مصر تعيد النظر في نظام دعم الفقراء

رام الله - دنيا الوطن
اتخذت الحكومة المصرية خطوات مؤقتة نحو الحد من نظام الدعم المقدر بنحو 20 مليار دولار، والذي يقول مؤيدوه أنه يقدم مساعدات حيوية لواحد من كل أربعة مصريين يعيشون تحت مستوى الفقر، بينما يقول النقاد أنه غير مستدام ويثري الفاسدين.

وأكد أسامة كمال، الذي كان وزيراً للبترول حتى خروجه من الحكومة ضمن تعديل وزاري يوم 7 مايو، أن "معظم الدعم لا يذهب إلى الناس الذين يحتاجون إليه حقاً".

وتخطط الحكومة لإجراء سلسلة من الإصلاحات التدريجية بغرض إحداث ثورة في نظام الدعم المستمر منذ عقود، في محاولة لكبح جماح العجز المتصاعد في الميزانية، والتكيف مع شروط قرض بقيمة 4.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

ولكن كما قال وزير التموين والتجارة الداخلية باسم عودة مؤخراً، نظام الدعم يحمي ثمانية ملايين مصري على الأقل من الفقر، وأية تغييرات فيه ستكون حساسة للغاية.

وتسعى الحكومة إلى خفض العجز في الميزانية ليصل إلى 5.5 بالمائة في موازنة 2016-2017 من 10.7 بالمائة في موازنة 2012-2013، وفقاً لوزارة المالية.

ويعتبر دعم الطاقة، الذي يقدر بنحو 115 مليار جنيه (16.8 مليار دولار)، ودعم الخبز الذي يقدر بحوالي 21 مليار جنيه (3.1 مليار دولار) من الأولويات القصوى في خطة إصلاح الدعم.

وأفادت منال متولي، أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، أن خفض الدعم سيكون لها تأثير مدمر على الفقراء وأن "الحكومة تقول أن نظام الدعم يفتح الطريق للفساد، لكنها ليست مضطرة لخفض الدعم من أجل محاربة الفساد".

وأضافت أن "الدعم يمنح الملايين من الناس القدرة على الصمود، على الرغم من الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، وهذا يعني أن أي تغيير في النظام يمكن أن يؤثر على حياة الملايين من الناس".

ما هي الخطة الرامية للحد من الفساد المتعلق بدعم الخبز؟

الخبز المدعوم هو عنصر دائم على جميع الموائد المصرية تقريباً، بل إنه شريان الحياة بالنسبة للفقراء، ولكنه يتعرض لسوء الاستغلال مراراً وتكراراً.

يستهلك المصريون حوالي 210 مليون رغيف من الخبز المدعم يومياً، مما يجعل مصر أكبر مستورد للقمح في العالم.

وتبيع الحكومة رغيف الخبز المدعم في أكثر من 25,000 مخبز بمبلغ خمسة قروش (أقل من سنت أمريكي واحد) في حين أن تكلفة إنتاج نفس الرغيف تربو على 40 قرشاً (ستة سنتات).

"ويمثل دعم رغيف الخبز صداعاً حقيقياً للحكومة لأنه، مثل معظم أنواع الدعم الأخرى، يفتح الطريق لفساد واسع النطاق وجني الأرباح من قبل مجموعة من التجار غير الشرفاء،" كما أشار حمدى علام، وهو مسؤول كبير في وزارة التموين والتجارة الداخلية، خلال حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

ومن أجل الحد من الفساد الناتج عن بيع أصحاب المخابز للدقيق المدعم في السوق السوداء، وضعت الحكومة نظاماً جديداً في شهر أبريل الماضي، وتم تنفيذه في العديد من المحافظات ووافق عليه 15,000 مخبز.

فبدلاً من بيع الدقيق المدعم إلى المخابز، يشتري أصحاب المخابز الدقيق بسعر السوق، ثم تقوم الحكومة في وقت لاحق بدفع 35 قرشاً مقابل كل رغيف، للتأكد من أن سعر البيع لا يزال 5 قروش.

ومن المتوقع أن يتم تنفيذ هذا النظام في جميع أنحاء مصر خلال الشهرين المقبلين بعد التزام جميع المخابز في البلاد بتلك الإصلاحات.

وتهدف الحكومة هنا إلى الحد من الفساد، وليس تقديم الدعم المالي للمستهلكين الفقراء.

ما هي الخطة المتعلقة بالبطاقات التموينية؟

يرجع تاريخ نظام البطاقات التموينية في مصر إلى عام 1964، عندما كان عدد السكان أقل من 30 مليون نسمة. في ذلك الحين، خصصت الحكومة مليوني جنيه (301,204 دولاراً) لبيع الأرز والسكر والعدس وزيت الطبخ والشاي إلى المواطنين بأسعار مدعومة.

أما الآن، فتنفق الحكومة ما يصل إلى تسعة مليارات جنيه (1.3 مليار دولار) سنوياً على دعم المواد الغذائية، التي تستفيد منها حوالي 17.6 مليون أسرة (حوالي 68 مليون نسمة).

وتخطط الحكومة لبدء قصر البطاقات التموينية على المواطنين الذين يقل دخلهم الشهري عن 1,500 جنيه (216 دولاراً) في يوليو القادم، ولكنها تخطط في الوقت نفسه للسماح بتسجيل الأطفال الذين ولدوا بعد عام 2005 لأسر ذات دخل منخفض في البطاقات، وستلغي بذلك قرار تعليق التسجيل الذي تم اتخاذه في عهد الرئيس حسني مبارك.

