الليبيون في شمال أفريقيا يخشون العودة إلى وطنهم

رام الله - دنيا الوطن
كان عبدالله ورفلة عازماً على عدم مغادرة وطنه مطلقاً إلى أن هاجمت القوات الحكومية والثوار في أكتوبر الماضي مدينة بني وليد، التي تقع على بعد  نحو 170 كليومتراً جنوب شرق العاصمة الليبية طرابلس.

ولكن عقب اسبوعين من تعرضه للسجن والتعذيب، فر المقاول السابق الذي يبلغ من العمر 68 عاماً من بلاده، وقال لـشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في القاهرة: "اتهموني بدعم [الرئيس السابق معمر] القذافي خلال الثورة، وهو أمر عار تماماً عن الصحة". وأضاف قائلاً: "حوّل هؤلاء حياة الناس إلى جحيم، ليس في بني وليد فحسب بل في كل مكان في ليبيا".

ورفلة هو واحد من بين عشرات الآلاف من الليبيين الذين فروا إلى مصر، بعدما تم اتهام الكثير منهم، غالباً زوراً حسب قولهم، بأنهم شاركوا في القتال لصالح القوات المناصرة للقذافي في عام 2011، أو بأنهم عبّروا علناً عن دعمهم له.

ويواجه كثير من هؤلاء الليبيين، الذين يعيشون خارج وطنهم، صعوبة في العثور على فرص عمل ومسكن بسعر معقول، ويفتقرون لأي دعم رسمي. إضافة إلى ذلك، فإنهم يخشون التعرض لهجمات انتقامية حال عودتهم إلى وطنهم.

وقال صلاح التركي، وهو مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، التي تتخذ من القاهرة مقراً لها: "هناك إصرار داخل ليبيا الآن على الانتقام من أي شخص وقف إلى جانب القذافي ضد الثوار، حتى لو كان هؤلاء الناس الذين وقفوا إلى جانب القذافي غير متنفذين أو غير مقاتلين".

وأضاف قائلاً: "لقد تعرض بعض مؤيدي القذافي، الذين تركوا ليبيا بشكل مبدئي في أعقاب سقوط الديكتاتور الليبي، إلى مشكلات عندما عادوا إلى ديارهم. ومن ثم فإن مؤيدي القذافي في الدول الأخرى يراقبون كل هذا وينتابهم الخوف من العودة، خشية التعرض للمصير ذاته".

وتجدر الإشارة إلى أن عدد الليبيين الذين فروا من الدولة ليس واضحاً نظراً لأن عدداً قليلاً جداً فقط يسجلون اسماءهم في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

إلى ذلك، أفاد مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية الليبية أن عدد الليبيين الموجودين في تونس يتراوح ما بين 430,000 إلى 530,000 شخص.

وفي حين تشير تقديرات المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان إلى أن عدد الليبيين الذين ذهبوا إلى مصر عقب سقوط نظام القذافي يصل إلى 750,000 شخص، قالت السفارة الليبية في القاهرة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن العدد لا يزيد عن 30,000 شخص. ويُعتقد أن عشرات الآلاف من الليبيين فروا إلى الجزائر أيضاً.

وعلى الرغم من كبر حجم المساحة الجغرافية لليبيا، إلا أن عدد سكان الدولة يصل إلى نحو 6 ملايين نسمة فقط. ويقول المسؤولون الحكوميون أن وجود هذا العدد الكبير من المواطنين خارج الحدود الليبية يُشكل قلقاً للحكومة.

وكان بعض الليبيين الموجودين في مصر في السابق من كبار رموز النظام الليبي، مثل أحمد قذاف الدم، ابن عم القذافي ومن المقربين إليه، الذي يخوض الآن صراعاً قانونياً في القاهرة، يهدف إلى تمهيد الطريق لتسليمه إلى ليبيا.

مع ذلك، لم يلعب معظم هؤلاء الأشخاص أدواراً رفيعة المستوى في نظام القذافي، ويقولون إنهم يشعرون بالتهديد لدعمهم السابق للقذافي، أو لمجرد أنهم ينتمون لقبيلة أو مدينة تُصّنف على أنها "موالية للقذافي".

ملاذ آمن؟

وعلى الرغم من أن الكثير من الليبيين الذين فرّوا إلى مصر قالوا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الوضع غير آمن لعودتهم، إلا أن الحياة في مصر ليست سهلة أيضاً ويقولون أنهم لا زالوا يعيشون في خوف.

وفي هذا الإطار، قال عمر محمد الأوجلي، الوزير المفوض في وزارة الخارجية الليبية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "معظم هؤلاء الناس، خاصة أولئك الذين ارتكبوا جرائم في ليبيا قبل أن يأتوا إلى هنا، يعتقدون أن مؤسسات الدولة أو حتى المنظمات الدولية سوف تتجسس عليهم لصالح الحكومة الجديدة في ليبيا".

وأضاف قائلاً: "ينتابهم هذا الشعور العام بالخوف من الحكومة أو المؤسسات الرسمية وهذا هو السبب الذي يجعلهم يتجنبون هذه المؤسسات".

وفي أعقاب الربيع العربي، بدأت مصر تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية ولذلك يكافح الليبيون في الخارج للعيش في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغياب فرص العمل.

وفي هذا الإطار، وصف محمد السلاك، وهو مذيع تلفزيوني في قناة ليبيا، لقاءه بإحدى الأسر الليبية التي تعيش في المقابر في غرب القاهرة. وأوضح بالقول: "رغم كل هذا، يخشى أفراد هذه الأسرة اللجوء للسفارة الليبية طلباً للمساعدة. بعضهم يعاني من مشكلات صحية ولكنهم يخافون من مجرد الذهاب إلى المستشفى حتى لا تعرف الحكومة الليبية مكان إقامتهم".

