قراءة نقدية من الداخل في "الفحل" رائعة الحسن محمد سعيد

رام الله - دنيا الوطن
احمد صالح الفقيه
ما العلاقة بين كتابة دراسة نقدية وبين الكهرباء؟ انها علاقة جد وثيقة، فالمفكرة الالكترونية التي اكتب عليها تتسع لمخزون ضئيل من الطاقة يدوم في أفضل الاحوال ساعتين، فاذا اشرف معينها على النضوب توقفت قسرا عن الكتابة، وربما ضاعت الافكار المتداعية المنثالة، الا اذا قيدتها بالورقة والقلم، وما اصدق ذلك العربي الذي قال: ما كتب قر، وما حفظ  فر.

ويقودنا قليل من التأمل الى اكتشاف شبكة من العلاقات بين كتابة الدراسة والانقطاع عنها بسبب الكهرباء، وبين كلفوت ، ومن حوله، كالنظام وسيره المعوج، فالسعودية، وقطر، وامريكا، والثورة.. الخ. وما ادراك ما كلفوت،  ذلك القبيلي المأربي الذي يهدم عمود الكهرباء الشبكي الضخم الناقل للكهرباء من المحطة الغازية الى صنعاء وغيرها فيلقيه على الارض كومة من الحديد، كلما اشتد قلقه بعد وجبة من القات الجيد، وشعوره بان عليه ان يفعل شيئا لكي يسمع المسؤولون عن حكم البلاد صوته ويجيبوا مطالبه ويرفعوا ظلامته. فتجيئ صرخته عالية مدوية وكأنما يستمد قوتها من بيت ابي الطيب.

وتركك في الدنيا دويا كأنما

تداول سمع المرء انمله العشر.

ومع ان كلفوت شخص الا أنه أيضا رمز للعشرات من أمثاله في كل منطقة تمر بها الاعمدة، حذوا حذوه واستمرأوا اللعبة على الرغم من تكاليفها الباهظة احيانا، كالموت من جراء صعقة من الوف الفولتات ، أوبصواريخ الجيش وقذائف دباباته.

و(الفحل)  بطل رواية الحسن محمد سعيد السادسة يشبه كلفوتا في بعض جوانب شخصيته، كما ترتبط سيرته التي يرويها الراوي ارتباطات شتى بكل ما يجري في العالم ارتباط كتابة القطعة النقدية هذه بها. فالانسان ومصيره مرتبطان ببيئته، وفي هذا العالم المتعولم غدا العالم كله، وما فيه، ومن فيه، بيئة لكل انسان، سواء كان مثقفا سياسيا في الخرطوم، او ناقدا يكتب قطعة ادبية في صنعاء، او قاطع طريق في قرية مأربية نائية.

 كعادته يرسم الحسن محمد سعيد ملامح بطله بضربات ريشته المبدعة:

"كان عاشقاً للحياة وملذاتها، الحسية منها والعقلية.. ولم يترك جانباً منها، استطاعه، إلا وطرق أبوابه باقتدار وجسارة..حينما ساقه قدره، ليكون سياسياً، على حين غفلة، وشعر أنه وصل فيما انتهى إليه  لطرق متاهية سُدّت منافذها، لم يخنع وإنما ظل يقاوم من منطلقاته الخاصة، مؤمناً أو غير مؤمن، في أن يُحدِثَ أمراً، قد يكون له نفعه وإيجابياته.. التوفيق حقيقة تقديرية من رب العباد.. ولكن على المرء أن يسعى.. وهذا ما يفعله بإخلاص.. هكذا كان يكرر هذه المقولات على مسمعي.. اسمعه، ونحن على طرفي نقيض.."

