المؤتمر الفكري "مستقبل الثقافة العربية الإسلامية الوسطية" يختتم أعماله في مركز الإمارات للدراسات
رام الله - دنيا الوطن
جمال المجايدة
أكد الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ختام أعمال المؤتمر الفكري الموسع "مستقبل الثقافة العربية الإسلامية الوسطية"، أن التوصيات التي خرج بها المفكرون والباحثون تحمل قدراً
كبيراً من الأهمية، ولاسيما تلك التي تشدد على ضرورة التمسك بانتهاج الثقافة الإسلامية الوسطية النابعة من ديننا الحنيف ومبادئه السمحاء وروح التسامح وسمو الأخلاق
وقال الدكتور جمال سند السويدي: لقد كان من أهداف مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – ولا يزال على العهد منها - أن يعمل في جل جهوده العلمية والبحثية من أجل إشاعة مبادئ الأمن والاستقرار والسلام، في المنطقة والعالم،
هذه المبادئ الـتي اسـتمد هديـها من قيـادة الدولة الحـكيمة التي تسـعى إليها – ولا تزال - لتنعم شعوب المنطقة وجميع البلدان المحبة للعدل والسلام كافة بالأمن والازدهار؛ ولهذا فقد كان موضوع مؤتمركم من الأهمية بمكان؛ حيث يوفر فرصة للبحث
في المخاطر والتهديدات التي هددت في الماضي، الفكر الإنساني العربي الإسلامي الوسطي حاضراً ومستقبلاً، وتسعى دوماً إلى منعه من الإسهام الفاعل في حركة التاريخ الإنسانية في المستقبل من جهة، وتهدد ما نسعى لبنائه وتعزيزه في مد جسور الحوار الحضاري بين الثقافات الإنسانية، بصرف النظر عن الدين والمذهب والعرق والجنس واللون من جهة ثانية، واستشرافاً لما ينبغي عمله لحماية شعوبنا العربية والإسلامية والعالم، مما يمكن أن ينجم عن التعصب والتطرف والغلو وسياسة الإقصاء وفرض الرأي الواحد ورفض الحوار، وغير ذلك من مخاطر العنف والإرهاب والاختلال في النظام القيمي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية والإنسانية.
وخاطب السويدي المشاركين في المؤتمر قائلاً: إن ما تم إنجازه في مؤتمركم هذا على مدار يومين متتاليين وخلال أربع جلسات نوقشت فيها خمس عشرة ورقة بحثية، يبعث على الفخر والاعتزاز بتلك الجهود العلمية والفكرية الرصينة، التي لولاها
لما حقق هذا المؤتمر النجاح، أو الأهداف التي انعقد من أجلها، ولاسيما ما تمخض عن المناقشات من نتائج وتوصيات ذات قيمة عالية. وفي هذا المقام، أتمنى لكم جميعاً أيها الأعزاء الكرام، طيب الإقامة على أرض بلدكم، أرض دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي مستهل اليوم الثاني من أعمال المؤتمر بدأت الجلسة الثالثة التي حملت عنوان "حركات الفكر الإسلامي السياسي المعاصر: الإخوان المسلمون، وترأسها الدكتور عبدالحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة قطر سابقاً، قدم الدكتور ثروت الخرباوي، وهو كاتب ومحامٍ من جمهورية مصر العربية، ورقة بحثية عن "مرجعية المرشد وتحديات الممارسة الديمقراطية والبيئة الجيوسياسية المؤثرة في تأسيس الإخوان المسلمين"، أوضح فيها أن جماعة الإخوان المسلمين لم تنشأ في مجتمع علماء، ولكنها نشأت في مجتمع تنتشر فيه معدلات الأمية بشكل واسع، فحين أراد حسن البنا تأسيس الجماعة، ذهب إلى الإسماعيلية، وكانت في ذلك الوقت أقل تطوراً من محافظات أخرى، مشيراً إلى أن للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
مرجعية ليس فقط بالنسبة إلى قواعد الجماعة، ولكن سلطة المرشد ومرجعيته تمتد أيضاً إلى قيادات الجماعة، والبيعة للمرشد أساسها الولاء للجماعة، لا للوطن أو الإسلام. وتنظيم الإخوان المسلمين لدى أعضاء الإخوان هو عبارة عن "معبد".
