب يهود ، بل أجمع علماء الإسلام على وجوب التحرك على كل الأصعدة من أجل تحرير القدس والأرض الفلسطينية كلها من براثن الصهاينة ، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأولها المقاطعة للكيان وأزلامه وحاخاماته ، لا الاعتراف به والتطبيع معه . ألا يعلم الذين يريدون التطبيع مع الكيان المغتصب لأرضنا ، والمنتهك لمقدساتنا ، والمهجر أهلنا ، ألا يعلمون أن هذا يعد موالاة لهم ، وإدارة ظهر للحقوق والثوابت الإسلامية والعربية والفلسطينية . ألا يعلمون أن ذلك يعد خيانة عظمى للشهداء وللجرحى وللأسرى ولكل أبناء شعبنا ، وهو خروج – إن اعتقد صاحبه حله – من الملة ، والعياذ بالله . قال تعالى : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }* {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الممتحنة8-9 . ألم يعلم هؤلاء أن مقاطعة العدو ، وعدم التطبيع معه مجمع عليه من كل أبناء العروبة مسلمهم ونصرانيهم ؟ ألا يعلم هؤلاء أن البابا شنودة قد أفتى أيضاً بحرمة زيارة القدس وهي تحت حراب الصهاينة ، خشية أن يعد ذلك تطبيعاً ؟! فأين أنتم من أبناء دينكم ، وأين أنتم من أبناء عروبتكم ؟ ولا نقول لكم إلا ما قاله رب العزة والجلال : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } الحج18 . إن التطبيع الذين تدعون إليه هو اعتراف مباشر بدويلة المسخ الصهيونية ، وضياع للمقدسات ، وانتهاك لحرمات الله سبحانه وتعالى . وعلى أبناء شعبنا أن يختاروا إما أن يكونوا مع شعبهم أم مع أعدائهم ، وعلى أمتنا العربية والإسلامية أن تضع كل من يدعو أو يقوم بالتطبيع مع الصهاينة على لائحة الممنوعين والمطلوبين للعدالة بتهمة الخيانة العظمى .
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين".
شارك رئيس رابطة علماء فلسطين والنائب في المجلس التشريعي د. سالم سلامة بورقة عمل بعنوان: " مكانة القدس في القرآن والسنة وحكم التطبيع مع العدو الصهيوني " وذلك في مؤتمر" لبيك يا قدس " الذي تعقده وزارة الأوقاف
والشئون الدينية اليوم الثلاثاء 4/6/2013م في فندق الكومودور بمدينة غزة، وسط حضور حشد كبير من العلماء والدعاة ووزراء الحكومة ونواب المجلس التشريعي والأكاديميين وأساتذة الجامعات.
حيث قال د. سالم سلامة في ورقة العمل: " إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا ضال له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وعلى من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم القرار. وبعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وإن خير الهدي هدي محمد بن عب الله صلوات ربي وتسليماته وعليه وعلى آله وصحبه الكرام .
لقد خص الله سبحانه وتعالى أزماناً وأماكن بما لم يخص به غيرها، فخص الله سبحانه وتعالى الأشهر الحرم بما فيها يوم عرفة وأيام التشريق ، وشهر رمضان ، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، خص بعض الأماكن على وجه الأرض ، فخص البلدة الحرام مكة المكرمة ، وفيها الكعبة المشرفة فكانت أول بيت وضع للناس في الأرض كما قال سبحانه وتعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (آل عمران: 96-97 )، كما اختص بلاد الشآم فجعلها مباركة ، وبيت المقدس قلبها فجعلها مباركة مقدسة ، مبارك ما حولها ، كما كان بيت المقدس ثاني بيت وضع للناس في الأرض . " سئل النبي r عن أول بيت وضع للناس في الأرض ، فقال : البيت الحرام . قالوا : كم بينه وبين المسجد الأقصى المبارك ؟ قال : أربعون سنة ."
