رسالة كيسي نجر :وثيقة تاريخية تكشف وجوه المؤامرة :‏خصوبة الاحداث اللبنانية سهلت السعي لتحقيق حلم موسى شاريت الديار

رام الله - دنيا الوطن
كتب اسكندر شاهين كثيرون من المحللين والمراقبين الذين واكبوا الحرب اللبنانية وعايشوا تفاصيلها ضاعوا في ‏تحديد ماهية هذه الحرب.منهم من ذهب في وصفها بحرب لبنانية - فلسطينية، والبعض الآخر تحدث ‏عن الصراعات الطائفية والمذهبية وكيف ان العائلة اللبنانية تصدعت من داخلها، وكثيراً ‏ما كان الاشقاء المتحدرون من صلب واحد يتواجهون في خنادق متقابلة.لم تترك صفة الا ولحقت ‏بهذه الحرب ولكي لا ندخل في متاهة التحليل الذي قد يصيب او يخطئ، او يرضي طرفاً ليغيظ آخر ‏يقول احد الضباط في المكتب الثاني، ان الحرب اللبنانية باختصار، وبدون ان نحمّلها اكثر ‏مما حملت هي ببساطة مطلقة خطة وضعها هنري كيسينجر وزير خارجية اميركا

وكان الهدف من ‏ورائها الغاء الديموقراطية في لبنان، لان هذه الديموقراطية كانت الاساس وراء النظريات ‏التي تهاجم اميركا والغرب، بينما كان كيسينجر يريدها ان تعصف بمحيط لبنان العربي.‏ويضيف الضابط المذكور: ان رد كيسينجر على العميد ريمون اده في رسالة مؤرخة في 14/6/74 ‏يتحدث فيها عن خطته التي عصفت لبنان ونشرتها آنذاك مجلة «الحوادث» في العدد الثاني من ‏حزيران هي وثيقة تاريخية تتحدث عن الخلفيات والاسباب والدوافع التي حدت بأميركا الى اشعال ‏الحرب في لبنان وجعله ساحة لحروب  الآخرين. 

وهذا نص
الوثيقة من زاوية «من فمك ادينك يا ‏اسرائيل».‏‏«نيو مكسيكو في 14/6/1976‏عزيزي مستراده،وصلني النص الحرفي لترجمة كتابك المفتوح المؤرخ في 12/6/1976، عن طريق سفارة الولايات المتحدة ‏في بيروت.‏وخيّل اليّ للوهلة الاولى، ان شيئا خطيراً قد حدث في لبنان لان السفير الجديد مستر فرنسيس ميلوي ‏نقله الى واشنطن مع اشارة «عاجل جداً».لذلك تسلمته في مكسيكو خلال رحلتي الى بلدان اميركا ‏اللاتينية، وانا الآن أجيب عليه من المقصورة الصغيرة بالطائرة الخاصة المعدة لرحلاتي ‏المكوكية.لهذا اعتذر عن «المطبات» التي سأقع فيها لأن انشغالي بأمور كثيرة يجعلني عرضة ‏لأخطاء غير مقصودة.‏أحب قبل كل شيء ان اهنئك لأنك سلمت بطريقة عجائبية، من محاولة اغتيال.وهذا ثمن يدفعه ‏كل سياسي في العالم، حتى في بلادنا.وقد تستغرب ما نتكلفه - ماديا وامنيا - على حماية ‏الرؤساء والمرشحين بعد مقتل الاخوين كنيدي.

