في ذكرى عملية اسدود المزدوجة..دنيا الوطن تنشر رواية "حلم في قبر العدالة" لقائد كتائب الاقصى"سالم ثابت"أحد المخططين للعملية
غزة - دنيا الوطن
مقدمة لرواية "حلم في قبر العدالة"
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، وحالة القهر والهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة بحق شعوب الأمتين في شتى أصقاع الأرض؛ لم يكن يحدث لولا أن العرب والمسلمين هم من قبلوا بذلك، ولأنهم لا زالوا يختبئون خلف جدران الخوف والذل والصمت، ويشاهدون لصوص الغرب وهم ينهبون ثرواتهم وحاضرهم ومستقبلهم بدون أي اعتراض، فإن هذا الحال المحزن المثير للشفقة سيدوم كثيرا .
تجسد الرواية بأحداثها التي تدور في إحدى الغابات بين مجموعة من الحيوانات مشهداً مصغراً لسياسة وسير الحياة في هذا العالم الكبير، ولأن الأسود في ذلك المكان باضطهادها وبطشها تمثل الإدارة الأمريكية، سأترك للقارئ أن يحدد الهوية الرمزية التي يحملها كلٌ من بقية الحيوانات .
إهـــــــــــــــــداء
أهدي هذا العمل المتواضع إلى أرواح الشهداء الذين سقطوا على طريق التحرير وإلى كل أبناء شعبنا في الوطن والشتات وإلى كل الأهل والأحبة والأصدقاء .
سالم عبد الرحمن ثابت
كانت الشمسُ تميل إلى الغرب في صراعٍ مع بدايات الظلام، وتختفي بهدوء في مشهدٍ من مشاهد احتضار الأيام، على حواف الليل لتودع غابة مابير، التي كان يلهو بها في هذه اللحظات خمسة فهود أشقاء أكبرهم ريكال الذي يشاركهم الظن بأنهم سيبقوا ِأخوة إلى الأزل، يفرحون ويمرحون ويسابقون نسمات الربيع، ويزعجون الدنيا بصراخهم وضربات أقدامهم، ولم يعتقدوا أو حتى يفكروا يوماً بأن غرائزهم وشهواتهم للدم والقتل ستقف حاجزاً أمامهم، وستنسف كل صلات الرحم والقرابة، ولأنهم لم يفكروا؛ لا زال بعضهم يرتمي فوق الآخر ويهرب منه ويلحقه، ولا زالت رياح الخريف تهب بين الفينة والأخرى محدثةً صوتاً لخرير الأوراق وتكسير الأغصان المتخاصمة، والتي يقول المنطق عنها: أن كسر الغصن المقابل هو سبيل البقاء ولا حياة لمن هو ضعيف .
كانت علاقة ريكال بإخوته أعمق من البحار، وأقوى من الصخور الصامدة في وجه البراكين، فلم تتأثر برياح الأيام ولم تغيرها عوامل الطبيعة المتقلبة مع الفصول فهم الأخوة الذين تعاهدوا بالفطرة أن تكون التضحية عنواناً لهم وأن يكون الإخلاص سبيلهم في شق سنواتهم من وسط جبل العمر، وكان كلٌ منهم يجسد هذه المعاني عندما يطلب منه الدفاع عن إخوته في مشهدٍ رائع يعبر عن التقاء الدم بكل معاني البطولة والوفاء ويا ليت الزمان يتوقف عند تلك اللحظات البريئة التي لا تحتكم للغة الغنائم والمصالح التي لا صوت فيها إلا لصوت صلات الدم .
كان يعتاد ريكال وإخوته كل يوم في وقت الصباح على ممارسة أجمل لعبة تجمعهم مع غريزة المطاردة، ففي الوقت التي تحاول الشمس فيه أن تخترق بأشعتها الفجوات الواقعة بين أوراق الأشجار، لترسم أشكالاً ضوئية على الأرض كان يجري كلٌ منهم خلف الآخر، ويحاول القفز فوقه وإطاحته أرضاً وكأنه ضحية يجب افتراسها وتدوم هذه اللعبة ساعات طويلة تنتهي بالذهاب إلى الفهد سيمال المسؤول عن تدريب الصغار، والذي عادة ما يكون جالساً يراقب ويتابع حركاتهم ليرشدهم كيف يكون القفز ويعلمهم كيف يتم اختيار اللحظة المناسبة لضربة الموت، وسيمال يتبنى فكرة ممارسة التمارين التدريبية على أنها ألعاب تسلية وليست أمراً عسكرياً مطلوب تنفيذه، ولهذا فإن ما يقوم به ريكال وإخوته من ألعاب هو جزء من برنامج التدريب الذي يؤهلهم لمقارعة الحياة وتحدي الصعاب ورسم شعار الفهود بالدماء فوق جثث الضحايا.
في تزاحم الأيام على قطار الحياة قدم لمابير قرداً اسمه ماني من غابة أخرى، قرر أن يعيش حياته وحيداً يحمي نفسه من الافتراس بعدم نزوله للأرض، فهو يدرك أن عليه أن يبقى فوق الأشجار، ولا تلامس قدماه الأرض إلا بحذر وحيطة ومن أجل الماء، وكم كان يتمنى لو أن القرود لا يصيبها الظمأ ليتجنب هذه المخاطرة، ورغم كل ذلك كان يحلم بعلاقة مميزة مع الأسود توفر له حياة كريمة آمنة من أي مخاطر، وفي سبيل هذه العلاقة كان جاهزاً لتقديم أي شيء والقيام بأي عمل مهما كان سيئاً .
أثار القرد ماني وهو يتنقل بين الأشجار ويقفز من غصناً إلى غصن وكأنه يسير على طرقاً في الهواء إنتباه ريكال الذي كان يراه عندما يذهب إلى التدريب، أو أثناء سيره في ميرال فإزداد فضولاً لمعرفة ذاك الضيف الغريب الذي يحيا وحيداً في غابة طال الزمان به أو قصر سيكون ضحية ووجبة طعام شهية لأحد سكانها، وقرر سؤاله مباشرة فقال: أيها القرد القادم من المجهول، لتحيا بين الأشواك غير مكترث بمصير أجمل نهاية له مأساة ما يجبرك على هكذا حياة تعيشها كمن يسير فوق الرمال المتحركة في أي لحظة سيكون الابتلاع .
رد القرد ماني على المتطفل بالسؤال فأجابه قائلاً: ما يدفعك للمغامرة بالحياة، لن يكون إلا هروباً من الموت وبالتأكيد وجودي هنا ليس سياحة أو نزهة بين الأشجار بل تحليق لا يقبل الخطأ لطائر يحوم بين أنياب القتلة، فأي غفوة منه ستكون النهاية. واكتفى بهذا الجزء من الحديث لأنه قرر مسبقاً أن تبقى روايته له وحده بفرحها وأحزانها وجراحها، ولم تفلح كل محاولات ريكال لانتزاع أي مقطع من رواية هذا الراقص على حبال الموت فوق روؤس الطغاة، ليثير شهوتهم للقتل والتنكيل. وما هي إلا أيام قليلة، وعدة لقاءات أصبح أكل اللحوم الذي لم يثق لتلك اللحظة إلا في إخوته صديقاً للمغامر المتعلق في أحلام النجاة والحصول على أيام جديدة من دفتر الحياة .
تلقى ريكال وإخوته التدريبات على يد سيمال المتمرس في هذه المهنة، العارف بكل خفاياها، فأتقنوا فنون القتل وتعلموا ضربات الموت، ولأن ريكال المرشح الأول لخوضَ معارك الحياة كونه أكبرهم سناً بدأ سيمال يركز عليه، ويقوم بتأخيره إلى ساعات الظلام، وفي ذات يوم أبلغه بأنه يخضع إلى التدريب، فزمن اللعب قد انتهى، وعليه أن يعتمد على نفسه من الآن فصاعداً، وتحدث إليه بلغة الوصية بأنه في معركة الجوع يبرر القتل، ويصبح كل شيء مباح ولم يعد مكاناً للمحرمات؛ فالموت هو قانون الجميع، فإما أن تموت جائعاً، أو يموت غيرك ليكون طعامك، ولأن الحياة لا عدل فيها ولا رحمة إلا للقوة، فعليك أن تجيد صناعة الموت حتى لا يطحنك الجوع ويلقي بك طعاماً لغيرك، ولكي تتجنب الموت في ساحة المعركة عليك أن تلتزم بالتدريب، الأمر الذي حفز ريكال وجعله يبذل كل جهده لتنفيذ أوامر سيمال واجتياز برنامجه التدريبي بكل تفوق ونجاح .
أبلغ سيمال قائد القطيع توماس بأن ريكال أصبح جاهزاً للالتحاق بالجيش المحارب الذي يؤمن طعام القوم، فلم يعد يحتاج مزيداً من التدريب، وسيرسله له ليكون جندياً مطيعاً يؤدي خدمة الوطن. ودخل الليل وتجمع قطيع الفهود ليخرج في رحلة البحث عن الحياة، وتأمين الطعام اللازم للصغار؛ فعلى ريكال اليوم أن يرافق القطيع ليتعلم أول درس في فنون القتل من أجل البقاء، وعليه أن يبقى في المؤخرة، ويشاهد كيف يكون سفك الدماء بلا رحمة ولا شفقة؛ فالقتل مهنة والصراخ انتصار، فهو لم يعد صغيراً وعليه أن يعتمد على نفسه، ورغم أن هذا كان حديث قائد القطيع توماس له، إلا أنه كان يفكر بذلك؛ وما أن انطلق المحاربون إلا وكان يجري بينهم، وفي خياله أربعة إخوة يجب أن يعود إليهم. فهذه أول مرة يبتعد عنهم هذه المسافات فرائحتهم تطارده، وصورهم تسيطر على خياله، وأصواتهم أعلى من صوت القطيع، ولم يكتب لحنين الإخوة بالدوام كثير عندما اخترقته أصوات صراخ الأبقار المرتجفة تحت أنياب الغزاة، ودماؤها ترسم معادلة الحياة .
كان حفلاً رائعاً من القتل بالنسبة للفهود، ومأساة وكارثة ونهاية محزنة للأبقار، ولكنها هي دورة الحياة عنوانها البقاء للقوة، فهنيئاً لريكال الذي ولد فهداً من سلالة الأنياب، ولم ولن يكن في يومٍ عِجلاً أو بقرة، وبتناصف الليل مع نفسه يعود ليعانق أخوته حاملاً لهم لحوم الضحايا ليحدثهم كيف كان القتل وتمزيق جثت الخصوم ليشوقهم ليومهم الأول في حمل السيوف، ومن ذاك الوقت أصبح ريكال صياداً متمرساً وقاتلاً لا يشق له غبار، ومرت الأيام مسرعة تتسابق مع الرياح ومعها يكبر ريكال وإخوته، وتزداد همومهم كلما تعرفوا على الحياة أكثر؛ فلم يعد حلم الطفولة ذو مغزى أو معنى لديهم _فهذه الحياة ليست مجرد لعب ولهو_ بل هي ساحة معركة، ومسرحاً للقتال من أجل البقاء على دماء وآلام وجراح الغير، ورغم كل هذه التطورات التي لازمت أيامهم؛ إلا أنها لم تغير من واقع الأخوة شيء .
أراد ريكال أن يستكشف النصف الآخر من مابير، والذي تطلق عليه الحيوانات النصف الذهبي لجماله وروعته ومناظره الطبيعية الخلابة التي تسحر عيون الناظرين، ولأن هذا النصف الشمالي لمابير يقع تحت مسئولية الأسود وسيطرتهم؛ فعلى السائح أن يتقدم مسبقاً بطلب موافقة للزيارة، وعليه أيضا أن ينتظر الموافقة من عدمها ولهذا ولإتباع القنوات الرسمية في الإتصال توجه ريكال إلى توماس قائد القطيع، والذي بدوره طلب الإذن من الأسد المسئول عن التنسيق ليعطي الموافقة، ويحدد اليوم والساعة المسموح له بدخولها، ومضت عدة أيام إلى أن تمت الأمور بالشكل الرسمي، وتم إبلاغ ريكال بالموافقة، وانطلق في جولة إستكشاف ذاك المكان الرائع برفقة مجموعة من الحيوانات سُمِحَ لها بالتجوال في ذاك اليوم وبين الأشجار ونهر إيرول الذي تتسلل مياهه بين الصخور، وتقفز من أعلى القمم لترسم أجمل مشاهد الطبيعة، بدأ ريكال الغير منبهر بهذه الألعاب البهلوانية يشعر بأن هناك ظلم لا يطاق، وتحديداً عندما أدرك من خلال زيارته بأن هذه المساحة الكبيرة من الأرض المليئة بالصيد والرزق الوفير لا تتناسب وعدد الأسود القليل الذي لا يستطيع تغطية حدودها، فلم يستطع أثناء عودته من هذه الرحلة أن يخفي مشاعره وكلماته وتحدث لأحد الفهود، وهو يحتشد مع الحيوانات على بوابة المغادرة؛ ليمر من أمام الأسود الذين يقومون بالحراسة والتأكد من مغادرة الجميع دون أن يدرك بأن صوته أصبح مسموعاً لمن حوله بأن هذا ليس عدلاً وحتماً لن يدوم الظلم وما أعاد إليه صمته وسكونه تلك النظرات التي شاهدها في عيون أحد الذئاب المشاركين في الرحلة الأمر الذي جعل القلق يخيم على خياله، ولم يعد يفكر إلا في الهروب من هذه النظرات التي رأى خلالها محكمة وقضاء الأسود .
قائد قطيع الفهود توماس كان دائماً يصف مابير بأنها هي جنة بكل ما للكلمة من معنى، ففيها الربيع والخريف يجتمعان وفيها القمر وضوء الماء يتحدثان فهي لوحة تم رسمها بأوراق الخريف التي تحمل لون الحياة والموت معاً، وتقسمت تضاريسها بقطرات الأمطار الدافئة المختبئة من برد الشتاء وتوزعت ألوانها بزهور الربيع المغرورة بجمالها ورائحتها الفواحة ولكنه كان يحرص دائماً أن لا يعرج ولو بكلمةٍ واحدة عن القانون الخاضعة له هذه اللوحة الفنية الجميلة رغم الأسئلة المتكررة من الفهود له حول هذا الشأن، إلا أن ذكاءه يسمح له في كل مرة بالهروب من تلك الأسئلة إلا في مرة واحدة وأمام الإلحاح والإصرار أجاب بثلاث كلمات فقال: هي معادلة القوة .
في مساء يوم ممطر ومع بدايات دخول الظلام، بدأت السماء تحشد جنودها وتنشر الغيوم في كل مكان لأنها ستهاجم وبكل قوة ولن تبرر أسباب غضبها بينما على الأرض الصمود والثبات، فلا جند ولا ناصر لها اليوم، وما أن بدأت السماء تصب غضبها على غابة مابير، وكأن هناك معركة بين السماء والأرض؛ إلا وبدأت العواصف تضرب مابير فتتكسر قمم الأشجار وتهوي سمعاً وطوعاً واستسلاماً لجيش الغزاة وبدأ الرعب يدب في قلوب الحيوانات وبدأت تجري شرقاً وغرباً هرباً من الأغصان المتساقطة فوق رؤوسها وضاقت بها مابير بما رحبت، وما زاد الأمر تعقيداً سقوط الأمطار بعنف تشجعها الرعود، وفي ظل هذه الأجواء المخيفة المرعبة كان ريكال كبقية الحيوانات يبحث عن ملجأ يحميه من حرب لا علاقة له بها، وذنبه الوحيد أنه سكن الأرض، وفجأة وفي لحظة غازلها ضوء البرق، طاردته عيون نفس الذئب الذي كان يحتشد معه على بوابة النصف الذهبي بنفس النظرات وكأنه لا يشغله في كل هذا الصراع القائم إلا معرفة من هو ذاك المتمرد ؟ وحينها بدأ يشعر بأنه مراقب، وما هي إلا أيام وسيقتل بقرار من قائد الأسود كاليروا وللحفاظ على حياته فإن عليه أن يفكر بقتل هذا الذئب والتخلص منه ومن كلمات خرجت بدون إرادته أو سيطرته على حروفها، ولكن الطقس البارد الممطر جعله يترك أفكار الموت، ويذهب للبحث عن الحياة ليختبئ تحت صخرة محتمياً من أمطار وعواصف ذاك اليوم .
بعدما أضحى ريكال والقرد ماني صديقين أصبح كلٌ منهم يشكو للآخر سطوة الدنيا وتسلطها على الضعفاء الباحثين عن طعام صغارهم القانعين بعدم ملئ بطونهم، والاكتفاء بالقليل من الطعام كما كان ريكال يستشير ماني كثيراً في أغلب ٍأفكاره وقراراته، ورغم كل هذا التقدم في العلاقة إلا أن ماني لم يثق كثيراً بصديقه، فلم يسجل أنه أثناء الحديث واللقاءات نزل عن الشجرة وكان يحرص دائماً على الحديث معه من أعلى، وكم تمنى ريكال أن يجلس مع صديقه وجهاً لوجه عندما أخبره بقانون تقسيم مابير الذي يعتبره ظلماً وإجحافاً بحق جميع الحيوانات تفرضه سنة الحياة التي على الجميع القبول بمنطقها القائل: بأن الأسود هي وحدها من يحق لها أن تترأس قيادة مابير رغم عددها القليل، ولا ميزة للفهود الذي يشكل عددها أكثر من نصف عدد الحيوانات، وأن نصف الغابة من حق الأسود، ويمنع لغيرها الصيد في هذا النصف، أو حتى السير إلا بإذن مسبق بينما النصف الآخر يقسم إلى قسمين: الأول للفهود والثاني لبقية الحيوانات، وطالما هذا هو عدل الحياة فعلى الجميع القبول بالواقع .
في إحدى الليالي والبرد يتسلل من بين الأشجار ليغزو سكان مابير، وجد ريكال نفسه يقف وجهاً لوجه مع ذاك الذئب الذي يلاحقه دائماً وبنظرات الفهود السريعة المستطلعة للمكان، أدرك بأن لا أحد سواهما وهذه هي اللحظة المناسبة للتخلص من الكابوس، الذي يلاحقه في نومه واستيقاظه، وتحركت بداخله كل غرائز القتل والانتقام، ولكن صوت الذئب كان أسرع من ضربة الموت عندما قال له: لك التحية ولك مني السلام، وصمت لينتظر الإجابة لكن ريكال لم يجب في البداية لصدمة الموقف الذي جعل الحيرة تسيطر عليه فتراجع قليلاً وقال: ماذا تريد مني ولماذا تلاحقني؟ أتريد معرفتي لتحظى بمكان جوار القتلة أو حماية أحد المستكبرين عندما تحدثهم بتلك الكلمات التي خرجت من بين شفاهي؟ وحينها ابتسم الذئب وقال: أنا لست ضعيفاً لأختبئ خلف قوة أحد؛ ولا أنا وحيداً لأحتمي بتجمع البعض؛ ولن تشكل آلام الحيوانات عندي ابتسامة ولن ترسم دماء الأبرياء لي خارطة الوطن، بل ما دعاني لمتابعتك هي كلماتك التي أثارت بداخلي كل معاني العدالة وحياة الكرام وكم أتمنى لو تقبل صداقتي؛ لتكون عنوان علاقتنا ولقاءاتنا، وانتهى لقاء أعداء الأمس بأصدقاء اليوم عندما وافق ريكال على صداقة الذئب الذي أبلغه بأن اسمه ميسول وهو ابن قائد القطيع والمرشح لقيادة الذئاب بعد والده، وبعدها ذهب كلٌ في اتجاه يبحث عن معالم الحرية في وجه مابير المبتسم للثوار والذي أرهقه الظلم .
مر قطار الحياة سريعاً على سكة الأيام في غابة مابير، وكبر الصغار وهرم من كان كبيراً ومات من مات في معركة الطعام، وأصبح ريكال وإخوته من كبار القوم ولهم كلمة تطاع في قطيع الفهود، بعد توماس قائد القطيع الذي كان يحرص دائماً على وجودهم في أي معركة صيد أو مهاجمة عدو، كما أصبح ميسول قائداً لقطيع الذئاب بعد مرض والده وعدم مقدرته على قيادة القوم .
في إحدى رحلات الصيد للقطيع وبوجود ريكال وإخوته وفي ليل الشتاء البارد المظلم المرعب كاد أن يقتل أخ ريكال الأصغر سومال عندما هاجمته مجموعة من النمور؛ تريد أن تسلب منه صيده لولا تدخل ريكال وإخوته وجزء كبير من القطيع، وبعد العودة والنقاش فيما حدث ومحاولة قائدهم توماس تهدئة الأمور، والقبول بقانون الحياة الذي يخضع له الجميع، وأن النمور هي الأقرب في السلالة للأسود وتحتل المرتبة الثانية من حيث الأفضلية، الأمر الذي جعل ريكال يخرج بعدها غاضباً من حديث قائدهم الذي شكل له حالة من الإحباط واليأس، فهذا الظلم سيدوم ولن تغيره الأيام لأن ذلك هو ما تفرضه سنة الحياة، وسار في مابير يفكر بمنطق التأقلم مع الحياة وقبول الواقع ليقول لصديقه الذي أصبح قائد قطيع الذئاب ميسول، والذي قابله وجلسا معاً: يا صديقي نحن نعيش في عالم لسنا به سوى ممثلين، فقد تقسمت الٍأدوار وتوزعت مسبقاً، وهذا ليس بإرادتنا بل رغماً عنا، فالعوامل المحيطة بك والتركيبة التي ولدت بها تفرض عليك تمثيل الدور المطلوب منك والعيش في عباءته، فانظر لتلك الأشجار العالية القوية، إنها تنحني لتلك الرياح التي تأتي لها على غفلة لتذكرها دائماً بمنطق السادة والعبيد، ومن هو الذي يحكم الأرض؟ ومن هو الذي عليه أن يقبل بالواقع؟ وأي واقع هذا الذي وفر كل العوامل ليجعل الأشجار تنحني إلى الرياح وتخيل لو تمردت الأشجار على هذا القانون، ورفضت الانصياع لجبروت الرياح وتسلطها وسطوتها فستكون حينها النتيجة محزنة، لأن الجلاد دائماً لن يقبل بأن تتقدم الضحية على حبال مشانقه رافعة الرأس وبهذا المنطق ستقوم الرياح، وبكل قوة بتكسير أغصان الأشجار، واقتلاع صغارها من أعماق الأرض، وللحفاظ على سير الحياة وتقسيم الأدوار سيبقى الانحناء وسيبقى تكسير الأغصان قائماً للتذكير بعصا الجلاد .
قائد الذئاب ميسول المتأثر دائماً بكلمات ريكال، وجد نفسه هذه المرة محبطاً أكثر منه فلم يعلق بشيء، واكتفى بالقول أنا أثق بك كثيراً يا صديقي، وتركه وذهب عائداً لمعقل الذئاب ليمارس طقوس العواء مع القطيع لتذكير كل سكان الأرض بأن خلف هذا الظلام قوة تحذر من الإقتراب منها أو المساس بها، وأنها ستنطلق يوماً بإتجاه النور .
خرج قطيع الفهود وريكال وإخوته يتقدمون الرتل خلف القائد مباشرة الذي قتل في هذا اليوم عندما ركله ثورٌ سئم حياة الضحية وتمرد على أنياب الغزاة، وقرر أن لا يمثل دور الضحية؛ ليكون يوماً سيئاً لكل المحافظين على سير الحياة بتقاليدها المجحفة الرافضين عودة الجلاد قتيلاً أمام كبار القوم، فالضحية التي يحرمون عليها الصراخ في حضرة الجلاد غير مسموح لها أن تحرم القتلة من نهش لحمها حين لا يكون هناك وقتاً لا للصوم ولا للصلاة .
كان لحادث مقتل قائد القطيع توماس أثراً كبيراً في تفكير ريكال، إذ حدث صديقه القرد ماني في اليوم التالي، بأنه لا يوجد ثوابت في هذا الكون، وأن معادلات الحياة كسرت تحت قدم ثور قرر في لحظة أن لا يكون بقرة، ولأن ماني يعلم ما يجول بخاطر ريكال قال له: يا صديقي إن كنت لا تمتلك بيتاً فغيرك لا زال يعيش بدون غابة، وإن كنت تشكو من قلة الصيد فهناك آلاف الحيوانات تموت جوعاً تحت صخور قانون الحياة التي إذا أردت أن تمحو أحد كلماته، ستكون كمن يبارز بلحمه السيوف، ولأن ريكال لا يكترث كثيراً لحديث صديقه قال: سأعيش يوما ثوراً، وأُغير مسار التاريخ، وذهب تاركاً ماني يلهو فوق أشجاره، تعلمه الحياة وتهمس له بأن الحق والعدل لا يكتب لهما دائماً الانتصار .
التقى ريكال بميسول قائد الذئاب الذي تشكل القطيع الأكبر بعد الفهود في غابة مابير وجلسا تحت شجرة، ليقول ريكال ناصحاً ومطالباً ومخاطباً ميسول يجب أن تعقد اتفاقاً وتحالفاً مع أي قائد جديد لنا، لإعادة حقوق الأجداد من أولئك المستكبرين في الأرض، الذين يرسمون خارطة الحياة بأنيابهم ومخالبهم ويوزعون الرزق كما يشاءون، غير مكترثين بجوع وآلام الجائعين، فنحن الصارخين في وجه الظلم والاستبداد نقول أن هذا الكون له إله ولن نقبل بأن يبقى نهر العدالة جافاً تحجب عنه مياه الحرية؛ التي يجب أن تجرف أودية الظلم وصدقني أن قتل قائدنا توماس بحجم ما كان محزناً إلا أنه أزال عنا الوهم الذي كنا نعيش به فذاك الثور المتمرد لن يختلف عن بقية الثيران، إلا أنه رفض تمثيل دور الضحية وعندما ننظر إلى تمرد الأشجار على تراب الأرض سنكتشف أنه هو التحدي الأكبر لقانون الحياة والقوة؛ فتلك البذرة التي تبتلعها الأرض معتقدة بأنها ستلتهمها وتصنع منها طعاماً تتفاجأ بأنها لن تستطيع هضمها، فتستسلم لصمودها وتتشقق امام إصرارها لتتيح لها الخروج من بين خلاياها للفضاء، لتنمو وتصبح شجرة ووطناً لبعض الطيور .
القرد ماني سمع ما يدور بين ريكال وميسول وعلم قيمة الكنز الذي حصل عليه، فعندما يقدمه للأسود سيحصل على حماية تجعله يسير في مابير دون أن يعترضه أحد أو حتى يفكر بذلك أحد، ولكنه فكر كذلك في الوقت نفسه بما سيؤول له مصير ريكال وما بينهما من صداقة، إلا أن مصالحه الشخصية هي التي رجحت؛ فضرب كل عناوين الصداقة والإخلاص بقدمه المرتجفة من صوت زئير الأسود التي يحلم بثباتها عندما تقدم لها الحماية من نفس الصوت، وذهب ليطلب لقاء الأسد العجوز فازال ليبلغه بذاك الحديث وتلك الأفكار، لأن فازال اتفق معه مسبقاً أن يجمع له المعلومات مقابل أن يخبر قائد الأسود بقصته، ويطلب له الحماية وهذا يحتاج إلى معلومات قيمة تقنع القائد بتوفير الحماية له، وأدرك ماني بأن هذه فرصته الوحيدة لنيل الحماية، والحصول على إقامة دائمة في مابير عله يحصل على الجنسية بعدها .
بعد مرور عدة أيام من موت قائد القطيع، وبعد الحزن والنواح وآلام الفراق اجتمع كبار القوم، لأنهم يعلمون علم اليقين بأن الجوع لن يشاركهم أحزانهم ولن يوقف غزواته لأمعائهم، ولأن الحياة يجب أن تسير، قرروا إختيار قائداً جديداً يتولى قيادة القوم _وبالتفاوض والتشاور والصراخ والحديث الهادئ_ توافق المجتمعين بأن يتم إنتخاب إسماً من بين ثلاثة أسماء، حصل جدالاً كبيراً حولها، ليخرج بعد ذلك أحد المجتمعين وهو الفهد كالي أكبرهم سناً ليعلن لقطيع الفهود بعد طوال ترقب وإنتظار قائلاً: أيها الفهود لقد خسرنا قائداً عزيزاً على قلوبنا أفنى حياته في خدمة أمة الفهود، ولكن هذا لا يعني بالمطلق أن نجلس حول القبر نبكي الماضي للحاضر، ونترك المستقبل تائهاً في أودية العويل، وحتماً فإن كل دموعنا لن تستطيع إسكات صراخ جائع أو إطعام صغير، وأن كل نواحنا وعويلنا لن يزعج هذه الأرض، أو يثير شفقتها لتقدم لنا الطعام دون عملاً أو جهداً، فنحن لسنا أشجاراً تنتظر الأمطار لتروي عطش جذورها، ولن نكون كذلك لنتسول المياه من نهراً أظلته الطريق أو غيمة تجبرها الرياح على الهبوط، فنحن معشر الفهود نحصل على الطعام بقوة أنيابنا وبضربات أيدينا، ومعارك الجوع التي نخوضها كل يوم هي أكبر دليل على ذلك، وحتى لا نظل الطريق وحفاظاً على وحدة القطيع كان من المنطق والحكمة أن يتم تعيين قائداً يتولى قيادتنا جميعا لنا منه الإخلاص والوفاء وله علينا السمع والطاعة، ولهذا أعلن على مسامعكم بأنه منذ هذه اللحظة بأن قائدنا وكبيرنا هو ريكال وها أنا أمامكم أبايعه بيعة لن أنقضها إلا إذا خالف حقوق ومصلحة الفهود، فهيا لتبايعوا القائد، وهتفت الفهود وإهتزت مابير لصوتهم التي طالما عشقته، واهتزت أشجارها له وبهذه المراسيم تولى ريكال مقاليد القيادة .