والمسجد الأقصى المبارك هو مسرى النبي r ، ومعراجه إلى السماوات العلى ، وفيه صلى حبيبنا المصطفى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إماماً ، وله من الميزات ما ليس لغيره . سأذكر بعضها :
قال تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1 وفي هذا دلالة على مسألة هامة. وهي أنّ بيت المقدس الذي صلى فيه رسول الله r إماماً للأنبياء هو مكان رباني يريد الله أنْ تتم فيه النبوات وتختتم بمحمد r . وهذا هو التحدي الرباني لكل من بعث الله لهم بأنبياء وجحدوهم وقتلوا بعضهم وانحرفوا عن عقيدتهم. فصلاة محمد r إماماً بالأنبياء تعني أن ديانة التوحيد سيقودها هذا النبي وأن المسجد الأقصى الذي هو مقدس رباني أولى بمحمد r وبمن آمن من المسلمين الموحدين الذين أناط الله بهم مسؤولية حماية بيته المقدس.
فوصف القرآن الكريم للبيت الحرام بالمسجد الحرام في سورة الإسراء مع أنه كان يعج ب 360 صنماً ، جاء إرهاصاً ربانياً بأنّ البيت الحرام سيحرّر من الأصنام ويعود مسجداً للموحّدين من جديد كما كان زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وإذا نظرنا أيضاً إلى وصف القرآن الكريم لبيت المقدس بالمسجد الأقصى مع أنه كان مهملاً ، بل كان مكاناً تلقى فيه النفايات والقاذورات ، رغم ذلك سماه مسجداً لأنّه إرهاص بأنّ هذا المكان المقدس سيحرّره المسلمون. وفعلاً تمّ تحرير بيت المقدس على أيدي المسلمين بعد وفاة رسول الله r بست سنوات في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب t .
وكل مقدس إلهي اتضح أمره في القرآن الكريم هو مقدس إسلامي، يخص كل منْ أمن بأنْ لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن انتقص هذا التقديس فإنه ينتقص بعضاً من شعائر الله ، وما من محب لله ورسوله إلا ويحذر أنْ يقع في هذه الحرمة الواضحة. فالقدس لله ولرسول الله ولأمة الإسلام الوارثة لميراث النبوة ، فرض على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها ويستشهد في سبيلها.
وقال تعالى في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء71
وقال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ }الأنبياء81. والأرض المباركة هي فلسطين أي ما حول المسجد الأقصى وذلك باتفاق الآراء.
وقال تعالى في قصة سبأ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ }سبأ18وهو ما كان بين مساكن سبأ في اليمن وبين قرى الشام من العمارة القديمة فباركنا فيها أي الشام ومنها القدس مركز البركة.
وقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ }* {وَطُورِ سِينِينَ }* {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } التين1-3. قال ابن عباس: التين بلاد الشام والزيتون بلاد فلسطين وطور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. والبلد الأمين مكة.
وقال تعالى: ({وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } المؤمنون50 . قال ابن عباس: هي بيت المقدس.
وهناك آيات أخرى فسّرها المفسرون على أنّها تدل على بلاد الشام بعامة التي منها بيت المقدس. (انظر سورة الأنبياء 105، ق41، النور 36، النحل17-18، الحديد 13).
فمكانة القدس والأرض المباركة في القرآن الكريم لا تقل أهمية عن مكانة البيت الحرام. ولهذا السبب كان المسجدان مرتبطين ارتباطاً وثيقاً. وقد فهم المسلمون الأوائل مسؤولية الدفاع عنهما والجهاد لأجل الحفاظ على قدسيتهما حتى يرث الله الأرض وما عليها.
وأما الأحاديث التي تحدثت عن مكانة المسجد الأقصى المبارك في السنة النبوية المشرفة كثيرة ، أذكر بعضاً منها :
- وعن ميمونة مولاة النبي r قالت يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس فقال : " أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قالت أرأيت من لم يطقْ أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال فليهد إليه زيتاً يسرج فيه فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه." (رواه أحمد 6/463 وابن ماجه 1/429) وهذا يدل على فضل العبادة والصلاة ببيت المقدس.
