الآثار المتفاوتة للرقمنة على النمو الاقتصادي واستحداث الوظائف – رؤية عالمية
رام الله - دنيا الوطن
خلال الأعوام الماضية، برزت الرقمنة، أي الاعتماد الشامل للخدمات الرقمية من جانب المستهلكين والمؤسسات والحكومات، كعامل محرك وممكن رئيسي للمنافع الاقتصادية. في الواقع ساهمت الرقمنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بما قيمته ١٦,٥ مليار دولار أميركي، وخلق ٣٧٨,٠٠٠ فرصة عمل جديدة. لكن بحسب تحليل اقتصادي لشركة الاستشارات الإدارية بوز أند كومباني، يختلف قوة وقع الرقمنة على البلدان والقطاعات. ففي الاقتصادات المتطورة، تحسن الرقمنة الإنتاجية وتترك أثراً كبيراً على النمو، لكنها يمكن أن تؤدي إلى خسائر في الوظائف. وعلى العكس، تميل الأسواق الناشئة إلى الاستفادة من أثر الرقمنة على العمالة أكثر منه على النمو. وبهدف الاستفادة بصورة أفضل من الرقمنة، يتعين على صانعي السياسة التخطيط لكيفية رقمنة قطاعات محددة وتشجيع تطوير القدرات والعوامل الممكنة الاقتصادية لتحقيق أقصى وقع.
الوقع الاقتصادي للرقمنة
تستمر تقنيات المعلومات والاتصالات حول العالم في الانتشار بوتيرة سريعة جداً. غير أن آثارها متفاوتة بين البلدان والقطاعات. وقال بهجت الدرويش، وهو شريك في بوز أند كومباني، إن "تسهيل وصول المستخدمين إلى خدمات الرقمنة لم تعد المسألة الأساسية التي يواجهها صانعو السياسة. فالمسألة الأساسية هي كيفية تعظيم صانعي السياسة اعتماد واستخدام ووقع هذه الخدمات. ويتعين عليهم بناء الأسواق الرقمية بفاعلية".
مؤشر الرقمنة
في عام 2012، عملت بوز أند كومباني على قياس وقع الرقمنة عبر وضع مؤشر يقيس الرقمنة بحسب البلد. ويقيس التحليل مستوى الرقمنة ووقعها الفعلي على العوامل الاقتصادية والاجتماعية. كما يظهر البحث كيف أن البلدان التي رفعت مستوى الرقمنة قد حققت أرباحاً في اقتصاداتها ومجتمعاتها وسير عمل قطاعاتها العامة. فكلما تقدم بلد معين في الرقمنة، حقق المزيد من المنافع. وتتفاوت قدرة الرقمنة على دفع النتائج الاقتصادية والعمالة عالمياً بحسب البلد والقطاع.
وشكلت الاقتصادات الأكثر تطوراً في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية حوالى 29 في المئة من الزيادة في الناتج الاقتصادي العالمي، فيما اقتصر وقع العمالة على 6 في المئة. أما الاقتصادات الناشئة فقد شكلت 71 في المئة من الأرباح في الناتج الاقتصادي العالمي و94 في المئة من الوقع العالمي للعمالة.
وقع الرقمنة على إجمالي الناتج المحلي للفرد
أظهر تحليل بوز أند كومباني أن ارتفاعاً بنسبة 10 في المئة في رقمنة بلد معين تحقق زيادة بنسبة 0.75 في المئة من النمو في إجمالي الناتج المحلي للفرد.
وفي عام 2011، حققت شرق آسيا وأوروبا الغربية وأميركا اللاتينية أعلى وقع لإجمالي الناتج المحلي للفرد من الرقمنة، فتخطت بذلك أميركا الشمالية. وكان وقع تحسينات الرقمنة في شرق آسيا وأميركا اللاتينية أعلى منه في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، حتى لو كان لهذه المناطق مؤشرات أدنى وقعاً لإجمالي الناتج المحلي. وهذا يعود إلى أن الاقتصادات في شرق آسيا وأميركا اللاتينية ما زالت في مرحلة انتقالية وكانت قادرة على تحقيق خطوات الرقمنة الأكبر. وكانت أوروبا الشرقية وإفريقيا أقل من استفاد من الرقمنة لناحية وقعها على إجمالي الناتج المحلي.