تلقى كلٌ خبر قيادة ريكال بخلفية مصالحه وأهوائه، فميسول قائد الذئاب قال وهو مبتسماً: هنيئا للعدالة ومرحبا بالحرية، أما قائد الأسود كاليروا القلق من هذا الشاب المتحمس قال: أتمنى أن لا يأتي يوما أضطر فيه لقتل هذا الريكال بينما القرد ماني إحتفظ برأيه لنفسه، واكتفى بالرقص الذي يمارسه يومياً فوق الأشجار، وأما النمور التي كانت تسعى لأن يكون لها تأثير ويد في إختيار ريكال ولم يسمح لها بهذا التدخل قال قائدها سيزار: نحن نبارك للفهود إختيار قائدها بهذا الشكل الديمقراطي وهذه الطريقة الهادئة وندعو كل الحيوانات للنظر لهذا النموذج بعين الإحترام والتقدير، ولم يقتصر الحديث حول قيادة ريكال على هذه الآراء فقط بل كل سكان مابير تحدثوا وعبروا عن آرائهم لبعضهم البعض كما حصل الأمر سابقاً عندما تم تعيين ميسول قائداً للذئاب .
ريكال الذي لم يروق له حديث قائد الأسود كاليروا بحقه بعدما تم تعيينه قائداً للفهود لم يتحدث لأحد بشيء، ولم يعبر عن غضبه إلا لقائد الذئاب ميسول عندما التقى به بعد عدة أيام قائلاً له: يا صديقي إن الغضب الذي يسري في عروقي باتجاه هذا المستكبر لن أصخره لإرضاء غروري والإنتقام لنفسي بل سأدفع به إلى شرايين الثورة لتصبح ناراً تشتعل فوق هذه الأرض لتحرق كل القتلة والجلادين الذين جلسوا على سدة الحكم _ليس لأنهم هم الأقوى أو الأفضل_ بل لأن العوامل التي أحاطت توليهم والفرصة التي أتيحت لهم لم تتوفر لأحد، وإلا ما كانوا هم، وتكمن الكارثة في إنهم لم يعترفوا بذلك، بل إعتبروا أنفسهم هم الأفضل، وأنهم خلقوا فوق هذه الأرض للقيام بهذا الدور الأمر الذي يذهب بهم لممارسة المزيد من الظلم والقهر والإضطهاد والمزيد من الإستكبار والإستعلاء، وستجد هذا في حديث كاليروا باتجاهي، والذي يدافع من خلاله عن تلك القوة الذي يعتقد أنها تمثل السيد وما دونها هم العبيد. ولهذا فأنني أعتبر بأن خلافي معه ليس شخصياً، بل هو خلاف الحق مع الباطل، وخلاف الجائعين الباحثين عن الحرية مع الجلادين الذين يعتقدوا بأن القتل وزرع الخوف في القلوب هو الطريق الوحيد للحفاظ على بقاء حكمهم، وقبل إنتهائه من الحديث وليطفي نوعا من المزاح تبسم ونظر لميسول ليقول هامساً: ومع أي من الفريقين ستكون أنت يا صديقي؟ ومع من ستعقد تحالفك؟ .
تبسم ميسول ليبادله الإبتسامة، ونظر لعيون ريكال وكأنه يتفحص بهما خارطة الوطن ليستدل من خلالها على طريق الحرية فصمت قليلاً، ثم قال: يا عزيزي أن الجوع الذي أراه في عيون الذئاب كل يوم يستصرخني دائما بأن أكون أنا الباحث عن الحق والساعي إلى تحقيق العدالة، وأن الظلم الذي عشته واقعا وحياة لم يصنع مني عبدا ولن أكون في يوما كذلك، بل جعل مني متمردا وأن القهر الذي أحاط بنا من كل إتجاه بسبب أولئك الطغاة الذين وفرت لهم الحياة كل عوامل نجاح معادلة التسلط يدفعني وبكل قوة لتكسير تلك المعادلة، فلا طريق أمامنا إلا دق أجراس الحرية، ولا يوجد مفر من ذلك ليس من أجلنا بل من أجل الأجيال القادمة ليتجنبوا معارك الجوع الذي يعاديك بدون سبب فهو أقسى عدو قد يعلن عليك الحرب فمن لم يدخل معاركه لا يشعر بقيمة قطعة لحم تلقى إلى جائع، ولهذا فإنني وبدون أي تردد سأعلن تحالفي معك في اللحظة المناسبة التي سننطلق بها في طريق العدالة لنعانق الحرية، ولنثبت بأن هذه الحياة ليس بهذا الظلم والقهر إذا خرجت خطوط طولها وعرضها عن مقياس خارطة القتلة التي ترسم بالدم والآلام، ويجدد رسمها دائما بأنين الجياع، وصراخ التائهين بين الجوع والموت
القرد ماني أبلغ الأسد العجوز فازال بالحديث الذي سمعه وبالتحالف الجديد ما بين الفهود والذئاب، فقررت الأسود القلقة من تحالف المتحالفين أن تضرب بيدٍ من حديد، وستبطش وتقتل وتدوس من يحاول اللهو عند عرينها هكذا كان يهدد قائدها كاليروا، عندما علم بما دار من مؤامرة كما عبر عنها للقوم قائلاً: نحن لا نحاسب حيواناً على حلماً أو حتى تفكيراً، فالحلم وهماً والتفكير خيال، لكننا لن نسمح بأي مؤامرة تحاك خيوطها بين الأشجار المخلصة لنا وفوق التراب الذي يهتز من صوت زئيرنا، فنحن أسياد مابير وما دوننا هم العبيد، ومن لا يقبل بأحكامنا لا يبقى أمامه إلا مشانقنا فنحن من قتل الزهور، لأنها خرجت بدون إرادتنا وحاولت أن توهم الحيوانات بأن هناك شيئاً اسمه الربيع .
الأسد الوهن المتقدم في العمر فازال لم يرق له حديث قائدهم، فالسيل القادم من الفهود والذئاب قد يجرف ويغير معالم الأرض، لهذا تحدث للقائد في همسٍ بعيدٍ عن الأسود المتحمسة لحمل السيوف، والتي لم تعِ من حكمة الحكماء شيئاً ولم تعيش يوماً حياة الهزيمة أو حتى تخضعها للتفكير قائلاً: يا سيدي لن نستطيع أن نهزم ذلك التحالف الذي يفوق أعدادنا بعشرات المرات ولن نستطيع أن نقنع بقرة أن تضحي بنفسها من أجل ملئ بطوننا؛ بل ما توارثناه ممن سبقنا أن تكون الحيلة ومن ثم وبعد اليقين بالنصر نضرب ضربة واحدة نعيد بها مجداً مخلداً، وهيبة لا تمحى من خيال المتمردين، ونعلن حينها في مابير أننا القوة، وأننا خلقنا لنكون كذلك وحينها ستنحني الدنيا أمامنا تُقبل أقدامنا لنعفو ونصفح عن أخطاء المذنبين .
غرور القائد لا يجعله يوافق مباشرة عجوزاً هرماً مع أنه رأي حكيم فهز رأسه كما كل المستكبرين المتعالين وقال: سأفكر وقد أمنحك شرفاً وفخراً بأن تدير أنت الحيلة وحقاً يا فازال إذا وفقت في تدبير المكر مع الخداع سيكون لك مكاناً، وقد تصاحبني في رحلة صيد فأنا سيد الأسياد، وأنا وليٍ نعمة العبيد، وأنا من أصنع التاريخ؛ فيا لحظك أن رافقتني يوماً وسأمنحك وقتاً ومتسعاً لتعرض لي خطتك وحيلتك التي إذا خاطبت العقل والمنطق سأكون أول الموافقين .
بدأ الحديث عن الظلم والاضطهاد والمطالبة بالحقوق يضرب بأجنحته كل زوايا مابير وأن هناك تحالفات جديدة ستغير القانون الخاضعة له هذه البقعة من الأرض، الأمر الذي جعل الصفوة من النمور تعقد إجتماعاً عاجلاً ليناقشوا الأحداث التي بدأت تسير سريعاً، لتتسابق مع عربة الزمن، ليحددوا موقفهم من كل التطورات لينتهي أي جدال قائم حول موقف النمور من كل المستجدات التي بدأت تنمو فوق سطح الأرض، وبدأ الحديث أكبرهم سناً ليقول بأنه يجب علينا أن نكون واضحين مع أنفسنا، ونحدد موقفنا بشفافية، وبدون أي غموض، بإتجاه أي حدث قد يحصل أو قد سيحصل وأعتقد بأن الجميع يدرك بأن النيران التي بدأت تشتعل تحت الركام لابد وأن تخرج فوق الأرض وبالتأكيد ستغير معالم مابير ولأننا جزءاً من هذا المكان علينا أن ندرس المعادلة من جديد، ليكون لنا نصيب في نتيجتها، واكتفى بهذا الحديث ليتحدث بعده أحد المتحمسين لفكرة السيطرة قائلاً: نحن قوة يجب أن يكون لها مكاناً في هذه الدنيا ويجب أن يكون لنا نصيب من الثروات التي تملأ مابير، وهذا من حقنا كوننا السلالة الأقرب للأسود من حيث الغريزة؛ فاعتلى صوت أحد النمور مقاطعاً هذا المتحمس قائلاً: لا يجب أن نبقى نراهن على قوة الأسود، فإذا ما حصل تحالف بين الفهود، والذئاب فهذا يعني بأن ميزان القوة لم يعد راجحاً لصالحهم، ويقول المنطق أن لا نذهب إلى الهاوية من أجل تحالفنا معهم بل أن الحكمة ومصلحة النمور تحكم علينا عقد تحالف مع الفهود حتى ولو كان بشكل سري غير معلن، وليس من الضروري أن تعلم به الأسود، وهنا قاطع الجميع قائد النمور سيزار الذي لم يرق له كل الحديث ليقول: أنه لمن الجنون أن نتحالف مع الفهود الذين هم أقل منا شأنا فنحن كنا ولا زلنا نقدم لهم المساعدة والدعم في حال أرادوا تغيير قائداً أو التمرد عليه، أو ندعم قائداً في قمع رعيته للحفاظ على حكمه، أما أن تذهب بهم أحلامهم وأوهامهم لحكم مابير فنحن أول المعارضين لذلك ولن نكون على الحياد بل سنحارب مع الأسود، وهذا هو موقفنا نعلنه بأعلى أصواتنا، ولن نتردد في الدفاع عنه مهما كلف الثمن وكان باهظاً وبهذه الكلمات أنهى المجتمعون اجتماعهم بالتصفيق لقائدهم في إشارة منهم لتأييده، وبهذا الموقف وهذا التأييد، فإن النمور لا تبحث عن الحق أو العدالة بل هي كلمات لا تعني لها شيئاً وأن اقتناعها بمنطق التفوق من حيث السلالة هو الوهم نفسه .
هي أيام قليلة استعاد بها الأسد العجوز فازال كل دهائه المتراكم بمرور السنين، وتقدم بخطى الواثق باتجاه عرين القائد كاليروا الذي انفرد به ليسمع مكر الحياة بلسان أقدم القتلة في غابة مابير عندما يقول وهو منحنياً أمام قائده بأن التاريخ لم يحدث أحداً بأن هناك تحالف مقدس أو أن هناك أشقاء لم تفرقهم الأيام، إذا تضاربت مصالحهم، وطالما هذا هو وجه الدنيا فنحن من سيقبلها لتبتسم لنا، وتفكك تحالفهم وتنمي للأخوة مصالحهم لتضاربها من بعد ذلك فتفرقهم ويصمت فازال ليستمع لقائده الذي يقول: من ظن أن الحرب قوة وأن القوة لا تجلب الهزيمة، وقع في شِباك فازال الذي جعلت منه الأيام حكيماً وجعل منه القتل محتالاً فهنيئاً لنا بك أيها العجوز فامضي وارسم في مابير أجمل صور الخداع .
طلب قائد النمور سيزار الاجتماع بقائد الأسود كاليروا في أسرع وقت لمناقشة أمور مابير، وليعلن له الولاء من جديد، والتقى الاثنان في مكان ما في مابير لم يعلن عنه أو يعلمه أحد، وتحدث قائد النمور قائلاً: نحن يا سيدي كما تعلم لا يمكن أن نقبل بأن تحكمنا الفهود وفقط نقبل بحكمكم أنتم، وإننا على عهدنا لكم ولن نتراجع عنه وأبلغكم باسمي وباسم كل النمور بأننا معكم في أي قرار ستتخذوه وسيوفنا ستسبقكم لحمايته، وهنا تبسم قائد الأسود كنوع من المجاملة في الحديث وقال: نحن نعلم بإخلاصكم لنا كما تعلمون، أنتم حجم قوتنا التي من خلالها نستطيع أن نصنع حكما وشأناً للأبقار، ونحرم بعد ذلك على أحد أكلها فنحن وحدنا من يستطيع أن يغير قانون الحياة التي تشير بوصلته دائماً بإتجاهنا أما ريكال الواهم الذي لا يعلم بأن أي تغيير يحتاج إلى قوة تفرضه وتحميه، ذهب به عقله الصغير بالسير تتبعه الفهود إلى الهاوية والهلاك، وأنهى حديثه بابتسامة تعمد من خلالها استعراض أنيابه للتذكير بالقوة الكامنة خلفها، وبهذه الإشارة انتهى اللقاء وترك قائد الأسود المكان عائداً لرعيته ليتفحص في أنيابها نتائج معركة البقاء وفرض الهيبة وإخضاع الخصوم لشروط القوة .
تفاجأ ريكال بالأسد العجوز فازال يرسل في طلبه في ركن في مابير بين الأشجار الكثيفة التي تمنع رؤية من يحتمي بها، وتشجع المجتمعين للتفكير بالخيانة وعند وصوله وقبل الحديث طرح سؤاله لفازال لماذا هذا المكان ؟
ابتسم فازال وقال: يا قائد الفهود لك التحية ولك السلام، ولك مني صدقاً وعهداً تكون شاهدة عليه الأيام، فأنا ما طلبتك إلا لأمر أعلم أنك أهلاً له وما اخترت هذا المكان إلا خوفاً على نفسي من بطش ظالم أضلته أنيابه فأصبح كالمياه التي تجرف الأرض، وتزعجها بحجة إنها تروي عطش الزهور والأشجار ولكن في حقيقتها هي تلبي رغباتها الكامنة في الانتقام من التراب، فيا ابن الفهود قد نال العمر مني وأرهقتني أوجاع الأيام، فلا ولداً يعينني ولا صديقاً يواسيني، فالقائد يمنع أحداً يحدثني، ومن قبل قتل ابني بشهوة القتل والانتقام وكثيراً هم أمثالي من الأسود، وقد علمت من شجاعتك وكرهك للظلم ما دفعني للحديث إليك فنحن ننتظر بلهفة الجائع لقطعة لحم، بأن نتخلص من هذا القائد المغرور كاليروا؛ والذي ظلم كل سكان مابير فماذا قلت في تحالفنا ؟ على أن يكون سراً لا يعلمه أحد، ونلتقي هنا ما بين الفينة والأخرى .
تبسم ريكال في سرٍ وقال: نحن اتفقنا وسيكون لك ما تريد وسنحفظ سرك وهذا وعدنا وبعد الحرب وبعد الكر والفر سنوليك قيادة الأسود في حفل الانتصار، فنحن حقاً عازمين على تغيير معالم الحياة وتحقيق العدل فلا استكبار لجبلٍ على وادي ولا سخرية لشجرة على نبتة تعارك الدنيا من أجل البقاء فمابير بعد الحرب ستغير وجه العالم، وانتهى لقاءهم بذهاب فازال متسللاً ليعود لعرين الأسود تاركاً ريكال سعيداً، بهذا التحالف الذي يثبت بأن الظلم والقهر لن يجتمع حوله الجميع فهناك من تُأنبهم ضمائرهم وهناك من تحركهم مشاعرهم ويا له من ريكال صادقٍ مسكين وقع في ثنايا دهاء وخطة فازال لتحيك خيوطها حول عنقه .
في عرين قائد الأسود الذي يفوح برائحة الدم، واللحوم المتعفنة من بقايا جثت الضحايا، وبنصيحة ومباركة فازال الذي لم يحضر أو يظهر في هذا المشهد. اجتمع قائد الأسود كاليروا بإخوة ريكال ليقول لهم بأنني أعلم بضيق الحال وقلة الصيد وأعلم بعدم تفكير ريكال بأحوال صغاركم لذلك قررت أن أمنحكم أنتم الأربعة ثلاثة أيام في الأسبوع تصطادوا، في نصف مابير الذي وهبتنا إياها الدنيا لأننا نقيم العدل ونطعم الجائع وسنكون سعداء نحن الأسود عندما لا نرى فهداً يعاقبه الجوع ولا نسمع بفهد مات يبحث عن الطعام ليسكت صراخ صغاره وسيبقى هذا الإتفاق قائماً طالما أنا بقيت حياً وقائداً لمابير، وفي نفس هذه اللحظات كان فازال يطلب من ماني الذي أبلغه بتحالف ريكال وميسول أن يبلغ الأخير بأن هناك تحالف ما بين الأسود والفهود، وريكال وفازال الذي ينوب عن قائد الأسود كاليروا هم من يشرفا على هذا التحالف الذي سيقضي بزيادة نصيب الفهود من الغابة على حساب بقية الحيوانات بينما يحتفظ الأسود، بنصف مابير والاجتماعات تتم في ذاك الركن المظلم من مابير الذي تحيطه الأشجار بأجنحتها وأن بعض بنود الاتفاق بدأت تجسد حقيقة على أرض الواقع حيث سمح للفهود الصيد في النصف الذهبي مع الأسود .
ماني ليثبت إخلاصه للأسود، الذي سيمنحه رضاهم حياة أفضل، ورزقاً أوفر ويحميه من بطش الباطشين، توجه مسرعاً لقائد الذئاب ليقول له: أني جئتك محباً ناصحاً غير طامعاً لا يدفعني إلا الشفقة والرحمة لما ستئول إليه أحوالكم، وتشردكم بين الصخور، فاسمعني يا ابن الكرام، وخذ حديثي بمحمل الجد فأنت تعلم كم صداقتي بريكال ولكنني لم أئتمنه يوماً على حياتي لهذا حرصت أن أتحدث معه دائماً من فوق شجرة لعلمي بمطامعه الكامنة وعشقه للقيادة، وإثبات الذات ورغم هذا لم أفشي له سراً ولم أحرض أحد عليه ولكن ما جعلني أعلمه اليوم، دفعني لتحذيرك فريكال وفازال يحيكا مؤامرة على سكان مابير تنتهي بزيادة نصيب الفهود من المساحة الممنوحة لهم بعد التخلص منكم، ولأن هذا التغيير يؤثر على وجودي؛ وجدت مصلحتي معكم ولتتأكد بنفسك اذهب إلى الركن المظلم بعد يومين ستراهم بعينك وسترى أيضاً في الأيام التالية الفهود تصطاد في النصف الموهوب للأسود وسأنتظرك بعدها لأنصحك ما تصنع وما تفعل وأني لك لناصح ومحب .
قائد الذئاب ميسول بعد يومين شاهد بعينيه ولم يحدثه أحد ريكال وفازال في ذاك المكان المظلم يتحدثان، وكأنهما صديقان منذ ولادتهما وشاهد أيضاً في الأيام التي تلت الفهود تصطاد مع الأسود يتقاسما لحوم الضحايا، فعلم أن ريكال يخدعه ويسير به في الطريق المؤدي إلى مشنقة الأسود العطشة للدماء، وتأكد بأن ماني هو الصديق الوحيد في مابير وبنصيحة ماني عقد قائد الذئاب اتفاقاً مع الأسد العجوز فازال يقضي بعدم التحريض على الأسود، وأن يقبل بزيادة نصيب الفهود في مابير مقابل عدم مهاجمة وطرد الذئاب من مابير، وطلب منه عدم الحديث مع ريكال حول الاتفاق خوفاً من احتجاج الأخير وإحراج فازال أمام قائد الأسود كاليروا فريكال يطلب رأس قائد الذئاب ولا يريد اتفاقه.
اعتقد قائد الذئاب ميسول بأن كلمات ريكال وما تلاها من أمور كانت تسير بترتيب وبمعرفة الأسود، وما جعله يفكر بذلك أنه وجد أغلب أحاديثه مع ريكال عند فازال وازداد اقتناعاً بذلك من خلال حديث ماني اليومي له وبهذا عليه من الآن فصاعداً أن يكون حذراً جداً من ريكال ولعل كلمات ريكال الأولى هي ما دفعته ليذهب إلى وكر الأسود طوعاً وخوفاً على حياته منهم؛ ليعقد مؤامرته، ولأن ميسول الوحيد الذي يعلم بذلك فيجب أن يكون الضحية، ويا له من ظناً أوقع صاحبه بالإثم ويا لها من حياة سخرت كل مكوناتها لخدمة القتلة وتقديم رؤوس الأحرار لهم .
ريكال قائد الفهود المتشوق للعدالة يسير في مابير سعيداً يعانق خياله تحالفه مع الذئاب، ويحلق في وجدانه اتفاق فازال بالتخلص من قائده فيرى ماني فيسعد أكثر لأنه يحتاج نصائحه الآن فيهتف يا صديقي ماني ألا تخبرني بما قالته لك الشمس لماذا كل هذا التخاصم مع القمر ؟ فيبتسم ماني ويقول: يا صديقي أخبرتني الحياة بأن كل إبتسامة يتلوها دموع، وكل صمت يخفي حزناً عميقاً، وكم أتمنى ألا تحمل في قلبك جرحاً كبيراً؛ فقد يأخذك طموحك للحق إلى الضياع في صحراء الأفاعي، لتلدغك السنين وكعادته ريكال تبسم لصديقه، وقال: إن كان نصراً فلم يعد هناك مكاناً للدموع وإن كان غير ذلك فصبرٌ جميل .
الرياح الهائجة تحرك أشجار غابة مابير يميناً وشمالاً، ليس إبتهاجاً بحيلة فازال، وربما ليس حزناً على ريكال، ولكن المؤكد أنها ستكون شاهدة على حدث جليل تتغلب فيه المصلحة على كل معاني الأخوة وفصيلة الدم الواحدة؛ فبحضور فازال وأخوة ريكال الأربعة قال لهم قائد الأسود كاليروا: قد سمعت اليوم طبول حروبكم وكم أنا متشوق لمثل هذه الحرب التي لا هزيمة فيها، ولكن عطفي الذي دائماً يسبق سيوفي أعرضه لمرة واحدة فمن اغتنمه وعمل بوصيته كتبت له حياة كريمة لا ذل بعدها، والأذكياء دائماً يبحثوا عن ما يكون فيه نفعاً لهم ولأبنائهم، وعلمتنا الحياة بأن لا نهاجم ثوراً؛ فنتركه يمر بسلام من أجل أن لا يكون ثمن الهجوم هروب القطيع فقائدكم وشقيقكم ريكال تمرد علينا، ويحلم بإسقاط حكمنا الراسخ في الأرض كالجبل التي تنافقه العواصف، وتتراقص أمامه الرياح، فلا الماء ينال منه ولا حتى تكوم الثليج فهل نحن على موعد مع الحرب؟ أم أن لكم رأي لم نسمعه؟ وترك الحديث لفازال الذي قال: يجب أن تعلموا أن الجميع تحالف معنا وأبرز المتحالفين هم النمور والذئاب لأنهم مقتنعين بالمنطق التي تحتكم إليه هذه الدنيا وتفرضه عليهم، ولذلك يجب أن تختاروا الآن بين الكرم الممنوح لكم من كاليروا، وبين المصير المجهول الذي يدفعكم إليه أخيكم ريكال .
وقف أخ ريكال الأصغر منه مباشرةً بايار أمام كاليروا وقال بلغة العبيد: يا سيدي ويا مولاي؛ ما سمعناه منكم لم يحدثنا به أخانا، وإن حصل هذا فسيكون لنا رأي سديد؛ فنحن معكم نعيش في أمنٍ وهناء،ً وبعد منحكم لنا الثلاثة أيام التي نطمع في رابع لها؛ أصبح الرزق وفير فمن الجنون أن نستبدل خيراً بحزناً وعويل، ونترك حياة الرفاه والصيد، ونلتهي بدفن قريباً وشقيق، وريكال لن يخالفنا هذا الرأي الحكيم وإلا عزلناه القيادة وولينا آخر رشيد، فثق بقدراتنا يا سيدي واليوم سينتهي كل الطيش، والأمر المريب وإن كان ريكال قائداً، فنحن كبار القوم لا يخالفنا إلا عنيد .
عاد ريكال من رحلة صيد لم يفلح بها، أو يحالفه الحظ إلا باصطياد غزالاً صغيراً فوجد القوم تنتظره بعدما قام إخوته بتحريضهم عليه، وإقناعهم بإبعاده عن الحكم لتجنب حرباً الهزيمة عنوانها والموت نهايتها، وطلبوا منه إبلاغهم بذلك الأمر الرهيب الذي أثار غضب الأسود فطلبتهم للنزال فقال لهم والدهشة تملأه من رأسه حتى قدميه: ماذا بكم يا معشر الفهود؟ ألم تعودوا مقاتلين؟ أم أغوتكم الحياة والصيد الكثير؟ فهناك ملايين الحيوانات تعذب بسبب هذا النظام المقيت؛ فالحياة لا تكون حياة إلا بالعدل والتساوي، ومن أجل هذا يقدم الغالي والنفيس ولم يكمل ريكال حديثه بسبب مقاطعة أخاه بايار له قائلاً: يا ريكال نحن ننعم بحياة في حكم الأسود لم نحصل على نصفها، لو حكمنا الكون فكن رشيداً، وإلا عزلناك عن القيادة وطردناك من مابير، فإن خالفتنا الرأي فلن تكون بعد اليوم عزيزاً، وعليك أن تعلم بأن كل من حولك هم في تحالفات مع الأسود، حتى صديقك ميسول .
تقدم ريكال نحو أخيه وقال: لن أتراجع عن تغيير قواعد الحكم وتوزيع الرزق في مابير فإذا كنت لا تريد الحرب فالقوم معي، وسيكون النفير فهللت الفهود كلها لإخوة ريكال بإشارة الولاء والتأييد وأحاطته أربعة فهود تحذره من الحديث وإلا قتلته، ومزقته ليكون عبرة لكل من يخرج عن القطيع وقال أحدهم: يا ريكال لم تعد قائداً وبايار هو الآن القائد المطاع، وتراه يأمرنا بإبعادك عن مابير؛ فإما أن تخرج بكرامة أو نخرجك بقوة الأقوياء لإذلالك ولتكن رواية الأجيال لسكان مابير.
اختار ريكال الكرامة فهو الباحث عنها والساعي للحق، ونظر إليهم وكأنه الوداع وقال والدموع بدأت في عينيه :
يا ابن أمي صدمتني وصعقتني، وصنعت لي جرحاً لن تداويه الأيام، وحفرت في قلبي حزناً سيعيش معي ما حييت فوق هذه الأرض .
يا ابن أمي عندما تدور عليك الأيام وتعلم أني كنت على حق فتذكرني، واقصص روايتي على الأجيال .
يا ابن أمي إن وجدت لحمي ممزقاً لا تحزن لأنك الآن أنت من يهددني بالقتل .
يا ابن أمي لم اقترف ذنباً سوى أنني رفضت حياة الظلم، وأردت لكم ولبقية الحيوانات عدلاً وحياة لا خوف فيها من الجوع .
يا ابن أمي لن أودعك وأنت لن تنتظرني .