2- روى الإمام أحمد عن معقل بن أبي معقل الأسدي: أن رسول الله r نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط4/210. والقبلتان هما الكعبة والمسجد الأقصى.
3- عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو مخاصر فتى من قريش يزن بشرب الخمر. فقلت بلغني عنك حديث. أنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه. ثم قال عبد الله بن عمرو إني لا أحل لأحد أن يقول عليّ ما لم أقل. سمعت رسول الله r يقول: ..... الحديث المسند 2/176.
4- وجاء في الحديث: من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله ما تقدم من ذنبه (أو وجبت له الجنة) رواه أبو داود في سننه. وفي سنن ابن ماجه (من أهلّ بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب). وقد أحرم منه عمر بن الخطاب t وابنه عبد الله كما روي ذلك في الأنس الجليل الصفحة 146.
5- عن جابر أنّ رجلاً قال يا رسول الله أيّ الخلق أول دخولاً إلى الجنة؟ قال الأنبياء قال ثم من؟ قال الشهداء قال ثم من قال مؤذنو المسجد الحرام. قال ثم من ؟ قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي هذا قال ثم من؟ قال سائر المؤذنين على قدر أعمالهم. (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ص 148).
6- وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) قال البزار إسناده حسن (الفتح 3/67).
7- قال r : لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول r والمسجد الأقصى. وفي رواية أخرى: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي ."
فهاتان الروايتان من أهمّ الروايات وأدقها وهما تكفيان صحة الحديث. والحديث يدلّ على مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين. بل مكانة المسجد الأقصى في الشرع الإسلامي. وبالتالي يدلّ على منزلة المكان الذي بُنِي فيه المسجد الأقصى ومكانة ما حوله من الأصقاع لأنّ الله سبحانه وتعالى بارك فيها بنص القرآن الكريم فهو ثالث ثلاثة مساجد يضاعف فيها ثواب المسلم والقدس التي تضم المسجد الأقصى ثالثة ثلاث مدن هن أركان أمة الإسلام .
ولعلّ في حديث رسول الله r عن الإسراء من الإرشاد ما يكفينا من قول حول مكانة المسجد الأقصى.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أنّ رسول الله r قال: أتيت بالبراق –وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء –أي عند باب المسجد. ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة.
المسجد الأقصى القبلة الأولى:
روى البخاري عن البراء بن عازب أنّ النبي –r - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار وأنّه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت الحرام. وأنه صلى عند وصوله المدينة أول صلاة فيها صلاة العصر. وصلى معه قوم. فخرج رجل ممّن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله r قِبَلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت وكان اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل البيت المقدس. ولما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
ومن طريق أخرى عن البراء بن عازب كان رسول الله –r - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً. وكان رسول الله يحب أنْ يوجّه إلى الكعبة فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون). البقرة الآية 144. فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود – { مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }البقرة142.
وقد اختلف المفسّرون المسلمون اختلافاً بيّناً في تفسير قوله تعالى : {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً }الإسراء5 ، فمنهم من قال إنّ الله سلط على بني إسرائيل جالوت وجنوده. ومنهم من قال إنّ نبوخذ نصر أو العمالقة أو سنحاريب أو أهل فارس والروم ومن قائل العرب.
كما رجح عند كثير من المفسرين أنّ اليهود أفسدوا بقتلهم أنبياءهم وأنّ نبوخذ نصر البابلي هو الذي قضى على علوهم وإفسادهم الأول. ثم أفسدوا ثانية بقتلهم زكريا ويحيى عليهما السلام وأن الرومان هم الذين قضوا على علوهم وإفسادهم الثاني.