الوقع على البطالة
يسمح ارتفاع عشر نقاط في الرقمنة باستحداث الوظائف، ويؤدي إلى تراجع بنسبة 1.02 في المئة في معدل البطالة.
وبحسب دراسة لبوز أند كومباني أجريت في عام 2011، كان للرقمنة أعلى وقع للعمالة في الاقتصادات المرقمنة المقيدة والناشئة. وسجل شرق آسيا وجنوبها وأميركا اللاتينية أعلى نسبة نمو للعمال بين جميع المناطق، مع أكثر من 4 ملايين وظيفة تم استحداثها كنتيجة لتحسينات الرقمنة في هذه المناطق.
وعلى النقيض من ذلك، حققت الرقمنة نمواً ضئيلاً في العمالة في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. وشرح ميلند سينغ وهو مدير في بوز أند كومباني أن "هذه الاقتصادات التي بلغت مرحلة متقدمة تحقق منافع عمالة أدنى، لأنه مع ازدياد الرقمنة، تتحسن إنتاجيتهم. كما تم استبدال بعض الوظائف بالتقنية، فيما الأعمال ذات القيمة المضافة المتدنية والتي تتطلب كثافة يد عاملة تتوجه خارجاً إلى الأسواق الناشئة حيث اليد العاملة أدنى تكلفة".
وعلى العكس، للرقمنة آثار عمالة أكثر أهمية في الأسواق الناشئة لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، تعتبر أرباح الرقمنة في بعض المناطق الناشئة أعلى منها في المناطق المتطورة. ثانياً، في بعض هذه المناطق أعداد كبيرة من السكان، مما يعني أن تحسيناً هامشياً في معدل البطالة يؤدي إلى عدد كبير من الوظائف. وأخيراً، ينمو النشاط الخارجي مع الرقمنة. وبما أن الشركات في البلدان المتقدمة رقمياً تحسن إنتاجيتها بفضل الرقمنة، فإنها تحول الوظائف إلى بلدان ناشئة رقمياً.
الوقع القطاعي للرقمنة
بهدف فهم الاختلافات القائمة في وقع الرقمنة على الإنتاجية واستحداث الوظائف في الاقتصادات الناشئة والمتطورة، علينا أولاً أن نفهم كيفية تأثير الرقمنة في عمل أي مؤسسة. ويمكن تقسيم وظائف شركة نموذجية إلى أربعة مجالات:
· الأعمال: تعيد الرقمنة تصميم نماذج العمل، فهي تحد من الحواجز التي تعوق دخول السوق والتوسع فيه أمام المؤسسات.
· دخول السوق: تغير الرقمنة الطريقة التي تبني بها الشركات العلامات التجارية والمنتجات وتعمم الخدمات وتقدمها لعملائها. وتعتمد الشركات بشكل متزايد على وسائل الإعلام الاجتماعي لبناء العلامات التجارية. ويعرب المشتركون أكثر فأكثر عن آراء الشراء عبر المواقع الإلكترونية.
· الإنتاج: تغير الرقمنة أيضاً الطريقة التي تدير بها الشركات أصول الإنتاج. فقد مكنت الشركات من نقل المهام التي تتطلب كثافة في اليد العاملة إلى الاقتصادات الناشئة مع المنافسة لتطوير أفضل تصاميم وأطر للعلاقة مع المستخدمين.
· العمليات: أخيراً كان للرقمنة أكبر وقع على الطريقة التي تنظم بها الشركات نفسها وتعمل لتحقيق ميزة تنافسية. وقد سمحت الرقمنة بنشوء المزيد من الجهات العالمية المترابطة بلا تعقيد بين القارات، وأعادت تحديد مفهوم المساحة المكتبية.
ويشكل تفاعل الآثار الأربعة المذكورة أعلاه في ما بينها العامل الرئيسي المحدد لنوع وقع الرقمنة على قطاع اقتصادي معين ومداه
خمسة أنشطة اقتصادية رئيسية
من أجل فهم هذه الديناميكيات بصورة أفضل، درست بوز أند كومباني خمسة أنشطة اقتصادية رئيسية في الأسواق المتقدمة من شأنها أن تؤدي إلى خلاصات قادرة على توجيه إجابات السياسة. وجرى تحديد هذه المجالات الخمسة عبر أولاً تقسيم الاقتصاد بشكل عام إلى ثلاثة قطاعات رئيسية: أولية وثانوية وثالثية. ويرتبط القطاع الأولي بالزراعة والفلاحة والتعدين. ويتضمن القطاع الثانوي التصنيع. أما القطاع الثالثي فيوفر الخدمات للمستهلكين والشركات.