فالفحل منذ صباه الباكر، في المدرسة، يعشق البيان بالعربية والإنجليزية ، ويجتهد فيهما..يحفظ من نصوصهما الجميلة ماوسعه الحفظ، ويلقيهما بفصاحة وصوت  عذب، وبخاصة عندما كان يجوِّد الكلم القرآني، بصوت جميل ولا يلحن مطلقاً.. ويدوام الاطلاع في شتى الفنون فحاز قصب السبق في المدرسة، وان كان لايحب الحساب،وحظي عند الشيخ جعفر مدرس العربية، ذي الخيزرانة، على ديدن المعلمين في النظام القديم.

يخبرنا الراوي، وليس الروائي، فالرواية مكتوبة بضميرالغائب: أنه ترافق مع الفحل في الابتدائية والاعدادية، و تزامل معه في الثانوية... حتى افترق طريقاهما في الجامعة، فتخرج الفحل من كلية الآداب في اللغتين العربية والإنجليزية، وتخرج الراوي من كلية الحقوق.. وطوال فترة الدراسة الجامعية كانت للفحل جريدة حائطية أسماها (الكلمة).. وإنحاز الراوي للجبهة الديمقراطية، أما الفحل فكان بلا لون.. يشَرِّق ويغَرِّب كما يحلو له.. لكنه كان شديد العداوة للاتجاه الإسلامي.. ، يسلق الإسلاميين في جريدته الحائطية بألسنة حداد.. ورغم أنه كان في صغره لا يحب الخصام، لكنه تحوَّل مذ الثانوية إلى محاورٍ شرس، لا يهاب الخصومة الفكرية.. فأصبح له اسم في الجامعة وفي الصحف والمجلات السودانية.. كان أُمةً وحده!!.. ساعده على ذلك لغته السليمة، ومُكنته الثقافية، وشجاعته الأدبية التي تربى عليها منذ المدرسة الوسطى..

والحال ان الفحل ذكرني بنفسي، فمثله عشقت البيان باللغتين من صباي الباكر وبرزت فيهما ما وسعني لك، وعشقت الاطلاع على مختلف الفنون، فلم أدع بابا منها الا طرقته والممت منه بطرف صالح، واصبح لي مثل الفحل اسم في وسائل الاعلام، ولطالما اتهمني الاصدقاء واخص منهم بالذكر صديقاي وصديقا الروائي، وليس الراوي، الاستاذين عثمان تراث وعبد الناصر المودع وزميلينا في منتدى النيلين الادبي الذي اضيفت الىا سمه مع انضمام اليمنيين اليه كلمة تعبر عن واقع الحال فاصبح اسمه "منتدى النيلين والسائله"، يتهمانني بأني أشرق وأغرب واني لا لون لي، فكنت أقول لهما : ألا احد يمتلك الحقيقة فأنحاز له، وأن الحقيقة مخاتلة كالهلام لا يظفر أي جانب منها إلا بطرف، واني اذ اشرق واغرب انما اسعى وراء تلك الشذرات التي ربما ظفر بها من شرقت نحوه اوغربت، واداتي في ذلك منهج نقدي وملكة تميز الصحيح من السقيم... فالانحياز لا ينتج إلا الانسان ذا البعد الواحد.

ماعلينا ولنعد الى الفحل موضوعنا:
يقول الراوي: سألته يوماً:

-  لماذا أنت لعَّان وطويل اللسان؟!!

ضحك وقال:

-  وداعتي القديمة، وبعدي عن الملاسنة والعراك الجسدي، تحول بفحولة الكلمة ونبل المقصد إلى مارد كأنما خرج من قمقم منسي.. إنني بذلك أتجاوز ضعفي القديم..

عقّبت:

- لم تكن ضعيفاً!! كنت أشجع الجميع في الحديث والنقاش في الجمعيات الأدبية، والتنافس في المعلومات بين (منازل) المدرسة!

رد عليَّ ضاحكاً:

-  تلك نشاطات وحوارات فكرية تنظمها المدرسة وتحت سيطرتها.. وخلاف ذلك ما كنت تسمع لي حساً!!.. لأن الحوار المطلق بيننا في المدرسة الوسطى، سينتهي بالقطع إلى معركة بالأيدي.. وكنت أتجنب هذا الأسلوب الهمجي..