ولو دقّقنا في الآيات الكريمة التسع من سورة الإسراء لوجدنا ضَعْفَ ما ذهب إليه بعض المفسرين . لا سيما إذا عدنا إلى دراسة طبيعة الصراع بين المسلمين واليهود على مر التاريخ. فالروايات التي رواها المفسرون لم تستندْ إلى رسول الله r . والواقع أن للمفسّرين عذرهم لأنّهم لم يتنبأوا بما ستؤول إليه الأمور من ضعفٍ للدولة الإسلامية وقيام كيان اليهود في فلسطين. فالمفسّرون لم يكونوا أمام واقعنا الحاضر من علوّ اليهود وإفسادهم في الأرض واستيلائهم من جديد على بيت المقدس ففسّروا الآيات بأن أحداثها قد وقعت.
وقد أشرنا إلى أنّ مكة لم تكنْ تحت حكم المسلمين وأنّ الكعبة لم تكنْ مسجداً يعبد فيه الله وحده سبحانه وتعالى، وإنما كانت بيتاً تقوم حوله الأصنام ويطوف به المشركون. ولم يكنْ هناك معبد داود وسليمان في دولة يهودا يعني مسجداً بالمعنى الإسلامي. إنّما كان المعبد معبداً يأكل بنو إسرائيل من حوله السحت ويعيثون فساداً بل يضعون فيه الأصنام ويبيعون فيه الحمام ويجتمع به اللصوص كما قال السيد المسيح في الإنجيل...
ولكن الله -عز وجل- تحدّث عن هذا الإسراء بأنّه انتقالٌ من مسجدٍ إلى مسجد تبشيراً للمسلمين بأنّ أمرهم سيعلو بحيث يصبح البلد الذي استضعفوا فيه وهانوا وحلت حرماتهم فيه مسجداً ودار أمن وسلام.
وحسب الرأي المنشور في مجلة الأزهر في تفسير آية {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا{ لا تنطبق هذه المرة تمام الانطباق إلا على الدور الذي قاموا به على عهد النبي وأصحابه وعاقبهم الله وسلّط عليهم فيه. ثم يقول هذه المرة هي المرة الأولى ولا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله r وذلك للأسباب التالية:
1- فهم أي أصحاب رسول الله r يستحقون شرف هذه النسبة (عباداً لنا) لأنهم الموحّدون أتباع عبده الذي ورد في أول السورة وهو الرسول الذي أسري به. أما أتباع نبوخذ نصر وسابور وسنحاريب فاضطربت فيهم الأقوال فقد كانوا عبّاد وثن ولا يستحقون شرف الاختصاص بالله في قوله عز وجل "عباداً لنا" .
2- وهم الذين وصفهم الله في كتابه أشداء على الكفار رحماء بينهم.
3- وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار.
أما أتباع بختنصر فقد ذكروا أنّه قتل منهم سبعين ألفاً وأنّه دخل بيت المقدس في أهله وسلب حليه. فهو اجتياح وليس جوساً. ويستمرّ رأي الأزهر على المنوال نفسه ليؤكد عنوان المقالة سورة الإسراء تقضي نهاية إسرائيل.
بعد ذلك نود أنْ نقول:
1- يعلو بنو إسرائيل في الأرض مرتين مصحوبتين بإفساد. ومن المؤكد أنّ العلو الذي عاشوه في ظلّ بعض رسلهم لم يصحبه إفساد.