كما أعلن وزير التموين الأسبوع الماضي أن الحكومة ستعمل على تحسين جودة سلع البطاقة التموينية التي لا تتمتع بسمعة جيدة.

وماذا عن دعم الطاقة؟

تحظى الطاقة بالنصيب الأكبر من الدعم، إذ تنتج وزارة البترول نفطاً بقيمة 165 مليار جنيه (23.8 مليار دولار) كل عام، ولكنها بعد ذلك تبيع هذه المنتجات بنحو 50 مليار جنيه. ويذهب معظم دعم الطاقة إلى المصانع والمشاريع الصناعية، التي تحصل على احتياجاتها من الطاقة بأقل من أسعار السوق، كما أن أصحاب السيارات الخاصة يستفيدون أيضاً.

وقد بدأت الحكومة بالفعل في خفض الدعم على وقود السيارات، وكان استهداف البنزين من فئة 95 اوكتان هو الخطوة الأولى في هذا الصدد. 

الصورة: عمرو إمام/إيرين

يشتري المصريون ما يقرب من 360 مليون اسطوانة غاز سنوياً

وتقول الحكومة أنها تعتزم خفض الدعم على وقود السيارات بنسبة 10 بالمائة اعتباراً من شهر يوليو القادم كمرحلة أولى من الإصلاحات، ولكن هذه النسبة سترتفع إلى 50 بالمائة في غضون خمس سنوات. كما تقول أن هذه الخطة، إذا ما تم تطبيقها في يوليو، ستخفض الدعم الإجمالي للوقود إلى 99 مليار جنيه (14.5 مليار دولار).

وللقيام بذلك، تخطط الحكومة لمنح أصحاب السيارات كوبونات أو بطاقات ذكية تسمح لهم بشراء كميات محدودة من الوقود المدعوم.

واسطوانات الغاز؟

تتمتع كل أسرة مصرية تقريباً بدعم اسطوانات الغاز. وتقول الحكومة أن دعم اسطوانات الغاز بلغ 60 مليار جنيه مصري (8.9 مليار دولار تقريباً) في موازنة 2012-2013.

وتجدر الإشارة إلى أن إنتاج اسطوانة واحدة يكلف 78 جنيهاً (11.2 دولاراً)، وعلى الرغم من ذلك، كانت الحكومة حتى وقت قريب تبيع نفس الاسطوانة للجمهور بمبلغ خمسة جنيهات (72 سنتاً).

والآن، تخطط الحكومة لربط اسطوانات الغاز المدعومة بالبطاقات التموينية. وبذلك ستسمح البطاقة التموينية لكل أسرة حاملة لها وتتكون من ثلاثة أفراد بالحصول على اسطوانة غاز واحدة كل شهر بالسعر المدعوم، وهو خمسة جنيهات. كما ستحصل العائلات التي تتكون من أكثر من ثلاثة أفراد على 1.5 اسطوانة غاز بنفس السعر المدعوم كل شهر.

وقد بدأت الحكومة تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إصلاح دعم اسطوانات الغاز في شهر أبريل الماضي عن طريق رفع سعر الاسطوانة الواحدة إلى ثمانية جنيهات (1.15 دولاراً) للمنازل و16 جنيهاً (2.30 دولاراً) للمطاعم والمحلات التجارية.

وتقول الحكومة أنها ستبدأ توزيع كوبونات أسطوانات الغاز في جميع المحافظات في شهر يوليو القادم.

ومن المتوقع أن يرتفع سعر الاسطوانة من دون قسائم إلى 30 جنيهاً (4.3 دولاراً). وتقول الحكومة أن نظام القسائم سيوفر 3 مليارات جنيه سنوياً.

والجدير بالذكر أن المصريين يستهلكون حوالي 360 مليون اسطوانة غاز كل عام.

ما هي العواقب المحتملة؟

ناقشت مصر لفترة طويلة إصلاح الدعم، لكنها عانت لتغيير هذا النظام الذي ينظر إليه على أنه غير مستدام وحساس إلى درجة تستعصي معها إعادة تنظيمه.

وقال مسؤول بارز في جماعة الإخوان المسلمين طلب عدم الكشف عن اسمه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الحكومة مصممة على المضي قدماً في تلك الإصلاحات.

"لن نشتري الأصوات على حساب الاقتصاد الوطني. يجب إعادة صياغة نظام الدعم بالطرق التي تسمح بوصول الدعم إلى مستحقيه،" كما قال.

ونظراً لاستمرار الاحتجاجات وقرب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، يقول محللون أن الحكومة سوف تحتاج إلى التركيز على أن هذه الإصلاحات تهدف إلى الحد من الفساد وليس زيادة الأعباء على الفقراء.

وأشار المسؤول إلى أن "بعض التدابير التي نتخذها لا تحظى بشعبية، وتجعل الناس يكرهوننا، ولكن ليس هذا ما نهتم به. إننا نهتم فقط بوضع اقتصاد هذا البلد على المسار الصحيح".

ولكن الساسة يخشون دائماً من الاضطرابات الاجتماعية التي ستواكب ارتفاع الأسعار الذي لا مفر منه.

وقال رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، وهو مركز بحثي محلي، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "سعر الطن الواحد من حديد التسليح [قضبان الحديد المستخدمة في صناعة البناء والتشييد] قد قفز بنسبة 30 بالمائة عندما خفضت الحكومة دعم الطاقة المباعة إلى مصانع حديد التسليح". وأضاف أن "الشيء نفسه سيحدث مع جميع السلع الأخرى، وسيدفع المواطنون العاديون هذه الفاتورة في نهاية المطاف".

التعليقات