وأضاف أنه يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين قامت بعملية "أخونة الإسلام" وقامت بتقديم فهم ضيق للإسلام، وهناك نفاذية واضحة للأمور الشكلية في فكر الجماعة، وذلك على حساب الجوهر، والمقاصد العامة للدين الإسلامي الحنيف، وبخاصة الشريعة الإسلامية، التي تحول الإسلام إلى دين حافز، فيما تؤدي هذه الشكليات إلى الإغراق في الفروع دون الأصول، وفي الواقع، فإن الإخوان المسلمين، وهم يقومون باستعادة الدولة الإسلامية المفقودة، فإنهم يسعون بذلك لتأسيس دولة الخلافة؛ ومن ثم تحقيق ما يسمونه أستاذية العالم، التي تحدث عنها حسن البنا
مؤسس الجماعة عام 1928. وأشار إلى أن الذي حصل، هو أن الخلافة الإسلامية أثارت ولا تزال تثير جدلاً كبيراً، فهذه الخلافة تمثلت فقط في عصر النبوة وعهد الخلفاء الراشدين، أما حكم الأمويين والعباسيين والعثمانيين، فهو ليس خلافة إسلامية، وإنما هو حكم أُسَر، قام على الغلبة، وليس على الشورى.
واستطرد قائلاً: هناك قضية مهمة، فيما يتصل بإشكاليات فكر جماعة الإخوان المسلمين، تتمثل في إضفاء نوع من القداسة على الأشخاص، واستخدام مصطلحات غير دقيقة، وعلى سبيل المثال، هناك مركزية شديدة في هذا الفكر ليس لحسن البنا فحسب،
ولكن لشخصه، وهناك لغط حول كلمة "إسلامي" التي توظف بشكل غير صحيح؛ حيث ينبغي أن تطلق كلمة "إسلامي" فقط على عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة. ومن هنا،
ينبغي ألا يتحدث الإخوان المسلمون عن تأسيس دولة إسلامية، فهناك فرق كبير بين "إسلامي" و"مسلم"، مؤكداً أن مما لا شك فيه، أن المرجعية المركزية للمرشد في جماعة الإخوان المسلمين تمثل مشكلة بالنسبة إلى الوضع الحالي في مصر، فالرئيس
المصري مثلاً بحكم منصبه، ملزم بهذه المرجعية، ولا ترى الجماعة إلا الرأي الواحد، وليست هناك تعددية؛ ومن ثم فالاختلاف في الرأي غير موجود داخل الجماعة، واختلاف الإخوان في الرأي مع التيارات السياسية والفكرية الأخرى، معناه
بالضرورة الخلاف مع هذه التيارات.
ثم تحدث الدكتور فخر أبو عواد، وهو أستاذ جامعي، من الجامعة الإسلامية في غزة وناشط سياسي مستقل، بدولة فلسطين في ورقته عن "البيعة والولاء"، وقال: إن نشأة الإخوان قد ارتبطت في البداية من خلال إحساسهم بالخطر، والمظلومية التي دفعتهم
إلى التماسك وترحيل خلافاتهم. كما أن هذا الميراث السياسي منح الجماعة مناعة ضد التفكك، برغم الانشقاقات المرحلية الدورية التي شهدها التنظيم؛ وذلك على عكس التنظيمات السياسية الأخرى التي انهارت أو تفككت وضعفت بسبب الانشقاقات
الداخلية، مشيراً إلى أن فهم الإخوان المسلمين للإسلام، هو أنه عبادة وقيادة ودين ودولة وظاهر وباطن؛ وهذا في الحقيقة أبرز مؤشر لمزجهم السياسي بالديني.
وأكد أن حركة الإخوان المسلمين تطرح المؤسسات الشورية، ولكنها في الحقيقة لا تعرف الثفاقة الشورية؛ كما أن القرارات المهمة فيها تؤخذ بالتوافق وليس بالإجماع؛ والبيعة هي تعهد بالولاء والطاعة المطلقين لتعليمات المرشد.
وعن "المصلحة السياسية في سلوك الإخوان المسلمين" تحدث الدكتور أسامة الغزالي حرب، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الليبرالي، مستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بجمهورية مصر العربية، وقال: ليست المصلحة في السياسة شيئاً معيباً، فالسياسة بحث عن المصالح، وإن تناول فكر جماعة الإخوان المسلمين وحركتهم من هذه الزاوية مهم للغاية؛ إذ يُظهر حقيقتها التي تختلف عن المنهج الدعائي الذي تخفي به حقيقتها.