رحل ريكال يحمل هموم العالم في جسد يرهقه الحزن وزادته الآلام ألما عندما إلتقى بالأسد العجوز فازال، الذي أخبره بأنني لم أخون قائدي، ولن أكون في يوماً كذلك فإذا كانت الخيانة من طباع الفهود فاعلم أن الأسود أسود، وهذا سر بقائنا وقيادتنا فنموت جميعاً ولن نقبل بأن يحكمنا فهد، وقد نشنق أنفسنا ولن نتخلى عن قائد فارحل أيها الحالم فلا حياة في مابير للحالمين، وودع صديقك ماني الذي كان يخبرنا بكل أحاديثك مع ميسول الذي شاهدني أنا وأنت في ذاك المكان المظلم ليعتقد بأنك تتحالف عليه؛ فأسرع بالرحيل فكل شيئاً هنا سئم منك ورحل ريكال وعقله متوقف عن التفكير، فلم يبقى له هنا شيء لا أخ ولا صديق ولا حتى متعاطف، فكان كلام فازال منطقياً عندما طلب منه أن يسرع في الرحيل .
رحل ريكال وأحلامه تتحطم أمامه بل تذوب بسرعة الثلج تحت الشمس متجهاً بإتجاه الغرب مسلوب الكرامة والحياة من أخوة وقومٍ عاش لهم كل حياته .
رحل ريكال دون أن يودعه أحد أو يبكي على فراقه عزيز .
رحل ريكال وكان في رحيله إنكسار لكل مقومات الوجود .
علم ميسول قائد الذئاب برحيل ريكال مطروداً مهزوماً، فأرسل خمسة ذئاب لتقتله عندما يبتعد عن مابير ليكون عبرة لكل من يحاول خداع الذئاب والطمع في الأرض الممنوحة لها وتكون نهاية طبيعية لكل خائن، وعندما علم أحد الفهود بذلك أبلغ أحد أخوة ريكال بأن ميسول أرسل من يقتل أخيهم وإنهاء حياته خارج مابير فلم يعلق أحدهم بكلمة وكأن الحديث عن مجهول لا علاقة لهم به، بل بايار واصل حديثه وكأنه لم يسمع شيئاً .
غادر ريكال مابير بإتجاه الغرب غير مكترثاً بالوطن البديل وأين سينتهي به المطاف؟ فهو التارك للوطن التائه في قطار الغرباء، لم يعد يعنيه كثيراً أين ستسير به خطاه؟ وأي أرضاً ستدوسها أقدامه؟ فبعد إنكساره لم يعد شيئاً يمثل له أي شيء فكل الأشياء متساوية حتى أسماءها التي تفرق بينها ما هي إلا وهماً وكذباً. فالجلاد والضحية يسيرون في دائرة واحدة هدفها صناعة الموت، ليكون الجلاد قاتلاً والضحية بالتأكيد هي القتيل وطالما أن الجميع يعرف العدالة بنفس التعريف مع إختلاف المصطلحات فإن ريكال عليه الرحيل والسير بإتجاه الجبال التي من الممكن إقناعها بالثورة لمحاربة وهزيمة الأرض التي تفتخر بتجوال وسير القتلة فوق رمالها التي أعدت من أجل دفن القتلى والأموات من ضحايا الجوع ومعادلة الدنيا .
بعد الإبتعاد عن مابير بمسافة لا تحجب عن العين الرؤية توقف ريكال ونظر إلى مابير ليودعها الوداع الأخير فخاطبها قائلاً: أنتِ وطن أم أنتِ الحياة، يا من تتصارع حولها الفصول، ويا من تجتمع بين أجنحتها التناقضات؛ فأنتِ الابتسامة وأنتِ الدموع، وأنتِ الحزن وأنتِ الأفراح فسلامي لكِ ولأشجارك وأنهارك وأحجارك، فأخبريني من تكوني يا من فرضوا عليكِ الزواج بالقتلة، فلا تدمعي لأنكِ ستذكريني كلما سقط على الأرض ضحية، وحينها ستتأكدي بأنه لن يدوم زواج القتلة بأرضاً تعشق الحرية. فوداعاً مابير فأنا ذاهب كي أعود لكِ ومعي ثوب الكرامة، وراحلاً كي أعود ومعي رايات النصر لأهديكِ أجمل كلمات العدالة ورحل ريكال مستذكراً مابير بأشجارها وأعشابها وصخورها وحبها وظلمها وعشقها وأيامها التي حملت فرحاً وحزناً وويلات وابتسامات يسير وينشد أغنية الفهود التي كان ينشدها مع إخوته ومع القطيع في خلوته وعلانيته، ومع كل كلمة تسقط دمعة تودع أجمل لحظات حياته في مابير منشداً بصوتاًً مرتفع :
نحن الفهود يا مابير ...
نحن الفهود الطيبين ...
نحكي حكاية هالوطن ...
نحكي حكايا الجائعين ...
نرسم على وجه الزمن ...
معالم أحلام السنين ...
نحن الفهود يا مابير ...
بعد طرد ريكال بعدة أيام وتحييد الذئاب إلى فترة قصيرة على الأقل إجتمع فازال بقائده لإستكمال الحيلة وخطة السيطرة على مابير بدون منازع وإلى الأبد؛ فاقترح أن يتم تحالفاً حقيقياً مع النمور تمنح الأخيرة من خلاله بعض الإمتيازات، لأنها الأقرب إلى الأسود من حيث السلالة والغريزة، ولن تفكر بخيانة طالما تم المحافظة على معادلة القوة والعدد لصالح الأسود بشكل دائم، وسيصنع هذا التحالف خوفاً ورعباً لكل الحيوانات في مابير يعلن عنه في الوقت المناسب يجعلهم لا يفكروا إلا بطاعة الأسود وتمجيدهم، والمدح بمكارم أخلاقهم كما يجب إنهاء كابوس الفهود وطردهم في النهاية من مابير من خلال إشغالهم بمعارك جانبية تستنفذ قواهم وترهقهم إلى أن يحين الوقت لحسم المعركة طالما أن أحدهم فكر وعمل لإشهار سيفه في وجه الأسود .
أثناء سير ريكال بإتجاه الغرب وبعد قطع مسافة طويلة دامت لأيام وصل لمكان تتعانق به الأشجار وتغطي أغصانها الأرض بكثافة لتخفي كل معالمها لتثبت بأنها هي سيدة هذا المكان، وهي وحدها من تسيطر عليه فلم يتردد؛ أو يتوقف للبحث عن طريقاً أخرى بل واصل مسيره بإتجاه المجهول وسار بين الأغصان يشق طريقه بحذر وبهدوء خوفاً من أي مفاجأة تخفيها له هذه الأشجار وما أن إقترب من الخروج من هذه البقعة المعتمة حيث بدأت الأشجار تتباعد في التعانق والنور يحتل جزءاً بسيطاً من الأرض بدأ يسمع صوتاً وكأنه مطاردة، فتوقف ليشاهد ما يدور حوله، واختبأ بين أوراق الأشجار وعيناه تتفحص الأماكن التي تصدر منها الأصوات ليرى فهداً عجوزاً يطارد أرنباً ويعجز عن اصطياده؛ فيختبئ قليلاً ليطارد آخر. وقرر ريكال أن يصطاد هو للعجوز ليرتاح من هذا الإزعاج وليسأله عن تضاريس وسكان هذه المنطقة وما هي أقرب الغابات؟ وفي آخر مطاردة للعجوز الذي لم يستطع اللحاق بضحيته لكبر سنه ليكون مشهداً من مشاهد الحفاظ على الحياة انتهى بقفزة من ريكال ليحسم الأمر للأنياب، ويصطاد ذاك الأرنب ليقدمه للعجوز قائلاً: رغم قناعتي بأن الخيانة من سمات الفهود نمارسها كما كل أجدادنا من قبلنا، وإدراكي بأن الجينات التي نتوارثها كلها تدور في دائرة الغدر، لم يمنعني ذلك من تقديم المساعدة من باب الشفقة على قاتل أرهقته الدماء، فأصبح لا يستطيع إشباع شهوته ورغباته للقتل وسفك الدماء؛ فعندما عجز عن ملاحقة الأبقار جاء يستعرض قوته على أرنب مسكين ليثبت لذاته بأنه لا زال حياً يستطيع الحصول على طعامه بنفسه وبهذه الكلمات الحادة كان اللقاء الأول والغير متوقع له بعد خروجه من مابير مع هذا الفهد العجوز الذي يدعى سوفان والذي جاء بمحض الصدفة ودون تخطيط .
سوفان الحائر أمام حديث ريكال المتأمل في تلك العيون الجريئة والذي يدرك بأنها تخفي خلفها حكاية كاملة متكاملة من الألف إلى الياء لجيل بأكمله سكن هذه الأرض يقول: يا بني أنا فهد ولم أكن في يوماً خائناً وأنا فهد ولن أقبل الشفقة أو العطف من أحد فأعتصر جوعي وأعض على ألمي ولن أتسول من أحد فأنا الليل يعرفني والنهار يدركني والشمس ترسم أجمل أشكالها على جسدي والقمر بنوره يتأملني، فلا تخطئ الظن واترك غرورك حتى لا تكون ضحيته فأنا العجوز الكهل العاجز في نظرك تعلمت من الموت كيف أحافظ على الحياة، وتعلمت من القتل كيف تكون هي طريق النجاة، فابتعد عن طريقي ما كان لك أن تحدثني بلغة التهكم والإساءة، وحينها علم ريكال بأن لا ذنب لهذا العجوز لكي يكب عليه كيل غضبه، فتراجع عن كلماته قائلاً: لعلي أخطأت وليس من العيب الخطأ، ولكن عليك أن تعذرني فبداخلي ثورة من الغضب وأخبرني يا من أسأت به الظن إن كنت تعلم أي الطرق تؤدي إلى أقرب الغابات، وهنا تبسم العجوز قائلاً: يا بني أنا سوفان العجوز الذي بإمكانك أن تعتمد عليه، وتحدث الإثنان وقررا التوجه إلى ميرال، وسارا معاً بخطواتِ الواثقين في رحلةِ سفرٍ تجمع كبير الفهود عُمراً وتقدماً في السن وقائد الفهودِ الشاب الذي يدعو إلى إقامة عدالة الله في الأرض .
تحدث قائد الأسود كاليروا إلى أخوة ريكال في لقاء جمعه بهم قائلاً: كم أحزنني تمرد أخاكم عليكم، وعدم رغبته بالعيش بسلام ولم أكن أتمنى له يوماً مثل هذه النهاية المحزنة التي دفعته بإتجاهها أطماعه، وتفكيره المحدود، ولأنكم من خلال تصرفكم الحكيم بإتجاهه وطرده أثبتم بأنكم الأقرب لنا في هذه الغابة؛ فأصبحت على يقين بأنه لا يوجد من هو أفضل منكم كي نتحالف معه، ولأمنحكم الثقة عند قومكم سيكون من الآن فصاعداً دخول الفهود إلى النصف الذهبي بدون إذن تصريح الدخول، وسنعلن في الوقت المناسب بأنكم أنتم فقط حلفائنا إلا أنني أواجه مشكلة صغيرة في هذا الشأن وهي أن رأي كبار الأسود يتجه بأن يكون التحالف مع النمور، وحتى ٍأنهي هذا الجدال واقنع الجميع برأيي فإن عليكم مساعدتي بإرسال نصف قطيعكم إلى جبال الساما لتجلبوا صيداً يقدم هدية ومباركة لتحالفنا معكم، وبهذا نكون قد قطعنا أمام الجميع فكرة التحالف مع النمور وتبقوا أنتم حلفائنا وما دونكم هم الرعية لأنكم تعلمون ما هي قيمة ثيران الساما عند الأسود .
فرح الفهود بعرض قائد الأسود كاليروا لأنهم من خلاله سيثبتوا حسن ولائهم وطاعتهم وسيحصلوا على المزيد من المزايا في مابير، ولن يكون لأحد مكانة تضاهي مكانتهم عنده، وعادوا على عجلاً ليجهزوا لرحلة الصيد والهدايا ويختاروا أفضل المقاتلين لديهم ومن هم خبراء في مطاردة الثيران الهائجة مع أنهم لم يسمعوا من قبل بأن هناك شيئاً أسمه ثيران الساما، ولكنهم قرروا بأن يغتنموا هذه الفرصة ويتعرفوا على هذا النوع من الثيران هناك بين الجبال عندما يقع متخبطاً في دمائه بفعل ضربات أيديهم .
والشمس تستقر في منتصف السماء لتشاهد الأرض وما يدور عليها يلحق الذئاب بريكال فيجدوه وفهداً عجوزاً قد لا يقوى على القتال يتجهوا إلى ميرال فيقرروا تأجيل القتل لحلول الظلام، فهنيئاً للشمس التي لن تشهد سفك دماء العدالة على الصخور الجاحدة ويا لسوء حظ القمر، ولكن ريكال المقاتل العنيد والتي صنعت منه الحياة مدرسة لفن القتال شعر بتتبع الذئاب له، فأخبر العجوز الذي فاجأه بأن عددهم لا يتجاوز الخمسة وبإمكاننا مواجهتهم ولكن يجب علينا أن نسرع بخطانا لنكون الأقرب إلى ميرال فقد يخيفهم هذا وهنا اتضح لريكال حنكة العجوز التي تفوق دائماً على إندفاع الشباب، وقد يكون هذا ما جعله يخسر معركته في مابير، وبهذه الفكرة والحيلة بدأ الإثنان يسرعان في خطاهم ليحل الظلام عليهم بالقرب من ميرال تلاحقهم عيون ذئاب تمرست في القتل، وامتهنت تمزيق الجثث، وما هي إلا ساعات حتى أصبح الجميع على مشارف ميرال والظلام يدق لهم طبول الموت ويوفر لهم ستاراً للقتل، وبدأ المشهد عندما أحاطت الذئاب بريكال وصديقه العجوز وقال أحدهم: أيها العجوز اذهب فنحن لنا ثأراً مع ريكال، فتبسم العجوز قائلاً: ما تركت يوماً صديقاً، وما غدرت يوماً ببحر، وليس أنا بمن أضاع الصحراء وسأقاتلكم؛ فإما حياة الوفاء للفهود وأما موت الأعزاء الأكرمين فأنا بن ميرال والوحوش تعرفني، وأنا الكريم بن الأكرمين والأنذال ترهبني، وفجأة على صوت وصراخ العجوز إخترقت المشهد عشرات الفهود كانت خارجة للصيد والبحث لما يسد رمق جوعها وقال أحدهم: أيها الذئاب إن صوت كبيرنا أثار بنا إنتمائنا وولائنا لمعشر الفهود واستفز مشاعرنا وأحاسيسنا، ولذلك سنترك منكم واحداً يروي لكل الدنيا كيف مزقت الفهود من تجرأ على إهانة فهداً كبيراً وهنا صرخ ريكال قائلاً: نحن أيها الفهود لسنا ممن يستعرض قوته ويستخدمها عندما يكون الخصم مستسلم وضعيف ورسالتنا للعالم لن تكون بالتمزيق والقتل، ولن نكتب حروفها بالدماء وما هذه الذئاب إلا جنوداً أرادوا أن ينفذوا قرار قائدهم معتقدين بأنهم يدافعوا عن شرف وكرامة أمة. في الحقيقة لا شرف ولا كرامة لها ولأنهم أرادوا قتلي فإنني أسامحهم ليس لأنني ضعيفاً مطروداً تخلى عنه الجميع؛ بل لأنني أردت لهم حياة الكرامة، ولأنني دافعت وما زلت أدافع عن حقوقهم في وجه القتلة وسأرغمهم في يوماً على ذلك، لأنه لولا قبولهم بحياة العبيد ما استكبر عليهم الظلمة وبهذه الكلمات هدأت الفهود وهدأت الدنيا ونظر سوفان بإفتخار لهذا الشاب الذي قد يغير مسار التاريخ بعشقه للحرية وتسخير نفسه وحياته من أجلها، فها هو يترك من أرادوا قتله طلقاء أحرار عسى أن يكونوا يوماً سائرين في مواكب الثوار لإسترداد الحقوق .
تجهز مقاتلين الساما من الفهود في مابير، لينطلقوا بعد ذلك بإتجاه الجبال الموحشة الذي قال لهم قائد الأسود كاليروا بأن بها ثيران لحومها تمنح القوة للضعفاء، وتعيد البصر لمن لا يرى وفيها شفاء للمرضى ومع كل هذه المزايا لم يكن هذا هو هدف المقاتلين بل ما كان يشجعهم ويزيد حماسهم هو إرضاء كاليروا ليثبت لرعيته بأنه لا حليف إلا الفهود .
الوصول إلى جبال الساما يحتاج إلى ثلاثة أيام ونصف اليوم إذا لم تواجه المسافر أي مفاجآت، ومقاتلين الساما من مابير يعلمون أنهم يحتاجوا إلى راحة قبل دخول تلك الجبال ليستعيدوا قوتهم وطاقتهم قبل المطاردة والصيد بين تلك الأشجار التي ترسم على جبال الساما عنوان التحدي والصمود لكل المعتدين، وتخفي تحتها أسرار قوة هذه الجبال، وعلى المستكشف أن يتحمل نتائج البحث عن ذهب الفضة بين صخور الصمت التي قد تنفجر في وجه المهاجمين بقفز أحد أشباحها ليدافع عن شرف وكرامة الأرض .
عندما وصل سوفان وريكال إلى ميرال توقف العجوز وقال: يا بني ها نحن الآن قد وصلنا ولا نعلم ما تخبئه لنا الأيام، فهي الأيام برائحة الربيع، وهي الأيام برائحة الشتاء، ولكنها لن تكون هي الأيام برائحة الإثنين معاً إلا في خيال الواهمين والحالمين تحت الشمس أحلام اليقظة فعليك التأقلم والتعايش مع الواقع، وهيا بنا لنرتاح قليلاً لتحدثني بعدها عن كل حكايتك. وحينها استذكر ريكال مقطع من أغنية الفهود نحكي حكاية هالوطن، وتبسم للأغنية ولسوفان، وهز برأسه وسار خلفه ليدخل معه معقل الفهود في ميرال، وحينها فقط أدرك بأنه أصبح بعيداً عن الوطن ويعيش في المنفى؛ فلم يتمالك نفسه فدمعت عيناه، فسأله سوفان ما بك يا بني؟ ولماذا تبكي الآن؟ فرد عليه قائلاً وكأنه يرثى نفسه لنفسه: مابير تودعني وميرال تعاتبني والحياة تحدثني بأن الوطن لا وطن وأمة الفهود ضاعت بين ألف خوفها وياء أطماعها، وتناثرت حروفها بين أنياب القتلة ليصنعوا منها أمة من العبيد تجلد في اليوم ألف مرة .
في ذاك السهل المقابل لجبال الساما وصل المقاتلين من الفهود مع بداية دخول الظلام، وقرروا أن يقضوا في ربوعه ليلتهم على أن ينطلقوا إلى الجبال مع أول إطلالة فجر فلم يكترثوا للبعوض المزعج، ولم يفكروا إلا بالنوم للتخلص من أتعاب ومشقة السفر فهم خيرة جنود الأرض أُرسلوا لجلب أفضل اللحوم، وأطيبها وأكثرها بركة وإن لم تكن هذه هي الحقيقة فعلى الأقل هم يعتقدون ذلك فشرف طلب قائد الأسود منهم الصيد في الساما يمنحهم هذا الشعور وتحديداً إخوة ريكال الذي قال أصغرهم سومال خاطباً في الفهود بعد أن أفاقت باكراً تتسابق مع خيوط الضوء الذي يرسلها النهار لإستكشاف إنهزام وزوال الليل: أيها الفهود قد تركتم مابير حيث هناك الأهل والأحبة وهناك الطعام والراحة، وجئتم هنا من أجل القتال مع ثيران قد تكون صنعت منها الجبال والوحدة وحوشاً، ولكنكم بهذا الإختيار تصنعون المجد والعزة وتحافظوا على أكبر تحالف منحته الحياة للفهود وبإنتهاء هذه الكلمات إنطلق الفاتحين ليتسابقوا مع الشمس في الوصول للساما .
بعدما إستراح سوفان وريكال في معقل الفهود بميرال تحدث الأخير للفهد العجوز كل ما حصل معه إلى أن إلتقى به في لقاء جمع بين الماضي بحكمته المتجانسة بحياة الذل، والحاضر وتمرده وصراخه في وجه الجلادين والقتلة، وحينها تنهد الفهد العجوز وقال له من باب النصيحة _كي يستطيع العيش بأمان في ميرال_ يا بني: لا تجعل أحلامك أكبر من مساحة الأرض؛ فلا تجد مكاناً يتسع لها، ولا تجعلها تخرج عن المنطق وتسبح في غيوم الخيال لأنها لن تبحر بك إلا في بحر الموت الذي يرسل ملايين الأمواج الملطخة بالدماء في حربه الغير متوقفة مع الشواطئ التي تحلم بليل هادئ لن تناله طالما هذا البحر يتحدى صمودها ويسعى لقهرها، وهنا تبسم ريكال وقال: أنا لم أكن يوماً حالماً، ولن أسعى لذلك لأن الحالمين فقط هم الضعفاء أما الأقوياء فيصنعون الحقائق على الأرض ويفرضوها على كل الدنيا أمراً واقعاً لا هروب منه. فانظر إلى هذه الأعشاب التي بدأت تذبل لإنتهاء الصيف والتي لن تعود إلا العام المقبل مع صيفاً جديداً هي في الواقع لا تحلم بأن يصادقها الشتاء ليقنع برده وأمطاره بنموها وعدم إشهار السيوف عليها بل تختفي طالما كل العوامل ليس في صالحها، فتعود بعد عام بقوة تغزو كل الأرض، وترسم عليها أجمل صورها لتثبت بأنها الحقيقة والواقع الذي يجب أن يخضع له الجميع، وهذه هي لغة الأقوياء التي تصغي لها الدنيا وصدقني بأن الموت هو الواقع الحقيقي في حياتنا لأننا من أجل الهروب منه نقع أسرى للعبودية، وهذا الواقع هو نفسه الذي يهددنا به الظلمة ويحافظون على حكمهم من خلاله لأننا نبحث عن طرق النجاة من هذا الواقع فنصبح أذلاء له؛ بينما تلك الأعشاب لأنها قررت مواجهته لتموت على ألا تستسلم له وتخضع لشروط شتاءه لترسل أبنائها في العام المقبل يفرضون معادلتهم على كل الكون .
خرج ريكال ليتجول في ميرال لأول مرة برفقة الفهد كيمون، ليعرفه على تفاصيلها وخفاياها، إلا أنه وجد القانون الخاضعة له لا يختلف كثيراً عن قانون مابير وقال حينها لكيمون: إنني أفكر دائما في هذه الحياة فلم أجد إلا ظلماً يملأ الكون؛ فذاك الذي وحده يمتلك مكاناً تعتاش من خلفه قطعان لسنوات ولا يكترث لصراخهم أو موتهم أمام أحبابهم يصارعون الجوع الذي تسلط عليهم لا لشيء ولكن لأنهم هم مما جعلني أتساءل عن حال هذه الأشجار التي أقامت لنفسها جداراً حولها ليحميها من أشعة الشمس وماء الشتاء كيف لها تقف صامتة مستسلمة لحشرة صغيرة تنخر في جذارها فتخترقه وتعبث بمحتوياتها؟ فهل هدوء الشجرة واستسلامها يحفز الحشرة ويجعلها تستمر في النخر بها حتى تقتلها وتطرحها أرضاً؟ أم أن الحياة هي من تريد ذلك لتكمل حلقات دورانها. ولم أعد أعي أيضا كيف للحيوانات تقبل بأن يبقى الجوع ينخر بها حتى تسقط أرضاً تعانق الموت .
عادت الذئاب لتبلغ قائدها بكل ما حدث معها، وبكلمات ريكال التي لولاها لكانوا قتلى الأمر الذي جعل ميسول يصمت صمت الحائرين، ليشعر بعدها بضيق يكاد يوقف أنفاسه فيترك القوم ويخرج لا يعلم إلى أين فكل ما يحتاجه في هذه اللحظات هو أن يتوحد مع نفسه ليعيد كل حساباته من جديد، ويُقيم الأحداث مرة أخرى، فسار تُوجهه أقدامه مثقلة بذاكرته التي بدأت تستعيد أجمل اللحظات التي جمعته مع ريكال حلم بها بالإنتصار على الجوع، وحينها أدرك بأن ريكال كان صادقاً في كل أحاديثه لأنه جسدها حقيقة على الأرض عندما ترك الذئاب تعود حية مع أنه كان بإمكانه قتلها وتمزيقها .
منذ أن وصل ريكال إلى ميرال وهو يدرك بأنها ليس الوطن، وما هي إلا محطة في قطار الحياة الذي يسير بكل ثقله على جثث الجائعين والمشردين، ولذلك عليه أن يحاول التأقلم مع الحياة وقانونها الذي يحتاج ثورة لتسحقه وتلقي به في غياهب التاريخ، ولهذا ها هو يسير في ميرال أمام ذاك المشهد الرائع من الزهور والتي تتراقص مع النسمات الهادئة على صوت موسيقى الطيور التي تنشد للعدالة غير مكترثة بزئير الأسود والذي برغم كل قوته ورعبه لن يستطيع أن يفسد عرساً للحرية، وأمام هذه المشاهد وبعد طوال تفكير أضحى مقتنعاً بأن الثورة فكرة والثوار يملأون الأرض ويحتاجون إلى من ينشد لهم كل يوم مع الشمس أناشيد الكرامة والفداء لينطلقوا من كل فجٍ عميق يصرخون في وجه الظلم ويحطمون كل الأوثان، واقتنع أكثر بأن ميرال شأنها شأن أي مكان آخر في العالم محطة من مئات المحطات التي يجب الإنطلاق منها إلى مابير عروس الشرق وكبرياء الغرب ليقيموا بها عدالة الله على الأرض، وليرحل عنها كل الطغاة والمستكبرين؛ فهي أرض السلام وأرض المحبة وعلى الثوار أن يشدوا إليها الرحال .
ساعات طويلة مرت بعد وصول الفهود لجبال الساما وساعات طويلة من البحث والتنقيب في كل ركن قد يشتبه به، ولكن النتيجة لم يشاهد ثوراً أو حتى ما يدل على آثر لثور أو ابن ثور، وبعد هذا الجهد المضني لم يتبقَ أمامهم إلا نيل قسطاً من الراحة؛ فاستلقى بعضاً منهم تحت شجرة وآخرون بجوار صخرة، وهنا كانت المأساة والإستراحة الأخيرة لبعض الفهود عندما هاجمتهم الأفاعي من ذات اليمين وذات الشمال فكانت تخرج من تحت الصخور وكأنها جيشاً منظماً تدرب على هذه الحرب منذ زمن طويل ليحمي هذه القلاع ويحرس بواباتها، وأمام هذه المباغثة تراجعت الفهود في انسحاب تكتيكي للحفاظ على ما تبقى من مقاتلين ولأن حنكة مدرسة الفهود العسكرية تقول لا تقاتل عدواً مجهولاً بل إنسحب وحدد مكانه ومن ثم هاجمه .
كان هجوم موفق للأفاعي وخسارة كبيرة للفهود ويا لها من دورة للحياة تتأرجح كما أغصان الأشجار في وسط العواصف، فالفهود صاحبة الأنياب المنتصرة دائماً ها هي تنهزم أمام زواحف تقضي حياتها مختبئة تحت الصخور، وها هي تهرب تاركة خلفها عدداً كبيراً من القتلى لكنها ستهاجم ثانية انتقاماً للموتى كما يقول أخ ريكال الصغير صائحاً: لن نترك ثاراً، ولن نهادن على دماء عزيز، ولن نقبل إلا بتمزيق لحوم القتلة .
في اليوم التالي من ملحمة الصراع على الحياة كانت جبال الساما تشهد إقتحاماً من بوابتين لفهوداً قررت الانتقام، وقد بان تشوقها للثأر من أصواتها المنسجمة مع حركاتها التي لا تشبه إلا نهراً هائجاً غاضباً قرر إغراق السهول إلا أن العدو هذه المرة ليس تقليدياً، ولا يظهر إلا في آخر لحظة من القتل، ومن ثم يعود للإختفاء وهذا ما يقلق الفهود الحذرة من أي مفاجأة قد تكبدها خسارة لا يحمد عقباها، ولهذا بدأ جدال قد لا ينتهي إلا في مابير ولا يحسم أمره إلا في حضرة بايار فأحد الفهود الغاضبة يقول: جئنا هنا من أجل صيد الثيران فوجدنا أنفسنا نطارد أفاعي لا نعلم عنها شيئاً، وقد لا نشاهد أحداهن إلا في لحظة الموت عندما تفرغ سمومها في أجسادنا لتنهي حياتنا، وها هو يومنا الثاني يشرف على الإنتهاء دون أن نشاهد أو نسمع ثوراً وعلى القائد أن يأخذ القرار الصواب الذي يضمن الحفاظ على ما تبقى من مقاتلين .