قلتُ:

-  ألا تخاف من الإسلاميين وأنت تعرف أسياخهم وعِصِيِّهم ومطاويهم؟

قهقه عالياً:

- أخاف دون شك!! لكني لا أهاجمهم هم فقط، إنما أهاجمكم أنتم أهل اليسار أيضاً، وغيركم وغيركم، بما فيهم الجمهوريين!! لهذا تَخِفُّ الخطورة ويَقلُّ الخوف.. فالهجوم موزع على الجميع!!

بادرته:

-  لكنه على الإسلاميين أكثر وأقسى!!

واصل ضحكه:

- أنا لا أهاجمهم بالمنطق الماركسي، إنما أعارضهم بمنطق الإسلام وقوته.. لهذا ربما يتراجعون عن أذيتي!! أنا أكشف (ميكيافيّليتهم) وقناعهم التبريري بالدين!!

قلتُ:

-   لكنك أكثر خطورةً عليهم من الشيوعيين!!

قال هازئاً:

- لا!!.. هناك فرق!!!.. نحن أُمةٌ تُقيمُها وتُقعدُها الكلمة.. والسحر في كلمتي التي تتخذ العقل سياجاً.. وأنا لا أشتم ولكني أحلل!!.

الفحل يستشرف المستقبل:

 يقول الراوي: كانت حياة الجامعة حافلة بالجدل الفكري، والحركة السياسية.. وكان المجال مفتوحاً لزعماء الأحزاب، على اختلاف مشاربها، لإقامة الليالي السياسية وإتاحة الفرص للحوارات المفتوحة.. وكانت تلك الليالي عبارة عن جامعة مفتوحة لتداول الرأي والفكر والتجربة.. فكانت رافداً تشربنا منه قضايا السودان ومشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية... إننا إن نسينا، فلن ننسى هاتيك الليالي.. فالخلاف عند زعماء تلك المرحلة لا يفسد للود قضية..

وأذكر ذات مرة، أقيمت ندوة في جامعة القاهرة الفرع، تحدث فيها كل من عبدالخالق محجوب- سكرتير الحزب الشيوعي السوداني، والرشيد الطاهر بكر، وكان وقتها قد ترك الإخوان المسلمين، ونبذ زعامتهم، وانضم إلى الاتحادي الديمقراطي، وأمسى نجماً فيه..

حضرا معاً في سيارة واحدة.. وتحدث كل منهما، وهاجم الآخر وإتجاهه السياسي بما يقتضيه الاعتدال الفكري والحجة المنطقية، مع طائفة من السخرية المحببة، والمزحة القوية الدلالات، ثم رجعا معاً في نفس السيارة، صديقين حميمين.. أين نحن اليوم من تلك الأيام؟!..

تلك الندوة، لا زالت حاضرة في ذهني، كأنها الأمس.. وقد تجلى فيها الفحل محاوراً عملاقاً للرجلين، فيما طرحاه من أفكار وآراء.. وقد أضفى حواره عمقاً وسعة للأفكار التي انداحت في أذهاننا فهماً وتأصيلاً..

وعند عودتنا معاً، سألته:

-              بِمَ خرجت من كل هذا الذي طُرِح؟

رد عليّ بما أفجعني، كأنما استشرف الغيب:

-           السودان مقبل على زمن حالك، ولن ترى الأجيال المقبلة مثل هؤلاء الرجال!!

الأيام الحوالك:

في فصل من اجمل فصول الرواية، والرواية، بالمناسبة، جميلة كلها كالحلقة المفرغة التي لا يعرف طرفاها، يحلق الحسن محمد سعيد في سماء اللغة الى ذرى سامقة تذكرنا بأيام طه حسين، وزينب هيكل، وأرتيست محمود تيمور.