2- ينتج عن هذا العلو والإفساد صراع ودمار وخراب في الوقت الذي يضع فيه القرآن بني إسرائيل طرفاً واضحاً وأكيداً في المرتين. فإنّه يؤكد أيضاً على وجود طرف آخر يتكرر نفسه في المرتين تماماً كما يتكرر بنو إسرائيل كطرف. وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطرف باسمه مرة واحدة في أول الآيات عباداً لنا ثم استمرت الإشارة إليه بضمير الغائب إلى آخر السياق تأكيداً على أنّه الطرف نفسه الذي يواجه بني إسرائيل في المرة الأولى فبعد قوله تعالى: (بعثنا عليكم عباداً لنا) تأتي الأفعال فجاسوا –رددنا –جعلنا. ثم تأتي الأفعال المضارعة في قوله يسؤوا –يدخلوا– يتبّروا. فالضمير محلّ فاعل أو مفعول يعود في جميع الأفعال الثلاثة الأخيرة يسؤوا– يدخلوا– يتبّروا عائد كما هو واضح على –عباد لنا– مما يؤكد أنها في الحالتين معركة بين طرفين فقط. الطرفين نفسهما– المسلمين واليهود.
3- من الواضح أنّ التفسيرات الأخرى تشير إلى مواجهة بني إسرائيل لأكثر من قومٍ فمرة نبوخذ نصر ومرة سنحاريب. ومرة الروم. ومرة الفرس. وحتى العرب. وهذا يغاير ما اقتضته الآيات من أنّ المواجهة بين طرفين يتكرّران في المرتين بمعنى إذا كان صراع المرة الأولى مع الفرس أو الروم فصراع المرة الثانية يجب أن يكون معهم.
4- لم يَعِد الله سبحانه لليهود الكرّة لا على بختنصر ولا سنحاريب ولا الروم ولا الفرس ولم يجعلهم الله أكثر نفيراً من هؤلاء (فالآيات تشير إلى أنّ اليهود يصبحون أكثر نفيراً وما كان اليهود أكثر نفيراً من الروم والبابليين. أمّا الآن فقد استطاعوا أنْ يستنفروا كل أمم الأرض ولم يكنْ اليهود في يومٍ ما أكثر نفيراً وناصراً منهم اليوم ولم يتمتعْ اليهود في تاريخهم بمثل ما يتمتعون به اليوم.
5- لقد ردّ الله الكرة لبني إسرائيل على المسلمين والعرب كما هو واضح منذ سقوط القدس وقيام كيانهم واستمرار علوهم وإفسادهم.
6- إن فعل الانبعاث الوارد في مطلع الآيات يحمل من الدلالات والمعاني ما ينبغي الوقوف عنده، فالفعل هنا يحمل إيحاء الرضا ، والرضا لا يكون من الله على الوثنيين والمشركين وإنّما يكون على المؤمنين وقد جاءت كلمة بعثنا في القرآن الكريم سبع مرات كان الفاعل فيها جميعاً هو الله وكان المفعول به أي المبعوثين هم الأنبياء والمؤمنون الصالحون.
وتؤكد الرؤية الإسلامية موقفها هذا من تفسير سورة الإسراء على ضوء بعض الآيات القرآنية الأخرى التي تؤكد انتصار المسلمين على اليهود وكذلك بعض أحاديث رسول الله r وقد مر معنا بعضها.
يقول رسول الله r : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود. صحيح البخاري ج3 من كتاب الجهاد والسير.
يقول تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }الإسراء104
ويقول تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأعراف167
وقوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الأعراف168
وعندما نعود إلى قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }الإسراء7
نرى أنّ هذا وعدٌ من الله للمؤمنين عباده بالنصر على اليهود وتحرير المسجد الأقصى تحريراً مؤزراً ينتهي بتدمير ما علا من بني إسرائيل تدميراً مطلقاً كاملاً.
لقد دخل الخليفة عمر بن الخطاب t بيت المقدس صلحاً وقد جاس المسلمون ديار بيت المقدس دون أنْ يقتل شخصٌ أو يدمّر شيء. وذهب إلى الصخرة التي عرج منها رسول الله r فنظّفها ومعه القادة المسلمون ثم أمر ببناء مسجد قبة الصخرة ، إضافة لاهتمامه البالغ بمكان المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله –r - بالأنبياء.