وأشار إلى ظهور الإخوان في مصر عام 1928، في إطار الواقع السياسي آنذاك؛ حيث هناك حقيقة لا يمكننا تجاهلها، وهي الدور الحاسم للقوى الخارجية في تقرير أوضاع بلادنا. لقد أنشأ حسن البنا الجماعة في إطار ظروف سياسية عالمية وإقليمية، فمن
المؤكد أن "شركة قناة السويس"، وهي شركة غير مصرية، قدَّمت مساعدة مالية قدرها 500 جنيه لحسن البنا عند إنشاء الجماعة، ومن هنا لا يمكن أن نغفل أن بريطانيا رأت في وجود الجماعة ضرورة، وخاصة مع ظهور القومية المصرية مع حزب الوفد.
وبين الدكتور أسامة الغزالي حرب، أن الدعم الخارجي انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك كتاب بعنوان "مسجد في ميونيخ"، للكاتب الكندي أيان جونسون، يشرح فيه إحدى حالات دعم المخابرات الأمريكية للجماعة. ولا أقول هنا:
إن الإخوان عملاء للأمريكيين، لكن يجب أن نضع الواقعة في سياقها المفهوم، وهو محاربة الولايات المتحدة للشيوعية والاتحاد السوفيتي، وكان دعم القوى الإسلامية إحدى الأدوات في ذلك. إن قبول الجماعة للدعم الخارجي إحدى سمات ما نسميه المصلحة السياسية للجماعة.
وقال: إن جماعة الإخوان المسلمين منذ يومها الأول تنظيمٌ سياسي بامتياز، ولم تسهم الجماعة إلا إسهامات محدودة في الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي. ولنعد إلى بعض النماذج: من الذي كتب "على هامش السيرة"؟ من الذي كتب "ضحى الإسلام"
و"فجر الإسلام"؟ من الذي كتب "حياة محمد"؟ من الذي كتب العبقريات؟ كلهم من الكتاب الليبراليين، وبعضهم من اليساريين المعروفين. وحين طرحتُ الفكرة على بعض رموز الإخوان قالوا: إن كتابات حسن البنا نموذج لإسهامات الجماعة، ولكن هذه
الكتابات في الحقيقة أقل مستوى بكثير من النماذج السابقة التي قدمت الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية للعالم.
واستطرد الدكتور أسامة الغزالي حرب قائلاً: لقد بدت المصلحة السياسية في سلوك الإخوان عبر مظاهر كثيرة، أصبحت واضحة للعالم كله. لقد استغلوا الحقيقة المؤسفة، وهي أن 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، ووظفوا المساعدات
الاجتماعية لحشد الأنصار من الفقراء. وكان هناك استخدام في المعارك الانتخابية لخطاب يوحي بأن انتخاب الإخوان انتخاب للإسلام، وانتخاب غيرهم معاداة للإسلام، وهو الأمر الذي أثر بالفعل في ملايين من البسطاء والأميين. وهذا السلوك
المصلحي، أو الانتهازي، ظهر في موقف الجماعة من القضية الفلسطينية ومن إسرائيل.
ففي أي مؤتمر جماهيري يتحدثون عن الشعب الفلسطيني والجهاد والقدس، لكن مصر لم تعرف في الحقيقة نظاماً سياسياً متوافقاً مع إسرائيل وكان ودوداً معها مثل نظام حكم الإخوان المسلمين. وهذا ليس شيئاً غريباً لمن يعرف دعم الولايات المتحدة للإخوان المسلمين الذي بدا واضحاً خلال المعركة بين مرسي وشفيق. في وقت يواجه
حكم الإخوان المسلمين فيه مشكلات حقيقية، منها تبلور مواجهة لا يمكن تجاهلها
بين الإخوان والقوى السياسية المدنية التي تقودها جبهة الإنقاذ الوطني. وربما
لم تكن الجبهة على المستوى المأمول، ولكنّ لها دوراً واقعياً ورمزياً مهماً.
وكذلك، كانت مفاجأة لنا أن تكون القدرات التي أبداها الإخوان المسلمون في الحكم متدنية أكثر من كل التوقعات. إن الكوادر التي يقدمها الإخوان المسلمون "فضيحة" بكل المقاييس، فمصر تمتلك كوادر مختصة في كل المجالات يتم إهدارها لصالح تمكين
الجماعة. والحقيقة أن جبهة الإنقاذ لم تكن قادرة على استغلال الفشل الإخواني الذريع بالشكل الملائم.