وقد فسر جاك بيرك ذات مرة أثر الهجرة من الاوطان على الكتابة والكتاب فقال: " لا ريب ان الهجرة تسهم بخلق طرائق جديدة للاحساس والكتابة". وعالم الحسن محمد سعيد عجيب كله؛ فقد دخل هذا العلامة القانوني عالم الرواية وقد تجاوز الستين من عمره المديد، بروايته عطبره، واستمر يتحفنا برواياته بمعدل واحدة كل عام ونصف العام تقريبا، وكلها اثيرة الى نفسي، وهو ينقل "احساس العربي بان ما كان يألفه من كمال قد اهتز وتحطم، لتحل محله نشاطات العصور الحديثة المجزأة" حد تعبير جاك بيرك..

في هذا الفصل الذي يحمل الرقم 8 يقول الراوي:

انتهى زمان وجاء زمان.. غمرتنا الحياة بمشاكلها المتعاظمة.. الأيام رتيبة مملة.. والحركة آخذة دوماً في التسلل إلى الوراء.. لا نفعل شيئاً ونجد لذة في التذمر والشكوى.. وحينما نفعل يكون الفعل مدوياً!!..

سقطت العسكرية الثانية ( اي عسكرية نميري).. جاءت نسمات الحرية.. الأمل الذي ظنناه مات، عاد ثانية ليتجدد في دواخلنا..

على المستوى الشخصي شغلنا مناصب رفيعة وبالذات الفحل.. أصبح مساعد وكيل في وزارة الصناعة..

قُطع الخيط الرفيع بين الديمقراطية والفوضى!!.. الكل يهاجم الكل!!.. صارت الصحف ساحة لصراع مُهلك!!.. تخطى السدنة عقبة تعاونهم مع الطغيان.. كان الفحل أكثر الكتاب هجوماً عليهم.. ظل يصارعهم.. ويكشف الأقنعة.. قال الخيّرون: لتستمر الديمقراطية بفوضاها، فهذه مظاهر صحة وعافية!!.. وكأنهم بقولهم هذا، يحذّرون ويُنذِرون!!..

وذات صباح لئيم الملامح (دقت المزيكة).. (اي موسيقى انقلاب البشير)..وبدأت دائرة الحكم الجهنمية في الدوران.. اختفى الفحل فجأة.. ابتلعه جُب مجهول!!.. فُصلتُ أنا من العمل.. وجدتُ نفسي ضمن صفوف من المطرودين.. استفحل الرعب.. تمدد الطرد والحبس والاختفاء والموت.. أصبح المجهول نازلة على أهل السودان كنازلة عاد وثمود!!.. تمطى الخوف كابوساً، اعتلى قلوب البشر!!.. العسكرية الثالثة جاءت مسربلة بالدين.. واختفى عن سماء المليون ميل مربع، اليقين والإيمان.. وجاءت الجائحات العوادي، تنال كل بيت وكل كوخ وكل عِشّة، بل الفضاء الواسع!!..

بحثت عن الفحل في كل مكان!!.. في كل ركن!!.. في كل زاوية!!.. في كل جحر ونفق!!.. تحت كل حجر ونبتة!!.. سألت من رعبي الأرض والسماء والبحر!!.. الجبال والسهول والوديان!!.. صرتُ كالتائه في صحراء المجهول!!..

لقد ظن الفحل ان بامكانه ان يكتب مقالته وان يذهب الى اهله يتمطى،كما كان يفعل دائما وادعا في سربه، ولم يدرك انه ازاء عصابة تتخذ الله جل جلاله ستارا، وتظنه سلما ووسيلة الى الحكم والسلطان، ثم تكاد توحد بين ذاته وذاتها تعالى الله عن ذلك، فلا يعود انتقادها مسا بالذات الملكية او الاميرية اوالرئاسية كما في بقية الاقطار العربية، بل يصبح مسا بالذات الالهية فلا ترعى في من يعارضها إلا ًولا ذمة، وهكذا التقم الفحل بيت من بيوت الاشباح التي ذاع صيتها في هذا العهد التعس.