وبعد المحاولات المتكررة التي تعرض لها الرئيس ‏الحالي مستر فورد.كما أشكرك هذه المرة بالذات لانك رفضت ان تجعلني مسؤولا عن محاولة ‏اغتيالك، بعد سلسلة الاتهامات التي ألصقتها بي، بحيث صورتني للرأي العام إلها صغيراً أعي من ‏القدرة والسلطان ما لم يعطه في الماضي للفراعنة والقياصرة!‏لقد اكتشفت في العبارة الاولى التي افتتحت بها رسالتك كثيرا من النبل، عندما قلت «ليس لي ‏شرف معرفتك».وانا ايضا ليس لي شرف معرفتك، مع انك - حسب التقارير التي تصلني من ‏ديبلوماسيينا في بيروت - من اكثر السياسيين اللبنانيين شهرة وسط الجاليات الاجنبية.فأنت، ‏حسبما اقرأ عنك، تتمتع بشهرة خاصة كعازب ظريف، ومعارض محترف، ودون جوان.وهذه صفات ‏احبها.‏ومع ان سيسكو قدم لي مذكرة بخلاصة حديثك الطريف معه، الا ان صراحتك زادتني فضولا وتشوقا ‏لفتح حوار مطول معك حول الامور التي طرحتها.وفي مقدمتها ما قلته بأنني شخصيا اخطط
‏لتقسيم لبنان، واعطاء قسم من جنوب بلادكم لاسرائيل، ثم السعي لتقسيم سوريا.واخبرني ‏سيسكو بأنك سألته: «هل يتقبل ان يتآمر اللبنانيون لاقامة دولة زنجية انفصالية داخل ‏الولايات المتحدة؟هذا ما يفعله كيسنجر في لبنان عندما يتآمر لاقامة دولة مسيحية ونسف صيغة التعايش»!‏قبل ان اجيب على هذه الاتهامات يجب ان اعتذر لك مرة ثانية لانني تركت مكتبي عندما كنت انت ‏مجتمعا مع سيسكو في الجناح الآخر من وزارة الخارجية، ونزلت الى المدخل الرئيسي لاستقبل ‏السيدة غولدا مائير.اني اعرف رأيك فيها كامرأة.

واعتقد اني سمعت رأياً مشابها لرأيك عندما تناولت طعام الغداء في منطقة نائية عن بيروت مع رئيس جمهوريتكم مستر فرنجية.يومها ‏سألني وزير خارجيتكم (اعتقد ان اسمه يبدأ بحرف الفاء لقد سقط اسمه من ذاكرتي) لماذا لا ‏ازور هياكل الاعمدة الضخمة.واجبته بأنني على موعد مع غولدا مائير في تل ابيب، ولا ‏استطيع ان اتأخر عن لقاء هذه العجوز لئلا ادفع ثمنا لا اريده.وسألني وزيركم عن الثمن، ‏فقلت له ضاحكا: «إنها تجبرني على تقبيلها».واذكر انه قال لي بحسرة: «انا لا اريد ‏لزيارتك للهياكل ان تكون سببا في عذابك.واعجنبي جوابه.‏‏} الخداع }‏وفي المرة الثانية علمت بانك عدت الى الولايات المتحدة لتجتمع بي بناء على وعد قطعته لك ‏الانسة «م» ولقد اخبرتك في باريس بانها تعرفني جيدا، وانها كانت صديقتي، هذا صحيح انا لا ‏انكر ذلك.ولكنها نسيت ان زوجتي تملك جهاز مراقبة يعمل لصالحها في مكتبي، مع انني بحكم ‏مركزي، اراقب كل العالم لذلك افضل في المرة المقبلة، اذا انت قررت المجيء الى اميركا، الا ‏تطلب موعدا عن طريق النساء!‏والان مستر اده، لننتقل الى صلب الموضوع في كتابك المفتوح.فانت تقول: «بان لبنان صائر الى ‏الزوال بسببي..وان شعبه لا يقبل بالفناء لكي تعيش اسرائيل...وان خطتي السرية تقوم ‏على منح لبنان لسوريا - كما نسبت الي قوله لبعض الاصدقاء كحل لتوفير السلم في المنطقة».‏قبل ان ادافع عن نفسي احب ان اذكرك بزيارتي للبنان، يومها طلبت شخصيا من سفارتنا في ‏بيروت ان تتصل باجهزة الامن عندكم وتلح عليها بوجوب تغيير مكان الاجتماع برئيس جمهوريتكم ‏لاسباب تتعلق بسلامتي وذكر المسؤولون عن امني في السفارة الاميركية في بيروت، ان معلوماتهم تشير ‏الى وجود صواريخ ارض - جو سوفياتية الصنع ستوجه الى طائرتي قبل هبوطها في مطار بيروت، ‏وكنت بهذا العمل احاول ان امتحن مقدار السيادة اللبنانية.وقدرة السلطة على فرض ‏ارادتها.