وركزت الدراسة على القطاعين الثانوي والثالثي حيث تميل الأنشطة المتأثرة بالرقمنة إلى التجمع. وقال الدرويش "إننا نظرنا في الوقع على قطاع الخدمات الشاملة ودرسنا هذه القطاعات في ستة بلدان متقدمة رقمياً هي أستراليا وألمانيا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. واستخدم تحليلنا الاقتصادي ثلاثة مقاييس للقطاع هي القيمة المضافة والإنتاجية والعمالة. وعليه تسمح الدراسة بفهم الدور المختلف للأثر الوطني الإيجابي للرقمنة في القطاعات الاقتصادية".
وأظهر التحليل وجود علاقة واضحة بين منافع الإنتاجية والخسائر في الوظائف، كما تظهر النتائج لقطاعات الخدمات المالية والتصنيع. وعلى العكس، زادت القطاعات الأخرى العمالة والمخرجات، رغم نمو الإنتاجية بوتيرة أبطأ.
ومع ازدياد الرقمنة، تحرز الخدمات المالية النتيجة الأعلى لناحية القيمة المضافة والإنتاجية. غير أن الرقمنة المتزايدة تقلص الوظائف في الخدمات المالية والتصنيع نظراً إلى تجاوز أرباح الإنتاجية منافع القيمة المضافة. في الموازاة، استحدثت الرقمنة وظائف في القطاعات الثانوية للخدمات، مع تحقيق أرباح لافتة في قطاع الضيافة والبيع بالتجزئة.
ويظهر الوقع على قطاع البيع بالتجزئة – عمالة مرتفعة مع بعض النمو في القيمة المضافة والإنتاجية – أن التدبير المناسب للرقمنة أبعد من المعلومات غير المرتكزة على الوقائع. وتشير النظرة السطحية إلى أن تجار التجزئة الصغيرة يقفلون أبوابهم بسبب التسوق الإلكتروني. وبدلاً من ذلك، يؤدي تطور الرقمنة في قطاع البيع بالتجزئة إلى قيام أسواق وفرص عمل جديدة. كما أن مدى منافع الإنتاجية التي تحققها القطاعات مرتبط بدرجة كبيرة بمدى الرقمنة في هذه القطاعات.
انعكاسات السياسة
يتعين على صانعي السياسة تحديد وقع الرقمنة عبر التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية. وسوف يكون عليهم بذل جهد يتجاوز السياسة والأنظمة الموضوعة. وعوضاً عن ذلك، سوف يكون عليهم تشجيع الأنشطة الرقمية التي تستفيد منها الشركات والمجتمع. وقال سينغ إن "صانعي السياسة ركزوا حتى اليوم على تحسين وصول خدمات تقنية المعلومات والاتصالات وتوفرها. ورغم أهمية هذا الأمر، يتعين أيضاً على صانعي السياسة في المستقبل التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية – مبتكرين لسوق رقمية توفر لمواطنيها ومؤسساتها وقطاعاتها الاقتصادية الميزة التنافسية الضرورية للنجاح في سوق عالمية".
ويتطلب التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية من صانعي السياسة تأدية ثلاثة أنشطة هي تصميم خطة رقمنة القطاعات، وبناء القدرات، وإطلاق نظم الرقمنة الأوسع نطاقاً ومراقبتها.
وفي تصميم خطط رقمنة القطاع، يتعين على صانعي السياسة السعي إلى تطوير ميزة تنافسية واستحداث الوظائف في قطاعات هي أصلاً أساسية بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني. ويتعين على صانعي السياسة فهم المقايضات التي تظهر بين ارتفاعات الإنتاجية والعمالة، واتخاذ خطوات للتخفيف من وطأة أي خسائر محتملة في الوظائف.