لقد فرح المسلمون حين فتح عمر بن الخطاب t بيت المقدس وكان فرحهم يضاهي فرحهم بفتح مكة لأنّ ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى قضية قرآنية تعلو فوق كل ما هو وضعي. إنها آية من آيات القرآن الكريم التي تمتلئ بالأسرار الإلهية والإرادة الربانية.
حان الوقت كي تنهض الأمة من رقادها وتسير على خطى عبد الله بن رواحة وجعفر وزيد على خطى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة وخالد وصلاح الدين رضي الله عنهم أجمعيهن . على خطى هؤلاء الشهداء الذين سطروا بدمائهم أروع صفحات الجهاد المقدس على أرض فلسطين المباركة ومسجدها الأقصى المبارك.
حان الوقت لندرك أنّ الله سبحانه وتعالى ما ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى إلا ليقول لنا انفروا أيها المسلمون لتحرّروا مقدسات الإسلام من فساد الوثنية ومن موبقات الزناة وقتلة الأنبياء. حان الوقت لنلبّي نداء رسول الله r ونصلّي في الحرم القدسي الشريف لننال الثواب والأجر.
حان الوقت كي يعرف العدو قبل الصديق أنّ مسرى نبينا محمد r هو مكان لكل موحّد على وجه الأرض. لكلّ من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. حان الوقت لنعيد صلتنا العقدية بالمسجد الأقصى ونؤكد للعالم أنه ما ضاع حق وراءه مطالب. فالأقصى لكم والأرض المباركة حقكم. إنها الأرض العربية المسلمة الإسلامية. لا يجوز لنا أنْ نهاب الأعداء ونحن الذين وهبنا أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا لله -عز وجل- فلماذا نأتي من أندونيسيا والصين وأنغوشيا من السنغال ونيجيريا وجنوب إفريقيا من أمريكا وأوروبا وأستراليا، أليست تلبية لنداء الله. أليس استكمالاً لأركان إسلامنا. ولتكن نفرتنا اليوم لتحرير مقدسات المسلين من براثن الصهاينة .
التطبيع مع الاحتلال وحكمه:
التطبيع يعني قيام دول أو مؤسساتها أو أشخاصها في تنفيذ مشاريع تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية، في غياب استتباب السلام العادل، وذلك إخلالاً بالموقف السياسي التاريخي لتلك الدول والقائل بأن مقاطعة الدول العربية لإسرائيل يجب أن تستمر حتى يتحقق ذلك السلام العادل، بل وكوسيلة ضغط لتحقيقه. والتطبيع في هذه الحالة أصبح يعني ليس فقط السماح بتطوير علاقات طبيعية بين المعتدي والمعتدَى عليه في غياب العدالة، أي في وضع غير طبيعي، بل والسماح أيضاً بالأضرار في تلك الأداة التي هي إحدى أدوات تحقيق تلك العدالة المنشودة.