وبدلا من ان ترفض الدولة اللبنانية هذا الاحراج فقد انتقل رئيس البلاد الى مكان ‏خفي، سري، ليجتمع بي عندئذ ادركت حقيقة انه لا وجود للدولة اللبنانية وان السيادة ‏معدومة.وصدقني ان اللقاء القصير كان مضيعة لوقتي الثمين.فقد سئلت اكثرمن عشر مرات عن ‏الضمانات الاميركية لاستقلال لبنان وسيادته.‏ولم اجد لدى المسؤولين اية رغبة وطنية في تأمين هذه الضمانات.ولا اكتمك انني اجريت ‏امتحانات عديدة من هذا النوع مع حكومات عربية اخرى.ولكن جميع المسؤولين في الاردن او ‏سوريا او مصر او غيرها، رفضوا تغيير بند واحد في برنامج الزيارة، واعتبروا ان
الدفاع عن ‏اي زائر رسمي هو مسؤولية داخلية.لذلك اكتشفت خلال الساعات القلائل التي امضيتها في ثكنة ‏عسكرية عندكم، انني في وطن هارب يختبئ من واقعه المتردي!‏طبعا ان اعرف جوابك على هذه الصورة.فالمسؤولية دائما وابدا تقع على الولايات المتحدة ‏وانما ثق باننا حاولنا مرارا وتكرارا ان نتآمر على انظمة عديدة في العالم العربي - ولا ‏نزال - وانما باءت كل محاولاتنا بالفشل.

لماذا؟ لاننا اصطدمنا بمقاومة وطنية وبمناعة ‏داخلية.والزلازل لا تحدث الا في الارض المشقوقة.ولا اكتمك ان لبنان هو بلد مثالي لتحقيق ‏المؤامرات.ليس ضده فقط، وانما ضد العالم العربي ككل من هنا اكتشفت في تناقضاته عناصر ‏جديدة لنصب فخ كبير للعرب جميعا.‏ولقد ابلغني الرئيس فورد مرة بفرح، ان النجاح الذي حققته خطتي في لبنان قد غطى على ‏الاخطاء التي اقترفتها في التشيلي وقبرص وبنغلادش وانغولا.وانا شخصيا ما كنت اتوقع هذا ‏القدر من النجاح.صحيح ان وجود اسرائيل وسع حجم العمل، لكن التناقضات اللبنانية هي ‏التي كانت تؤمن لنا استمرارالخطة وسلامتها .مرة واحدة حدث خطأ عربي - اوروبي كاد يجمد ‏حركة العملية -وسارعت بارسال دين براون (وهو مهندس سياسي اختصاصي بعمليات الشرق ‏الاوسط) ولقد كشف
بسرعة عن موضع الخلل، ثم اعاد ضبط الجهاز الكبير الذي يحرك الامور حسب ‏الاهداف المطلوبة والخطة المرسومة.‏‏} الخطة }‏وقد تسأل، مستر اده، عن طبيعة هذه الخطة!‏لا اكتمك بانني بدأت بشيء ثم انتهيت بشيء آخر، كان همي الوحيد ان ابعد الاتحاد السوفياتي ‏عن مجال التدخل والحسم والمشاركة في حل ازمة الشرق الاوسط كما اسعى الى تأجيل مؤتمر جنيف ‏والاعتراف بمنظة التحرير الى ما بعد انتخابات الرئاسة الاميركية والانتخابات النيابية في ‏اسرائيل اي مدة سنتين على الاقل.ثم تشعبت مطامحي بعدما رأيت ان خصوبة الاحداث الدامية في ‏لبنان قد اسقطت صيغة التعايش المطروحة، وبعد ان بدا لي ان ما كان يحلم به «موسى شاريت» ‏عندما كتب رسالته الشهيرة الى بن غوريون (18/3/1954) اصبح سهل المنال.فقد تحدث الرجلان ‏الاسرائيليان يومها عن وجوب تقسيم لبنان الى دولتين طائفيتين.وانمادعني استعمل عبارة ‏شاريت حرفيا: «لا جدوى ولا فائدة في محاولة اثارة حركة من الخارج اذا لم يكن تعزيز روح ‏حية اذا كانت تنبض من تلقاء نفسها.وليس من الممكن بعث الروح في جسد لا تبدو عليه دلائل ‏الحياة».‏هذا ما قاله حرفيا عن لبنان.لذلك اريدك الا تجعلني مسؤولا عن خطة كانت اسرائيل تمهد لها ‏منذ عام 1954.‏

