دراسة : التغير في منظومة التهديدات العسكرية العربية لإسرائيل

رام الله - دنيا الوطن
التحولات السياسية العميقة التي تشهدها الدول العربية وتحديداًالمسماة بـ "دول الطوق"والتي لازالت مستمرة ولا زالت رياحها لم تهدأ بعد مع احتمال وصولها إلى دول أخرى؛أشبه ببركان ينفجر على مراحل عبر فتحات عديدة، هذه التحولات الكبيرة- التي لم تهدأ بعد - تقضي على مرحلة طويلة من الاستكانة والاستقرار، وعلى تحالفات ومعسكرات، وتعمل على اعادة تشكيل الخارطةالسياسيةللمنطقة في ظل احتدام صراعات اقليمية ودولية قديمة جديدة، ونبش صراعات مذهبية عرقية بهدف توظيفها في خدمة أجندات أقطاب الصراع، وقبل أن ينقشع الغبار عن ساحات الصراع بدا واضحاً على الأقل على مستوى الصراع العربيالإسرائيليأن تغيراً كبيراً قد حدث على الملامح المستقبلية للصراع العسكري، وعلى طبيعة التهديدات الأمنية لأمن دولة الاحتلال؛ الأمر الذى بات يفرض نفسهعلى ما يسمى بـ "مفاهيم الامن القوميالإسرائيلي"، وبدأ يتضح من خلال خطط قيادة أركان الجيش الإسرائيليالهادفة الى ملائمة جيشها لمتغيرات التهديدات الأمنية الناتجة عن التغيرات السياسيةوالأمنية في المنطقة، وذلك عبر ادخال تغييرات كبيرة على بنية الجيش تسليحاً وتشكيلاً.

فيما مضى؛ استعد الجيش الإسرائيلي بشكل أساسي لمواجهة خطر اندلاع حرب كلاسيكية مع الجيوش النظاميةالعربية، فقد كانت مثل هذه الحرب تشكل التهديد الأكبر الذى استعد وتمرن وتسلح له الجيش الإسرائيلي رغم ان آخر حرب مع الجيوش النظامية كانت عام 73، وقد شكل الطيران وسلاح الدبابات والمدفعية الثقيلة السلاح الأهم لهزم العدو والسيطرة عليه، كما أن اتفاقية السلام مع مصر وتحول جبهة سيناء على مدار عقود طويلة الى جبهة غير معادية أدى الى ما يشبه تفكك اللواء الجنوبي المرابط على حدود سيناء، مما جعل الحدود تخترق بشكل يومي عبر مجموعات كبيرة من المهاجرين والمهربين وتجار البشر والمخدرات، والتدفق الكبير للمهاجرين الأفارقة وتداعياته على البنيه الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية، جعلت حكومة نتنياهو تنفق 2 مليار شيكل على بناء أطول جدار من الاسلاك الشائكة المزودةبوسائل الكترونية متطورة.

ويبدو حسب القراءةالإسرائيلية للدور العسكريالمستقبلي لمصر؛أن مصر ترغب بالانشغال بنفسها وعلاج أزماتها الداخلية، والمحافظة على عدم التصعيد والتسخين مع اسرائيل عسكرياً، ما يبقى الجبهةالجنوبية لسنوات طويلةأخرى بعيدة عن أن تشكل تهديد عسكريكلاسيكي،أيأن شبح الحرب مع مصر بالنسبةلإسرائيلأمر غير وارد على الاقل في المستقبل المنظور.

أما على صعيد الجبهة السورية الإسرائيلية؛ فقد مثل الجيش العربيالسوريالى وقت قريب مضى التهديد العسكريالكلاسيكي الوحيد، حيث ان الجيش السوري حظي برعاية واهتمام القيادة السورية، وقد أنفقت الدولة السورية معظم مواردها المالية على تسليحه وتدريبه وتجهيزه وسعيها لما عرف بالوصول للتوازن الاستراتيجي، وعلى الأقل إعلامياً اهتمت سوريا أن تؤكد دوماًأن جيشها يستعد لمعركة تحرير الجولان السوري؛ الأمر الذي كان معه الجيش الإسرائيلي مضطراً لأن يأخذ هذه التهديدات على محمل الجدية، لا سيما وأن اسرائيل رأت في نظام الأسد - على الرغم من هدوء جبهة الجولان - عدواً شرساً وخطراً كبيراً في ظل تحالفه ودعمه لحزب الله وعلاقاتهالوطيدة مع جمهورية إيران، ونظراًأيضاً لحجم الترسانةالعسكريةالتي يملكها.

إلا أن ما تشهده سوريا من صراع دموي عنيف يؤدي عملياً الى تفكك الدولةالسورية وانتشار الفوضى، واحتمالية أن تفرض مآلات الصراع السوريتقسيمات جغرافية ومذهبية وعرقية، وما يعانيه اليوم الجيش السوري من حرب استنزاف وانشقاقات كبيره وتفكك في تشكيلاته وقياداته وفقدانه الكبير لنسبة كبيرة من ترسانته التسليحية وتدمير مواقعه وانسحابه من الكثير منها؛ كل ذلك يجعله جيشاً مفككاً ضعيفاً منهكاً، ويضع على مستقبل قدراته الكثير من علامات الاستفهام، مما يجعله خارج معادلة الصراع وبعيداً عن دوره ومهماته التقليدية، وهو لأمر محزن أن يخرج آخر الجيوش العربية من منظومة التهديدات الأمنيةلإسرائيل.

وبعد أن دمر الجيش العراقي سابقاً، وخرج الجيش المصري من المواجهة، ومعه الأردني، واليوم السوري،فإن التهديدات العسكرية العربية لإسرائيلأصبحت صفراً، وهذا ما كان يفكر به قائد الأركان الإسرائيلي بيني غانتس عندما قرر أن منظومة التهديدات قد تغيرت، حيث قال: "ان التهديدات الكبيرة والواسعة والمستقرة التي ميزت السنوات الأربعين الماضيةقد تغيرت بقدرات نارية لمسافات طويلة وبأعمال ارهابية وتخريبية معادية".

واستناداً الى هذا الفهم لمتغيرات التهديدات الأمنية؛ بدأ الجيش الإسرائيلي يستثمر أكثر في سلاح المشاة، والتوسع في التشكيلات القتالية المبينة أساساً من الوحدات الخاصة، والتقليل من أهمية دبابات المركفاه والمدفعية الثقيلة، والتأقلم مع حروب الصواريخ وقتال المجموعات المسلحة، وهو ما يسميها بالتهديدات التكتيكيةالتي اكتوى بنيرانها على أكثر من جبهة، وتهدد اليوم بفتح جبهات جديدة قد تشكل حرب استنزاف طويلة المدى تدخل اليها جبهات جديدة طالما ظلت صامته

التعليقات