السلاح-أسواق المال-الترف: هكذا تنهب ثروات العرب

السلاح-أسواق المال-الترف: هكذا تنهب ثروات العرب
غزة-خاص دنيا الوطن- حكمت احمد عاشور
تعتبر نفقات الجيوش في دول مجلس التعاون الخليجي مثيرة للغرابة و الاندهاش ، فالأرقام التي تتحدث عنها التقارير الدولية حول الإنفاق العسكري في هذه الدول كبيرة توحي للقارئ أن هذه الدول في حالة حرب مستمرة منذ نشأتها على خلاف الواقع حيث لم تخض هذه الدول حربا منذ تكوينها ، حتى حروب الخليج الثانية عام 1991 لطرد القوات العراقية من الكويت و الثالثة عام 2003 لإسقاط الرئيس صدام حسين لم تحارب بها جيوش هذه الدول و شكلت أراضى هذه الدول فواعدا للقوات الغربية و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لتدمير العراق ، و أشارت نلك التقارير أن الاتفاق العسكري لدول الخليج للفترة 1997 -2011 بلغ 720 مليار دولار و هو رقم لن نستوعب ضخامته إلا إذا قورن بالإنفاق العسكري للدول التي لو افترضنا جدلا أنها في حالة حرب مع دول مجلس التعاون الخليجي فمثلا إسرائيل بلغ حجم الإنفاق العسكري لها خلال الفترة المذكورة ما يقارب 150 مليار دولار ، وبلغ الإنفاق العسكري لإيران خلال نفس الفترة 95 مليار دولار، و وفقا للمقارنة تظهر المفارقة الغريبة فالإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون بلغ 5 أضعاف الإنفاق الاسرائيلى و تقريبا 8 أضعاف الإنفاق الإيراني، و مع الأخذ بالاعتبار أن إسرائيل خاضت حروبا خلال الفترة مع لبنان 2006 و عمليات عسكرية متعددة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة و الضفة الغربية تبرر إنفاقها العسكري الكبير ، و أن إيران تجهز نفسها عسكريا لمواجهة هجوم أمريكي إسرائيلي محتمل عليها ، و إذا استبعدنا قيام اى حرب بين دول الخليج و إسرائيل لأسباب يعرفها الجميع و عدم إمكانية نشوب حرب منفردة بين دول مجلس التعاون الخليجي و إيران لان هذه الدول تحت الوصاية الأمريكية ، فان المبرر وراء هذه الإنفاق العسكري يصبح غامضا إلا إذا نوقش من منظور النظرية الوظيفية التي صاغتها الدول الاستعمارية و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الدول الصغيرة و أول هذه الوظائف تكمن في إن أن هذه الدول هي فروع لشركات غربية للسيطرة على النفط مصدر الطاقة و روح الحضارة الغربية و لكن بوجه عربي، وثاني هذه الوظائف أن تستخدم هذه الدول موارد النفط في دعم شركات السلاح الغربية من خلال صفقات شراء غير مبررة لأسلحة لا تستخدم و لا يعرف مصيرها ، حيث أشارت بعض التقارير أن معظم الإنفاق العسكري في دول مجلس التعاون الخليجي هي مشتريات و صفقات أسلحة 95% منها من الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا و فرنسا ، وهذه الصفقات هي التي ضمنت بقاء الحكام في دول الخليج على عكس ما حدث مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي دفع حياته ثمنا لرفضه تخصيص النفط العراقي و أبقاه ملكا للشعب العراقي و اتجه إلى توريد السلاح من روسيا و الصين. ويضاف إلى المبالغ المهدرة في شراء أسلحة لا أهمية لها تكلفة الحرب المباشرة على العراق عام 1991 و التي مولتها دول مجلس التعاون ب 60 مليار دولار تحملت معظمها المملكة السعودية و الكويت، آما حصة دول المجلس من تكاليف حرب عام 2003 لإسقاط صدام حسين و تدمير العراق بقيت مجهولة من مجمل تكلفة الحرب البالغة ما بين 2- 3 تريليون دولار.