وأعرب الدكتور أسامة الغزالي حرب عن تفاؤله بمصر، وبمستقبل الجبهة، وهو متفائل أكثر بالحركة الجماهيرية الرائعة "حركة تمرد" التي تلعب دوراً شديد الأهمية. لقد استعادت الحركة فكرة التفويض السلمي التي مارسها المصريون قبل ذلك قبيل ثورة 1919، من خلال حملة جمع توقيعات وتوكيلات لسعد زغلول ورفاقه، مثلت ميلاد الوطنية المصرية آنذاك، واضطرت بريطانيا إلى مفاوضة سعد زغلول ورفاقه باعتبارهم ممثلين لشعب مصر، مشيراً إلى أن حركة تمرد، بعبقرية لا يمكن إنكارها، قد استعادت هذا التقليد القديم، وفاق نجاحها كل التوقعات، ووصلت إلى عمق الريف المصري، ومختلف الطبقات والفئات.
وفي الجلسة الختامية الحوارية التي حملت عنوان "تجربة الإسلام السياسي في السلطة: رؤى وأفكار" التي رأسها مأمون فندي، مدير "معهد لندن للدراسات الاستراتيجية"، في المملكة المتحدة، تحدّث عن "تجربتهم تشريعياً" الدكتور عبدالحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة قطر سابقاً، في قطر،
وعن "تجربتهم سياسياً" تحدث الدكتور ضياء رشوان، نقيب الصحفيين، في جمهورية مصر العربية، فيما تحدث عن "تجربتهم إعلامياً" اللواء سامح سيف اليزل، رئيس "مركز
الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأمنية"، جمهورية مصر العربية، و"تجربتهم اقتصادياً" الدكتور محمد السمهوري، خبير اقتصادي، في دولة فلسطين.
وكان الدكتور خضر عطية، أستاذ الأدب والنقد الحديث جامعة الأقصى - دولة فلسطين، قد عقب في مداخلته على عدد من البحوث، أول من أمس، قال: بداية لا بد من الإشارة إلى أن التيار العلماني قد انبثق من فصل الدِّين عن الدولة بسبب الحرب بين
الكنيسة والدولة البنيوية منذ عصر النهضة. وإنني أعتقد ألا تضارب بين المفهومين إذ على رجال الدِّين حفظ حدود مصالح الآخر؛ واختصاص رجال السياسة بحفظ حدود الدولة، لكن ما يعقد واقع الصراع المعاصر بين التيارين يتمثل سببه في وجود
وعيين مختلفين يمثل كل منهما نقطة جذب نحو طرفه: وعي سلفي يركز على العودة إلى ما كان؛ ووعي بنيوي أساسه ما هو كائن.
وأكّد أن حركة "الإخوان المسلمين" لم تصدر عنهم دعوة وسطية؛ فالوسطية التي دعا إليها بعض زعماء الإخوان هي دعوة براجماتية مرحلية، هدفها الوصول إلى مرحلة التمكين؛ وهذا ما نراه اليوم في سلوك الحركات الإسلامية التي ظهرت على حقيقتها
عندما انتقلت إلى ممارسة السلطة، وقال: إن علينا الوقوف مع الأزهر في مواجهة الدعوات التي تريد الإجهاز على دوره الوسطي التاريخي الرائد، لافتاً النظر إلى أن الإسلام الذي تبشر به الحركات الإسلامية المعاصرة هو إسلام يكتنفه الكثير من
اللبس والبراجماتية بناء على قاعدة أصولية يتم توظيفها توظيفاً مخالفاً، وهي "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، كما أنني أرجو أن يتمّ الانتباه إلى نوع الإسلام وطبيعته والمسلمين في الشرق (الشرق الآسيوي)، والمسلمين في الغرب (من الجزيرة العربية غرباً).
أما الدكتور محمد غانم الرميحي، أستاذ علم الاجتماع - جامعة الكويت، الذي عقب على جلسات، أول من أمس أيضاً، وتحديداً على أفكار الدكتور حسن حنفي، فقال: هناك توظيف سياسي للإسلام، وتاريخ المسلمين بدأ منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛
فالدولة الإسلامية دولة مدنية وليست دينية، وأريد أن أشير كذلك إلى أننا فشلنا في التعليم على مستوى المخرجات؛ وعلينا تأسيس مجتمعنا على نظرة جديدة لفتح آفاق جديدة لمجتمعاتنا.
كما أن علينا تنويع تجربتنا الإعلامية وتنقيحها، ووضع حدٍّ لما نواجهه اليوم من ظاهرة شيوخ الفضائيات الذين يفتون في كل شيء. علينا الانتباه إلى هذا الموضوع وعدم منح المنابر لأي أحد.