يقف أخ ريكال سومال أمام حديث الفهد الغاضب حائراً فهو بين نار العودة بدون الهدايا وهذا ما قد يغضب أخاه بايار وقائد الأسود كاليروا وبين نار البقاء والإنتحار في جبال الساما، فيهلل بالفهود قائلاً: أنا قائدكم ولا أعلم إن كنت أكثركم حكمة، وأنا أصغركم ولا أدري إن كنت أكثركم قوة، وحقاً لم أشاهد في هذا المكان لا ثوراً ولا بقرة بل شاهدت الموت يخرج من تحت الصخور ليلعن هذا المكان الذي هو ملكاً للأفاعي، والتي ستدافع عنه وسنكون نحن الضحية لأنها ليس مقاتلاً يبارزك من الأمام بل شبحاً يحمل سكين يطعن من الخلف ويختفي في أقل من لمح البصر، وحتى لا يلومني لائم في إتخاذ القرار السليم حجته صغر سني قررت العودة إلى مابير مكتفياً بعدد القتلى معلناً الآن الانسحاب .
منذ أن إنطلقت الفهود المقاتلة إلى جبال الساما بدأت الأسود تجهز نفسها للمعركة الحاسمة وقائدها في خياله يرسم مستقبل مابير الجديد، فأيام قليلة هي التي تفصل الحلم عن الحقيقة وإخضاع مابير بكل مكوناتها وإلى أجل غير مسمى لسيطرة الأسود دون أن يفكر أحد بالتمرد لينتهي عصر الثورات وزمن المتحمسين، وتصبح الأسود هي القوة العظمى في الأرض بعد سقوط آخر مستعمرة في الشرق لترسم سياسات العالم من جديد ولعلها في نصوصها وقانونها قد تمنع الطيور من التغريد في الصباح الباكر لعدم إزعاج النائمين والمرضى والرضع والشيوخ .
في اليوم السادس الذي تلى خروج المقاتلين إلى الساما خرج ما تبقى من فهود في مابير للصيد تاركين خلفهم صغارهم وكبارهم ومن عجز عن الصيد، وهذا ما أراده فازال نصف الفهود في الساما ستلقى حذفها هناك بينما النصف المتبقي في مابير أصبح نصفان نصفاً يبحث عن طعامه، ونصفاً ينتظر الزكاة. وهذا هو اليقين بالنصر وما على القائد إلا الإعلان عن الهجوم لإنهاء كابوس معادلة الأرقام التي كان يميل ميزانها دائماً للفهود، وما هي إلا ساعة أو أقل من ذلك بقليل وبدأت الأسود في هجوم على من تبقى من فهود في مابير وجميعهم من الصغار والمرضى وكبار السن؛ فقتلت من قتلت وأخضعت من أخضعت للأسر ووضعتهم تحت سيطرة النمور ومن ثم إنطلقت لتكمل المعركة وتتخلص من الفهود الخارجة للصيد وهناك كانت معركة طاحنة إنتهت بقتل عدداً كبيراً من الفهود، وهروب من تبقى حياً لا يعلم أين المفر ولكن ما يعلمه أن الموت كان أمامه ينظر إليه بعيوناً حادة .
تجمعت الفهود الهاربة وقررت الذهاب إلى جبال الساما للإلتقاء بالقوم وكشف خداع المخادعين وزيف الكاذبين، والعودة لمابير من أجل إسترداد الحق وطحن ظلم المستكبرين وعند اللقاء ما بين مابير والساما كانت الصدمة للجميع؛ فمقاتلين الساما الذين إنهزموا أمام الأفاعي وأعلنوا الإنسحاب والعودة لم يعد منهم إلا عدداً قليلاً وصيادين القوم لم ينجو منهم إلا جزءاً بسيطاً ما دفع بايار القول يا قوم إننا قد إنهزمنا لا بالقوة ولكن بالخداع ولن يحظى الفهود من بعد ذلك في مابير إلا بحياة لا تفوق مرتبة العبيد وأنا كبير القوم أعلن بأن غرور الحياة أعمى بصري فجعلني أخطئ الطريق الصحيح وأسير بكم نحو الهاوية من أجل الحفاظ على مميزات لا تساوي شرف فهداً وكرامة صغيراً فاسمعوني يا من أغوتكم شهواتكم وظللتكم مطامعكم فصدقتم قول قاتل أرسلكم إلى الساما، وتركتم له صغاركم أمانة فلم يحفظها، ولهذا أنا منذ هذه اللحظة لستُ قائداً لكم؛ فأنتم الأحرار أبناء الأحرار من منكم يريد العودة لمابير ليحيا حياة الذل والإهانة كان له ذلك ولن يمنعه من هذا أحد، ومن أراد البحث عن حياة في إحدى الغابات فليفعل أما أنا فسأبحث عن قائدي ريكال أطلب عفواً وصفحاً جميل وأكون خير جنده وأول المطيعين ولن أخالفه من بعد ذلك رأيا فهو حقاً الرشيد الحكيم .
إنقسمت الفهود إلى جزأين الأول قرر العودة إلى مابير ليحيا تحت حماية الأسود وبشروطهم وقانونهم الجديد، أما الجزء الثاني فقرر أن يشارك في البحث عن القائد والمنقذ ريكال وتفرقوا كلٌ في اتجاهه فهذا عبداً وذاك باحثاً وكلهم في الضياع سواء لا وطناً ولا كرامة ولا عزة بل هزيمة وفقدان وحرمان، وعلى العائدين إلى مابير التفاوض مع فازال الذي إجتمع بهم خارج حدودها ليقول لهم بأن المنتصر هو من يفرض شروط المصالحة، وهو من يقرر العفو من عدمه، فعليكم الإنصياع لقانوننا والقبول بأحكامنا فأنتم لن تكونوا عندنا مكانة أفضل من الفئران التي تعيش في حمايتنا فلا قوة لكم اليوم ولا عدد بل أنتم مجرد متسولين تبحثون عن الطعام في ظل حياة هادئة لا أحد يطاردكم بها وليكن لكم هذا .
قبل البدء في ترتيب شئون مابير قرر قائد الأسود كاليروا أن يلقي خطاباً على مسامع كل الحيوانات ليكون بداية العهد الجديد، فتجمع الجميع هناك في الركن الأخير من مابير في تلك الساحة الكبيرة المحاطة بالأشجار المرتفعة ينتظرون وصوله، ولكنه تعمد التأخر ليكون أول درس في زمن العبودية والطاعة العمياء، وبقدومه مصطحبا مرافقيه طلبت الأسود والنمور من كل الحيوانات الوقوف احتراماً وتقديراً للقائد الذي استقر به الحال بالوقوف أمامهم وموافقته لهم بالجلوس وعيناه تتفحص كل الإتجاهات والوجوه وكأنه يبحث عن أفكارهم ومشاعرهم ليحاسبهم عليها، ثم فاجأ الصمت الذي خيم على المكان بصوته المرعب والمخيف لكل الحيوانات ليقول: أيها الحيوانات قد حاول البعض منكم إستغلال تسامحنا داعياً للفوضى فوق الأراضي التي تخضع لحكمنا فلم يردعه صبرنا بل ذهب به الغرور إلى الإعتقاد بأن طاقة التحمل الكبيرة لدينا هي ضعفاً ووهناً، وعندما وصل الأمر إلى التمرد لم نتوانى في إعادة ضبط الأمور من أجل الحفاظ على الحياة في مابير، ولم نقدم على قتل الفهود وطردهم إلا لإنعدام الخيارات وفشل التفاوض والإقناع .
أيها الحيوانات: إن العدل أنتم من يحدده، فإن اقتنعتم بحياتكم بكل تفاصيلها ستشعرون بأنكم تعيشون في المدينة العائمة في محيط العدالة، أما إذا لم تقبلوا ببعض التفاصيل ونظرتم لرزق الغير فسيفسر لكم الشيطان بأن هذا هو الظلم فكل القوانين عادلة وكل الحكام رحماء فأنتم من يحدد كيف يراها وبأي شكل، فإن كان كنزكم قناعة ستروا الأشياء بحقيقتها الجميلة الرائعة أما إذا كان من يحرككم هي مطامعكم وأنانيتكم فستروا كل الدنيا إضطهاد وظلم .
أيها الحيوانات: إننا ندخل عصراً جديداً ستشهد فيه مابير إزدهاراً في جميع مناحي الحياة وسنعيد توزيع مساحة الأرض حسب الحاجة، ولن نسمح من بعد ذلك لكل العابثين بضرب إستقرار هذه المنطقة فنحن القوة التي وهبت لهذه الأرض لتحميها من أطماع الطامعين وتربص المتربصين ولن نتوانى في إستخدامها في وجه كل خارج عن قانوننا ومتمرد على حكمنا، ولكم في الفهود عبرة يا من ترهبون الموت والتشرد والضياع .
قائد الذئاب بعد قتل الفهود وطردهم وبعد خطاب كاليروا أيقن بأن القرد ماني رسم له خارطة الخداع، وسار في طرقاتها خائفاً مرعوباً من أنيابها فقرر الإجتماع بالقوم ليقول لهم: يا معشر الذئاب أنا قائدكم وقد خدعت من ماني وفازال وتركت ريكال ظاناً أنه محتال رغم كل علاقتي وثقتي به، وقد أرسلت بعضكم لقتله والإنتقام منه لشرف الذئاب باحثاً عن العزة في حياة الذل، ولكن الحقيقة هي أن ريكال هو العدالة؛ فهو لم يكن خائناً؛ ولم يكن محتالاً بل بحث عن العدل بصفاء قلبه وطهارة نواياه لقطعان تعودت على حياة العبيد، وامتهنت الذل فأتقنت صناعته وأصبحت بحجة الجوع تعيش بلا شرف أو كرامة لتبحث عن ملئ بطونها بالطعام الممزوج بالإهانة، ولتنحني أمام أسيادها تقبل أياديهم الملطخة بدماء أبائهم وأجدادهم والتي تفوح منها كل قذارة الكون فما أحقرها من حياة، ولأنني خدعت وغرر بي ولم أستطع أن أوزن الأمور؛ فأنا لا أٍصلح للقيادة، ومن بعد هذه اللحظة أنا لست قائداً ولست موجهاً أو مرشداً بل أنا واحد من هذا القطيع أنفذ أوامر قائدنا الجديد الذي سنختاره الآن جميعاً ليصلح ما أفسدته وينقذ ما أضعته، ويحقق ما كنت أحلم به ولم أستطع تنفيذه ولم ينهي ميسول حديثه بسبب تهليل الذئاب مجددة له البيعة والعهد والوفاء، وتصرخ جميعها وتقول: ميسول قائدنا ولن نقبل له بديل، وخرج أحد كبار القطيع ليقول يا قائدي ميسول: نحن لسنا فهود؛ فإما أن نحيا بكرامة أو نموت دون ذلك، فسر ونحن خلفك ولن يخالفك منا أحد ولن نتركك كريكال وما الحياة إلا مرة واحدة ولن نعيشها متسولين طالما أنت قائدنا، وأشهد بأنك لم تخطئ يوماً بل كنت خير القائد والمرشد .
سمع أحد الفهود وهو كالي أكبرهم سناً ومن أولئك الذين إختاروا أن يعيشوا وبإرادتهم حياة الذل في مابير ما دار من حديث بين الذئاب، وشاهد تجديد العهد والوعد لقائدهم مستذكراً خيانتهم لريكال، فدمعت عيناه، وأدرك بأنه يحتاج إلى البكاء فذهب ليجلس بجوار شجرة ليبكي لعل البكاء يكفر عن خطاياه، ولكنه لا يعلم لماذا يبكي؟ وعلى من يبكي؟ فكثيرة هي الأشياء التي يجب أن يبكي عليها أهي ريكال العزة والكبرياء؟ أم هي أحوالهم المذلة؟ أم يبكي لوفاء الذئاب؟ إذن عليه أن يبكي ويبكي؛ فالبكاء هو من يحيي الضمير ويعيد للعيون أصالتها وطهرها بعد أن تتلون بالكذب والنفاق .
الفهد كالي بعد بكاءه ونواحه يعود إلى الفهود الذليلة المهانة ليخاطبهم بما سمع وشاهد والدموع في عيناه ليقول لهم بأنني لم أستطيع أن أحيا بعد الآن دقيقة واحدة في مابير، وهي العزيزة الغالية أرض الآباء والأجداد، ولن أستطيع أن أشاهد وجوهاً قتلت أخوتي وأبناء عمومتي وجئت إليكم الآن لأودعكم وأرحل حاملاً معي خيانة ريكال تطاردني ما حييت باحثاً عن مكان أحيا به ما تبقى لي منى عمر، وهنا رد عليه أحد الفهود قائلاً: يا كالي حديثك يؤلمنا فبعد عزنا أصبحنا الأذلاء، وبعد هيبتنا أضحينا الضعفاء، وهذا الواقع هو ما صنعته أيدينا عندما لهثنا خلف أطماعنا، وعندما تركنا ريكال وتحالفنا عليه أضعنا أمة الفهود، ووضعنا عليها وصمة عار؛ فنحن أحق بالموت من الحياة، ولأننا كذلك سنرحل جميعاً معك نبحث عن مكان لنموت به لتكون رسالتنا لكل الأجيال بأن من يلهث خلف أطماع الدنيا سينتهي به المطاف باحثاً عن الموت .
عندما علم قائد الأسود بما دار من حديث بين ميسول والذئاب ورحيل الفهود ثار غضبه وهلل بمن حوله من أسود هيا أُخرجوا واستعرضوا أنيابكم في مابير وأينما تجدوا فهدا أذلوه واطردوه ليكون رحيلهم طرداً منا وهرباً من الموت لا بحثاً عن الكرامة، وارهبوا الذئاب بقتل من يعترضكم من الفهود، وإنطلقت الأسود تعيث في مابير فساداً تقتل وتبطش وترعب صغار الطيور، ولتؤكد من جديد بأن قانون القتلة هو من يحكم مابير .
في رحلة البحث عن ريكال وصلت الفهود إلى غابة ميرال يتقدمها بايار، وهناك وجدوا فهداً نال منه العمر ما نال يجلس بجوار شجرة كسر الزمان أغصانها وأرهق جذورها، فأصبح مشهدها والفهد يستظل بظلالها كلوحة تنتمي إلى الزمن القديم تحمل كل حكمة الأجداد وأسرار التاريخ المنطوية صفحاته في ذاكرة النسيان، وبالتحية والسلام وذكر إسم ريكال نهض الفهد العجوز ليغير معالم اللوحة التي بحركاته دبت بها الحياة فجعلتها تترك ماضيها وترتمي في أحضان القرن الواحد والعشرين ليسألهم من أنتم؟ وماذا تريدون؟ ليتقدم بإتجاهه بايار ويقف أمامه مباشرة قائلاً: نحن أخوة ريكال وقومه نبحث عنه لأننا تآمرنا ضده فهزمناه، وتحالفنا عليه فطردناه، لنحافظ على حياة الذل وقطعة لحم نأكلها من تحت أقدام قاتل؛ فأثار غضب العجوز سوفان الذي صاح قائلاً: اصمت فإني عرفتك فأنت الباطل في وجه الحق وأنت الإهانة في وجه الكرامة؛ فاذهب ومن معك بعيداً عن ميرال فهنا الأسود قطعان وليس قطيع؛ فأنتم الذين كانت ترعبكم مجموعة صغيرة من الأسود كيف لكم أن تعيشوا أو حتى تمروا من هنا وكل مكان يفوح برائحة زئيرهم؟ .
لم تعني كلمات العجوز لبايار إلا الإصرار على مواصلة الحديث فيكمل قائلاً: لقد خدعتنا الأسود، ولم نعي ذلك إلا بعد هزيمتنا وطردنا وتشردنا في أصقاع الأرض. ونحن هنا من أجل العثور على أخانا ليقودنا ثانية ويحقق بنا النصر، أو يأمرنا بالموت؛ فنلقي أنفسنا من فوق جبلاً لنكفر عن خطايانا. وحينها تبسم العجوز قائلاً: بعد الإنكسار يجب البحث عن الحياة وعليكم البحث عن بداية جديدة بدون خيانة أخ أو ترك عزيز فاذهبوا من هنا وابحثوا لكم عن غابة لا يوجد فيها أحد، أقيموا فيها حياة الفهود البريئة المشفقة المتحابة المتسامحة لتكون هذه رسالتكم للعالم الذي كان، ولا زال وسيكون بأمس الحاجة لعدالة ريكال .
بايار الذي أصبح على يقين بأن العجوز يعلم أين مكان أخيه كرر سؤاله مثنى وثلاث ورباع، ومن شدة الإلحاح وافق الفهد العجوز على الحديث وطلب منهم الجلوس ليخبرهم بالسر الذي تخفيه الدنيا، وتنشد له في كل صباح الطيور فقال متنهداً: إنني قبل زمن بعيد ولدت في هذه الغابة ميرال وعاشرت بها كل أجناس الحيوانات، وعشت من العمر ما لم يعيشه فهداً ولم أشاهد أو حتى أشعر بأن هذه الحياة كان لها شكلاً آخر غير الظلم والقتل والإضطهاد، ولكنني عندما قابلت ريكال ورأيت ما رأيت منه من الشجاعة والتضحية والعدل علمت أن الأمل يبقى هو البشرى المشرقة للأجيال، فأخاكم منذ أن وطأت أقدامه هذا المكان وهو عنواناً للشرف والكرامة والكبرياء، وما حصل أنه في ذات يوم كانت مجموعة من الأسود تهاجم فهداً بحجة أنه يسرق طعام الصغار والجميع هنا يشاهد قتل الأسود للحيوانات بلا حديث أو حتى تعليق إلا أن ريكال الذي لم يروق له الظلم هاجمهم كالرياح التي تفاجئ الأشجار في الخريف؛ فقتل إثنان وأصاب ثالث إلا أن تكاثرهم وتجمعهم عليه إنتهى بموته عزيزاً شريفاً رافعاً راية الحق مناصراً لكل المسحوقين والمقهورين فوق هذه الأرض .
مات ريكال رافعاً رأسه لم يحنيه لقاتل، أو لأحد لصوص الأحلام .
مات ريكال محرضا كل سكان الأرض لإعتناق الثورة، وتحرير رقابهم من سلاسل الجلادين، وإنهاء مصطلحات العبيد .
مات ريكال ولم تمت حياته فهي باقية بقاء الأرض والسماء، وستحرض كل الزهور والأغصان على ثورة الربيع في وجه الخريف .
مات ريكال، ورسالته إلى العالم كن ثوراً وكن ثائراً وكن مقاتلاً وإياك أن تقبل يوما أن تكون جندياً في جيش العبيد .
بايار بعد معرفته بقتل أخيه نظر إلى سيمال والفهود، وابتسم إبتسامة المقهورين التي تترك للدموع طريقاً لأن تسير بداخلها لترسم شلالاً من الحزن والألم، وتراجع قليلاً ليشاهدهم جميعاً ويقول: ليتني أخي ما تحالفت عليك وتركتك وحيداً تُقتل بعيداً عن عين أمك لتموت موت الغرباء لا أحداً يبكيك، ولا أحداً يعزي بك لتدفن بصمت الأموات بلا نواح، ودون عويل؛ فيا أخي ويا قائدنا سأعمل بوصيتك وسأقصص روايتك للأجيال، فأنا من الآن أهبك كل ما تبقى لي من حياة لأروي لكل سكان الأرض بطلاً أراد أن يكفكف دموع الأرامل، ويأخذ بأيدي الأيتام. وبهذه الكلمات، وبصمت الأموات غادرت الفهود ميرال مذهولة باكية حزينة على بطلاً كان له أن يغير وجه العالم لولا خيانتهم وخذلانهم له، ولأن الحياة لا تتوقف عند تأنيب الضمير، عليهم أن يأخذوا بنصيحة الفهد العجوز ويبحثوا عن بداية جديدة يكون عنوانها ريكال وصية الأجيال وملهم الثوار .
خبر مقتل ريكال إنتشر بسرعة البرق واخترق كل حواجز الصمت؛ فالشمس التي تحمل ذنب أشعتها التي أنارت للقتلة طريق الموت تنتظر ساعة الغروب لتغيب عن الأرض، وكم يتمنى القمر هذه المرة أن ينهزم للشمس وتأخذ دوره في الإطلال على الأرض وتتركه يختفي، فهو لا يريد الخروج هذه المرة على أنقاض الشمس ليسجل إنتصاراً في معركة الأيام فتلك الأرض التي يتعارك عليها منذ الأزل إتضح في النهاية بأنها لا تساوي شيء فهي أماً للقتلة والظلمة والمستكبرين وبين رمالها يسحق ملايين الجائعين التائهين في ثنايا القهر والآلام ويا لها من كرة تعوم في الدماء! .
ميسول وهو يتجول في مابير تائهاً بين غربة الوطن وحلم الغربة يتأمل الحيوانات ويفكر هل هؤلاء هم العبيد بالفطرة؟ أم أن الخوف صنع منهم ذلك؟ وفجأة قطع أحد الذئاب أفكاره عندما طلب منه الإستئذان بالحديث ليقول له بصوتاً متقطع هادئاً منخفضاً: يا قائدي جئت أبلغك بأن صديقك ريكال هاجم مجموعة كبيرة من الأسود لينتقم لشرف الجياع الذين ضاع شرفهم وكرامتهم في البحث عن الطعام وانتهى الهجوم بمقتله، وهنا كانت الصدمة والفاجعة ولم يحتمل ميسول الوقوف بل جلس في مكانه فلم تعد تلك الأرجل قادرة على حمله، وأخيراً خذلته عند إحتياجها وهو أيضا لم يعد يفكر بها، لأنه إختصر التفكير والزمان بالجلوس، وطلب من الذئب الذي أبلغه بمغادرة المكان وتركه وحيداً ليبكي وينوح على صديقه البطل الذي صرخ في وجه كل الدنيا بأنه يجب أن ينتهي زمن الظلم، لكن الذئب أصر على البقاء لأنه ليس من الممكن أن يترك قائده بهذه الحالة وجلس بجواره. وبعد ساعات من الجلوس أقنعه بالعودة إلى معقل الذئاب، ومضت أكثر من ثلاثة أيام وميسول لا يتحدث لأحد بل يجلس منفرداً يبكي حيناً ويصمت حيناً آخر، ولهذا الحال ذهب كبار الذئاب إليه وقال أحدهم: يا قائدنا ويا عزيزنا نحن نتألم كثيراً لحالتك، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً لأن من يموت لا يعود، ولا يمكننا إحياءه من جديد، ولكن ما نعلمه جيداً هو أنك لن تهتز بمصائب الأيام وتستطيع التغلب على كل الصعاب، وإننا على ثقة بأنك ستخرج، ويجب أن تخرج من هذه المحنة بأسرع وقت وأُنهي كلامي بأن الفاجعة كانت مؤلمة، وتبسم حينها ميسول إبتسامة المقهورين التي تعلمك بأن خلفها جرحاً كبير وآلماً لا يوجد له دواء وقال: يا كبار القوم ويا أهلي وأحبابي إنني اليوم أحمل حزناً أثقل من جبال الأرض وبداخلي جرحاً لن تداويه الأيام ولن يفلح النسيان في علاجه فريكال لم يكن بالنسبة لي أخا أو صديق بل كان أكثر من ذلك بكثير، وما يجعلني أتألم شديد الألم أن ماني وفازال إستطاعا أن يخدعاني ووصل بي الأمر إلى إرسال البعض لقتله، وتباعدت بيننا الأيام ليقتل وحده. وصدقوني بأن الحياة بدون الأحباب لا قيمة لها، وأن هذه الدنيا لم تعد تعني لي شيئاً فبعد ريكال لم يتبقى لي إلا الدموع والأحزان والصمت والتوحد الذي يسرق أعمارنا، وانتهى اللقاء بكلمات لا تشير إلى أن أحداً أقنع الآخر.
إقتنع ميسول قائد الذئاب بأنه يجب أن يعود إلى ممارسة حياته وقيادة القطيع، وقرر أن يسير في مابير ليراه الجميع قوياً شامخاً كجبالها، ولكنه لم يستطع أثناء سيره أن يتجنب التفكير بالخديعة التي صنعها له فازال، ولم يستطع أيضاً الهروب من صورة ريكال التي تطارده في كل مكان فأصبح يسير لا يعلم ٍإلى أين يتجه وانتهى به الجلوس في مكان مرتفع يتأمل الأشجار المنخفضة بحكم الطبيعة الجغرافية للمكان وكأنه جندياً خسر المعركة وانهزم وهرب واختبئ في إحدى جحور الكلاب ونظر فشاهد كيف يعدم قائده الذي رفض الهروب عندما وقعت الهزيمة وقرر أن يقاتل لآخر لحظة ليكون رسالة إلى سكان الأرض وإلى كل الأجيال بأن الموت هو النصر والبداية الحقيقية لمعركة العدالة والحرية ضد الظلم والقهر والإستبداد، وبهذه الأفكار نهض ميسول لينفض الغبار عن سيفه وليتقدم ليحمل الراية ويدق طبول الكرامة، وسار في مابير يصرخ وينادي وكأنه يطلب أحداً للنزال فهو المقاتل الذي يزعج الأرض بعنفوانه وبضربات أقدامه فيقول منادياً في وسط مابير مخاطباً كل سكانها صارخاً بأعلى صوته: يا هذه الأرض قتلوا ريكال! وأذلوا كبريائك! وقهروا أبناءك! وتعالت ضحكاتهم فوق ترابك غير آبهين بكِ! _إنهم القتلة_ لصوص قوت أطفالك .
في عرين قائد الأسود، وبوجود فازال توقف الجميع عن الضحك الساخر عندما أبلغ أحد الأسود حديث ميسول في مابير المتحدي لكل مشانقهم وقوانينهم ليسود الصمت، ولينتظر الجميع صوت كاليروا الغاضب دائماً والمتوعد المشنوقين على أحباله بالقتل بعد الموت، وبعد الدفن وكعادته إخترق حاجز الصمت بصوته قائلاً: لم أعد أحتمل حماقة هذا الميسول وسأقتله بنفسي ونهض ليخرج لميسول، إلا أن فازال عارضه وقال: إجلس يا قائدي، واترك لي الأمر لأيام ولن أطلب أكثر من ذلك _ولأنه فازال المخادع القاتل_ وافق كاليروا على طلبه .
بايار يبني قبراً لأخيه بين مابير وميرال ومقابل الطريق التي تؤدي إلى الساما داعياً كل الدنيا لزيارة هذا المكان، فهنا وفي هذا القبر ترقد العدالة، فأصبح الضريح قبلة للزوار فكل المسافرين يتخذوا منه محطة للإستراحة تجلبهم روايات بايار الأمر الذي آثار حفيظة الأسود الذي قرر قائدهم كاليروا هدم القبر بحجة أن المزار فعلاً من عمل الشيطان، فما أقبح القاتل عندما يرتدي عباءة الداعية ليبرر قتله بإسم الله ودين الله والله منه براء! .
في صباح ذات يوم، وبينما كانت الرياح تتعارك مع أغصان الأشجار وقطرات الندى تتأرجح بين الزهور تتمنى أن تتأخر أشعة الشمس في الشروق وجدت الذئاب ميسول قائدهم قد فارق الحياة لا يعلموا أهو الموت الطبيعي؟ أو هو موت المقهورين؟ أو هو القتل الصامت؟ وبجميع الأحوال فإن ميسول قد مات هذا ما تحدث به الذئب فلومار عندما خاطب القوم قائلاً: لقد مات ميسول موت الشرفاء الأبطال .
مات ميسول وهو يقارع سيوف الجلادين لم ينحني لها.
مات ميسول تاركاً لنا وصية يجب أن نحملها لنتوارثها جيلاً بعد جيل.
قررت الذئاب أن يدفن ميسول بجوار صديقه ريكال ليكون عنواناً صادقاً للحرية والعدالة والصداقة، وليحرض كل الدنيا على الثورة. لأن في موت الأبطال حياة، وفي رقودهم تحت الأرض زلزال سيبقى يقلق القتلة ويخيفهم في أحلامهم، وليكون هذا المكان قبلة للفهود والذئاب تشد إليه الرحال من كل مكان .