ويمضي الراوي في روايته قائلا:

يئست.. أمسى ما نطالعه ونعيشه لا يطاق.. اتسعت رغبة الهروب في دواخلي.. لكن أين المدخل والمخرج معاً؟!.. سطع (روني) في ذاكرتي كالشهاب.. صديقنا القنصل الإنجليزي.. زائرنا المقيم في (البيت الأبيض) في الأملاك.. التقينا.. فاتحته بحقيقة أمري.. طلبت اللجوء السياسي، فكان كريماً.. عمل اللازم وحقق رغبتي.. وأخبرني باقتضاب أن الفحل في مكان ما!!.. مكان مجهول داخل الخرطوم.. قال لي أن معلوماتهم تؤكد بأنه وزملاءه يعانون أقسى أيام حياتهم..

ذهبت لشقيق الفحل.. أخبرته بما قاله القنصل الإنجليزي.. وأخبرته أيضاً بغايتي كلاجئ سياسي في بريطانيا..

سافرت لندن.. صرتُ ضمن سرب اللاجئين.. ومرت الأزمنة عليَّ كئيبة حزينة..الصدف وحدها هي التي تحرك مصيري!!.. خلال تأملاتي جال في خاطري مكتب (مكملان) وشركاه للمحاماة.. تعاملنا مع مكتبه يوماً في قضية تخص حكومة السودان، ممثلة في سكة حديد عطبرة مع شركة (اللوكوموتِفز) الإنجليزية وبنك ميدلاند.. كنت أباشر القضية معهم.. أخذتْ هذه القضية زمناً.. ومع الأيام نشات بيني وبين محاميي المكتب علاقة طيبة.. عرفتهم وعرفوني شخصياً.. ذهبت إليهم.. 4 شارع شاندوز بلندن.. ومن حسن حظي وجدت المستر (روس) أحد كبار الشركاء.. فقد كان أكثر من تعاملت معه مباشرة في قضية السكة الحديد.. كانت لقاءاتنا كثيرة في عطبرة والخرطوم ولندن.. ذلك إلى جانب المكاتبات العديدة في هذا الشأن..

أخبرته بحالي، وما صرتُ إليه كلاجئ سياسي.. اندهش لما يحدث عندنا!!!.. علق ببعض الكلمات المؤدبة كما هي عادة الإنجليز.. أدرك مطلبي من زيارتي وحديثي بطريقة غير مباشرة.. رحب بي كمتعاون بالمكتب.. سعدتُ كثيراً لهذا الانتساب.. حُوّلت لي ملفات متعلقة بقضايا في الكويت وأبي ظبي والقاهرة للمتابعة والمشاركة بالرأي.. يا سعدي!!..

ظلت اتصالاتي بشقيق الفحل مستمرة.. عرف الكثير عن أحوالي.. لا يزال وضع الفحل كما هو.. المجهول  يسود!!..

بعد أشهر طالت، وأنا في مكتب أبي ظبي خابرت شقيق الفحل.. علمت منه أنه جاء من المجهول.. كان في مكان لا يعرفه.. لا يستطيع وصفه ولا الذهاب إليه!!.. ذكر ما ذكر من الهَوْل وأصنافه.. فرحتُ لظهوره حياً.. تحدثتُ إليه.. كان معلولاً سقيماً!!.. معنوياته في الحضيض!!.. طلبت منه أن يقابل (روني) فرفض قبل أن أكمل حديثي ودون أن يبرر!!..

انقلاب حال الفحل:

انقلب حال الفحل من النقيض الى النقيض فقد تصالح مع النظام أو قل تصالح معه النظام ليستفيد من مزاياه وقدراته، فبدا وكأنما ابتسم له "فوكوروكوجو" إله السعادة، الثروة، وطول العمر عند اليابانيين، اونظيره الاغريقي بلوتس...