جمال المجايدة
أكد الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ختام أعمال المؤتمر الفكري الموسع "مستقبل الثقافة العربية الإسلامية الوسطية"، أن التوصيات التي خرج بها المفكرون والباحثون تحمل قدراً
كبيراً من الأهمية، ولاسيما تلك التي تشدد على ضرورة التمسك بانتهاج الثقافة الإسلامية الوسطية النابعة من ديننا الحنيف ومبادئه السمحاء وروح التسامح وسمو الأخلاق
وقال الدكتور جمال سند السويدي: لقد كان من أهداف مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية – ولا يزال على العهد منها - أن يعمل في جل جهوده العلمية والبحثية من أجل إشاعة مبادئ الأمن والاستقرار والسلام، في المنطقة والعالم،
هذه المبادئ الـتي اسـتمد هديـها من قيـادة الدولة الحـكيمة التي تسـعى إليها – ولا تزال - لتنعم شعوب المنطقة وجميع البلدان المحبة للعدل والسلام كافة بالأمن والازدهار؛ ولهذا فقد كان موضوع مؤتمركم من الأهمية بمكان؛ حيث يوفر فرصة للبحث
في المخاطر والتهديدات التي هددت في الماضي، الفكر الإنساني العربي الإسلامي الوسطي حاضراً ومستقبلاً، وتسعى دوماً إلى منعه من الإسهام الفاعل في حركة التاريخ الإنسانية في المستقبل من جهة، وتهدد ما نسعى لبنائه وتعزيزه في مد جسور الحوار الحضاري بين الثقافات الإنسانية، بصرف النظر عن الدين والمذهب والعرق والجنس واللون من جهة ثانية، واستشرافاً لما ينبغي عمله لحماية شعوبنا العربية والإسلامية والعالم، مما يمكن أن ينجم عن التعصب والتطرف والغلو وسياسة الإقصاء وفرض الرأي الواحد ورفض الحوار، وغير ذلك من مخاطر العنف والإرهاب والاختلال في النظام القيمي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية والإنسانية.
وخاطب السويدي المشاركين في المؤتمر قائلاً: إن ما تم إنجازه في مؤتمركم هذا على مدار يومين متتاليين وخلال أربع جلسات نوقشت فيها خمس عشرة ورقة بحثية، يبعث على الفخر والاعتزاز بتلك الجهود العلمية والفكرية الرصينة، التي لولاها
لما حقق هذا المؤتمر النجاح، أو الأهداف التي انعقد من أجلها، ولاسيما ما تمخض عن المناقشات من نتائج وتوصيات ذات قيمة عالية. وفي هذا المقام، أتمنى لكم جميعاً أيها الأعزاء الكرام، طيب الإقامة على أرض بلدكم، أرض دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي مستهل اليوم الثاني من أعمال المؤتمر بدأت الجلسة الثالثة التي حملت عنوان "حركات الفكر الإسلامي السياسي المعاصر: الإخوان المسلمون، وترأسها الدكتور عبدالحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة قطر سابقاً، قدم الدكتور ثروت الخرباوي، وهو كاتب ومحامٍ من جمهورية مصر العربية، ورقة بحثية عن "مرجعية المرشد وتحديات الممارسة الديمقراطية والبيئة الجيوسياسية المؤثرة في تأسيس الإخوان المسلمين"، أوضح فيها أن جماعة الإخوان المسلمين لم تنشأ في مجتمع علماء، ولكنها نشأت في مجتمع تنتشر فيه معدلات الأمية بشكل واسع، فحين أراد حسن البنا تأسيس الجماعة، ذهب إلى الإسماعيلية، وكانت في ذلك الوقت أقل تطوراً من محافظات أخرى، مشيراً إلى أن للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
مرجعية ليس فقط بالنسبة إلى قواعد الجماعة، ولكن سلطة المرشد ومرجعيته تمتد أيضاً إلى قيادات الجماعة، والبيعة للمرشد أساسها الولاء للجماعة، لا للوطن أو الإسلام. وتنظيم الإخوان المسلمين لدى أعضاء الإخوان هو عبارة عن "معبد".