ويتعين على صانعي السياسة بعد ذلك تحفيز تطوير القدرات والعوامل الممكنة الضرورية للتوصل إلى خطط الرقمنة هذه. ويتعين على الحكومات أن تقرر إذا كانت تريد أن تكون مطوراً أو ممولاً أو مسهلاً للقدرات الرقمية، وهو خيار لا يمكنها أن تتخذه إلا في حال فهمت المستويات المختلفة لنظام تقنية المعلومات والاتصالات.
وأخيراً، يتعين على صانعي السياسة العمل مع القطاعات والمستهلكين والوكالات الحكومية لإطلاق ومراقبة نظام رقمنة شامل يشجع استيعاب التطبيقات الرقمية في هذه القطاعات والمحافظة على تنافسيتها. وسوف يكون عليهم بصورة خاصة إيجاد طريقة متلائمة لقياس الرقمنة ووقعها، بما يسمح بمحاسبتهم على سياساتهم وتعديلها وإظهار منافع الرقمنة بالنسبة إلى أصحاب العلاقة الآخرين.
وفي الختام، يمكن أن يحقق استحداث الأسواق الرقمية وتحفيز الرقمنة منافع اقتصادية مهمة ومنافع اجتماعية كبيرة للمجتمعات. وللرقمنة القدرة على تحفيز الإنتاجية واستحداث وظائف جديدة وتعزيز نوعية الحياة للمجتمع بشكل عام. وعلى سبيل المثال، إذا تمكنت الأسواق الناشئة من مضاعفة نتيجة مؤشر الرقمنة لمواطنيها الأفقر خلال السنوات العشر المقبلة، قد تكون النتيجة أرباحاً بقيمة 4.4 تريليون دولار في إجمالي الناتج المحلي الاسمي، و930 مليار دولار إضافية في الدخل الأسري التراكمي للأكثر فقراً، و64 مليون وظيفة جديدة للمجموعات الأكثر هامشية اليوم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. وفي حال أراد صانعو السياسة الاستفادة من هذه العائدات الوافرة، يتعين عليهم بناء أسواقهم الرقمية بشكل مناسب – الأسواق التي سيتم فيها شراء المعلومات والسلع المتوفرة وبيعها خلال عقد الرقمنة المقبل.
خلال الأعوام الماضية، برزت الرقمنة، أي الاعتماد الشامل للخدمات الرقمية من جانب المستهلكين والمؤسسات والحكومات، كعامل محرك وممكن رئيسي للمنافع الاقتصادية. في الواقع ساهمت الرقمنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بما قيمته ١٦,٥ مليار دولار أميركي، وخلق ٣٧٨,٠٠٠ فرصة عمل جديدة. لكن بحسب تحليل اقتصادي لشركة الاستشارات الإدارية بوز أند كومباني، يختلف قوة وقع الرقمنة على البلدان والقطاعات. ففي الاقتصادات المتطورة، تحسن الرقمنة الإنتاجية وتترك أثراً كبيراً على النمو، لكنها يمكن أن تؤدي إلى خسائر في الوظائف. وعلى العكس، تميل الأسواق الناشئة إلى الاستفادة من أثر الرقمنة على العمالة أكثر منه على النمو. وبهدف الاستفادة بصورة أفضل من الرقمنة، يتعين على صانعي السياسة التخطيط لكيفية رقمنة قطاعات محددة وتشجيع تطوير القدرات والعوامل الممكنة الاقتصادية لتحقيق أقصى وقع.
الوقع الاقتصادي للرقمنة
تستمر تقنيات المعلومات والاتصالات حول العالم في الانتشار بوتيرة سريعة جداً. غير أن آثارها متفاوتة بين البلدان والقطاعات. وقال بهجت الدرويش، وهو شريك في بوز أند كومباني، إن "تسهيل وصول المستخدمين إلى خدمات الرقمنة لم تعد المسألة الأساسية التي يواجهها صانعو السياسة. فالمسألة الأساسية هي كيفية تعظيم صانعي السياسة اعتماد واستخدام ووقع هذه الخدمات. ويتعين عليهم بناء الأسواق الرقمية بفاعلية".