في صباح ذات يوم بينما كان فازال متجهاً إلى عرين قائده أخبره أحد الأسود بأن القرد ماني لم يعد موجوداً، والظاهر أنه رحل عن مابير بعدما أصبح هدفاً لمن يريد الإنتقام من الأسود ولا يقوى على مواجهتها، ولكن فازال الذي يحترف المكر ويمتهن الخداع ذهب تفكيره في إتجاه آخر، وخرج بنفسه يبحث عن ماني فوجده مقتولاً في أحد أركانها ملقى به تحت شجرة، فتوجه مباشرة بعدها إلى قائده يبلغه بذلك ليرد كاليروا بصوت الغاضبين قائلاً: لم يعد لدي مزيداً من الصبر، ولم يعد لدي أي جهوزية لتلقي أخباراً أخرى فالآن سأعطي قراراً بمحاصرة معقل الذئاب، وأطلب منهم الإستسلام وهنا طلب فازال الإستئذان بالحديث فعلم كاليروا بأن لدى فازال مكراً جديداً فوافق له أن يتحدث واستمع له عندما قال: يا قائدي هذه فرصة لنا بأن نقوم بنشر الأسود والنمور في النصف الآخر الذي تعيش به الحيوانات بحجة ضبط الأمن وملاحقة الخارجين عن القانون بعد مقتل ميسول وماني وبدل أن نكون نحن المتهمين بقتلهم فإننا سنصبح الباحثين عن حقوقهم، وهدأ غضب كاليروا وتبسم وضحك وقال: بدأت أشك في أن ماني لم تقتله الذئاب وتبسم فازال وقال: لعلهم هم ولعله غيرهم ولكن لكل خطة ثمناً وعلمتنا التجربة بأن نسير خلف عقولنا ومصالحنا حتى لا يسقط حكمنا لنعيش حياة الذل والإهانة .
قائد الأسود كاليروا أعلن بأن هناك تحالفاً مع النمور بمقتضاه سيتم نشر عدداً كبيراً من الأسود والنمور في النصف التي تعيش به الحيوانات لتضبط الأمن وتحافظ على حياة الأبرياء من الخارجين عن القانون الذين باعوا ضمائرهم في سوق اللصوص، وإمتثالاً لهذا الأمر إنتشرت مئات الأسود والنمور في هذا النصف البائس التي خيم عليه اليأس تمارس العربدة والهيمنة بكل أشكالها بحجة صون الدماء وحفظ كرامة حيوانات من قدم الزمان خلعت ثوب الكرامة والشرف، وبهذه الغلبة لكاليروا وقومه والسيطرة بدون منافس على مابير من في العالم يعلم كم سيدوم حكم الأسود؟ ومتى هي ثورة الأحرار؟ .
إنتهت بحمد الله عز وجل
"سالم ثابت" القائد العام لكتائب شهداء الاقصى , والمسؤول الأول "على قيد الحياة" عن العملية البطولية المزدوجة في اسدود .
ثابت الذي قصفت طائرات الاحتلال منزله خمس مرات منذ تسع سنوات .. لم تمنعه المطاردة ولم يمنعه الاحتلال من ممارسة هوايته .. فكتب رواية جسّد فيها واقع الحال .. رواية "حلم في قبر العدالة" .
"سالم" المُطارد والمُهدد بالاغتيال في كل لحظة .. كتب الرواية من تحت الأنقاض .. ومن تحت الركام ..
دنيا الوطن تُهدي المواطن والقاريء الفلسطيني والعربي رواية "حلم في قبر العدالة" حصرياً ..
كاتب الرواية "سالم ثابت" هو قائد كتائب الاقصى - جيش العاصفة , وهو ممن خططوا لعملية "اسدود" المزدوجة التي ضربت ميناء اسدود قبل تسع سنوات ..
نترككم مع الرواية كاملة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، وحالة القهر والهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة بحق شعوب الأمتين في شتى أصقاع الأرض؛ لم يكن يحدث لولا أن العرب والمسلمين هم من قبلوا بذلك، ولأنهم لا زالوا يختبئون خلف جدران الخوف والذل والصمت، ويشاهدون لصوص الغرب وهم ينهبون ثرواتهم وحاضرهم ومستقبلهم بدون أي اعتراض، فإن هذا الحال المحزن المثير للشفقة سيدوم كثيرا .
تجسد الرواية بأحداثها التي تدور في إحدى الغابات بين مجموعة من الحيوانات مشهداً مصغراً لسياسة وسير الحياة في هذا العالم الكبير، ولأن الأسود في ذلك المكان باضطهادها وبطشها تمثل الإدارة الأمريكية، سأترك للقارئ أن يحدد الهوية الرمزية التي يحملها كلٌ من بقية الحيوانات .
إهـــــــــــــــــداء
أهدي هذا العمل المتواضع إلى أرواح الشهداء الذين سقطوا على طريق التحرير وإلى كل أبناء شعبنا في الوطن والشتات وإلى كل الأهل والأحبة والأصدقاء .
سالم عبد الرحمن ثابت
| من أجل فلسطين ووفاءً لأرواح الشهداء ستكون العوائد الربحية لهذه الرواية بمثابة تبرع للمقاومة التي رفعت رأس الأمة عالياً والتي سيبقى الرهان عليها وحدها لتغيير هذا الواقع المرير . |
| الفصل الأول براءة الطفولة وأفكار الموت |
كانت الشمسُ تميل إلى الغرب في صراعٍ مع بدايات الظلام، وتختفي بهدوء في مشهدٍ من مشاهد احتضار الأيام، على حواف الليل لتودع غابة مابير، التي كان يلهو بها في هذه اللحظات خمسة فهود أشقاء أكبرهم ريكال الذي يشاركهم الظن بأنهم سيبقوا ِأخوة إلى الأزل، يفرحون ويمرحون ويسابقون نسمات الربيع، ويزعجون الدنيا بصراخهم وضربات أقدامهم، ولم يعتقدوا أو حتى يفكروا يوماً بأن غرائزهم وشهواتهم للدم والقتل ستقف حاجزاً أمامهم، وستنسف كل صلات الرحم والقرابة، ولأنهم لم يفكروا؛ لا زال بعضهم يرتمي فوق الآخر ويهرب منه ويلحقه، ولا زالت رياح الخريف تهب بين الفينة والأخرى محدثةً صوتاً لخرير الأوراق وتكسير الأغصان المتخاصمة، والتي يقول المنطق عنها: أن كسر الغصن المقابل هو سبيل البقاء ولا حياة لمن هو ضعيف .
كانت علاقة ريكال بإخوته أعمق من البحار، وأقوى من الصخور الصامدة في وجه البراكين، فلم تتأثر برياح الأيام ولم تغيرها عوامل الطبيعة المتقلبة مع الفصول فهم الأخوة الذين تعاهدوا بالفطرة أن تكون التضحية عنواناً لهم وأن يكون الإخلاص سبيلهم في شق سنواتهم من وسط جبل العمر، وكان كلٌ منهم يجسد هذه المعاني عندما يطلب منه الدفاع عن إخوته في مشهدٍ رائع يعبر عن التقاء الدم بكل معاني البطولة والوفاء ويا ليت الزمان يتوقف عند تلك اللحظات البريئة التي لا تحتكم للغة الغنائم والمصالح التي لا صوت فيها إلا لصوت صلات الدم .
كان يعتاد ريكال وإخوته كل يوم في وقت الصباح على ممارسة أجمل لعبة تجمعهم مع غريزة المطاردة، ففي الوقت التي تحاول الشمس فيه أن تخترق بأشعتها الفجوات الواقعة بين أوراق الأشجار، لترسم أشكالاً ضوئية على الأرض كان يجري كلٌ منهم خلف الآخر، ويحاول القفز فوقه وإطاحته أرضاً وكأنه ضحية يجب افتراسها وتدوم هذه اللعبة ساعات طويلة تنتهي بالذهاب إلى الفهد سيمال المسؤول عن تدريب الصغار، والذي عادة ما يكون جالساً يراقب ويتابع حركاتهم ليرشدهم كيف يكون القفز ويعلمهم كيف يتم اختيار اللحظة المناسبة لضربة الموت، وسيمال يتبنى فكرة ممارسة التمارين التدريبية على أنها ألعاب تسلية وليست أمراً عسكرياً مطلوب تنفيذه، ولهذا فإن ما يقوم به ريكال وإخوته من ألعاب هو جزء من برنامج التدريب الذي يؤهلهم لمقارعة الحياة وتحدي الصعاب ورسم شعار الفهود بالدماء فوق جثث الضحايا.
في تزاحم الأيام على قطار الحياة قدم لمابير قرداً اسمه ماني من غابة أخرى، قرر أن يعيش حياته وحيداً يحمي نفسه من الافتراس بعدم نزوله للأرض، فهو يدرك أن عليه أن يبقى فوق الأشجار، ولا تلامس قدماه الأرض إلا بحذر وحيطة ومن أجل الماء، وكم كان يتمنى لو أن القرود لا يصيبها الظمأ ليتجنب هذه المخاطرة، ورغم كل ذلك كان يحلم بعلاقة مميزة مع الأسود توفر له حياة كريمة آمنة من أي مخاطر، وفي سبيل هذه العلاقة كان جاهزاً لتقديم أي شيء والقيام بأي عمل مهما كان سيئاً .
أثار القرد ماني وهو يتنقل بين الأشجار ويقفز من غصناً إلى غصن وكأنه يسير على طرقاً في الهواء إنتباه ريكال الذي كان يراه عندما يذهب إلى التدريب، أو أثناء سيره في ميرال فإزداد فضولاً لمعرفة ذاك الضيف الغريب الذي يحيا وحيداً في غابة طال الزمان به أو قصر سيكون ضحية ووجبة طعام شهية لأحد سكانها، وقرر سؤاله مباشرة فقال: أيها القرد القادم من المجهول، لتحيا بين الأشواك غير مكترث بمصير أجمل نهاية له مأساة ما يجبرك على هكذا حياة تعيشها كمن يسير فوق الرمال المتحركة في أي لحظة سيكون الابتلاع .
رد القرد ماني على المتطفل بالسؤال فأجابه قائلاً: ما يدفعك للمغامرة بالحياة، لن يكون إلا هروباً من الموت وبالتأكيد وجودي هنا ليس سياحة أو نزهة بين الأشجار بل تحليق لا يقبل الخطأ لطائر يحوم بين أنياب القتلة، فأي غفوة منه ستكون النهاية. واكتفى بهذا الجزء من الحديث لأنه قرر مسبقاً أن تبقى روايته له وحده بفرحها وأحزانها وجراحها، ولم تفلح كل محاولات ريكال لانتزاع أي مقطع من رواية هذا الراقص على حبال الموت فوق روؤس الطغاة، ليثير شهوتهم للقتل والتنكيل. وما هي إلا أيام قليلة، وعدة لقاءات أصبح أكل اللحوم الذي لم يثق لتلك اللحظة إلا في إخوته صديقاً للمغامر المتعلق في أحلام النجاة والحصول على أيام جديدة من دفتر الحياة .
تلقى ريكال وإخوته التدريبات على يد سيمال المتمرس في هذه المهنة، العارف بكل خفاياها، فأتقنوا فنون القتل وتعلموا ضربات الموت، ولأن ريكال المرشح الأول لخوضَ معارك الحياة كونه أكبرهم سناً بدأ سيمال يركز عليه، ويقوم بتأخيره إلى ساعات الظلام، وفي ذات يوم أبلغه بأنه يخضع إلى التدريب، فزمن اللعب قد انتهى، وعليه أن يعتمد على نفسه من الآن فصاعداً، وتحدث إليه بلغة الوصية بأنه في معركة الجوع يبرر القتل، ويصبح كل شيء مباح ولم يعد مكاناً للمحرمات؛ فالموت هو قانون الجميع، فإما أن تموت جائعاً، أو يموت غيرك ليكون طعامك، ولأن الحياة لا عدل فيها ولا رحمة إلا للقوة، فعليك أن تجيد صناعة الموت حتى لا يطحنك الجوع ويلقي بك طعاماً لغيرك، ولكي تتجنب الموت في ساحة المعركة عليك أن تلتزم بالتدريب، الأمر الذي حفز ريكال وجعله يبذل كل جهده لتنفيذ أوامر سيمال واجتياز برنامجه التدريبي بكل تفوق ونجاح .
أبلغ سيمال قائد القطيع توماس بأن ريكال أصبح جاهزاً للالتحاق بالجيش المحارب الذي يؤمن طعام القوم، فلم يعد يحتاج مزيداً من التدريب، وسيرسله له ليكون جندياً مطيعاً يؤدي خدمة الوطن. ودخل الليل وتجمع قطيع الفهود ليخرج في رحلة البحث عن الحياة، وتأمين الطعام اللازم للصغار؛ فعلى ريكال اليوم أن يرافق القطيع ليتعلم أول درس في فنون القتل من أجل البقاء، وعليه أن يبقى في المؤخرة، ويشاهد كيف يكون سفك الدماء بلا رحمة ولا شفقة؛ فالقتل مهنة والصراخ انتصار، فهو لم يعد صغيراً وعليه أن يعتمد على نفسه، ورغم أن هذا كان حديث قائد القطيع توماس له، إلا أنه كان يفكر بذلك؛ وما أن انطلق المحاربون إلا وكان يجري بينهم، وفي خياله أربعة إخوة يجب أن يعود إليهم. فهذه أول مرة يبتعد عنهم هذه المسافات فرائحتهم تطارده، وصورهم تسيطر على خياله، وأصواتهم أعلى من صوت القطيع، ولم يكتب لحنين الإخوة بالدوام كثير عندما اخترقته أصوات صراخ الأبقار المرتجفة تحت أنياب الغزاة، ودماؤها ترسم معادلة الحياة .
كان حفلاً رائعاً من القتل بالنسبة للفهود، ومأساة وكارثة ونهاية محزنة للأبقار، ولكنها هي دورة الحياة عنوانها البقاء للقوة، فهنيئاً لريكال الذي ولد فهداً من سلالة الأنياب، ولم ولن يكن في يومٍ عِجلاً أو بقرة، وبتناصف الليل مع نفسه يعود ليعانق أخوته حاملاً لهم لحوم الضحايا ليحدثهم كيف كان القتل وتمزيق جثت الخصوم ليشوقهم ليومهم الأول في حمل السيوف، ومن ذاك الوقت أصبح ريكال صياداً متمرساً وقاتلاً لا يشق له غبار، ومرت الأيام مسرعة تتسابق مع الرياح ومعها يكبر ريكال وإخوته، وتزداد همومهم كلما تعرفوا على الحياة أكثر؛ فلم يعد حلم الطفولة ذو مغزى أو معنى لديهم _فهذه الحياة ليست مجرد لعب ولهو_ بل هي ساحة معركة، ومسرحاً للقتال من أجل البقاء على دماء وآلام وجراح الغير، ورغم كل هذه التطورات التي لازمت أيامهم؛ إلا أنها لم تغير من واقع الأخوة شيء .
أراد ريكال أن يستكشف النصف الآخر من مابير، والذي تطلق عليه الحيوانات النصف الذهبي لجماله وروعته ومناظره الطبيعية الخلابة التي تسحر عيون الناظرين، ولأن هذا النصف الشمالي لمابير يقع تحت مسئولية الأسود وسيطرتهم؛ فعلى السائح أن يتقدم مسبقاً بطلب موافقة للزيارة، وعليه أيضا أن ينتظر الموافقة من عدمها ولهذا ولإتباع القنوات الرسمية في الإتصال توجه ريكال إلى توماس قائد القطيع، والذي بدوره طلب الإذن من الأسد المسئول عن التنسيق ليعطي الموافقة، ويحدد اليوم والساعة المسموح له بدخولها، ومضت عدة أيام إلى أن تمت الأمور بالشكل الرسمي، وتم إبلاغ ريكال بالموافقة، وانطلق في جولة إستكشاف ذاك المكان الرائع برفقة مجموعة من الحيوانات سُمِحَ لها بالتجوال في ذاك اليوم وبين الأشجار ونهر إيرول الذي تتسلل مياهه بين الصخور، وتقفز من أعلى القمم لترسم أجمل مشاهد الطبيعة، بدأ ريكال الغير منبهر بهذه الألعاب البهلوانية يشعر بأن هناك ظلم لا يطاق، وتحديداً عندما أدرك من خلال زيارته بأن هذه المساحة الكبيرة من الأرض المليئة بالصيد والرزق الوفير لا تتناسب وعدد الأسود القليل الذي لا يستطيع تغطية حدودها، فلم يستطع أثناء عودته من هذه الرحلة أن يخفي مشاعره وكلماته وتحدث لأحد الفهود، وهو يحتشد مع الحيوانات على بوابة المغادرة؛ ليمر من أمام الأسود الذين يقومون بالحراسة والتأكد من مغادرة الجميع دون أن يدرك بأن صوته أصبح مسموعاً لمن حوله بأن هذا ليس عدلاً وحتماً لن يدوم الظلم وما أعاد إليه صمته وسكونه تلك النظرات التي شاهدها في عيون أحد الذئاب المشاركين في الرحلة الأمر الذي جعل القلق يخيم على خياله، ولم يعد يفكر إلا في الهروب من هذه النظرات التي رأى خلالها محكمة وقضاء الأسود .
قائد قطيع الفهود توماس كان دائماً يصف مابير بأنها هي جنة بكل ما للكلمة من معنى، ففيها الربيع والخريف يجتمعان وفيها القمر وضوء الماء يتحدثان فهي لوحة تم رسمها بأوراق الخريف التي تحمل لون الحياة والموت معاً، وتقسمت تضاريسها بقطرات الأمطار الدافئة المختبئة من برد الشتاء وتوزعت ألوانها بزهور الربيع المغرورة بجمالها ورائحتها الفواحة ولكنه كان يحرص دائماً أن لا يعرج ولو بكلمةٍ واحدة عن القانون الخاضعة له هذه اللوحة الفنية الجميلة رغم الأسئلة المتكررة من الفهود له حول هذا الشأن، إلا أن ذكاءه يسمح له في كل مرة بالهروب من تلك الأسئلة إلا في مرة واحدة وأمام الإلحاح والإصرار أجاب بثلاث كلمات فقال: هي معادلة القوة .
في مساء يوم ممطر ومع بدايات دخول الظلام، بدأت السماء تحشد جنودها وتنشر الغيوم في كل مكان لأنها ستهاجم وبكل قوة ولن تبرر أسباب غضبها بينما على الأرض الصمود والثبات، فلا جند ولا ناصر لها اليوم، وما أن بدأت السماء تصب غضبها على غابة مابير، وكأن هناك معركة بين السماء والأرض؛ إلا وبدأت العواصف تضرب مابير فتتكسر قمم الأشجار وتهوي سمعاً وطوعاً واستسلاماً لجيش الغزاة وبدأ الرعب يدب في قلوب الحيوانات وبدأت تجري شرقاً وغرباً هرباً من الأغصان المتساقطة فوق رؤوسها وضاقت بها مابير بما رحبت، وما زاد الأمر تعقيداً سقوط الأمطار بعنف تشجعها الرعود، وفي ظل هذه الأجواء المخيفة المرعبة كان ريكال كبقية الحيوانات يبحث عن ملجأ يحميه من حرب لا علاقة له بها، وذنبه الوحيد أنه سكن الأرض، وفجأة وفي لحظة غازلها ضوء البرق، طاردته عيون نفس الذئب الذي كان يحتشد معه على بوابة النصف الذهبي بنفس النظرات وكأنه لا يشغله في كل هذا الصراع القائم إلا معرفة من هو ذاك المتمرد ؟ وحينها بدأ يشعر بأنه مراقب، وما هي إلا أيام وسيقتل بقرار من قائد الأسود كاليروا وللحفاظ على حياته فإن عليه أن يفكر بقتل هذا الذئب والتخلص منه ومن كلمات خرجت بدون إرادته أو سيطرته على حروفها، ولكن الطقس البارد الممطر جعله يترك أفكار الموت، ويذهب للبحث عن الحياة ليختبئ تحت صخرة محتمياً من أمطار وعواصف ذاك اليوم .
بعدما أضحى ريكال والقرد ماني صديقين أصبح كلٌ منهم يشكو للآخر سطوة الدنيا وتسلطها على الضعفاء الباحثين عن طعام صغارهم القانعين بعدم ملئ بطونهم، والاكتفاء بالقليل من الطعام كما كان ريكال يستشير ماني كثيراً في أغلب ٍأفكاره وقراراته، ورغم كل هذا التقدم في العلاقة إلا أن ماني لم يثق كثيراً بصديقه، فلم يسجل أنه أثناء الحديث واللقاءات نزل عن الشجرة وكان يحرص دائماً على الحديث معه من أعلى، وكم تمنى ريكال أن يجلس مع صديقه وجهاً لوجه عندما أخبره بقانون تقسيم مابير الذي يعتبره ظلماً وإجحافاً بحق جميع الحيوانات تفرضه سنة الحياة التي على الجميع القبول بمنطقها القائل: بأن الأسود هي وحدها من يحق لها أن تترأس قيادة مابير رغم عددها القليل، ولا ميزة للفهود الذي يشكل عددها أكثر من نصف عدد الحيوانات، وأن نصف الغابة من حق الأسود، ويمنع لغيرها الصيد في هذا النصف، أو حتى السير إلا بإذن مسبق بينما النصف الآخر يقسم إلى قسمين: الأول للفهود والثاني لبقية الحيوانات، وطالما هذا هو عدل الحياة فعلى الجميع القبول بالواقع .
في إحدى الليالي والبرد يتسلل من بين الأشجار ليغزو سكان مابير، وجد ريكال نفسه يقف وجهاً لوجه مع ذاك الذئب الذي يلاحقه دائماً وبنظرات الفهود السريعة المستطلعة للمكان، أدرك بأن لا أحد سواهما وهذه هي اللحظة المناسبة للتخلص من الكابوس، الذي يلاحقه في نومه واستيقاظه، وتحركت بداخله كل غرائز القتل والانتقام، ولكن صوت الذئب كان أسرع من ضربة الموت عندما قال له: لك التحية ولك مني السلام، وصمت لينتظر الإجابة لكن ريكال لم يجب في البداية لصدمة الموقف الذي جعل الحيرة تسيطر عليه فتراجع قليلاً وقال: ماذا تريد مني ولماذا تلاحقني؟ أتريد معرفتي لتحظى بمكان جوار القتلة أو حماية أحد المستكبرين عندما تحدثهم بتلك الكلمات التي خرجت من بين شفاهي؟ وحينها ابتسم الذئب وقال: أنا لست ضعيفاً لأختبئ خلف قوة أحد؛ ولا أنا وحيداً لأحتمي بتجمع البعض؛ ولن تشكل آلام الحيوانات عندي ابتسامة ولن ترسم دماء الأبرياء لي خارطة الوطن، بل ما دعاني لمتابعتك هي كلماتك التي أثارت بداخلي كل معاني العدالة وحياة الكرام وكم أتمنى لو تقبل صداقتي؛ لتكون عنوان علاقتنا ولقاءاتنا، وانتهى لقاء أعداء الأمس بأصدقاء اليوم عندما وافق ريكال على صداقة الذئب الذي أبلغه بأن اسمه ميسول وهو ابن قائد القطيع والمرشح لقيادة الذئاب بعد والده، وبعدها ذهب كلٌ في اتجاه يبحث عن معالم الحرية في وجه مابير المبتسم للثوار والذي أرهقه الظلم .
| الفصل الثاني آمال الحرية واتساع الأفق |
مر قطار الحياة سريعاً على سكة الأيام في غابة مابير، وكبر الصغار وهرم من كان كبيراً ومات من مات في معركة الطعام، وأصبح ريكال وإخوته من كبار القوم ولهم كلمة تطاع في قطيع الفهود، بعد توماس قائد القطيع الذي كان يحرص دائماً على وجودهم في أي معركة صيد أو مهاجمة عدو، كما أصبح ميسول قائداً لقطيع الذئاب بعد مرض والده وعدم مقدرته على قيادة القوم .
في إحدى رحلات الصيد للقطيع وبوجود ريكال وإخوته وفي ليل الشتاء البارد المظلم المرعب كاد أن يقتل أخ ريكال الأصغر سومال عندما هاجمته مجموعة من النمور؛ تريد أن تسلب منه صيده لولا تدخل ريكال وإخوته وجزء كبير من القطيع، وبعد العودة والنقاش فيما حدث ومحاولة قائدهم توماس تهدئة الأمور، والقبول بقانون الحياة الذي يخضع له الجميع، وأن النمور هي الأقرب في السلالة للأسود وتحتل المرتبة الثانية من حيث الأفضلية، الأمر الذي جعل ريكال يخرج بعدها غاضباً من حديث قائدهم الذي شكل له حالة من الإحباط واليأس، فهذا الظلم سيدوم ولن تغيره الأيام لأن ذلك هو ما تفرضه سنة الحياة، وسار في مابير يفكر بمنطق التأقلم مع الحياة وقبول الواقع ليقول لصديقه الذي أصبح قائد قطيع الذئاب ميسول، والذي قابله وجلسا معاً: يا صديقي نحن نعيش في عالم لسنا به سوى ممثلين، فقد تقسمت الٍأدوار وتوزعت مسبقاً، وهذا ليس بإرادتنا بل رغماً عنا، فالعوامل المحيطة بك والتركيبة التي ولدت بها تفرض عليك تمثيل الدور المطلوب منك والعيش في عباءته، فانظر لتلك الأشجار العالية القوية، إنها تنحني لتلك الرياح التي تأتي لها على غفلة لتذكرها دائماً بمنطق السادة والعبيد، ومن هو الذي يحكم الأرض؟ ومن هو الذي عليه أن يقبل بالواقع؟ وأي واقع هذا الذي وفر كل العوامل ليجعل الأشجار تنحني إلى الرياح وتخيل لو تمردت الأشجار على هذا القانون، ورفضت الانصياع لجبروت الرياح وتسلطها وسطوتها فستكون حينها النتيجة محزنة، لأن الجلاد دائماً لن يقبل بأن تتقدم الضحية على حبال مشانقه رافعة الرأس وبهذا المنطق ستقوم الرياح، وبكل قوة بتكسير أغصان الأشجار، واقتلاع صغارها من أعماق الأرض، وللحفاظ على سير الحياة وتقسيم الأدوار سيبقى الانحناء وسيبقى تكسير الأغصان قائماً للتذكير بعصا الجلاد .
قائد الذئاب ميسول المتأثر دائماً بكلمات ريكال، وجد نفسه هذه المرة محبطاً أكثر منه فلم يعلق بشيء، واكتفى بالقول أنا أثق بك كثيراً يا صديقي، وتركه وذهب عائداً لمعقل الذئاب ليمارس طقوس العواء مع القطيع لتذكير كل سكان الأرض بأن خلف هذا الظلام قوة تحذر من الإقتراب منها أو المساس بها، وأنها ستنطلق يوماً بإتجاه النور .
خرج قطيع الفهود وريكال وإخوته يتقدمون الرتل خلف القائد مباشرة الذي قتل في هذا اليوم عندما ركله ثورٌ سئم حياة الضحية وتمرد على أنياب الغزاة، وقرر أن لا يمثل دور الضحية؛ ليكون يوماً سيئاً لكل المحافظين على سير الحياة بتقاليدها المجحفة الرافضين عودة الجلاد قتيلاً أمام كبار القوم، فالضحية التي يحرمون عليها الصراخ في حضرة الجلاد غير مسموح لها أن تحرم القتلة من نهش لحمها حين لا يكون هناك وقتاً لا للصوم ولا للصلاة .
كان لحادث مقتل قائد القطيع توماس أثراً كبيراً في تفكير ريكال، إذ حدث صديقه القرد ماني في اليوم التالي، بأنه لا يوجد ثوابت في هذا الكون، وأن معادلات الحياة كسرت تحت قدم ثور قرر في لحظة أن لا يكون بقرة، ولأن ماني يعلم ما يجول بخاطر ريكال قال له: يا صديقي إن كنت لا تمتلك بيتاً فغيرك لا زال يعيش بدون غابة، وإن كنت تشكو من قلة الصيد فهناك آلاف الحيوانات تموت جوعاً تحت صخور قانون الحياة التي إذا أردت أن تمحو أحد كلماته، ستكون كمن يبارز بلحمه السيوف، ولأن ريكال لا يكترث كثيراً لحديث صديقه قال: سأعيش يوما ثوراً، وأُغير مسار التاريخ، وذهب تاركاً ماني يلهو فوق أشجاره، تعلمه الحياة وتهمس له بأن الحق والعدل لا يكتب لهما دائماً الانتصار .
التقى ريكال بميسول قائد الذئاب الذي تشكل القطيع الأكبر بعد الفهود في غابة مابير وجلسا تحت شجرة، ليقول ريكال ناصحاً ومطالباً ومخاطباً ميسول يجب أن تعقد اتفاقاً وتحالفاً مع أي قائد جديد لنا، لإعادة حقوق الأجداد من أولئك المستكبرين في الأرض، الذين يرسمون خارطة الحياة بأنيابهم ومخالبهم ويوزعون الرزق كما يشاءون، غير مكترثين بجوع وآلام الجائعين، فنحن الصارخين في وجه الظلم والاستبداد نقول أن هذا الكون له إله ولن نقبل بأن يبقى نهر العدالة جافاً تحجب عنه مياه الحرية؛ التي يجب أن تجرف أودية الظلم وصدقني أن قتل قائدنا توماس بحجم ما كان محزناً إلا أنه أزال عنا الوهم الذي كنا نعيش به فذاك الثور المتمرد لن يختلف عن بقية الثيران، إلا أنه رفض تمثيل دور الضحية وعندما ننظر إلى تمرد الأشجار على تراب الأرض سنكتشف أنه هو التحدي الأكبر لقانون الحياة والقوة؛ فتلك البذرة التي تبتلعها الأرض معتقدة بأنها ستلتهمها وتصنع منها طعاماً تتفاجأ بأنها لن تستطيع هضمها، فتستسلم لصمودها وتتشقق امام إصرارها لتتيح لها الخروج من بين خلاياها للفضاء، لتنمو وتصبح شجرة ووطناً لبعض الطيور .