صحيح انني افكر بخلق دويلات شبيهة باسرائيل بعدما فشلت في اقناع الدول العربية بفكرة ‏الصلح الانفتاحي وفي قبول هذه الدولة الجديدة جزءا من المنطقة.ولكن الصحيح ايضا ان ‏الاحداث الدامية التي افتعلناها امنت لنا ارضية مثالية لتقسيم النفوس الموحدة، وتدمير ‏صيغة التعايش، واحداث خلل اساسي في النظام الديمقراطي الوحيد في المنطقة.وانا ارى بعكس ‏ما يراه قداسة البابا والرئيس الفرنسي ديستان واكثر زعماء اوروبا، بان لبنان اصبح ‏عبئا على الغرب لكثرة ما اعطت حريته من افكار كانت تستعمل ضدنا وليس ضد دول المنطقة.‏لهذا قررت
الغاء هذه الحرية بالرغم من معارضة فرنسا والفاتيكان وبريطانيا ودول اميركا ‏اللاتينية.ثم اجعل من نظامه نظاما ذيليا.وانت تعرف جيدا ان طمس النظام اللبناني - ‏ولو لمدة سنتين على الاقل - هو امر ضروري للتسويات المطلوبة.هذا، الا اذا نجحت في نقل ‏الحروب العربية الى ساحته، كما حدث في اسبانيا، مع العلم بان هذه المغامرة قد تؤدي الى ‏حرب عالمية.‏تقول في آخر رسالتك «ان لبنان ما اساء قط الى اي بلد.ومن الواجب انقاذ استقلاله ‏وسيادته، لان وجوده لا يزال ذا نفع للعالم».‏وهذه نظرة عاطفية لا تليق برجل مثلي يتطلع الى جغرافية العالم من خلال مصالح اميركا...‏ومن خلال مصالح اسرائيل في المنطقة.

والدليل على ذلك ان الحرب لن تتوقف في بلادكم اذا ‏هددت امن اسرائيل.‏لان كل ما يحدث في المنطقة يجب ان يخضع لهذا المنطق.‏وختاما تطلب مني، يا مستر اده، ان اثق بصداقتك المخلصة التي تكنها للشعب الاميركي.‏وبالمقابل، اريدك ان تثق بان اخلاصي لاسرائيل (وانا يهودي الماني عرف الاضطهاد النازي) لا ‏يعادله الا اخلاصي لزوجتي وبلادي الثالثة اميركا.ولا تسألني ماذا افعل لكي اجعل اميركا تخدم ‏مصالح اسرائيل.لقد ساعدتني المنازعات العربية على توفير كل اسباب النجاح لهذه
الخطة.فهل ‏انا مخطئ؟اتمنى لك الشفاء العاجل، وارجو ان اراك بعد حين، لانني علمت بانك ما زالت تحلم بان الظروف ‏قد تأتي بك رئيسا بعد ستة اشهر او سنة على الاكثر وهذا امريتوقف على ارادة الاحداث.‏واحب في ختام هذه الرسالة ان اذكرك بعبارة ملهمي مترنيخ: «البعض يصنعون التاريخ.‏والبعض يكتبونه».‏وانا شخصيا قررت ان اكون من صانعي التاريخ، وانت ماذا قررت؟ بانتظار جوابك دمت
‏للمخلص...    

التعليقات