مؤشر الرقمنة
في عام 2012، عملت بوز أند كومباني على قياس وقع الرقمنة عبر وضع مؤشر يقيس الرقمنة بحسب البلد. ويقيس التحليل مستوى الرقمنة ووقعها الفعلي على العوامل الاقتصادية والاجتماعية. كما يظهر البحث كيف أن البلدان التي رفعت مستوى الرقمنة قد حققت أرباحاً في اقتصاداتها ومجتمعاتها وسير عمل قطاعاتها العامة. فكلما تقدم بلد معين في الرقمنة، حقق المزيد من المنافع. وتتفاوت قدرة الرقمنة على دفع النتائج الاقتصادية والعمالة عالمياً بحسب البلد والقطاع.
وشكلت الاقتصادات الأكثر تطوراً في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية حوالى 29 في المئة من الزيادة في الناتج الاقتصادي العالمي، فيما اقتصر وقع العمالة على 6 في المئة. أما الاقتصادات الناشئة فقد شكلت 71 في المئة من الأرباح في الناتج الاقتصادي العالمي و94 في المئة من الوقع العالمي للعمالة.
وقع الرقمنة على إجمالي الناتج المحلي للفرد
أظهر تحليل بوز أند كومباني أن ارتفاعاً بنسبة 10 في المئة في رقمنة بلد معين تحقق زيادة بنسبة 0.75 في المئة من النمو في إجمالي الناتج المحلي للفرد.
وفي عام 2011، حققت شرق آسيا وأوروبا الغربية وأميركا اللاتينية أعلى وقع لإجمالي الناتج المحلي للفرد من الرقمنة، فتخطت بذلك أميركا الشمالية. وكان وقع تحسينات الرقمنة في شرق آسيا وأميركا اللاتينية أعلى منه في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، حتى لو كان لهذه المناطق مؤشرات أدنى وقعاً لإجمالي الناتج المحلي. وهذا يعود إلى أن الاقتصادات في شرق آسيا وأميركا اللاتينية ما زالت في مرحلة انتقالية وكانت قادرة على تحقيق خطوات الرقمنة الأكبر. وكانت أوروبا الشرقية وإفريقيا أقل من استفاد من الرقمنة لناحية وقعها على إجمالي الناتج المحلي.
الوقع على البطالة
يسمح ارتفاع عشر نقاط في الرقمنة باستحداث الوظائف، ويؤدي إلى تراجع بنسبة 1.02 في المئة في معدل البطالة.
وبحسب دراسة لبوز أند كومباني أجريت في عام 2011، كان للرقمنة أعلى وقع للعمالة في الاقتصادات المرقمنة المقيدة والناشئة. وسجل شرق آسيا وجنوبها وأميركا اللاتينية أعلى نسبة نمو للعمال بين جميع المناطق، مع أكثر من 4 ملايين وظيفة تم استحداثها كنتيجة لتحسينات الرقمنة في هذه المناطق.
وعلى النقيض من ذلك، حققت الرقمنة نمواً ضئيلاً في العمالة في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. وشرح ميلند سينغ وهو مدير في بوز أند كومباني أن "هذه الاقتصادات التي بلغت مرحلة متقدمة تحقق منافع عمالة أدنى، لأنه مع ازدياد الرقمنة، تتحسن إنتاجيتهم. كما تم استبدال بعض الوظائف بالتقنية، فيما الأعمال ذات القيمة المضافة المتدنية والتي تتطلب كثافة يد عاملة تتوجه خارجاً إلى الأسواق الناشئة حيث اليد العاملة أدنى تكلفة".
وعلى العكس، للرقمنة آثار عمالة أكثر أهمية في الأسواق الناشئة لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، تعتبر أرباح الرقمنة في بعض المناطق الناشئة أعلى منها في المناطق المتطورة. ثانياً، في بعض هذه المناطق أعداد كبيرة من السكان، مما يعني أن تحسيناً هامشياً في معدل البطالة يؤدي إلى عدد كبير من الوظائف. وأخيراً، ينمو النشاط الخارجي مع الرقمنة. وبما أن الشركات في البلدان المتقدمة رقمياً تحسن إنتاجيتها بفضل الرقمنة، فإنها تحول الوظائف إلى بلدان ناشئة رقمياً.