القرد ماني سمع ما يدور بين ريكال وميسول وعلم قيمة الكنز الذي حصل عليه، فعندما يقدمه للأسود سيحصل على حماية تجعله يسير في مابير دون أن يعترضه أحد أو حتى يفكر بذلك أحد، ولكنه فكر كذلك في الوقت نفسه بما سيؤول له مصير ريكال وما بينهما من صداقة، إلا أن مصالحه الشخصية هي التي رجحت؛ فضرب كل عناوين الصداقة والإخلاص بقدمه المرتجفة من صوت زئير الأسود التي يحلم بثباتها عندما تقدم لها الحماية من نفس الصوت، وذهب ليطلب لقاء الأسد العجوز فازال ليبلغه بذاك الحديث وتلك الأفكار، لأن فازال اتفق معه مسبقاً أن يجمع له المعلومات مقابل أن يخبر قائد الأسود بقصته، ويطلب له الحماية وهذا يحتاج إلى معلومات قيمة تقنع القائد بتوفير الحماية له، وأدرك ماني بأن هذه فرصته الوحيدة لنيل الحماية، والحصول على إقامة دائمة في مابير عله يحصل على الجنسية بعدها .
بعد مرور عدة أيام من موت قائد القطيع، وبعد الحزن والنواح وآلام الفراق اجتمع كبار القوم، لأنهم يعلمون علم اليقين بأن الجوع لن يشاركهم أحزانهم ولن يوقف غزواته لأمعائهم، ولأن الحياة يجب أن تسير، قرروا إختيار قائداً جديداً يتولى قيادة القوم _وبالتفاوض والتشاور والصراخ والحديث الهادئ_ توافق المجتمعين بأن يتم إنتخاب إسماً من بين ثلاثة أسماء، حصل جدالاً كبيراً حولها، ليخرج بعد ذلك أحد المجتمعين وهو الفهد كالي أكبرهم سناً ليعلن لقطيع الفهود بعد طوال ترقب وإنتظار قائلاً: أيها الفهود لقد خسرنا قائداً عزيزاً على قلوبنا أفنى حياته في خدمة أمة الفهود، ولكن هذا لا يعني بالمطلق أن نجلس حول القبر نبكي الماضي للحاضر، ونترك المستقبل تائهاً في أودية العويل، وحتماً فإن كل دموعنا لن تستطيع إسكات صراخ جائع أو إطعام صغير، وأن كل نواحنا وعويلنا لن يزعج هذه الأرض، أو يثير شفقتها لتقدم لنا الطعام دون عملاً أو جهداً، فنحن لسنا أشجاراً تنتظر الأمطار لتروي عطش جذورها، ولن نكون كذلك لنتسول المياه من نهراً أظلته الطريق أو غيمة تجبرها الرياح على الهبوط، فنحن معشر الفهود نحصل على الطعام بقوة أنيابنا وبضربات أيدينا، ومعارك الجوع التي نخوضها كل يوم هي أكبر دليل على ذلك، وحتى لا نظل الطريق وحفاظاً على وحدة القطيع كان من المنطق والحكمة أن يتم تعيين قائداً يتولى قيادتنا جميعا لنا منه الإخلاص والوفاء وله علينا السمع والطاعة، ولهذا أعلن على مسامعكم بأنه منذ هذه اللحظة بأن قائدنا وكبيرنا هو ريكال وها أنا أمامكم أبايعه بيعة لن أنقضها إلا إذا خالف حقوق ومصلحة الفهود، فهيا لتبايعوا القائد، وهتفت الفهود وإهتزت مابير لصوتهم التي طالما عشقته، واهتزت أشجارها له وبهذه المراسيم تولى ريكال مقاليد القيادة .
تلقى كلٌ خبر قيادة ريكال بخلفية مصالحه وأهوائه، فميسول قائد الذئاب قال وهو مبتسماً: هنيئا للعدالة ومرحبا بالحرية، أما قائد الأسود كاليروا القلق من هذا الشاب المتحمس قال: أتمنى أن لا يأتي يوما أضطر فيه لقتل هذا الريكال بينما القرد ماني إحتفظ برأيه لنفسه، واكتفى بالرقص الذي يمارسه يومياً فوق الأشجار، وأما النمور التي كانت تسعى لأن يكون لها تأثير ويد في إختيار ريكال ولم يسمح لها بهذا التدخل قال قائدها سيزار: نحن نبارك للفهود إختيار قائدها بهذا الشكل الديمقراطي وهذه الطريقة الهادئة وندعو كل الحيوانات للنظر لهذا النموذج بعين الإحترام والتقدير، ولم يقتصر الحديث حول قيادة ريكال على هذه الآراء فقط بل كل سكان مابير تحدثوا وعبروا عن آرائهم لبعضهم البعض كما حصل الأمر سابقاً عندما تم تعيين ميسول قائداً للذئاب .
ريكال الذي لم يروق له حديث قائد الأسود كاليروا بحقه بعدما تم تعيينه قائداً للفهود لم يتحدث لأحد بشيء، ولم يعبر عن غضبه إلا لقائد الذئاب ميسول عندما التقى به بعد عدة أيام قائلاً له: يا صديقي إن الغضب الذي يسري في عروقي باتجاه هذا المستكبر لن أصخره لإرضاء غروري والإنتقام لنفسي بل سأدفع به إلى شرايين الثورة لتصبح ناراً تشتعل فوق هذه الأرض لتحرق كل القتلة والجلادين الذين جلسوا على سدة الحكم _ليس لأنهم هم الأقوى أو الأفضل_ بل لأن العوامل التي أحاطت توليهم والفرصة التي أتيحت لهم لم تتوفر لأحد، وإلا ما كانوا هم، وتكمن الكارثة في إنهم لم يعترفوا بذلك، بل إعتبروا أنفسهم هم الأفضل، وأنهم خلقوا فوق هذه الأرض للقيام بهذا الدور الأمر الذي يذهب بهم لممارسة المزيد من الظلم والقهر والإضطهاد والمزيد من الإستكبار والإستعلاء، وستجد هذا في حديث كاليروا باتجاهي، والذي يدافع من خلاله عن تلك القوة الذي يعتقد أنها تمثل السيد وما دونها هم العبيد. ولهذا فأنني أعتبر بأن خلافي معه ليس شخصياً، بل هو خلاف الحق مع الباطل، وخلاف الجائعين الباحثين عن الحرية مع الجلادين الذين يعتقدوا بأن القتل وزرع الخوف في القلوب هو الطريق الوحيد للحفاظ على بقاء حكمهم، وقبل إنتهائه من الحديث وليطفي نوعا من المزاح تبسم ونظر لميسول ليقول هامساً: ومع أي من الفريقين ستكون أنت يا صديقي؟ ومع من ستعقد تحالفك؟ .
تبسم ميسول ليبادله الإبتسامة، ونظر لعيون ريكال وكأنه يتفحص بهما خارطة الوطن ليستدل من خلالها على طريق الحرية فصمت قليلاً، ثم قال: يا عزيزي أن الجوع الذي أراه في عيون الذئاب كل يوم يستصرخني دائما بأن أكون أنا الباحث عن الحق والساعي إلى تحقيق العدالة، وأن الظلم الذي عشته واقعا وحياة لم يصنع مني عبدا ولن أكون في يوما كذلك، بل جعل مني متمردا وأن القهر الذي أحاط بنا من كل إتجاه بسبب أولئك الطغاة الذين وفرت لهم الحياة كل عوامل نجاح معادلة التسلط يدفعني وبكل قوة لتكسير تلك المعادلة، فلا طريق أمامنا إلا دق أجراس الحرية، ولا يوجد مفر من ذلك ليس من أجلنا بل من أجل الأجيال القادمة ليتجنبوا معارك الجوع الذي يعاديك بدون سبب فهو أقسى عدو قد يعلن عليك الحرب فمن لم يدخل معاركه لا يشعر بقيمة قطعة لحم تلقى إلى جائع، ولهذا فإنني وبدون أي تردد سأعلن تحالفي معك في اللحظة المناسبة التي سننطلق بها في طريق العدالة لنعانق الحرية، ولنثبت بأن هذه الحياة ليس بهذا الظلم والقهر إذا خرجت خطوط طولها وعرضها عن مقياس خارطة القتلة التي ترسم بالدم والآلام، ويجدد رسمها دائما بأنين الجياع، وصراخ التائهين بين الجوع والموت
| الفصل الثالث طبول الخطر وخداع القتلة |
القرد ماني أبلغ الأسد العجوز فازال بالحديث الذي سمعه وبالتحالف الجديد ما بين الفهود والذئاب، فقررت الأسود القلقة من تحالف المتحالفين أن تضرب بيدٍ من حديد، وستبطش وتقتل وتدوس من يحاول اللهو عند عرينها هكذا كان يهدد قائدها كاليروا، عندما علم بما دار من مؤامرة كما عبر عنها للقوم قائلاً: نحن لا نحاسب حيواناً على حلماً أو حتى تفكيراً، فالحلم وهماً والتفكير خيال، لكننا لن نسمح بأي مؤامرة تحاك خيوطها بين الأشجار المخلصة لنا وفوق التراب الذي يهتز من صوت زئيرنا، فنحن أسياد مابير وما دوننا هم العبيد، ومن لا يقبل بأحكامنا لا يبقى أمامه إلا مشانقنا فنحن من قتل الزهور، لأنها خرجت بدون إرادتنا وحاولت أن توهم الحيوانات بأن هناك شيئاً اسمه الربيع .
الأسد الوهن المتقدم في العمر فازال لم يرق له حديث قائدهم، فالسيل القادم من الفهود والذئاب قد يجرف ويغير معالم الأرض، لهذا تحدث للقائد في همسٍ بعيدٍ عن الأسود المتحمسة لحمل السيوف، والتي لم تعِ من حكمة الحكماء شيئاً ولم تعيش يوماً حياة الهزيمة أو حتى تخضعها للتفكير قائلاً: يا سيدي لن نستطيع أن نهزم ذلك التحالف الذي يفوق أعدادنا بعشرات المرات ولن نستطيع أن نقنع بقرة أن تضحي بنفسها من أجل ملئ بطوننا؛ بل ما توارثناه ممن سبقنا أن تكون الحيلة ومن ثم وبعد اليقين بالنصر نضرب ضربة واحدة نعيد بها مجداً مخلداً، وهيبة لا تمحى من خيال المتمردين، ونعلن حينها في مابير أننا القوة، وأننا خلقنا لنكون كذلك وحينها ستنحني الدنيا أمامنا تُقبل أقدامنا لنعفو ونصفح عن أخطاء المذنبين .
غرور القائد لا يجعله يوافق مباشرة عجوزاً هرماً مع أنه رأي حكيم فهز رأسه كما كل المستكبرين المتعالين وقال: سأفكر وقد أمنحك شرفاً وفخراً بأن تدير أنت الحيلة وحقاً يا فازال إذا وفقت في تدبير المكر مع الخداع سيكون لك مكاناً، وقد تصاحبني في رحلة صيد فأنا سيد الأسياد، وأنا وليٍ نعمة العبيد، وأنا من أصنع التاريخ؛ فيا لحظك أن رافقتني يوماً وسأمنحك وقتاً ومتسعاً لتعرض لي خطتك وحيلتك التي إذا خاطبت العقل والمنطق سأكون أول الموافقين .
بدأ الحديث عن الظلم والاضطهاد والمطالبة بالحقوق يضرب بأجنحته كل زوايا مابير وأن هناك تحالفات جديدة ستغير القانون الخاضعة له هذه البقعة من الأرض، الأمر الذي جعل الصفوة من النمور تعقد إجتماعاً عاجلاً ليناقشوا الأحداث التي بدأت تسير سريعاً، لتتسابق مع عربة الزمن، ليحددوا موقفهم من كل التطورات لينتهي أي جدال قائم حول موقف النمور من كل المستجدات التي بدأت تنمو فوق سطح الأرض، وبدأ الحديث أكبرهم سناً ليقول بأنه يجب علينا أن نكون واضحين مع أنفسنا، ونحدد موقفنا بشفافية، وبدون أي غموض، بإتجاه أي حدث قد يحصل أو قد سيحصل وأعتقد بأن الجميع يدرك بأن النيران التي بدأت تشتعل تحت الركام لابد وأن تخرج فوق الأرض وبالتأكيد ستغير معالم مابير ولأننا جزءاً من هذا المكان علينا أن ندرس المعادلة من جديد، ليكون لنا نصيب في نتيجتها، واكتفى بهذا الحديث ليتحدث بعده أحد المتحمسين لفكرة السيطرة قائلاً: نحن قوة يجب أن يكون لها مكاناً في هذه الدنيا ويجب أن يكون لنا نصيب من الثروات التي تملأ مابير، وهذا من حقنا كوننا السلالة الأقرب للأسود من حيث الغريزة؛ فاعتلى صوت أحد النمور مقاطعاً هذا المتحمس قائلاً: لا يجب أن نبقى نراهن على قوة الأسود، فإذا ما حصل تحالف بين الفهود، والذئاب فهذا يعني بأن ميزان القوة لم يعد راجحاً لصالحهم، ويقول المنطق أن لا نذهب إلى الهاوية من أجل تحالفنا معهم بل أن الحكمة ومصلحة النمور تحكم علينا عقد تحالف مع الفهود حتى ولو كان بشكل سري غير معلن، وليس من الضروري أن تعلم به الأسود، وهنا قاطع الجميع قائد النمور سيزار الذي لم يرق له كل الحديث ليقول: أنه لمن الجنون أن نتحالف مع الفهود الذين هم أقل منا شأنا فنحن كنا ولا زلنا نقدم لهم المساعدة والدعم في حال أرادوا تغيير قائداً أو التمرد عليه، أو ندعم قائداً في قمع رعيته للحفاظ على حكمه، أما أن تذهب بهم أحلامهم وأوهامهم لحكم مابير فنحن أول المعارضين لذلك ولن نكون على الحياد بل سنحارب مع الأسود، وهذا هو موقفنا نعلنه بأعلى أصواتنا، ولن نتردد في الدفاع عنه مهما كلف الثمن وكان باهظاً وبهذه الكلمات أنهى المجتمعون اجتماعهم بالتصفيق لقائدهم في إشارة منهم لتأييده، وبهذا الموقف وهذا التأييد، فإن النمور لا تبحث عن الحق أو العدالة بل هي كلمات لا تعني لها شيئاً وأن اقتناعها بمنطق التفوق من حيث السلالة هو الوهم نفسه .
هي أيام قليلة استعاد بها الأسد العجوز فازال كل دهائه المتراكم بمرور السنين، وتقدم بخطى الواثق باتجاه عرين القائد كاليروا الذي انفرد به ليسمع مكر الحياة بلسان أقدم القتلة في غابة مابير عندما يقول وهو منحنياً أمام قائده بأن التاريخ لم يحدث أحداً بأن هناك تحالف مقدس أو أن هناك أشقاء لم تفرقهم الأيام، إذا تضاربت مصالحهم، وطالما هذا هو وجه الدنيا فنحن من سيقبلها لتبتسم لنا، وتفكك تحالفهم وتنمي للأخوة مصالحهم لتضاربها من بعد ذلك فتفرقهم ويصمت فازال ليستمع لقائده الذي يقول: من ظن أن الحرب قوة وأن القوة لا تجلب الهزيمة، وقع في شِباك فازال الذي جعلت منه الأيام حكيماً وجعل منه القتل محتالاً فهنيئاً لنا بك أيها العجوز فامضي وارسم في مابير أجمل صور الخداع .
طلب قائد النمور سيزار الاجتماع بقائد الأسود كاليروا في أسرع وقت لمناقشة أمور مابير، وليعلن له الولاء من جديد، والتقى الاثنان في مكان ما في مابير لم يعلن عنه أو يعلمه أحد، وتحدث قائد النمور قائلاً: نحن يا سيدي كما تعلم لا يمكن أن نقبل بأن تحكمنا الفهود وفقط نقبل بحكمكم أنتم، وإننا على عهدنا لكم ولن نتراجع عنه وأبلغكم باسمي وباسم كل النمور بأننا معكم في أي قرار ستتخذوه وسيوفنا ستسبقكم لحمايته، وهنا تبسم قائد الأسود كنوع من المجاملة في الحديث وقال: نحن نعلم بإخلاصكم لنا كما تعلمون، أنتم حجم قوتنا التي من خلالها نستطيع أن نصنع حكما وشأناً للأبقار، ونحرم بعد ذلك على أحد أكلها فنحن وحدنا من يستطيع أن يغير قانون الحياة التي تشير بوصلته دائماً بإتجاهنا أما ريكال الواهم الذي لا يعلم بأن أي تغيير يحتاج إلى قوة تفرضه وتحميه، ذهب به عقله الصغير بالسير تتبعه الفهود إلى الهاوية والهلاك، وأنهى حديثه بابتسامة تعمد من خلالها استعراض أنيابه للتذكير بالقوة الكامنة خلفها، وبهذه الإشارة انتهى اللقاء وترك قائد الأسود المكان عائداً لرعيته ليتفحص في أنيابها نتائج معركة البقاء وفرض الهيبة وإخضاع الخصوم لشروط القوة .
تفاجأ ريكال بالأسد العجوز فازال يرسل في طلبه في ركن في مابير بين الأشجار الكثيفة التي تمنع رؤية من يحتمي بها، وتشجع المجتمعين للتفكير بالخيانة وعند وصوله وقبل الحديث طرح سؤاله لفازال لماذا هذا المكان ؟
ابتسم فازال وقال: يا قائد الفهود لك التحية ولك السلام، ولك مني صدقاً وعهداً تكون شاهدة عليه الأيام، فأنا ما طلبتك إلا لأمر أعلم أنك أهلاً له وما اخترت هذا المكان إلا خوفاً على نفسي من بطش ظالم أضلته أنيابه فأصبح كالمياه التي تجرف الأرض، وتزعجها بحجة إنها تروي عطش الزهور والأشجار ولكن في حقيقتها هي تلبي رغباتها الكامنة في الانتقام من التراب، فيا ابن الفهود قد نال العمر مني وأرهقتني أوجاع الأيام، فلا ولداً يعينني ولا صديقاً يواسيني، فالقائد يمنع أحداً يحدثني، ومن قبل قتل ابني بشهوة القتل والانتقام وكثيراً هم أمثالي من الأسود، وقد علمت من شجاعتك وكرهك للظلم ما دفعني للحديث إليك فنحن ننتظر بلهفة الجائع لقطعة لحم، بأن نتخلص من هذا القائد المغرور كاليروا؛ والذي ظلم كل سكان مابير فماذا قلت في تحالفنا ؟ على أن يكون سراً لا يعلمه أحد، ونلتقي هنا ما بين الفينة والأخرى .
تبسم ريكال في سرٍ وقال: نحن اتفقنا وسيكون لك ما تريد وسنحفظ سرك وهذا وعدنا وبعد الحرب وبعد الكر والفر سنوليك قيادة الأسود في حفل الانتصار، فنحن حقاً عازمين على تغيير معالم الحياة وتحقيق العدل فلا استكبار لجبلٍ على وادي ولا سخرية لشجرة على نبتة تعارك الدنيا من أجل البقاء فمابير بعد الحرب ستغير وجه العالم، وانتهى لقاءهم بذهاب فازال متسللاً ليعود لعرين الأسود تاركاً ريكال سعيداً، بهذا التحالف الذي يثبت بأن الظلم والقهر لن يجتمع حوله الجميع فهناك من تُأنبهم ضمائرهم وهناك من تحركهم مشاعرهم ويا له من ريكال صادقٍ مسكين وقع في ثنايا دهاء وخطة فازال لتحيك خيوطها حول عنقه .
في عرين قائد الأسود الذي يفوح برائحة الدم، واللحوم المتعفنة من بقايا جثت الضحايا، وبنصيحة ومباركة فازال الذي لم يحضر أو يظهر في هذا المشهد. اجتمع قائد الأسود كاليروا بإخوة ريكال ليقول لهم بأنني أعلم بضيق الحال وقلة الصيد وأعلم بعدم تفكير ريكال بأحوال صغاركم لذلك قررت أن أمنحكم أنتم الأربعة ثلاثة أيام في الأسبوع تصطادوا، في نصف مابير الذي وهبتنا إياها الدنيا لأننا نقيم العدل ونطعم الجائع وسنكون سعداء نحن الأسود عندما لا نرى فهداً يعاقبه الجوع ولا نسمع بفهد مات يبحث عن الطعام ليسكت صراخ صغاره وسيبقى هذا الإتفاق قائماً طالما أنا بقيت حياً وقائداً لمابير، وفي نفس هذه اللحظات كان فازال يطلب من ماني الذي أبلغه بتحالف ريكال وميسول أن يبلغ الأخير بأن هناك تحالف ما بين الأسود والفهود، وريكال وفازال الذي ينوب عن قائد الأسود كاليروا هم من يشرفا على هذا التحالف الذي سيقضي بزيادة نصيب الفهود من الغابة على حساب بقية الحيوانات بينما يحتفظ الأسود، بنصف مابير والاجتماعات تتم في ذاك الركن المظلم من مابير الذي تحيطه الأشجار بأجنحتها وأن بعض بنود الاتفاق بدأت تجسد حقيقة على أرض الواقع حيث سمح للفهود الصيد في النصف الذهبي مع الأسود .
ماني ليثبت إخلاصه للأسود، الذي سيمنحه رضاهم حياة أفضل، ورزقاً أوفر ويحميه من بطش الباطشين، توجه مسرعاً لقائد الذئاب ليقول له: أني جئتك محباً ناصحاً غير طامعاً لا يدفعني إلا الشفقة والرحمة لما ستئول إليه أحوالكم، وتشردكم بين الصخور، فاسمعني يا ابن الكرام، وخذ حديثي بمحمل الجد فأنت تعلم كم صداقتي بريكال ولكنني لم أئتمنه يوماً على حياتي لهذا حرصت أن أتحدث معه دائماً من فوق شجرة لعلمي بمطامعه الكامنة وعشقه للقيادة، وإثبات الذات ورغم هذا لم أفشي له سراً ولم أحرض أحد عليه ولكن ما جعلني أعلمه اليوم، دفعني لتحذيرك فريكال وفازال يحيكا مؤامرة على سكان مابير تنتهي بزيادة نصيب الفهود من المساحة الممنوحة لهم بعد التخلص منكم، ولأن هذا التغيير يؤثر على وجودي؛ وجدت مصلحتي معكم ولتتأكد بنفسك اذهب إلى الركن المظلم بعد يومين ستراهم بعينك وسترى أيضاً في الأيام التالية الفهود تصطاد في النصف الموهوب للأسود وسأنتظرك بعدها لأنصحك ما تصنع وما تفعل وأني لك لناصح ومحب .
قائد الذئاب ميسول بعد يومين شاهد بعينيه ولم يحدثه أحد ريكال وفازال في ذاك المكان المظلم يتحدثان، وكأنهما صديقان منذ ولادتهما وشاهد أيضاً في الأيام التي تلت الفهود تصطاد مع الأسود يتقاسما لحوم الضحايا، فعلم أن ريكال يخدعه ويسير به في الطريق المؤدي إلى مشنقة الأسود العطشة للدماء، وتأكد بأن ماني هو الصديق الوحيد في مابير وبنصيحة ماني عقد قائد الذئاب اتفاقاً مع الأسد العجوز فازال يقضي بعدم التحريض على الأسود، وأن يقبل بزيادة نصيب الفهود في مابير مقابل عدم مهاجمة وطرد الذئاب من مابير، وطلب منه عدم الحديث مع ريكال حول الاتفاق خوفاً من احتجاج الأخير وإحراج فازال أمام قائد الأسود كاليروا فريكال يطلب رأس قائد الذئاب ولا يريد اتفاقه.
اعتقد قائد الذئاب ميسول بأن كلمات ريكال وما تلاها من أمور كانت تسير بترتيب وبمعرفة الأسود، وما جعله يفكر بذلك أنه وجد أغلب أحاديثه مع ريكال عند فازال وازداد اقتناعاً بذلك من خلال حديث ماني اليومي له وبهذا عليه من الآن فصاعداً أن يكون حذراً جداً من ريكال ولعل كلمات ريكال الأولى هي ما دفعته ليذهب إلى وكر الأسود طوعاً وخوفاً على حياته منهم؛ ليعقد مؤامرته، ولأن ميسول الوحيد الذي يعلم بذلك فيجب أن يكون الضحية، ويا له من ظناً أوقع صاحبه بالإثم ويا لها من حياة سخرت كل مكوناتها لخدمة القتلة وتقديم رؤوس الأحرار لهم .
ريكال قائد الفهود المتشوق للعدالة يسير في مابير سعيداً يعانق خياله تحالفه مع الذئاب، ويحلق في وجدانه اتفاق فازال بالتخلص من قائده فيرى ماني فيسعد أكثر لأنه يحتاج نصائحه الآن فيهتف يا صديقي ماني ألا تخبرني بما قالته لك الشمس لماذا كل هذا التخاصم مع القمر ؟ فيبتسم ماني ويقول: يا صديقي أخبرتني الحياة بأن كل إبتسامة يتلوها دموع، وكل صمت يخفي حزناً عميقاً، وكم أتمنى ألا تحمل في قلبك جرحاً كبيراً؛ فقد يأخذك طموحك للحق إلى الضياع في صحراء الأفاعي، لتلدغك السنين وكعادته ريكال تبسم لصديقه، وقال: إن كان نصراً فلم يعد هناك مكاناً للدموع وإن كان غير ذلك فصبرٌ جميل .
| الفصل الرابع الخطيئة ومشانق الحرية |
الرياح الهائجة تحرك أشجار غابة مابير يميناً وشمالاً، ليس إبتهاجاً بحيلة فازال، وربما ليس حزناً على ريكال، ولكن المؤكد أنها ستكون شاهدة على حدث جليل تتغلب فيه المصلحة على كل معاني الأخوة وفصيلة الدم الواحدة؛ فبحضور فازال وأخوة ريكال الأربعة قال لهم قائد الأسود كاليروا: قد سمعت اليوم طبول حروبكم وكم أنا متشوق لمثل هذه الحرب التي لا هزيمة فيها، ولكن عطفي الذي دائماً يسبق سيوفي أعرضه لمرة واحدة فمن اغتنمه وعمل بوصيته كتبت له حياة كريمة لا ذل بعدها، والأذكياء دائماً يبحثوا عن ما يكون فيه نفعاً لهم ولأبنائهم، وعلمتنا الحياة بأن لا نهاجم ثوراً؛ فنتركه يمر بسلام من أجل أن لا يكون ثمن الهجوم هروب القطيع فقائدكم وشقيقكم ريكال تمرد علينا، ويحلم بإسقاط حكمنا الراسخ في الأرض كالجبل التي تنافقه العواصف، وتتراقص أمامه الرياح، فلا الماء ينال منه ولا حتى تكوم الثليج فهل نحن على موعد مع الحرب؟ أم أن لكم رأي لم نسمعه؟ وترك الحديث لفازال الذي قال: يجب أن تعلموا أن الجميع تحالف معنا وأبرز المتحالفين هم النمور والذئاب لأنهم مقتنعين بالمنطق التي تحتكم إليه هذه الدنيا وتفرضه عليهم، ولذلك يجب أن تختاروا الآن بين الكرم الممنوح لكم من كاليروا، وبين المصير المجهول الذي يدفعكم إليه أخيكم ريكال .
وقف أخ ريكال الأصغر منه مباشرةً بايار أمام كاليروا وقال بلغة العبيد: يا سيدي ويا مولاي؛ ما سمعناه منكم لم يحدثنا به أخانا، وإن حصل هذا فسيكون لنا رأي سديد؛ فنحن معكم نعيش في أمنٍ وهناء،ً وبعد منحكم لنا الثلاثة أيام التي نطمع في رابع لها؛ أصبح الرزق وفير فمن الجنون أن نستبدل خيراً بحزناً وعويل، ونترك حياة الرفاه والصيد، ونلتهي بدفن قريباً وشقيق، وريكال لن يخالفنا هذا الرأي الحكيم وإلا عزلناه القيادة وولينا آخر رشيد، فثق بقدراتنا يا سيدي واليوم سينتهي كل الطيش، والأمر المريب وإن كان ريكال قائداً، فنحن كبار القوم لا يخالفنا إلا عنيد .