يقول الراوي:

 

بعد فترة لم تمتد زمناً جاءني تلفون من الفحل.. عجبتُ!!.. لم يحدث قط أن (تلفن) لي.. كنت أنا الذي أحادثه، وأطيل حديثي شوقاً إليه.. علمت- ويا للعجب!!- أن نظام الخرطوم تصالح معه، بل اعتذر له عن الحبس والقهر والمعاناة والظلم الذي حاق به..

جاءه أحد قادة النظام، زيارة في بيت شقيقه بأم درمان.. وبعد حديث طويل عرض عليه التعاون مع السلطة.. سأله عن كيفية التعاون، شرحها له.. طلب منه الفحل فرصة للتفكير..واضح أن من يطلب مثل طلبه بعد العداوة والبغضاء، سيقبل في النهاية.. وقد قبل!!..

عُيّن من فوره مديراً عاماً للخطوط البحرية السودانية (سودان لاين).. وسافر بورتسودان.. وابتدع نظاماً فيها ليتَنقَّل بين بورتسودان والخرطوم..

لم أجادله طويلاً.. شعرتُ به سعيداً.. حمدتُ الله أن معنوياته التي أعرف، عادت إليه.. واسترد صحته.. لم أشأ إفساد سعادته!!.. إنه رجل يحب الحياة ويكره العنف والمتاعب.. مسكين!! كان في غفلة، فغدرت به الظروف!! لم يتوقع ما حدث له من حبس وقهر وتعذيب!!.. لو كان يعلم ذلك لآثر السلامة وابتعد عن معاداتهم!!.. ونأى بنفسه عن الشر.. من المؤكد أنه الان يحمد في أعماقه، العلي القدير، الذي أكرم الغلابة بمفاصلة صراع المصالح الكبرى والتي دوّت كانشطار جِرْم سماوي!!..

واضح من تحسن نفسياته أن ظروفه المعيشية تطورت أيضاً إلى قمم ما كان يحلم بها!! تحول من النقيض إلى النقيض.. أصبح في الفضائيات والصحف المحلية والعربية والعالمية، المدافع الأوحد عن النظام، كأنه أحد المنظّرين والقدامى المؤسسين!!.. و.. عجبتُ لك يا زمن!!..

تدافعت رسائله الإلكترونية.. يُعَرِّفني بكل صغيرة وكبيرة في حياته مع النظام.. وبفضل عقله المتّقد وقلمه السيّال ولسانه الذرب، أصبح قريباً من سلطة القرار العليا.. وتمكن في الأرض، حتى أنه أخذ يدعوني للعودة!!.. الهذا الحد تجذّرت يا (صديقي اللدود)؟!..

وفي رسالة إلكترونية عاجلة وهامة، طلب مني التواجد في لندن في تاريخ محدد.. وركز على أهمية وجودي، كي أكون معهم في اجتماع هام مع شركة إنجليزية، متخصصة في التجارة البحرية.. يريدني لأغطي لهم الجوانب القانونية..

حينما التقينا في لندن، بعد كل تلك السنوات من اختفائه المفاجئ، وغربتي في لندن، رأيت آثار النعمة طافحة عليه.. بدا لي أصغر سناً مني!!.. أضحى ذا هيبة ناطقة!!.. يا إلهي!!.. أهذا صديق عمري الفحل؟!..

كنت سعيداً به.. أما هو، فقد شعر بأنه وجد جزءه الذي كان ضائعاً!!.. ترك زملاءه في الفندق الفاخر في قلب العاصمة البريطانية ليسكن معي في شقتي المتواضعة في غرب لندن..

في الليلة الأولى حكى لي العجب!!.. قال أن الفقر الذي كان يشاهده يمشي فوق أناس نعرفهم بسيماهم ونعرف واقع أسْرَهم، تحول ذلك الفقر عليهم الان، إلى ثراء ما عرفه أهل السودان من قبل!!..