الوقع القطاعي للرقمنة
بهدف فهم الاختلافات القائمة في وقع الرقمنة على الإنتاجية واستحداث الوظائف في الاقتصادات الناشئة والمتطورة، علينا أولاً أن نفهم كيفية تأثير الرقمنة في عمل أي مؤسسة. ويمكن تقسيم وظائف شركة نموذجية إلى أربعة مجالات:
· الأعمال: تعيد الرقمنة تصميم نماذج العمل، فهي تحد من الحواجز التي تعوق دخول السوق والتوسع فيه أمام المؤسسات.
· دخول السوق: تغير الرقمنة الطريقة التي تبني بها الشركات العلامات التجارية والمنتجات وتعمم الخدمات وتقدمها لعملائها. وتعتمد الشركات بشكل متزايد على وسائل الإعلام الاجتماعي لبناء العلامات التجارية. ويعرب المشتركون أكثر فأكثر عن آراء الشراء عبر المواقع الإلكترونية.
· الإنتاج: تغير الرقمنة أيضاً الطريقة التي تدير بها الشركات أصول الإنتاج. فقد مكنت الشركات من نقل المهام التي تتطلب كثافة في اليد العاملة إلى الاقتصادات الناشئة مع المنافسة لتطوير أفضل تصاميم وأطر للعلاقة مع المستخدمين.
· العمليات: أخيراً كان للرقمنة أكبر وقع على الطريقة التي تنظم بها الشركات نفسها وتعمل لتحقيق ميزة تنافسية. وقد سمحت الرقمنة بنشوء المزيد من الجهات العالمية المترابطة بلا تعقيد بين القارات، وأعادت تحديد مفهوم المساحة المكتبية.
ويشكل تفاعل الآثار الأربعة المذكورة أعلاه في ما بينها العامل الرئيسي المحدد لنوع وقع الرقمنة على قطاع اقتصادي معين ومداه
خمسة أنشطة اقتصادية رئيسية
من أجل فهم هذه الديناميكيات بصورة أفضل، درست بوز أند كومباني خمسة أنشطة اقتصادية رئيسية في الأسواق المتقدمة من شأنها أن تؤدي إلى خلاصات قادرة على توجيه إجابات السياسة. وجرى تحديد هذه المجالات الخمسة عبر أولاً تقسيم الاقتصاد بشكل عام إلى ثلاثة قطاعات رئيسية: أولية وثانوية وثالثية. ويرتبط القطاع الأولي بالزراعة والفلاحة والتعدين. ويتضمن القطاع الثانوي التصنيع. أما القطاع الثالثي فيوفر الخدمات للمستهلكين والشركات.
وركزت الدراسة على القطاعين الثانوي والثالثي حيث تميل الأنشطة المتأثرة بالرقمنة إلى التجمع. وقال الدرويش "إننا نظرنا في الوقع على قطاع الخدمات الشاملة ودرسنا هذه القطاعات في ستة بلدان متقدمة رقمياً هي أستراليا وألمانيا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. واستخدم تحليلنا الاقتصادي ثلاثة مقاييس للقطاع هي القيمة المضافة والإنتاجية والعمالة. وعليه تسمح الدراسة بفهم الدور المختلف للأثر الوطني الإيجابي للرقمنة في القطاعات الاقتصادية".
وأظهر التحليل وجود علاقة واضحة بين منافع الإنتاجية والخسائر في الوظائف، كما تظهر النتائج لقطاعات الخدمات المالية والتصنيع. وعلى العكس، زادت القطاعات الأخرى العمالة والمخرجات، رغم نمو الإنتاجية بوتيرة أبطأ.
ومع ازدياد الرقمنة، تحرز الخدمات المالية النتيجة الأعلى لناحية القيمة المضافة والإنتاجية. غير أن الرقمنة المتزايدة تقلص الوظائف في الخدمات المالية والتصنيع نظراً إلى تجاوز أرباح الإنتاجية منافع القيمة المضافة. في الموازاة، استحدثت الرقمنة وظائف في القطاعات الثانوية للخدمات، مع تحقيق أرباح لافتة في قطاع الضيافة والبيع بالتجزئة.