عاد ريكال من رحلة صيد لم يفلح بها، أو يحالفه الحظ إلا باصطياد غزالاً صغيراً فوجد القوم تنتظره بعدما قام إخوته بتحريضهم عليه، وإقناعهم بإبعاده عن الحكم لتجنب حرباً الهزيمة عنوانها والموت نهايتها، وطلبوا منه إبلاغهم بذلك الأمر الرهيب الذي أثار غضب الأسود فطلبتهم للنزال فقال لهم والدهشة تملأه من رأسه حتى قدميه: ماذا بكم يا معشر الفهود؟ ألم تعودوا مقاتلين؟ أم أغوتكم الحياة والصيد الكثير؟ فهناك ملايين الحيوانات تعذب بسبب هذا النظام المقيت؛ فالحياة لا تكون حياة إلا بالعدل والتساوي، ومن أجل هذا يقدم الغالي والنفيس ولم يكمل ريكال حديثه بسبب مقاطعة أخاه بايار له قائلاً: يا ريكال نحن ننعم بحياة في حكم الأسود لم نحصل على نصفها، لو حكمنا الكون فكن رشيداً، وإلا عزلناك عن القيادة وطردناك من مابير، فإن خالفتنا الرأي فلن تكون بعد اليوم عزيزاً، وعليك أن تعلم بأن كل من حولك هم في تحالفات مع الأسود، حتى صديقك ميسول .
تقدم ريكال نحو أخيه وقال: لن أتراجع عن تغيير قواعد الحكم وتوزيع الرزق في مابير فإذا كنت لا تريد الحرب فالقوم معي، وسيكون النفير فهللت الفهود كلها لإخوة ريكال بإشارة الولاء والتأييد وأحاطته أربعة فهود تحذره من الحديث وإلا قتلته، ومزقته ليكون عبرة لكل من يخرج عن القطيع وقال أحدهم: يا ريكال لم تعد قائداً وبايار هو الآن القائد المطاع، وتراه يأمرنا بإبعادك عن مابير؛ فإما أن تخرج بكرامة أو نخرجك بقوة الأقوياء لإذلالك ولتكن رواية الأجيال لسكان مابير.
اختار ريكال الكرامة فهو الباحث عنها والساعي للحق، ونظر إليهم وكأنه الوداع وقال والدموع بدأت في عينيه :
يا ابن أمي صدمتني وصعقتني، وصنعت لي جرحاً لن تداويه الأيام، وحفرت في قلبي حزناً سيعيش معي ما حييت فوق هذه الأرض .
يا ابن أمي عندما تدور عليك الأيام وتعلم أني كنت على حق فتذكرني، واقصص روايتي على الأجيال .
يا ابن أمي إن وجدت لحمي ممزقاً لا تحزن لأنك الآن أنت من يهددني بالقتل .
يا ابن أمي لم اقترف ذنباً سوى أنني رفضت حياة الظلم، وأردت لكم ولبقية الحيوانات عدلاً وحياة لا خوف فيها من الجوع .
يا ابن أمي لن أودعك وأنت لن تنتظرني .
رحل ريكال يحمل هموم العالم في جسد يرهقه الحزن وزادته الآلام ألما عندما إلتقى بالأسد العجوز فازال، الذي أخبره بأنني لم أخون قائدي، ولن أكون في يوماً كذلك فإذا كانت الخيانة من طباع الفهود فاعلم أن الأسود أسود، وهذا سر بقائنا وقيادتنا فنموت جميعاً ولن نقبل بأن يحكمنا فهد، وقد نشنق أنفسنا ولن نتخلى عن قائد فارحل أيها الحالم فلا حياة في مابير للحالمين، وودع صديقك ماني الذي كان يخبرنا بكل أحاديثك مع ميسول الذي شاهدني أنا وأنت في ذاك المكان المظلم ليعتقد بأنك تتحالف عليه؛ فأسرع بالرحيل فكل شيئاً هنا سئم منك ورحل ريكال وعقله متوقف عن التفكير، فلم يبقى له هنا شيء لا أخ ولا صديق ولا حتى متعاطف، فكان كلام فازال منطقياً عندما طلب منه أن يسرع في الرحيل .
رحل ريكال وأحلامه تتحطم أمامه بل تذوب بسرعة الثلج تحت الشمس متجهاً بإتجاه الغرب مسلوب الكرامة والحياة من أخوة وقومٍ عاش لهم كل حياته .
رحل ريكال دون أن يودعه أحد أو يبكي على فراقه عزيز .
رحل ريكال وكان في رحيله إنكسار لكل مقومات الوجود .
علم ميسول قائد الذئاب برحيل ريكال مطروداً مهزوماً، فأرسل خمسة ذئاب لتقتله عندما يبتعد عن مابير ليكون عبرة لكل من يحاول خداع الذئاب والطمع في الأرض الممنوحة لها وتكون نهاية طبيعية لكل خائن، وعندما علم أحد الفهود بذلك أبلغ أحد أخوة ريكال بأن ميسول أرسل من يقتل أخيهم وإنهاء حياته خارج مابير فلم يعلق أحدهم بكلمة وكأن الحديث عن مجهول لا علاقة لهم به، بل بايار واصل حديثه وكأنه لم يسمع شيئاً .
غادر ريكال مابير بإتجاه الغرب غير مكترثاً بالوطن البديل وأين سينتهي به المطاف؟ فهو التارك للوطن التائه في قطار الغرباء، لم يعد يعنيه كثيراً أين ستسير به خطاه؟ وأي أرضاً ستدوسها أقدامه؟ فبعد إنكساره لم يعد شيئاً يمثل له أي شيء فكل الأشياء متساوية حتى أسماءها التي تفرق بينها ما هي إلا وهماً وكذباً. فالجلاد والضحية يسيرون في دائرة واحدة هدفها صناعة الموت، ليكون الجلاد قاتلاً والضحية بالتأكيد هي القتيل وطالما أن الجميع يعرف العدالة بنفس التعريف مع إختلاف المصطلحات فإن ريكال عليه الرحيل والسير بإتجاه الجبال التي من الممكن إقناعها بالثورة لمحاربة وهزيمة الأرض التي تفتخر بتجوال وسير القتلة فوق رمالها التي أعدت من أجل دفن القتلى والأموات من ضحايا الجوع ومعادلة الدنيا .
بعد الإبتعاد عن مابير بمسافة لا تحجب عن العين الرؤية توقف ريكال ونظر إلى مابير ليودعها الوداع الأخير فخاطبها قائلاً: أنتِ وطن أم أنتِ الحياة، يا من تتصارع حولها الفصول، ويا من تجتمع بين أجنحتها التناقضات؛ فأنتِ الابتسامة وأنتِ الدموع، وأنتِ الحزن وأنتِ الأفراح فسلامي لكِ ولأشجارك وأنهارك وأحجارك، فأخبريني من تكوني يا من فرضوا عليكِ الزواج بالقتلة، فلا تدمعي لأنكِ ستذكريني كلما سقط على الأرض ضحية، وحينها ستتأكدي بأنه لن يدوم زواج القتلة بأرضاً تعشق الحرية. فوداعاً مابير فأنا ذاهب كي أعود لكِ ومعي ثوب الكرامة، وراحلاً كي أعود ومعي رايات النصر لأهديكِ أجمل كلمات العدالة ورحل ريكال مستذكراً مابير بأشجارها وأعشابها وصخورها وحبها وظلمها وعشقها وأيامها التي حملت فرحاً وحزناً وويلات وابتسامات يسير وينشد أغنية الفهود التي كان ينشدها مع إخوته ومع القطيع في خلوته وعلانيته، ومع كل كلمة تسقط دمعة تودع أجمل لحظات حياته في مابير منشداً بصوتاًً مرتفع :
نحن الفهود يا مابير ...
نحن الفهود الطيبين ...
نحكي حكاية هالوطن ...
نحكي حكايا الجائعين ...
نرسم على وجه الزمن ...
معالم أحلام السنين ...
نحن الفهود يا مابير ...
| الفصل الخامس الحقيقة الزائفة وطرقات السراب |
بعد طرد ريكال بعدة أيام وتحييد الذئاب إلى فترة قصيرة على الأقل إجتمع فازال بقائده لإستكمال الحيلة وخطة السيطرة على مابير بدون منازع وإلى الأبد؛ فاقترح أن يتم تحالفاً حقيقياً مع النمور تمنح الأخيرة من خلاله بعض الإمتيازات، لأنها الأقرب إلى الأسود من حيث السلالة والغريزة، ولن تفكر بخيانة طالما تم المحافظة على معادلة القوة والعدد لصالح الأسود بشكل دائم، وسيصنع هذا التحالف خوفاً ورعباً لكل الحيوانات في مابير يعلن عنه في الوقت المناسب يجعلهم لا يفكروا إلا بطاعة الأسود وتمجيدهم، والمدح بمكارم أخلاقهم كما يجب إنهاء كابوس الفهود وطردهم في النهاية من مابير من خلال إشغالهم بمعارك جانبية تستنفذ قواهم وترهقهم إلى أن يحين الوقت لحسم المعركة طالما أن أحدهم فكر وعمل لإشهار سيفه في وجه الأسود .
أثناء سير ريكال بإتجاه الغرب وبعد قطع مسافة طويلة دامت لأيام وصل لمكان تتعانق به الأشجار وتغطي أغصانها الأرض بكثافة لتخفي كل معالمها لتثبت بأنها هي سيدة هذا المكان، وهي وحدها من تسيطر عليه فلم يتردد؛ أو يتوقف للبحث عن طريقاً أخرى بل واصل مسيره بإتجاه المجهول وسار بين الأغصان يشق طريقه بحذر وبهدوء خوفاً من أي مفاجأة تخفيها له هذه الأشجار وما أن إقترب من الخروج من هذه البقعة المعتمة حيث بدأت الأشجار تتباعد في التعانق والنور يحتل جزءاً بسيطاً من الأرض بدأ يسمع صوتاً وكأنه مطاردة، فتوقف ليشاهد ما يدور حوله، واختبأ بين أوراق الأشجار وعيناه تتفحص الأماكن التي تصدر منها الأصوات ليرى فهداً عجوزاً يطارد أرنباً ويعجز عن اصطياده؛ فيختبئ قليلاً ليطارد آخر. وقرر ريكال أن يصطاد هو للعجوز ليرتاح من هذا الإزعاج وليسأله عن تضاريس وسكان هذه المنطقة وما هي أقرب الغابات؟ وفي آخر مطاردة للعجوز الذي لم يستطع اللحاق بضحيته لكبر سنه ليكون مشهداً من مشاهد الحفاظ على الحياة انتهى بقفزة من ريكال ليحسم الأمر للأنياب، ويصطاد ذاك الأرنب ليقدمه للعجوز قائلاً: رغم قناعتي بأن الخيانة من سمات الفهود نمارسها كما كل أجدادنا من قبلنا، وإدراكي بأن الجينات التي نتوارثها كلها تدور في دائرة الغدر، لم يمنعني ذلك من تقديم المساعدة من باب الشفقة على قاتل أرهقته الدماء، فأصبح لا يستطيع إشباع شهوته ورغباته للقتل وسفك الدماء؛ فعندما عجز عن ملاحقة الأبقار جاء يستعرض قوته على أرنب مسكين ليثبت لذاته بأنه لا زال حياً يستطيع الحصول على طعامه بنفسه وبهذه الكلمات الحادة كان اللقاء الأول والغير متوقع له بعد خروجه من مابير مع هذا الفهد العجوز الذي يدعى سوفان والذي جاء بمحض الصدفة ودون تخطيط .
سوفان الحائر أمام حديث ريكال المتأمل في تلك العيون الجريئة والذي يدرك بأنها تخفي خلفها حكاية كاملة متكاملة من الألف إلى الياء لجيل بأكمله سكن هذه الأرض يقول: يا بني أنا فهد ولم أكن في يوماً خائناً وأنا فهد ولن أقبل الشفقة أو العطف من أحد فأعتصر جوعي وأعض على ألمي ولن أتسول من أحد فأنا الليل يعرفني والنهار يدركني والشمس ترسم أجمل أشكالها على جسدي والقمر بنوره يتأملني، فلا تخطئ الظن واترك غرورك حتى لا تكون ضحيته فأنا العجوز الكهل العاجز في نظرك تعلمت من الموت كيف أحافظ على الحياة، وتعلمت من القتل كيف تكون هي طريق النجاة، فابتعد عن طريقي ما كان لك أن تحدثني بلغة التهكم والإساءة، وحينها علم ريكال بأن لا ذنب لهذا العجوز لكي يكب عليه كيل غضبه، فتراجع عن كلماته قائلاً: لعلي أخطأت وليس من العيب الخطأ، ولكن عليك أن تعذرني فبداخلي ثورة من الغضب وأخبرني يا من أسأت به الظن إن كنت تعلم أي الطرق تؤدي إلى أقرب الغابات، وهنا تبسم العجوز قائلاً: يا بني أنا سوفان العجوز الذي بإمكانك أن تعتمد عليه، وتحدث الإثنان وقررا التوجه إلى ميرال، وسارا معاً بخطواتِ الواثقين في رحلةِ سفرٍ تجمع كبير الفهود عُمراً وتقدماً في السن وقائد الفهودِ الشاب الذي يدعو إلى إقامة عدالة الله في الأرض .
تحدث قائد الأسود كاليروا إلى أخوة ريكال في لقاء جمعه بهم قائلاً: كم أحزنني تمرد أخاكم عليكم، وعدم رغبته بالعيش بسلام ولم أكن أتمنى له يوماً مثل هذه النهاية المحزنة التي دفعته بإتجاهها أطماعه، وتفكيره المحدود، ولأنكم من خلال تصرفكم الحكيم بإتجاهه وطرده أثبتم بأنكم الأقرب لنا في هذه الغابة؛ فأصبحت على يقين بأنه لا يوجد من هو أفضل منكم كي نتحالف معه، ولأمنحكم الثقة عند قومكم سيكون من الآن فصاعداً دخول الفهود إلى النصف الذهبي بدون إذن تصريح الدخول، وسنعلن في الوقت المناسب بأنكم أنتم فقط حلفائنا إلا أنني أواجه مشكلة صغيرة في هذا الشأن وهي أن رأي كبار الأسود يتجه بأن يكون التحالف مع النمور، وحتى ٍأنهي هذا الجدال واقنع الجميع برأيي فإن عليكم مساعدتي بإرسال نصف قطيعكم إلى جبال الساما لتجلبوا صيداً يقدم هدية ومباركة لتحالفنا معكم، وبهذا نكون قد قطعنا أمام الجميع فكرة التحالف مع النمور وتبقوا أنتم حلفائنا وما دونكم هم الرعية لأنكم تعلمون ما هي قيمة ثيران الساما عند الأسود .
فرح الفهود بعرض قائد الأسود كاليروا لأنهم من خلاله سيثبتوا حسن ولائهم وطاعتهم وسيحصلوا على المزيد من المزايا في مابير، ولن يكون لأحد مكانة تضاهي مكانتهم عنده، وعادوا على عجلاً ليجهزوا لرحلة الصيد والهدايا ويختاروا أفضل المقاتلين لديهم ومن هم خبراء في مطاردة الثيران الهائجة مع أنهم لم يسمعوا من قبل بأن هناك شيئاً أسمه ثيران الساما، ولكنهم قرروا بأن يغتنموا هذه الفرصة ويتعرفوا على هذا النوع من الثيران هناك بين الجبال عندما يقع متخبطاً في دمائه بفعل ضربات أيديهم .
والشمس تستقر في منتصف السماء لتشاهد الأرض وما يدور عليها يلحق الذئاب بريكال فيجدوه وفهداً عجوزاً قد لا يقوى على القتال يتجهوا إلى ميرال فيقرروا تأجيل القتل لحلول الظلام، فهنيئاً للشمس التي لن تشهد سفك دماء العدالة على الصخور الجاحدة ويا لسوء حظ القمر، ولكن ريكال المقاتل العنيد والتي صنعت منه الحياة مدرسة لفن القتال شعر بتتبع الذئاب له، فأخبر العجوز الذي فاجأه بأن عددهم لا يتجاوز الخمسة وبإمكاننا مواجهتهم ولكن يجب علينا أن نسرع بخطانا لنكون الأقرب إلى ميرال فقد يخيفهم هذا وهنا اتضح لريكال حنكة العجوز التي تفوق دائماً على إندفاع الشباب، وقد يكون هذا ما جعله يخسر معركته في مابير، وبهذه الفكرة والحيلة بدأ الإثنان يسرعان في خطاهم ليحل الظلام عليهم بالقرب من ميرال تلاحقهم عيون ذئاب تمرست في القتل، وامتهنت تمزيق الجثث، وما هي إلا ساعات حتى أصبح الجميع على مشارف ميرال والظلام يدق لهم طبول الموت ويوفر لهم ستاراً للقتل، وبدأ المشهد عندما أحاطت الذئاب بريكال وصديقه العجوز وقال أحدهم: أيها العجوز اذهب فنحن لنا ثأراً مع ريكال، فتبسم العجوز قائلاً: ما تركت يوماً صديقاً، وما غدرت يوماً ببحر، وليس أنا بمن أضاع الصحراء وسأقاتلكم؛ فإما حياة الوفاء للفهود وأما موت الأعزاء الأكرمين فأنا بن ميرال والوحوش تعرفني، وأنا الكريم بن الأكرمين والأنذال ترهبني، وفجأة على صوت وصراخ العجوز إخترقت المشهد عشرات الفهود كانت خارجة للصيد والبحث لما يسد رمق جوعها وقال أحدهم: أيها الذئاب إن صوت كبيرنا أثار بنا إنتمائنا وولائنا لمعشر الفهود واستفز مشاعرنا وأحاسيسنا، ولذلك سنترك منكم واحداً يروي لكل الدنيا كيف مزقت الفهود من تجرأ على إهانة فهداً كبيراً وهنا صرخ ريكال قائلاً: نحن أيها الفهود لسنا ممن يستعرض قوته ويستخدمها عندما يكون الخصم مستسلم وضعيف ورسالتنا للعالم لن تكون بالتمزيق والقتل، ولن نكتب حروفها بالدماء وما هذه الذئاب إلا جنوداً أرادوا أن ينفذوا قرار قائدهم معتقدين بأنهم يدافعوا عن شرف وكرامة أمة. في الحقيقة لا شرف ولا كرامة لها ولأنهم أرادوا قتلي فإنني أسامحهم ليس لأنني ضعيفاً مطروداً تخلى عنه الجميع؛ بل لأنني أردت لهم حياة الكرامة، ولأنني دافعت وما زلت أدافع عن حقوقهم في وجه القتلة وسأرغمهم في يوماً على ذلك، لأنه لولا قبولهم بحياة العبيد ما استكبر عليهم الظلمة وبهذه الكلمات هدأت الفهود وهدأت الدنيا ونظر سوفان بإفتخار لهذا الشاب الذي قد يغير مسار التاريخ بعشقه للحرية وتسخير نفسه وحياته من أجلها، فها هو يترك من أرادوا قتله طلقاء أحرار عسى أن يكونوا يوماً سائرين في مواكب الثوار لإسترداد الحقوق .
تجهز مقاتلين الساما من الفهود في مابير، لينطلقوا بعد ذلك بإتجاه الجبال الموحشة الذي قال لهم قائد الأسود كاليروا بأن بها ثيران لحومها تمنح القوة للضعفاء، وتعيد البصر لمن لا يرى وفيها شفاء للمرضى ومع كل هذه المزايا لم يكن هذا هو هدف المقاتلين بل ما كان يشجعهم ويزيد حماسهم هو إرضاء كاليروا ليثبت لرعيته بأنه لا حليف إلا الفهود .
الوصول إلى جبال الساما يحتاج إلى ثلاثة أيام ونصف اليوم إذا لم تواجه المسافر أي مفاجآت، ومقاتلين الساما من مابير يعلمون أنهم يحتاجوا إلى راحة قبل دخول تلك الجبال ليستعيدوا قوتهم وطاقتهم قبل المطاردة والصيد بين تلك الأشجار التي ترسم على جبال الساما عنوان التحدي والصمود لكل المعتدين، وتخفي تحتها أسرار قوة هذه الجبال، وعلى المستكشف أن يتحمل نتائج البحث عن ذهب الفضة بين صخور الصمت التي قد تنفجر في وجه المهاجمين بقفز أحد أشباحها ليدافع عن شرف وكرامة الأرض .
عندما وصل سوفان وريكال إلى ميرال توقف العجوز وقال: يا بني ها نحن الآن قد وصلنا ولا نعلم ما تخبئه لنا الأيام، فهي الأيام برائحة الربيع، وهي الأيام برائحة الشتاء، ولكنها لن تكون هي الأيام برائحة الإثنين معاً إلا في خيال الواهمين والحالمين تحت الشمس أحلام اليقظة فعليك التأقلم والتعايش مع الواقع، وهيا بنا لنرتاح قليلاً لتحدثني بعدها عن كل حكايتك. وحينها استذكر ريكال مقطع من أغنية الفهود نحكي حكاية هالوطن، وتبسم للأغنية ولسوفان، وهز برأسه وسار خلفه ليدخل معه معقل الفهود في ميرال، وحينها فقط أدرك بأنه أصبح بعيداً عن الوطن ويعيش في المنفى؛ فلم يتمالك نفسه فدمعت عيناه، فسأله سوفان ما بك يا بني؟ ولماذا تبكي الآن؟ فرد عليه قائلاً وكأنه يرثى نفسه لنفسه: مابير تودعني وميرال تعاتبني والحياة تحدثني بأن الوطن لا وطن وأمة الفهود ضاعت بين ألف خوفها وياء أطماعها، وتناثرت حروفها بين أنياب القتلة ليصنعوا منها أمة من العبيد تجلد في اليوم ألف مرة .
في ذاك السهل المقابل لجبال الساما وصل المقاتلين من الفهود مع بداية دخول الظلام، وقرروا أن يقضوا في ربوعه ليلتهم على أن ينطلقوا إلى الجبال مع أول إطلالة فجر فلم يكترثوا للبعوض المزعج، ولم يفكروا إلا بالنوم للتخلص من أتعاب ومشقة السفر فهم خيرة جنود الأرض أُرسلوا لجلب أفضل اللحوم، وأطيبها وأكثرها بركة وإن لم تكن هذه هي الحقيقة فعلى الأقل هم يعتقدون ذلك فشرف طلب قائد الأسود منهم الصيد في الساما يمنحهم هذا الشعور وتحديداً إخوة ريكال الذي قال أصغرهم سومال خاطباً في الفهود بعد أن أفاقت باكراً تتسابق مع خيوط الضوء الذي يرسلها النهار لإستكشاف إنهزام وزوال الليل: أيها الفهود قد تركتم مابير حيث هناك الأهل والأحبة وهناك الطعام والراحة، وجئتم هنا من أجل القتال مع ثيران قد تكون صنعت منها الجبال والوحدة وحوشاً، ولكنكم بهذا الإختيار تصنعون المجد والعزة وتحافظوا على أكبر تحالف منحته الحياة للفهود وبإنتهاء هذه الكلمات إنطلق الفاتحين ليتسابقوا مع الشمس في الوصول للساما .
بعدما إستراح سوفان وريكال في معقل الفهود بميرال تحدث الأخير للفهد العجوز كل ما حصل معه إلى أن إلتقى به في لقاء جمع بين الماضي بحكمته المتجانسة بحياة الذل، والحاضر وتمرده وصراخه في وجه الجلادين والقتلة، وحينها تنهد الفهد العجوز وقال له من باب النصيحة _كي يستطيع العيش بأمان في ميرال_ يا بني: لا تجعل أحلامك أكبر من مساحة الأرض؛ فلا تجد مكاناً يتسع لها، ولا تجعلها تخرج عن المنطق وتسبح في غيوم الخيال لأنها لن تبحر بك إلا في بحر الموت الذي يرسل ملايين الأمواج الملطخة بالدماء في حربه الغير متوقفة مع الشواطئ التي تحلم بليل هادئ لن تناله طالما هذا البحر يتحدى صمودها ويسعى لقهرها، وهنا تبسم ريكال وقال: أنا لم أكن يوماً حالماً، ولن أسعى لذلك لأن الحالمين فقط هم الضعفاء أما الأقوياء فيصنعون الحقائق على الأرض ويفرضوها على كل الدنيا أمراً واقعاً لا هروب منه. فانظر إلى هذه الأعشاب التي بدأت تذبل لإنتهاء الصيف والتي لن تعود إلا العام المقبل مع صيفاً جديداً هي في الواقع لا تحلم بأن يصادقها الشتاء ليقنع برده وأمطاره بنموها وعدم إشهار السيوف عليها بل تختفي طالما كل العوامل ليس في صالحها، فتعود بعد عام بقوة تغزو كل الأرض، وترسم عليها أجمل صورها لتثبت بأنها الحقيقة والواقع الذي يجب أن يخضع له الجميع، وهذه هي لغة الأقوياء التي تصغي لها الدنيا وصدقني بأن الموت هو الواقع الحقيقي في حياتنا لأننا من أجل الهروب منه نقع أسرى للعبودية، وهذا الواقع هو نفسه الذي يهددنا به الظلمة ويحافظون على حكمهم من خلاله لأننا نبحث عن طرق النجاة من هذا الواقع فنصبح أذلاء له؛ بينما تلك الأعشاب لأنها قررت مواجهته لتموت على ألا تستسلم له وتخضع لشروط شتاءه لترسل أبنائها في العام المقبل يفرضون معادلتهم على كل الكون .
خرج ريكال ليتجول في ميرال لأول مرة برفقة الفهد كيمون، ليعرفه على تفاصيلها وخفاياها، إلا أنه وجد القانون الخاضعة له لا يختلف كثيراً عن قانون مابير وقال حينها لكيمون: إنني أفكر دائما في هذه الحياة فلم أجد إلا ظلماً يملأ الكون؛ فذاك الذي وحده يمتلك مكاناً تعتاش من خلفه قطعان لسنوات ولا يكترث لصراخهم أو موتهم أمام أحبابهم يصارعون الجوع الذي تسلط عليهم لا لشيء ولكن لأنهم هم مما جعلني أتساءل عن حال هذه الأشجار التي أقامت لنفسها جداراً حولها ليحميها من أشعة الشمس وماء الشتاء كيف لها تقف صامتة مستسلمة لحشرة صغيرة تنخر في جذارها فتخترقه وتعبث بمحتوياتها؟ فهل هدوء الشجرة واستسلامها يحفز الحشرة ويجعلها تستمر في النخر بها حتى تقتلها وتطرحها أرضاً؟ أم أن الحياة هي من تريد ذلك لتكمل حلقات دورانها. ولم أعد أعي أيضا كيف للحيوانات تقبل بأن يبقى الجوع ينخر بها حتى تسقط أرضاً تعانق الموت .
عادت الذئاب لتبلغ قائدها بكل ما حدث معها، وبكلمات ريكال التي لولاها لكانوا قتلى الأمر الذي جعل ميسول يصمت صمت الحائرين، ليشعر بعدها بضيق يكاد يوقف أنفاسه فيترك القوم ويخرج لا يعلم إلى أين فكل ما يحتاجه في هذه اللحظات هو أن يتوحد مع نفسه ليعيد كل حساباته من جديد، ويُقيم الأحداث مرة أخرى، فسار تُوجهه أقدامه مثقلة بذاكرته التي بدأت تستعيد أجمل اللحظات التي جمعته مع ريكال حلم بها بالإنتصار على الجوع، وحينها أدرك بأن ريكال كان صادقاً في كل أحاديثه لأنه جسدها حقيقة على الأرض عندما ترك الذئاب تعود حية مع أنه كان بإمكانه قتلها وتمزيقها .
منذ أن وصل ريكال إلى ميرال وهو يدرك بأنها ليس الوطن، وما هي إلا محطة في قطار الحياة الذي يسير بكل ثقله على جثث الجائعين والمشردين، ولذلك عليه أن يحاول التأقلم مع الحياة وقانونها الذي يحتاج ثورة لتسحقه وتلقي به في غياهب التاريخ، ولهذا ها هو يسير في ميرال أمام ذاك المشهد الرائع من الزهور والتي تتراقص مع النسمات الهادئة على صوت موسيقى الطيور التي تنشد للعدالة غير مكترثة بزئير الأسود والذي برغم كل قوته ورعبه لن يستطيع أن يفسد عرساً للحرية، وأمام هذه المشاهد وبعد طوال تفكير أضحى مقتنعاً بأن الثورة فكرة والثوار يملأون الأرض ويحتاجون إلى من ينشد لهم كل يوم مع الشمس أناشيد الكرامة والفداء لينطلقوا من كل فجٍ عميق يصرخون في وجه الظلم ويحطمون كل الأوثان، واقتنع أكثر بأن ميرال شأنها شأن أي مكان آخر في العالم محطة من مئات المحطات التي يجب الإنطلاق منها إلى مابير عروس الشرق وكبرياء الغرب ليقيموا بها عدالة الله على الأرض، وليرحل عنها كل الطغاة والمستكبرين؛ فهي أرض السلام وأرض المحبة وعلى الثوار أن يشدوا إليها الرحال .