وأضاف أنه يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين قامت بعملية "أخونة الإسلام" وقامت بتقديم فهم ضيق للإسلام، وهناك نفاذية واضحة للأمور الشكلية في فكر الجماعة، وذلك على حساب الجوهر، والمقاصد العامة للدين الإسلامي الحنيف، وبخاصة الشريعة الإسلامية، التي تحول الإسلام إلى دين حافز، فيما تؤدي هذه الشكليات إلى الإغراق في الفروع دون الأصول، وفي الواقع، فإن الإخوان المسلمين، وهم يقومون باستعادة الدولة الإسلامية المفقودة، فإنهم يسعون بذلك لتأسيس دولة الخلافة؛ ومن ثم تحقيق ما يسمونه أستاذية العالم، التي تحدث عنها حسن البنا
مؤسس الجماعة عام 1928. وأشار إلى أن الذي حصل، هو أن الخلافة الإسلامية أثارت ولا تزال تثير جدلاً كبيراً، فهذه الخلافة تمثلت فقط في عصر النبوة وعهد الخلفاء الراشدين، أما حكم الأمويين والعباسيين والعثمانيين، فهو ليس خلافة إسلامية، وإنما هو حكم أُسَر، قام على الغلبة، وليس على الشورى.
واستطرد قائلاً: هناك قضية مهمة، فيما يتصل بإشكاليات فكر جماعة الإخوان المسلمين، تتمثل في إضفاء نوع من القداسة على الأشخاص، واستخدام مصطلحات غير دقيقة، وعلى سبيل المثال، هناك مركزية شديدة في هذا الفكر ليس لحسن البنا فحسب،
ولكن لشخصه، وهناك لغط حول كلمة "إسلامي" التي توظف بشكل غير صحيح؛ حيث ينبغي أن تطلق كلمة "إسلامي" فقط على عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة. ومن هنا،
ينبغي ألا يتحدث الإخوان المسلمون عن تأسيس دولة إسلامية، فهناك فرق كبير بين "إسلامي" و"مسلم"، مؤكداً أن مما لا شك فيه، أن المرجعية المركزية للمرشد في جماعة الإخوان المسلمين تمثل مشكلة بالنسبة إلى الوضع الحالي في مصر، فالرئيس
المصري مثلاً بحكم منصبه، ملزم بهذه المرجعية، ولا ترى الجماعة إلا الرأي الواحد، وليست هناك تعددية؛ ومن ثم فالاختلاف في الرأي غير موجود داخل الجماعة، واختلاف الإخوان في الرأي مع التيارات السياسية والفكرية الأخرى، معناه
بالضرورة الخلاف مع هذه التيارات.
ثم تحدث الدكتور فخر أبو عواد، وهو أستاذ جامعي، من الجامعة الإسلامية في غزة وناشط سياسي مستقل، بدولة فلسطين في ورقته عن "البيعة والولاء"، وقال: إن نشأة الإخوان قد ارتبطت في البداية من خلال إحساسهم بالخطر، والمظلومية التي دفعتهم
إلى التماسك وترحيل خلافاتهم. كما أن هذا الميراث السياسي منح الجماعة مناعة ضد التفكك، برغم الانشقاقات المرحلية الدورية التي شهدها التنظيم؛ وذلك على عكس التنظيمات السياسية الأخرى التي انهارت أو تفككت وضعفت بسبب الانشقاقات
الداخلية، مشيراً إلى أن فهم الإخوان المسلمين للإسلام، هو أنه عبادة وقيادة ودين ودولة وظاهر وباطن؛ وهذا في الحقيقة أبرز مؤشر لمزجهم السياسي بالديني.
وأكد أن حركة الإخوان المسلمين تطرح المؤسسات الشورية، ولكنها في الحقيقة لا تعرف الثفاقة الشورية؛ كما أن القرارات المهمة فيها تؤخذ بالتوافق وليس بالإجماع؛ والبيعة هي تعهد بالولاء والطاعة المطلقين لتعليمات المرشد.
وعن "المصلحة السياسية في سلوك الإخوان المسلمين" تحدث الدكتور أسامة الغزالي حرب، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الليبرالي، مستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بجمهورية مصر العربية، وقال: ليست المصلحة في السياسة شيئاً معيباً، فالسياسة بحث عن المصالح، وإن تناول فكر جماعة الإخوان المسلمين وحركتهم من هذه الزاوية مهم للغاية؛ إذ يُظهر حقيقتها التي تختلف عن المنهج الدعائي الذي تخفي به حقيقتها.