وتسعى "المؤسسة الليبية لحقوق الإنسان" لإيجاد سُبل لتخفيف معاناة اللاجئين الليبيين في مصر. وعليه، يلتقي موظفو المؤسسة بهؤلاء اللاجئين، في محاولة لتقديم بعض المساعدة المالية وعرض محنتهم على الحكومة الليبية.

انقسام الآراء

ويشكل الجدل الحالي داخل ليبيا بشأن نوع الدور الذي ينبغي أن يلعبه المناصرون للقذافي سابقاً في الإدارة الجديدة، انقساماً في أوساط الليبيين المقيمين في مصر.

 

"جميعهم خائفون. يعتقدون أنهم سيواجهون مشكلات كثيرة عندما يعودون"  نعيمة الحامي، المؤتمر الوطني العام الليبي

وقد حدثت مشاحنات في مناطق عامة مثل مراكز التسوق بين الليبيين الذين اعتادوا تأييد القذافي وآخرين ممن كانوا يبغضون حكمه وثاروا ضده.

وفي هذا، قال فوزي الطرابلسي (ليس اسمه الحقيقي) الذي عمل لمدة عام كوزير مفوض خلال نظام القذافي:  "كنا مضطرين جميعاً لالتزام الصمت تحت حكم القذافي رغم أننا لم نحب الرجل أو نظامه".

واستطرد قائلاً: "يجب أن يكون هناك نوع من العفو. لن تتقدم ليبيا خطوة إلى الأمام إذا ظلت هذه الرغبة في الانتقام تسيطر على كل شيء".

وعلى الجانب الآخر من هذا النقاش السياسي، هناك ليبيون مثل عادل عبد الكافي، وهو طيار مقاتل في القوات الليبية سابقاً فر بطائرته الحربية من ليبيا إلى القاهرة في مطلع الثمانينيات وطلب اللجوء السياسي احتجاجاً على ما أسماه "استبدادية القذافي".

وقال عبد الكافي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "العفو؟" "كيف يمكن العفو عن أناس شاركوا في قتل ليبيين أبرياء أو التزموا الصمت في وقت كان يتم فيه إذلال الليبيين لأكثر من 40 عاماً؟"

بناء الثقة

وتتخذ الحكومة الليبية بعض الخطوات باتجاه تحقيق المصالحة. متحدثة من تونس، قالت نعيمة الحامي، نائب رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها التقت ليبيين يعيشون في حالة فقر ومع ذلك لا يرغبون في العودة إلى وطنهم.

وأضافت قائلة: "جميعهم خائفون. يعتقدون أنهم سيواجهون مشكلات كثيرة عندما يعودون. والحقيقة هي أن بعض الليبيين لم يرتكبوا أي شيء ولكنهم يقومون بتصفية حسابات قديمة مع مواطنيهم. وهذا ما يُخيف الجميع".

إلى ذلك، تقوم مجموعة من أعضاء البرلمان الليبي، بما في ذلك نعيمة الحامي نفسها، بزيارة الدول المجاورة من أجل التحدث إلى اللاجئين الليبيين وإقناعهم بالعودة إلى ديارهم. ولكن لا يزال عليهم مد جسور التواصل وبناء الثقة.

وفي القاهرة، قامت السفارة الليبية بفتح مكتب مستقل تابع للسفارة ولكن في جزء مختلف من المدينة بهدف الاستماع إلى مشكلات اللاجئين ومحاولة إقناعهم بالعودة إلى وطنهم.

وقال مبروك رحيل، مسؤول بالسفارة عن هذا المكتب، أن ما بين 5 إلى 7 ليبيين يزورون المكتب يومياً طلباً لمساعدتهم إما لمواصلة العيش في القاهرة أو العودة إلى ليبيا.

وأضاف أن "الأشخاص الذين لم يقترفوا جرائم خلال فترة الثورة  ليس لديهم مشكلة في العودة. أما أولئك الذين ارتكبوا جرائم، فيجب تقديمهم للمحكمة".

ويرى عمر محمد الأوجلي، الوزير المفوض في وزارة الخارجية الليبية، أنه إذا لم يستطع بعض الليبيين العودة إلى ليبيا في الوقت الحالي، فعلى الأقل يجب على ليبيا أن تذهب إليهم.

وأوضح بالقول: "نرغب في عودة هؤلاء... يجب أن يعودوا إلى وطنهم. لماذا يقيمون في الخارج؟"

ويرى الأوجلي أن ثوار ليبيا أصبحوا الآن أكثر تقبلاً عن ذي قبل لفكرة عودة مواطنيهم الذين كانوا يدعمون القذافي.

مع ذلك، يقول ورفلة من مدينة بني وليد، الذي يقبع ابنه حالياً في السجن في ليبيا على خلفية اتهامه بالقتال ضد الثوار المناوئين للقذافي، أنه لا يزال غير مقتنع بالعودة.

وأوضح قائلاً: "نحن بحاجة إلى نظام عدالة يكفل عدم الزج بأي فرد في السجن دون وجه حق... نحتاج إلى أمن وضمانات بأن لا يخرج علينا، أحد من تلقاء نفسه، ويهاجمنا أو يتهمنا بأمور وهمية. نريد أن تكون ليبيا لجميع الليبيين".

ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد بأنه سوف يتم توفير هذه الظروف في المستقبل القريب حتى يستطيع العودة ورؤية أولاده وزوجته، تنهد بنبرة تشي بالضجر والسأم: "لديّ أمل في الله".

التعليقات