قال لي: في بادئ الأمر كان يبحث عن الأمن والأمان!!.. كل ما يطمح فيه أن يتركه النظام في حاله.. ذلك غاية الغايات.. لقد عرف أصنافاً من العذاب، ما خطرت على بال بشر!!.. وما ظنَّ يوماً أن في السودان قساوة كتلك التي طحنته، تلغي كل ذلك الإرث النبيل من الوداعة والتسامح!!.. ولكن السلطة لم تتركه.. ظلت تلاحقه، لا ترغب في سلبيته، وإنما تريده فاعلاً ومؤثراً.. وكل شيء بثمنه.. ارتبط التعاون بإغراءات لا يختلف العطاء فيها عن عطاءات البلاط الأموي!! ولك أن تقارن!!.. وشتّان بين وضعين!!..

وفي وضع التباهي، أخبرني بأنه يملك الآن أسهماً معتبرة في شركات كبرى، بعضها خارج الحدود، ومساحات شاسعة جنوب الخرطوم وعمارة في بورتسودان، أسماها عمارة (إلسا) تخليداً لذكرى مجد قديم!!..

كنت وهو يحدثني كمن في حلم!!.. وحينما سألته السؤال التقليدي، حول هذه الثروة، أجابني بألاَّ أسأله، لأنه هو نفسه لا يعرف الإجابة تحديداً!!.. هذه أرزاق تأتيه وهو جالس في مكانه.. لا يعرف حتى ميكانيكية هذا الأسلوب!!..

قلتُ:

- أيعقل؟

أجابني ساخراً:

- هو لا يعقل!! لكنه الواقع!!

ثم زاد من سخريته:

- إنهم يتوهمون أنني أقدم لهم أعمالاً كبيرة، لا تقدر بثمن!!.. والغريب أنني لا أحس بذلك!!

اعترضت:

-  إنك تدافع عن النظام في الداخل والخارج، وفي كل وسائل الإعلام!! رغم إنهم خارج الزمن والعصر.. إنهم يريدون تعطيل حركة التاريخ!! ماذا يريدون منك أكثر من ذلك وأنت تغض الطرف عن كل تلك الحقائق؟!.. هذا ما يحتاجونه.. لا شيء يقدمونه غير الإعلام!! وكيف لا تحس؟! شيء غريب!!

حاججني مكابراً:

-  ما أقدمه لا ابذل فيه جهداً يُذكر.. هو أمر يأتيني بالسليقة.. وعلى كل أنا لم أسع لأحد ولكنهم هم من سعى!! وفي موقعي العام أنا أخدم البلد!!

قلتُ غاضباً:

- أي بلد هذا؟! وأنت تحدثني عن ثروتك!! أنت جزء من الفساد!

جاء تعليقه حاسماً:

- مستحيل البعد عمّا تحدثني عنه!! إما أن تكون كما يجب أو تذهب إلى الجحيم!!

واصلت:

- هم يلوثونك!!

عَقّب ولا تزال سخريته عالقة:

-  هذا نظام، لا بد أن يكون موقفك منه محدداً وقاطعاً.. لا يتقبل خلط الألوان.. ما فيش لون رمادي أو بين بين!!

عادت بي الذكرى إلى زمن الجامعة وما بعدها.. حماس الفحل الوطني.. وكتاباته الملتهبة ومواضيعه التي كان لا يترك فيها ذرة إلا أحصاها تحليلاً وتعليقاً.. أين هو الان من ذلك الذي أعرف؟!..

هاجمته:

- أنت تخون تاريخك وتخون وطنك!!

ضحك متوتراً من هجومي.. باشرني بدفاعه:

- خليك من حماس اليساريين الفارغ بتاعك ده! لازم نفكر بعقل!!..

قلتُ مؤنباً:

- هذه قضية وطن!!..

زاد توتره.. علق غاضباً:

-  أين هذا الوطن؟! وأين الشعب؟! وأين أنتم عندما زجوا  بي وراء الشمس؟! دفعت ثمناً من عمري في المجهول والرعب والإهانات!!..

متلازمة استوكهولم:

ذات مقالة كتب الروائي المصري الكبير صاحب "عمارة يعقوبيان" تحت عنوان "هل أصيب ا%

التعليقات