ويظهر الوقع على قطاع البيع بالتجزئة – عمالة مرتفعة مع بعض النمو في القيمة المضافة والإنتاجية – أن التدبير المناسب للرقمنة أبعد من المعلومات غير المرتكزة على الوقائع. وتشير النظرة السطحية إلى أن تجار التجزئة الصغيرة يقفلون أبوابهم بسبب التسوق الإلكتروني. وبدلاً من ذلك، يؤدي تطور الرقمنة في قطاع البيع بالتجزئة إلى قيام أسواق وفرص عمل جديدة. كما أن مدى منافع الإنتاجية التي تحققها القطاعات مرتبط بدرجة كبيرة بمدى الرقمنة في هذه القطاعات.
انعكاسات السياسة
يتعين على صانعي السياسة تحديد وقع الرقمنة عبر التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية. وسوف يكون عليهم بذل جهد يتجاوز السياسة والأنظمة الموضوعة. وعوضاً عن ذلك، سوف يكون عليهم تشجيع الأنشطة الرقمية التي تستفيد منها الشركات والمجتمع. وقال سينغ إن "صانعي السياسة ركزوا حتى اليوم على تحسين وصول خدمات تقنية المعلومات والاتصالات وتوفرها. ورغم أهمية هذا الأمر، يتعين أيضاً على صانعي السياسة في المستقبل التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية – مبتكرين لسوق رقمية توفر لمواطنيها ومؤسساتها وقطاعاتها الاقتصادية الميزة التنافسية الضرورية للنجاح في سوق عالمية".
ويتطلب التحول إلى مبتكرين للسوق الرقمية من صانعي السياسة تأدية ثلاثة أنشطة هي تصميم خطة رقمنة القطاعات، وبناء القدرات، وإطلاق نظم الرقمنة الأوسع نطاقاً ومراقبتها.
وفي تصميم خطط رقمنة القطاع، يتعين على صانعي السياسة السعي إلى تطوير ميزة تنافسية واستحداث الوظائف في قطاعات هي أصلاً أساسية بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني. ويتعين على صانعي السياسة فهم المقايضات التي تظهر بين ارتفاعات الإنتاجية والعمالة، واتخاذ خطوات للتخفيف من وطأة أي خسائر محتملة في الوظائف.
ويتعين على صانعي السياسة بعد ذلك تحفيز تطوير القدرات والعوامل الممكنة الضرورية للتوصل إلى خطط الرقمنة هذه. ويتعين على الحكومات أن تقرر إذا كانت تريد أن تكون مطوراً أو ممولاً أو مسهلاً للقدرات الرقمية، وهو خيار لا يمكنها أن تتخذه إلا في حال فهمت المستويات المختلفة لنظام تقنية المعلومات والاتصالات.
وأخيراً، يتعين على صانعي السياسة العمل مع القطاعات والمستهلكين والوكالات الحكومية لإطلاق ومراقبة نظام رقمنة شامل يشجع استيعاب التطبيقات الرقمية في هذه القطاعات والمحافظة على تنافسيتها. وسوف يكون عليهم بصورة خاصة إيجاد طريقة متلائمة لقياس الرقمنة ووقعها، بما يسمح بمحاسبتهم على سياساتهم وتعديلها وإظهار منافع الرقمنة بالنسبة إلى أصحاب العلاقة الآخرين.
وفي الختام، يمكن أن يحقق استحداث الأسواق الرقمية وتحفيز الرقمنة منافع اقتصادية مهمة ومنافع اجتماعية كبيرة للمجتمعات. وللرقمنة القدرة على تحفيز الإنتاجية واستحداث وظائف جديدة وتعزيز نوعية الحياة للمجتمع بشكل عام. وعلى سبيل المثال، إذا تمكنت الأسواق الناشئة من مضاعفة نتيجة مؤشر الرقمنة لمواطنيها الأفقر خلال السنوات العشر المقبلة، قد تكون النتيجة أرباحاً بقيمة 4.4 تريليون دولار في إجمالي الناتج المحلي الاسمي، و930 مليار دولار إضافية في الدخل الأسري التراكمي للأكثر فقراً، و64 مليون وظيفة جديدة للمجموعات الأكثر هامشية اليوم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. وفي حال أراد صانعو السياسة الاستفادة من هذه العائدات الوافرة، يتعين عليهم بناء أسواقهم الرقمية بشكل مناسب – الأسواق التي سيتم فيها شراء المعلومات والسلع المتوفرة وبيعها خلال عقد الرقمنة المقبل.