وأشار إلى ظهور الإخوان في مصر عام 1928، في إطار الواقع السياسي آنذاك؛ حيث هناك حقيقة لا يمكننا تجاهلها، وهي الدور الحاسم للقوى الخارجية في تقرير أوضاع بلادنا. لقد أنشأ حسن البنا الجماعة في إطار ظروف سياسية عالمية وإقليمية، فمن
المؤكد أن "شركة قناة السويس"، وهي شركة غير مصرية، قدَّمت مساعدة مالية قدرها 500 جنيه لحسن البنا عند إنشاء الجماعة، ومن هنا لا يمكن أن نغفل أن بريطانيا رأت في وجود الجماعة ضرورة، وخاصة مع ظهور القومية المصرية مع حزب الوفد.
وبين الدكتور أسامة الغزالي حرب، أن الدعم الخارجي انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك كتاب بعنوان "مسجد في ميونيخ"، للكاتب الكندي أيان جونسون، يشرح فيه إحدى حالات دعم المخابرات الأمريكية للجماعة. ولا أقول هنا:
إن الإخوان عملاء للأمريكيين، لكن يجب أن نضع الواقعة في سياقها المفهوم، وهو محاربة الولايات المتحدة للشيوعية والاتحاد السوفيتي، وكان دعم القوى الإسلامية إحدى الأدوات في ذلك. إن قبول الجماعة للدعم الخارجي إحدى سمات ما نسميه المصلحة السياسية للجماعة.
وقال: إن جماعة الإخوان المسلمين منذ يومها الأول تنظيمٌ سياسي بامتياز، ولم تسهم الجماعة إلا إسهامات محدودة في الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي. ولنعد إلى بعض النماذج: من الذي كتب "على هامش السيرة"؟ من الذي كتب "ضحى الإسلام"
و"فجر الإسلام"؟ من الذي كتب "حياة محمد"؟ من الذي كتب العبقريات؟ كلهم من الكتاب الليبراليين، وبعضهم من اليساريين المعروفين. وحين طرحتُ الفكرة على بعض رموز الإخوان قالوا: إن كتابات حسن البنا نموذج لإسهامات الجماعة، ولكن هذه
الكتابات في الحقيقة أقل مستوى بكثير من النماذج السابقة التي قدمت الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية للعالم.
واستطرد الدكتور أسامة الغزالي حرب قائلاً: لقد بدت المصلحة السياسية في سلوك الإخوان عبر مظاهر كثيرة، أصبحت واضحة للعالم كله. لقد استغلوا الحقيقة المؤسفة، وهي أن 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، ووظفوا المساعدات
الاجتماعية لحشد الأنصار من الفقراء. وكان هناك استخدام في المعارك الانتخابية لخطاب يوحي بأن انتخاب الإخوان انتخاب للإسلام، وانتخاب غيرهم معاداة للإسلام، وهو الأمر الذي أثر بالفعل في ملايين من البسطاء والأميين. وهذا السلوك
المصلحي، أو الانتهازي، ظهر في موقف الجماعة من القضية الفلسطينية ومن إسرائيل.
ففي أي مؤتمر جماهيري يتحدثون عن الشعب الفلسطيني والجهاد والقدس، لكن مصر لم تعرف في الحقيقة نظاماً سياسياً متوافقاً مع إسرائيل وكان ودوداً معها مثل نظام حكم الإخوان المسلمين. وهذا ليس شيئاً غريباً لمن يعرف دعم الولايات المتحدة للإخوان المسلمين الذي بدا واضحاً خلال المعركة بين مرسي وشفيق. في وقت يواجه
حكم الإخوان المسلمين فيه مشكلات حقيقية، منها تبلور مواجهة لا يمكن تجاهلها
بين الإخوان والقوى السياسية المدنية التي تقودها جبهة الإنقاذ الوطني. وربما
لم تكن الجبهة على المستوى المأمول، ولكنّ لها دوراً واقعياً ورمزياً مهماً.
وكذلك، كانت مفاجأة لنا أن تكون القدرات التي أبداها الإخوان المسلمون في الحكم متدنية أكثر من كل التوقعات. إن الكوادر التي يقدمها الإخوان المسلمون "فضيحة" بكل المقاييس، فمصر تمتلك كوادر مختصة في كل المجالات يتم إهدارها لصالح تمكين
الجماعة. والحقيقة أن جبهة الإنقاذ لم تكن قادرة على استغلال الفشل الإخواني الذريع بالشكل الملائم.