وماذا سيقول الداعون إلى التطبيع مع يهود بعد كل الذي قاموا به ، ماذا سيفعلون بقوله تعالى : {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الممتحنة 9
وإن بعض المنصَّبين والمستوزرين الذين يسعون لتجهيز وفد يشارك في عقد مؤتمر في تركيا بهدف التطبيع، مع حاخامات صهاينة ، وسيكون الجزء الثاني من المؤتمر في الداخل المحتل عام 1948 تحت إشراف إسرائيلي ؛ في الوقت الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى المبارك للتدنيس والدعوات لتقسيمه من قبل أولئك الحاخامات المتطرفين، ويتعرض إلى اقتحامات شذاذ الآفاق رجالاً ونساءً ، وزراء وبرلمانيين يومياً تقريباً . ونحن نقول : إنه لا يوجد مسلم على وجه الأرض يرضى بأن يطبع علاقات مع من قتل الأنبياء من قبل ، أليس يهود هم الذين قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، أليس هؤلاء الحاخامات هم الذين يفتون للجيش أن يقتلوا الصغار والكبار ، والنساء والأطفال ؟ أليس عوفاديا بن يوسف الحاخام الصهيوني هو الذي وصف الفلسطينيين بالصراصير والعقارب والحشرات التي يجب أن تقتل ؟ أليس جيشه وعصاباته هم الذين قتلوا أبناء المسلمين وهدموا بيوتهم ورحلوا آباءهم من أراضيهم خلال العدوان الغاشم عام 1948م و1956م 1973م والانتفاضتين المباركتين ، والحربين الأخيرتين ، وما زالوا يلاحقون نوابنا ووزراءنا وأهلينا في القدس خاصة والضفة الغربية عامة ، بالتهم الملفقة تارة ، وبالأحكام الإدارية تارة أخرى ؟ أليست أحزاب الحاخامات الصهيونية هي التي تضغط على حكومات الإجرام الصهيونية المتعاقبة لعدم الاعتراف بالشعب الفلسطيني ولا بحقه في أرضه ، ويزعمون أنها أرضهم التي ملكها الله لآبائهم وأجدادهم ، وأن ليس لشعبنا حق في هذه الأرض المقدسة ؟
لقد علم يهود أنهم لم ولن يهدأ لهم بال ، ولن يطمئن لهم حال ما دام الإسلام نزل إلى ساحة المعركة ، لأنه الذي يرهبونه ، ويحسبون ألف حساب لمن يحملونه . فهل يظن يهود أنهم إن أغروا بعض المنصَّبين زوراً والمستوزرين ، للجلوس معهم على طاولة التفاوض ، سيجعلهم في أمن وأمان ؟!! نحن نقول لكل من تسول له نفسه الجلوس مع أعداء الله : أنتم لا تمثلون شعبنا المجاهد في شيء ، ولا تمثلون علماء الأمة الذين أجمعوا على حرمة التطبيع مع يهود ، وحرمة زيارة المدينة المقدسة وهي تحت حراب يهود ، بل أجمع علماء الإسلام على وجوب التحرك على كل الأصعدة من أجل تحرير القدس والأرض الفلسطينية كلها من براثن الصهاينة ، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأولها المقاطعة للكيان وأزلامه وحاخاماته ، لا الاعتراف به والتطبيع معه . ألا يعلم الذين يريدون التطبيع مع الكيان المغتصب لأرضنا ، والمنتهك لمقدساتنا ، والمهجر أهلنا ، ألا يعلمون أن هذا يعد موالاة لهم ، وإدارة ظهر للحقوق والثوابت الإسلامية والعربية والفلسطينية . ألا يعلمون أن ذلك يعد خيانة عظمى للشهداء وللجرحى وللأسرى ولكل أبناء شعبنا ، وهو خروج – إن اعتقد صاحبه حله – من الملة ، والعياذ بالله . قال تعالى : {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }* {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }الممتحنة8-9 . ألم يعلم هؤلاء أن مقاطعة العدو ، وعدم التطبيع معه مجمع عليه من كل أبناء العروبة مسلمهم ونصرانيهم ؟ ألا يعلم هؤلاء أن البابا شنودة قد أفتى أيضاً بحرمة زيارة القدس وهي تحت حراب الصهاينة ، خشية أن يعد ذلك تطبيعاً ؟! فأين أنتم من أبناء دينكم ، وأين أنتم من أبناء عروبتكم ؟ ولا نقول لكم إلا ما قاله رب العزة والجلال : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } الحج18 . إن التطبيع الذين تدعون إليه هو اعتراف مباشر بدويلة المسخ الصهيونية ، وضياع للمقدسات ، وانتهاك لحرمات الله سبحانه وتعالى . وعلى أبناء شعبنا أن يختاروا إما أن يكونوا مع شعبهم أم مع أعدائهم ، وعلى أمتنا العربية والإسلامية أن تضع كل من يدعو أو يقوم بالتطبيع مع الصهاينة على لائحة الممنوعين والمطلوبين للعدالة بتهمة الخيانة العظمى .
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين".

التعليقات