إسنا أول مدينة صنعت " الفسيخ " في التاريخ

الأقصر – دنيا الوطن – خلود عصام :

لاتزال الآثار الفرعونية تواصل البوح بالكثير من أسرار قدماء المصريين ، وتفاصيل حياتهم التي تشتهر بالسحر والغموض . وفى أعياد الربيع وشم النسيم قال باحثون وأثريون مصريون إن للمصريين تاريخ طويل مع أكل الأسماك المملحة المعروفة باسم الفسيخ . كما عرفوا حب الزهور وقدسوها وأعطوا اهتماما كبيرا للاحتفال بقدوم فصل الربيع ،

 وبحسب قول الأثرية المصرية  منى فتحي - كبيرة المفتشين في معابد الكرنك الفرعونية الشهيرة وفى تقرير بثته وكالة الأنباء الألمانية " د . ب أ " من الأقصر  فان مدينة إسنا التاريخية الواقعة جنوب محافظة الأقصر كانت أول مدينة تعرف  صناعة الفسيخ في التاريخ  وقد عرف المصريون أكل السمك المجفف "الفسيخ" ضمن طقوس احتفالاتهم بعيد " الشمو " والمعروف اليوم باسم شم النسيم منذ عصور الفراعنة وكانوا يستخدمون سمك قشر البياض في إعداد الفسيخ وكانت مدينة إسنا  من المدن الشهيرة في صناعة وتقديم الأسماك المجففة كنذور للآلهة داخل المعابد. حتى صار السمك المجفف رمزا للمدينة في العصر البطلمي وصار اسمها "لاثيبولس" أي مدينة سمك قشر البياض . وقد عرف المصريون  عدة أنواع من الأسماك التي رسموها على جدران مقابرهم مثل سمك البوري والشبوط والبلطي والبياض. كما عرف المصريون البطارخ منذ عصر الأهرام وفي أحد الأعياد كان جميع أفراد الشعب يأكلون السمك المقلي أمام أبواب المنازل في وقت واحد. وكانت مظاهر الاحتفالات بقدوم الربيع تقام دائما على ضفاف النيل ووسط الحدائق والساحات المفتوحة وهو الأمر الشائع لدى جموع المصريين حتى اليوم . وقال الدكتور منصور بريك المدير العام لآثار الأقصر ومصر العليا أن الأقصر وغير ها من مدن مصر القديمة عرفت الخروج الجماعي إلى الساحات الخضراء وشواطئ النيل قبل آلاف السنين ، وأن احتفالات المصريين في هذه الأيام بشم النسيم  لا تختلف كثيرا عن احتفالات أجدادهم الفراعنة .

وأن مدينة الأقصر فقد عرف أهلها " تقديس " الزهور منذ آلاف السنين وكان للزهور مكانة كبيرة في نفوسهم ونفوس كل الفراعنة إذ كانت زهرة اللوتس هي رمز البلاد. كما كان يقدمها المحبوب لمحبوبته  ويشير الدكتور منصور بريك إلى أن مقابر مدينة الأقصر الأثرية والفرعونية تزخر بالصور المرسومة على جدرانها لصاحب المقبرة وهو يشق طريقه في قارب وسط المياه المتلألئة بينما تمد ابنته يدها لتقطف زهرة لوتس. وكانت أعواد اللوتس تقدم ملفوفة حول باقات مشكلة من نبات البردي ونباتات أخرى. كما تشكل باقات الورود اليوم كما ترى أعمدة المعابد الفرعونية مزخرفة في طراز "لوتسي" يحاكي باقات براعم الزهور. وقد صور المصريون أنفسهم على جدران مقابرهم ومعابدهم وهم يشمون الأزهار في خشوع يرجع بعضه إلى الفرحة  ويوحي بسحر الزهور لديهم .

وقد احتوت السنة المصرية القديمة على العديد من الأعياد التي ارتبطت بالتقويم, مثل رأس السنة وأعياد كل شهرين وبدايات الفصول. وكان من بين تلك الأعياد كما يقول الباحث المصري إميل نظير : عيد "الشمو" الذي يعرف اليوم باسم "عيد الربيع", أو "عيد شم النسيم", كما كان عيد الإله "مين" إله الخصوبة في مصر القديمة من بين الأعياد التي احتفل بها قدماء المصريين في فصل الربيع.

وكان تمثال الإله "مين" يقام غالبا وسط مربع من نبات الخص, وكان الربيع الذي يغير معالم ما بين الفصول عيدا عند المصري القديم لارتباطه بالشمس والنهر. كانوا يتناولون فيه السمك والبصل والبيض, وصارت تلك المأكولات مظهرا ثابتا من مظاهر الاحتفالات بأعياد الربيع في مصر منذ نهايات العصر الفرعوني وبدايات العصر القبطي, وبات تناول المصريين لتلك الأطعمة من العادات الباقية حتى اليوم.

 

وتشير الباحثة المصرية الدكتورة خديجة فيصل مهدي إلى أن قدماء المصريين  اهتموا بالأعياد التي كانت مناسبة لديهم لإقامة أفراح عظيمة تغني فيها أناشيد جماعية تنشدها السيدات النبيلات المشتركات في المواكب مع أصوات القيثارات وأغاني الغرام والأناشيد المصاحبة لحركات الرقص. وكانت أعياد الفراعنة ترتبط بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة؛ ولذلك احتفلوا بعيد الربيع الذي حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل. وقد احتوت السنة المصرية القديمة على العديد من الأعياد التي ارتبطت بالتقويم، مثل رأس السنة وأعياد كل شهرين وبدايات الفصول. وفي هذه الأعياد يحمل الكهنة تمثال معبودهم ويسيرون به في موكب مهيب يشارك فيه الجميع، ويؤدي فيه المهرجون والمغنون والراقصون فنونهم. كما كانت تقام في هذه الأعياد العروض المسرحية التي تصور أساطير معينة. وكان الأهالي، وليس الكهنة، هم الذين يحتفلون بأعياد المعبودات الطيبة الصديقة والودودة. والمعبود "بس" هو أحد تلك المعبودات، وفي يوم عيده كان العمل في بناء الأهرام يتوقف. وكان الأهالي يسيرون في الشوارع وهم يرتدون أقنعة "بس"؛ يتبعهم الراقصون وضاربو الدفوف. وكان أهالي المدينة يشاركون في الغناء من أسطح منازلهم، بينما كان الأطفال يعدون بجانب الراقصين وهم يغنون ويصفقون بأيديهم. كانت المدينة كلها تستمتع بالأعياد والمهرجانات. وكانت مناسبات رأس السنة وبدايات المواسم أيضاً من الأعياد.

وأن شعوب العالم عرفت الاحتفال بالأعياد منذ آلاف السنين ، وكانت الأعياد مناسبة للبهجة والفرح والتخلص من الآلام وسط  الضحكات والتهليلات والموسيقى  ، وكانت الحواجز الاجتماعية تنهار في الأعياد  فيستطيع الإنسان نسيان وضعة الاجتماعي وان يصبح شخصا آخر تتحرر مواهبه الخلاقة من القيود التى تغلها معظم الوقت في الحياة اليومية العادية .