وأعرب الدكتور أسامة الغزالي حرب عن تفاؤله بمصر، وبمستقبل الجبهة، وهو متفائل أكثر بالحركة الجماهيرية الرائعة "حركة تمرد" التي تلعب دوراً شديد الأهمية. لقد استعادت الحركة فكرة التفويض السلمي التي مارسها المصريون قبل ذلك قبيل ثورة 1919، من خلال حملة جمع توقيعات وتوكيلات لسعد زغلول ورفاقه، مثلت ميلاد الوطنية المصرية آنذاك، واضطرت بريطانيا إلى مفاوضة سعد زغلول ورفاقه باعتبارهم ممثلين لشعب مصر، مشيراً إلى أن حركة تمرد، بعبقرية لا يمكن إنكارها، قد استعادت هذا التقليد القديم، وفاق نجاحها كل التوقعات، ووصلت إلى عمق الريف المصري، ومختلف الطبقات والفئات.
وفي الجلسة الختامية الحوارية التي حملت عنوان "تجربة الإسلام السياسي في السلطة: رؤى وأفكار" التي رأسها مأمون فندي، مدير "معهد لندن للدراسات الاستراتيجية"، في المملكة المتحدة، تحدّث عن "تجربتهم تشريعياً" الدكتور عبدالحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة قطر سابقاً، في قطر،
وعن "تجربتهم سياسياً" تحدث الدكتور ضياء رشوان، نقيب الصحفيين، في جمهورية مصر العربية، فيما تحدث عن "تجربتهم إعلامياً" اللواء سامح سيف اليزل، رئيس "مركز
الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأمنية"، جمهورية مصر العربية، و"تجربتهم اقتصادياً" الدكتور محمد السمهوري، خبير اقتصادي، في دولة فلسطين.
وكان الدكتور خضر عطية، أستاذ الأدب والنقد الحديث جامعة الأقصى - دولة فلسطين، قد عقب في مداخلته على عدد من البحوث، أول من أمس، قال: بداية لا بد من الإشارة إلى أن التيار العلماني قد انبثق من فصل الدِّين عن الدولة بسبب الحرب بين
الكنيسة والدولة البنيوية منذ عصر النهضة. وإنني أعتقد ألا تضارب بين المفهومين إذ على رجال الدِّين حفظ حدود مصالح الآخر؛ واختصاص رجال السياسة بحفظ حدود الدولة، لكن ما يعقد واقع الصراع المعاصر بين التيارين يتمثل سببه في وجود
وعيين مختلفين يمثل كل منهما نقطة جذب نحو طرفه: وعي سلفي يركز على العودة إلى ما كان؛ ووعي بنيوي أساسه ما هو كائن.
وأكّد أن حركة "الإخوان المسلمين" لم تصدر عنهم دعوة وسطية؛ فالوسطية التي دعا إليها بعض زعماء الإخوان هي دعوة براجماتية مرحلية، هدفها الوصول إلى مرحلة التمكين؛ وهذا ما نراه اليوم في سلوك الحركات الإسلامية التي ظهرت على حقيقتها
عندما انتقلت إلى ممارسة السلطة، وقال: إن علينا الوقوف مع الأزهر في مواجهة الدعوات التي تريد الإجهاز على دوره الوسطي التاريخي الرائد، لافتاً النظر إلى أن الإسلام الذي تبشر به الحركات الإسلامية المعاصرة هو إسلام يكتنفه الكثير من
اللبس والبراجماتية بناء على قاعدة أصولية يتم توظيفها توظيفاً مخالفاً، وهي "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، كما أنني أرجو أن يتمّ الانتباه إلى نوع الإسلام وطبيعته والمسلمين في الشرق (الشرق الآسيوي)، والمسلمين في الغرب (من الجزيرة العربية غرباً).
أما الدكتور محمد غانم الرميحي، أستاذ علم الاجتماع - جامعة الكويت، الذي عقب على جلسات، أول من أمس أيضاً، وتحديداً على أفكار الدكتور حسن حنفي، فقال: هناك توظيف سياسي للإسلام، وتاريخ المسلمين بدأ منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛
فالدولة الإسلامية دولة مدنية وليست دينية، وأريد أن أشير كذلك إلى أننا فشلنا في التعليم على مستوى المخرجات؛ وعلينا تأسيس مجتمعنا على نظرة جديدة لفتح آفاق جديدة لمجتمعاتنا.
كما أن علينا تنويع تجربتنا الإعلامية وتنقيحها، ووضع حدٍّ لما نواجهه اليوم من ظاهرة شيوخ الفضائيات الذين يفتون في كل شيء. علينا الانتباه إلى هذا الموضوع وعدم منح المنابر لأي أحد.


التعليقات