أما الوظيفة الثانية لدول الخليج فهي أن تكون سوقا لمنتجات وسلع الدول الكبرى و تخصص دول الخليج ما يقارب 70% من قيمة صادراتها النفطية لاستيراد هذه السلع ، فمعظم واردات هذه الدول سلعا استهلاكية مثل السيارات و اليخوت و المواد الغذائية و الملابس و الأجهزة الالكترونية و الطائرات الخاصة و نستطيع تقدير مدى البذخ الذي تعيشه هذه الدول إذا علمنا أن واردات هذه الدول من مستحضرات التجميل و الماكياج عام 2012 بلغ 6 مليار دولار ، و يتضح مدى الضعف في الهياكل الاقتصادية لهذه الدول في أنها تستورد 90% من غذائها من الخارج و أنها لا تنتج سوى سلعا تعتمد على النفط أو سلعا لا تفضل دول العالم الاستثمار فيها لان إنتاجها مكلف م يحتاج إلى طاقة كبيرة لا تتوفر إلا في دول الخليج ، أما النمو الاقتصادي المزيف الذي تحققه هذه الدول فهو استثمارات تنفذها الشركات الغربية في مجال البنية التحتية و الإنشاءات الفارهة التي تدر الإرباح الضخمة على تلك الشركات و هذه الاستثمارات مرتبطة بتسهيل استخراج النفط لتوفير خطوط المواصلات و الإمداد و السكن للعبيد الاقتصاديين الجدد العاملين في مزارع النفط لضمان استمرارية إمداده للغرب ،
تؤدى الصناديق السيادية الوظيفة الثالثة لهذه الدول، فهذه الصناديق تجمع فيها ألاف المليارات من عوائد النفط و التي تبقت بعد الإنفاق الاستهلاكي الضخم لهذه الدول ، و قدرت ممتلكات الصناديق السيادية الخليجية 1.7 مليار دولار ، تستثمر معظمها طوعا أو كرها في أسواق المال الأمريكية و الغربية، و تتعرض هذه الاستثمارات لخسائر جمة نتيجة سوء إدارة الأسواق المالية الغربية و الانخفاض المتواصل لقيمة الدولار، و وفقا لتقرير مجلة الايكونومست فقد بلغت خسائر الصناديق السيادية العربية 500 مليار دولار في العام 2008 تحملت منها الإمارات العربية و حدها 425 مليار دولار ، و ذهبت هذه الأموال إلى مؤسسات مالية أمريكية و غربية يسيطر عليها سادة الكون الاقتصاديين في الغرب ، و ما زالت الحكومات الغربية تطالب دول الخليج العربية بضخ مزيدا من الاستثمارات في الاقتصاد العالمي لإنقاذه من الأزمات المتواصلة التي تعصف به، و الإشكالية الأكبر هنا أن حكومات هذه الدول تعاملت مع الخسائر في استثماراتها كأنها كارثة طبيعية و ليست من صنع البشر، ففي حين أخضعت الولايات المتحدة و أوروبا مؤسساتها المصرفية و المالية لتحقيقات لمعرفة مصير أموال شعوبها و اتخذت إجراءات عقابية بحق المصارف و المسؤولين طالت وزير الخزانة الامريكى و رئيس البنك الفيدرالي و قامت بتأميم مصارف اشتركت في الفساد الذي عم أسواق المال في وول ستريت و سبب الأزمة المالية، كانت حكومات هذه الدول تتبجح بان الأزمة لم تؤثر في اقتصادياتها دون اعتبار للخسائر التي حققتها و التي تمثل ثروة متراكمة غير قابلة للتجديد لشعوب هذه الدول.
و هكذا فان أموال هذه الدول بعد الإنفاق على السلاح و ترف حكامها و شعوبها يوجه الباقي منه للاستثمار في أسواق المال و سندات الخزينة الأمريكية، وهذا يوضح إن ثروات هذه الدول صفر و أنها لا تملك شيء و غير قادرة على استخدام تلك الثروات لبناء مستقبل مضمون لأجيالها القادمة، و لا حتى مساعدة أشقاءهم العرب في مواجهة الفقر و البطالة و المديونية التي تعانى منها الدول غير النفطية إذ بلغت مديونية الدول العربية غير النفطية 23% فقط من الإنفاق العسكري لدول الخليج .

التعليقات