ساعات طويلة مرت بعد وصول الفهود لجبال الساما وساعات طويلة من البحث والتنقيب في كل ركن قد يشتبه به، ولكن النتيجة لم يشاهد ثوراً أو حتى ما يدل على آثر لثور أو ابن ثور، وبعد هذا الجهد المضني لم يتبقَ أمامهم إلا نيل قسطاً من الراحة؛ فاستلقى بعضاً منهم تحت شجرة وآخرون بجوار صخرة، وهنا كانت المأساة والإستراحة الأخيرة لبعض الفهود عندما هاجمتهم الأفاعي من ذات اليمين وذات الشمال فكانت تخرج من تحت الصخور وكأنها جيشاً منظماً تدرب على هذه الحرب منذ زمن طويل ليحمي هذه القلاع ويحرس بواباتها، وأمام هذه المباغثة تراجعت الفهود في انسحاب تكتيكي للحفاظ على ما تبقى من مقاتلين ولأن حنكة مدرسة الفهود العسكرية تقول لا تقاتل عدواً مجهولاً بل إنسحب وحدد مكانه ومن ثم هاجمه .
كان هجوم موفق للأفاعي وخسارة كبيرة للفهود ويا لها من دورة للحياة تتأرجح كما أغصان الأشجار في وسط العواصف، فالفهود صاحبة الأنياب المنتصرة دائماً ها هي تنهزم أمام زواحف تقضي حياتها مختبئة تحت الصخور، وها هي تهرب تاركة خلفها عدداً كبيراً من القتلى لكنها ستهاجم ثانية انتقاماً للموتى كما يقول أخ ريكال الصغير صائحاً: لن نترك ثاراً، ولن نهادن على دماء عزيز، ولن نقبل إلا بتمزيق لحوم القتلة .
في اليوم التالي من ملحمة الصراع على الحياة كانت جبال الساما تشهد إقتحاماً من بوابتين لفهوداً قررت الانتقام، وقد بان تشوقها للثأر من أصواتها المنسجمة مع حركاتها التي لا تشبه إلا نهراً هائجاً غاضباً قرر إغراق السهول إلا أن العدو هذه المرة ليس تقليدياً، ولا يظهر إلا في آخر لحظة من القتل، ومن ثم يعود للإختفاء وهذا ما يقلق الفهود الحذرة من أي مفاجأة قد تكبدها خسارة لا يحمد عقباها، ولهذا بدأ جدال قد لا ينتهي إلا في مابير ولا يحسم أمره إلا في حضرة بايار فأحد الفهود الغاضبة يقول: جئنا هنا من أجل صيد الثيران فوجدنا أنفسنا نطارد أفاعي لا نعلم عنها شيئاً، وقد لا نشاهد أحداهن إلا في لحظة الموت عندما تفرغ سمومها في أجسادنا لتنهي حياتنا، وها هو يومنا الثاني يشرف على الإنتهاء دون أن نشاهد أو نسمع ثوراً وعلى القائد أن يأخذ القرار الصواب الذي يضمن الحفاظ على ما تبقى من مقاتلين .
يقف أخ ريكال سومال أمام حديث الفهد الغاضب حائراً فهو بين نار العودة بدون الهدايا وهذا ما قد يغضب أخاه بايار وقائد الأسود كاليروا وبين نار البقاء والإنتحار في جبال الساما، فيهلل بالفهود قائلاً: أنا قائدكم ولا أعلم إن كنت أكثركم حكمة، وأنا أصغركم ولا أدري إن كنت أكثركم قوة، وحقاً لم أشاهد في هذا المكان لا ثوراً ولا بقرة بل شاهدت الموت يخرج من تحت الصخور ليلعن هذا المكان الذي هو ملكاً للأفاعي، والتي ستدافع عنه وسنكون نحن الضحية لأنها ليس مقاتلاً يبارزك من الأمام بل شبحاً يحمل سكين يطعن من الخلف ويختفي في أقل من لمح البصر، وحتى لا يلومني لائم في إتخاذ القرار السليم حجته صغر سني قررت العودة إلى مابير مكتفياً بعدد القتلى معلناً الآن الانسحاب .
| الفصل السادس ضربة الموت ورايات الانتصار |
منذ أن إنطلقت الفهود المقاتلة إلى جبال الساما بدأت الأسود تجهز نفسها للمعركة الحاسمة وقائدها في خياله يرسم مستقبل مابير الجديد، فأيام قليلة هي التي تفصل الحلم عن الحقيقة وإخضاع مابير بكل مكوناتها وإلى أجل غير مسمى لسيطرة الأسود دون أن يفكر أحد بالتمرد لينتهي عصر الثورات وزمن المتحمسين، وتصبح الأسود هي القوة العظمى في الأرض بعد سقوط آخر مستعمرة في الشرق لترسم سياسات العالم من جديد ولعلها في نصوصها وقانونها قد تمنع الطيور من التغريد في الصباح الباكر لعدم إزعاج النائمين والمرضى والرضع والشيوخ .
في اليوم السادس الذي تلى خروج المقاتلين إلى الساما خرج ما تبقى من فهود في مابير للصيد تاركين خلفهم صغارهم وكبارهم ومن عجز عن الصيد، وهذا ما أراده فازال نصف الفهود في الساما ستلقى حذفها هناك بينما النصف المتبقي في مابير أصبح نصفان نصفاً يبحث عن طعامه، ونصفاً ينتظر الزكاة. وهذا هو اليقين بالنصر وما على القائد إلا الإعلان عن الهجوم لإنهاء كابوس معادلة الأرقام التي كان يميل ميزانها دائماً للفهود، وما هي إلا ساعة أو أقل من ذلك بقليل وبدأت الأسود في هجوم على من تبقى من فهود في مابير وجميعهم من الصغار والمرضى وكبار السن؛ فقتلت من قتلت وأخضعت من أخضعت للأسر ووضعتهم تحت سيطرة النمور ومن ثم إنطلقت لتكمل المعركة وتتخلص من الفهود الخارجة للصيد وهناك كانت معركة طاحنة إنتهت بقتل عدداً كبيراً من الفهود، وهروب من تبقى حياً لا يعلم أين المفر ولكن ما يعلمه أن الموت كان أمامه ينظر إليه بعيوناً حادة .
تجمعت الفهود الهاربة وقررت الذهاب إلى جبال الساما للإلتقاء بالقوم وكشف خداع المخادعين وزيف الكاذبين، والعودة لمابير من أجل إسترداد الحق وطحن ظلم المستكبرين وعند اللقاء ما بين مابير والساما كانت الصدمة للجميع؛ فمقاتلين الساما الذين إنهزموا أمام الأفاعي وأعلنوا الإنسحاب والعودة لم يعد منهم إلا عدداً قليلاً وصيادين القوم لم ينجو منهم إلا جزءاً بسيطاً ما دفع بايار القول يا قوم إننا قد إنهزمنا لا بالقوة ولكن بالخداع ولن يحظى الفهود من بعد ذلك في مابير إلا بحياة لا تفوق مرتبة العبيد وأنا كبير القوم أعلن بأن غرور الحياة أعمى بصري فجعلني أخطئ الطريق الصحيح وأسير بكم نحو الهاوية من أجل الحفاظ على مميزات لا تساوي شرف فهداً وكرامة صغيراً فاسمعوني يا من أغوتكم شهواتكم وظللتكم مطامعكم فصدقتم قول قاتل أرسلكم إلى الساما، وتركتم له صغاركم أمانة فلم يحفظها، ولهذا أنا منذ هذه اللحظة لستُ قائداً لكم؛ فأنتم الأحرار أبناء الأحرار من منكم يريد العودة لمابير ليحيا حياة الذل والإهانة كان له ذلك ولن يمنعه من هذا أحد، ومن أراد البحث عن حياة في إحدى الغابات فليفعل أما أنا فسأبحث عن قائدي ريكال أطلب عفواً وصفحاً جميل وأكون خير جنده وأول المطيعين ولن أخالفه من بعد ذلك رأيا فهو حقاً الرشيد الحكيم .
إنقسمت الفهود إلى جزأين الأول قرر العودة إلى مابير ليحيا تحت حماية الأسود وبشروطهم وقانونهم الجديد، أما الجزء الثاني فقرر أن يشارك في البحث عن القائد والمنقذ ريكال وتفرقوا كلٌ في اتجاهه فهذا عبداً وذاك باحثاً وكلهم في الضياع سواء لا وطناً ولا كرامة ولا عزة بل هزيمة وفقدان وحرمان، وعلى العائدين إلى مابير التفاوض مع فازال الذي إجتمع بهم خارج حدودها ليقول لهم بأن المنتصر هو من يفرض شروط المصالحة، وهو من يقرر العفو من عدمه، فعليكم الإنصياع لقانوننا والقبول بأحكامنا فأنتم لن تكونوا عندنا مكانة أفضل من الفئران التي تعيش في حمايتنا فلا قوة لكم اليوم ولا عدد بل أنتم مجرد متسولين تبحثون عن الطعام في ظل حياة هادئة لا أحد يطاردكم بها وليكن لكم هذا .
قبل البدء في ترتيب شئون مابير قرر قائد الأسود كاليروا أن يلقي خطاباً على مسامع كل الحيوانات ليكون بداية العهد الجديد، فتجمع الجميع هناك في الركن الأخير من مابير في تلك الساحة الكبيرة المحاطة بالأشجار المرتفعة ينتظرون وصوله، ولكنه تعمد التأخر ليكون أول درس في زمن العبودية والطاعة العمياء، وبقدومه مصطحبا مرافقيه طلبت الأسود والنمور من كل الحيوانات الوقوف احتراماً وتقديراً للقائد الذي استقر به الحال بالوقوف أمامهم وموافقته لهم بالجلوس وعيناه تتفحص كل الإتجاهات والوجوه وكأنه يبحث عن أفكارهم ومشاعرهم ليحاسبهم عليها، ثم فاجأ الصمت الذي خيم على المكان بصوته المرعب والمخيف لكل الحيوانات ليقول: أيها الحيوانات قد حاول البعض منكم إستغلال تسامحنا داعياً للفوضى فوق الأراضي التي تخضع لحكمنا فلم يردعه صبرنا بل ذهب به الغرور إلى الإعتقاد بأن طاقة التحمل الكبيرة لدينا هي ضعفاً ووهناً، وعندما وصل الأمر إلى التمرد لم نتوانى في إعادة ضبط الأمور من أجل الحفاظ على الحياة في مابير، ولم نقدم على قتل الفهود وطردهم إلا لإنعدام الخيارات وفشل التفاوض والإقناع .
أيها الحيوانات: إن العدل أنتم من يحدده، فإن اقتنعتم بحياتكم بكل تفاصيلها ستشعرون بأنكم تعيشون في المدينة العائمة في محيط العدالة، أما إذا لم تقبلوا ببعض التفاصيل ونظرتم لرزق الغير فسيفسر لكم الشيطان بأن هذا هو الظلم فكل القوانين عادلة وكل الحكام رحماء فأنتم من يحدد كيف يراها وبأي شكل، فإن كان كنزكم قناعة ستروا الأشياء بحقيقتها الجميلة الرائعة أما إذا كان من يحرككم هي مطامعكم وأنانيتكم فستروا كل الدنيا إضطهاد وظلم .
أيها الحيوانات: إننا ندخل عصراً جديداً ستشهد فيه مابير إزدهاراً في جميع مناحي الحياة وسنعيد توزيع مساحة الأرض حسب الحاجة، ولن نسمح من بعد ذلك لكل العابثين بضرب إستقرار هذه المنطقة فنحن القوة التي وهبت لهذه الأرض لتحميها من أطماع الطامعين وتربص المتربصين ولن نتوانى في إستخدامها في وجه كل خارج عن قانوننا ومتمرد على حكمنا، ولكم في الفهود عبرة يا من ترهبون الموت والتشرد والضياع .
قائد الذئاب بعد قتل الفهود وطردهم وبعد خطاب كاليروا أيقن بأن القرد ماني رسم له خارطة الخداع، وسار في طرقاتها خائفاً مرعوباً من أنيابها فقرر الإجتماع بالقوم ليقول لهم: يا معشر الذئاب أنا قائدكم وقد خدعت من ماني وفازال وتركت ريكال ظاناً أنه محتال رغم كل علاقتي وثقتي به، وقد أرسلت بعضكم لقتله والإنتقام منه لشرف الذئاب باحثاً عن العزة في حياة الذل، ولكن الحقيقة هي أن ريكال هو العدالة؛ فهو لم يكن خائناً؛ ولم يكن محتالاً بل بحث عن العدل بصفاء قلبه وطهارة نواياه لقطعان تعودت على حياة العبيد، وامتهنت الذل فأتقنت صناعته وأصبحت بحجة الجوع تعيش بلا شرف أو كرامة لتبحث عن ملئ بطونها بالطعام الممزوج بالإهانة، ولتنحني أمام أسيادها تقبل أياديهم الملطخة بدماء أبائهم وأجدادهم والتي تفوح منها كل قذارة الكون فما أحقرها من حياة، ولأنني خدعت وغرر بي ولم أستطع أن أوزن الأمور؛ فأنا لا أٍصلح للقيادة، ومن بعد هذه اللحظة أنا لست قائداً ولست موجهاً أو مرشداً بل أنا واحد من هذا القطيع أنفذ أوامر قائدنا الجديد الذي سنختاره الآن جميعاً ليصلح ما أفسدته وينقذ ما أضعته، ويحقق ما كنت أحلم به ولم أستطع تنفيذه ولم ينهي ميسول حديثه بسبب تهليل الذئاب مجددة له البيعة والعهد والوفاء، وتصرخ جميعها وتقول: ميسول قائدنا ولن نقبل له بديل، وخرج أحد كبار القطيع ليقول يا قائدي ميسول: نحن لسنا فهود؛ فإما أن نحيا بكرامة أو نموت دون ذلك، فسر ونحن خلفك ولن يخالفك منا أحد ولن نتركك كريكال وما الحياة إلا مرة واحدة ولن نعيشها متسولين طالما أنت قائدنا، وأشهد بأنك لم تخطئ يوماً بل كنت خير القائد والمرشد .
سمع أحد الفهود وهو كالي أكبرهم سناً ومن أولئك الذين إختاروا أن يعيشوا وبإرادتهم حياة الذل في مابير ما دار من حديث بين الذئاب، وشاهد تجديد العهد والوعد لقائدهم مستذكراً خيانتهم لريكال، فدمعت عيناه، وأدرك بأنه يحتاج إلى البكاء فذهب ليجلس بجوار شجرة ليبكي لعل البكاء يكفر عن خطاياه، ولكنه لا يعلم لماذا يبكي؟ وعلى من يبكي؟ فكثيرة هي الأشياء التي يجب أن يبكي عليها أهي ريكال العزة والكبرياء؟ أم هي أحوالهم المذلة؟ أم يبكي لوفاء الذئاب؟ إذن عليه أن يبكي ويبكي؛ فالبكاء هو من يحيي الضمير ويعيد للعيون أصالتها وطهرها بعد أن تتلون بالكذب والنفاق .
الفهد كالي بعد بكاءه ونواحه يعود إلى الفهود الذليلة المهانة ليخاطبهم بما سمع وشاهد والدموع في عيناه ليقول لهم بأنني لم أستطيع أن أحيا بعد الآن دقيقة واحدة في مابير، وهي العزيزة الغالية أرض الآباء والأجداد، ولن أستطيع أن أشاهد وجوهاً قتلت أخوتي وأبناء عمومتي وجئت إليكم الآن لأودعكم وأرحل حاملاً معي خيانة ريكال تطاردني ما حييت باحثاً عن مكان أحيا به ما تبقى لي منى عمر، وهنا رد عليه أحد الفهود قائلاً: يا كالي حديثك يؤلمنا فبعد عزنا أصبحنا الأذلاء، وبعد هيبتنا أضحينا الضعفاء، وهذا الواقع هو ما صنعته أيدينا عندما لهثنا خلف أطماعنا، وعندما تركنا ريكال وتحالفنا عليه أضعنا أمة الفهود، ووضعنا عليها وصمة عار؛ فنحن أحق بالموت من الحياة، ولأننا كذلك سنرحل جميعاً معك نبحث عن مكان لنموت به لتكون رسالتنا لكل الأجيال بأن من يلهث خلف أطماع الدنيا سينتهي به المطاف باحثاً عن الموت .
عندما علم قائد الأسود بما دار من حديث بين ميسول والذئاب ورحيل الفهود ثار غضبه وهلل بمن حوله من أسود هيا أُخرجوا واستعرضوا أنيابكم في مابير وأينما تجدوا فهدا أذلوه واطردوه ليكون رحيلهم طرداً منا وهرباً من الموت لا بحثاً عن الكرامة، وارهبوا الذئاب بقتل من يعترضكم من الفهود، وإنطلقت الأسود تعيث في مابير فساداً تقتل وتبطش وترعب صغار الطيور، ولتؤكد من جديد بأن قانون القتلة هو من يحكم مابير .
| الفصل السابع الضمير التائه ونهوض الجياع |
في رحلة البحث عن ريكال وصلت الفهود إلى غابة ميرال يتقدمها بايار، وهناك وجدوا فهداً نال منه العمر ما نال يجلس بجوار شجرة كسر الزمان أغصانها وأرهق جذورها، فأصبح مشهدها والفهد يستظل بظلالها كلوحة تنتمي إلى الزمن القديم تحمل كل حكمة الأجداد وأسرار التاريخ المنطوية صفحاته في ذاكرة النسيان، وبالتحية والسلام وذكر إسم ريكال نهض الفهد العجوز ليغير معالم اللوحة التي بحركاته دبت بها الحياة فجعلتها تترك ماضيها وترتمي في أحضان القرن الواحد والعشرين ليسألهم من أنتم؟ وماذا تريدون؟ ليتقدم بإتجاهه بايار ويقف أمامه مباشرة قائلاً: نحن أخوة ريكال وقومه نبحث عنه لأننا تآمرنا ضده فهزمناه، وتحالفنا عليه فطردناه، لنحافظ على حياة الذل وقطعة لحم نأكلها من تحت أقدام قاتل؛ فأثار غضب العجوز سوفان الذي صاح قائلاً: اصمت فإني عرفتك فأنت الباطل في وجه الحق وأنت الإهانة في وجه الكرامة؛ فاذهب ومن معك بعيداً عن ميرال فهنا الأسود قطعان وليس قطيع؛ فأنتم الذين كانت ترعبكم مجموعة صغيرة من الأسود كيف لكم أن تعيشوا أو حتى تمروا من هنا وكل مكان يفوح برائحة زئيرهم؟ .
لم تعني كلمات العجوز لبايار إلا الإصرار على مواصلة الحديث فيكمل قائلاً: لقد خدعتنا الأسود، ولم نعي ذلك إلا بعد هزيمتنا وطردنا وتشردنا في أصقاع الأرض. ونحن هنا من أجل العثور على أخانا ليقودنا ثانية ويحقق بنا النصر، أو يأمرنا بالموت؛ فنلقي أنفسنا من فوق جبلاً لنكفر عن خطايانا. وحينها تبسم العجوز قائلاً: بعد الإنكسار يجب البحث عن الحياة وعليكم البحث عن بداية جديدة بدون خيانة أخ أو ترك عزيز فاذهبوا من هنا وابحثوا لكم عن غابة لا يوجد فيها أحد، أقيموا فيها حياة الفهود البريئة المشفقة المتحابة المتسامحة لتكون هذه رسالتكم للعالم الذي كان، ولا زال وسيكون بأمس الحاجة لعدالة ريكال .
بايار الذي أصبح على يقين بأن العجوز يعلم أين مكان أخيه كرر سؤاله مثنى وثلاث ورباع، ومن شدة الإلحاح وافق الفهد العجوز على الحديث وطلب منهم الجلوس ليخبرهم بالسر الذي تخفيه الدنيا، وتنشد له في كل صباح الطيور فقال متنهداً: إنني قبل زمن بعيد ولدت في هذه الغابة ميرال وعاشرت بها كل أجناس الحيوانات، وعشت من العمر ما لم يعيشه فهداً ولم أشاهد أو حتى أشعر بأن هذه الحياة كان لها شكلاً آخر غير الظلم والقتل والإضطهاد، ولكنني عندما قابلت ريكال ورأيت ما رأيت منه من الشجاعة والتضحية والعدل علمت أن الأمل يبقى هو البشرى المشرقة للأجيال، فأخاكم منذ أن وطأت أقدامه هذا المكان وهو عنواناً للشرف والكرامة والكبرياء، وما حصل أنه في ذات يوم كانت مجموعة من الأسود تهاجم فهداً بحجة أنه يسرق طعام الصغار والجميع هنا يشاهد قتل الأسود للحيوانات بلا حديث أو حتى تعليق إلا أن ريكال الذي لم يروق له الظلم هاجمهم كالرياح التي تفاجئ الأشجار في الخريف؛ فقتل إثنان وأصاب ثالث إلا أن تكاثرهم وتجمعهم عليه إنتهى بموته عزيزاً شريفاً رافعاً راية الحق مناصراً لكل المسحوقين والمقهورين فوق هذه الأرض .
مات ريكال رافعاً رأسه لم يحنيه لقاتل، أو لأحد لصوص الأحلام .
مات ريكال محرضا كل سكان الأرض لإعتناق الثورة، وتحرير رقابهم من سلاسل الجلادين، وإنهاء مصطلحات العبيد .
مات ريكال ولم تمت حياته فهي باقية بقاء الأرض والسماء، وستحرض كل الزهور والأغصان على ثورة الربيع في وجه الخريف .
مات ريكال، ورسالته إلى العالم كن ثوراً وكن ثائراً وكن مقاتلاً وإياك أن تقبل يوما أن تكون جندياً في جيش العبيد .
بايار بعد معرفته بقتل أخيه نظر إلى سيمال والفهود، وابتسم إبتسامة المقهورين التي تترك للدموع طريقاً لأن تسير بداخلها لترسم شلالاً من الحزن والألم، وتراجع قليلاً ليشاهدهم جميعاً ويقول: ليتني أخي ما تحالفت عليك وتركتك وحيداً تُقتل بعيداً عن عين أمك لتموت موت الغرباء لا أحداً يبكيك، ولا أحداً يعزي بك لتدفن بصمت الأموات بلا نواح، ودون عويل؛ فيا أخي ويا قائدنا سأعمل بوصيتك وسأقصص روايتك للأجيال، فأنا من الآن أهبك كل ما تبقى لي من حياة لأروي لكل سكان الأرض بطلاً أراد أن يكفكف دموع الأرامل، ويأخذ بأيدي الأيتام. وبهذه الكلمات، وبصمت الأموات غادرت الفهود ميرال مذهولة باكية حزينة على بطلاً كان له أن يغير وجه العالم لولا خيانتهم وخذلانهم له، ولأن الحياة لا تتوقف عند تأنيب الضمير، عليهم أن يأخذوا بنصيحة الفهد العجوز ويبحثوا عن بداية جديدة يكون عنوانها ريكال وصية الأجيال وملهم الثوار .
خبر مقتل ريكال إنتشر بسرعة البرق واخترق كل حواجز الصمت؛ فالشمس التي تحمل ذنب أشعتها التي أنارت للقتلة طريق الموت تنتظر ساعة الغروب لتغيب عن الأرض، وكم يتمنى القمر هذه المرة أن ينهزم للشمس وتأخذ دوره في الإطلال على الأرض وتتركه يختفي، فهو لا يريد الخروج هذه المرة على أنقاض الشمس ليسجل إنتصاراً في معركة الأيام فتلك الأرض التي يتعارك عليها منذ الأزل إتضح في النهاية بأنها لا تساوي شيء فهي أماً للقتلة والظلمة والمستكبرين وبين رمالها يسحق ملايين الجائعين التائهين في ثنايا القهر والآلام ويا لها من كرة تعوم في الدماء! .
ميسول وهو يتجول في مابير تائهاً بين غربة الوطن وحلم الغربة يتأمل الحيوانات ويفكر هل هؤلاء هم العبيد بالفطرة؟ أم أن الخوف صنع منهم ذلك؟ وفجأة قطع أحد الذئاب أفكاره عندما طلب منه الإستئذان بالحديث ليقول له بصوتاً متقطع هادئاً منخفضاً: يا قائدي جئت أبلغك بأن صديقك ريكال هاجم مجموعة كبيرة من الأسود لينتقم لشرف الجياع الذين ضاع شرفهم وكرامتهم في البحث عن الطعام وانتهى الهجوم بمقتله، وهنا كانت الصدمة والفاجعة ولم يحتمل ميسول الوقوف بل جلس في مكانه فلم تعد تلك الأرجل قادرة على حمله، وأخيراً خذلته عند إحتياجها وهو أيضا لم يعد يفكر بها، لأنه إختصر التفكير والزمان بالجلوس، وطلب من الذئب الذي أبلغه بمغادرة المكان وتركه وحيداً ليبكي وينوح على صديقه البطل الذي صرخ في وجه كل الدنيا بأنه يجب أن ينتهي زمن الظلم، لكن الذئب أصر على البقاء لأنه ليس من الممكن أن يترك قائده بهذه الحالة وجلس بجواره. وبعد ساعات من الجلوس أقنعه بالعودة إلى معقل الذئاب، ومضت أكثر من ثلاثة أيام وميسول لا يتحدث لأحد بل يجلس منفرداً يبكي حيناً ويصمت حيناً آخر، ولهذا الحال ذهب كبار الذئاب إليه وقال أحدهم: يا قائدنا ويا عزيزنا نحن نتألم كثيراً لحالتك، ولا نستطيع أن نفعل شيئاً لأن من يموت لا يعود، ولا يمكننا إحياءه من جديد، ولكن ما نعلمه جيداً هو أنك لن تهتز بمصائب الأيام وتستطيع التغلب على كل الصعاب، وإننا على ثقة بأنك ستخرج، ويجب أن تخرج من هذه المحنة بأسرع وقت وأُنهي كلامي بأن الفاجعة كانت مؤلمة، وتبسم حينها ميسول إبتسامة المقهورين التي تعلمك بأن خلفها جرحاً كبير وآلماً لا يوجد له دواء وقال: يا كبار القوم ويا أهلي وأحبابي إنني اليوم أحمل حزناً أثقل من جبال الأرض وبداخلي جرحاً لن تداويه الأيام ولن يفلح النسيان في علاجه فريكال لم يكن بالنسبة لي أخا أو صديق بل كان أكثر من ذلك بكثير، وما يجعلني أتألم شديد الألم أن ماني وفازال إستطاعا أن يخدعاني ووصل بي الأمر إلى إرسال البعض لقتله، وتباعدت بيننا الأيام ليقتل وحده. وصدقوني بأن الحياة بدون الأحباب لا قيمة لها، وأن هذه الدنيا لم تعد تعني لي شيئاً فبعد ريكال لم يتبقى لي إلا الدموع والأحزان والصمت والتوحد الذي يسرق أعمارنا، وانتهى اللقاء بكلمات لا تشير إلى أن أحداً أقنع الآخر.
إقتنع ميسول قائد الذئاب بأنه يجب أن يعود إلى ممارسة حياته وقيادة القطيع، وقرر أن يسير في مابير ليراه الجميع قوياً شامخاً كجبالها، ولكنه لم يستطع أثناء سيره أن يتجنب التفكير بالخديعة التي صنعها له فازال، ولم يستطع أيضاً الهروب من صورة ريكال التي تطارده في كل مكان فأصبح يسير لا يعلم ٍإلى أين يتجه وانتهى به الجلوس في مكان مرتفع يتأمل الأشجار المنخفضة بحكم الطبيعة الجغرافية للمكان وكأنه جندياً خسر المعركة وانهزم وهرب واختبئ في إحدى جحور الكلاب ونظر فشاهد كيف يعدم قائده الذي رفض الهروب عندما وقعت الهزيمة وقرر أن يقاتل لآخر لحظة ليكون رسالة إلى سكان الأرض وإلى كل الأجيال بأن الموت هو النصر والبداية الحقيقية لمعركة العدالة والحرية ضد الظلم والقهر والإستبداد، وبهذه الأفكار نهض ميسول لينفض الغبار عن سيفه وليتقدم ليحمل الراية ويدق طبول الكرامة، وسار في مابير يصرخ وينادي وكأنه يطلب أحداً للنزال فهو المقاتل الذي يزعج الأرض بعنفوانه وبضربات أقدامه فيقول منادياً في وسط مابير مخاطباً كل سكانها صارخاً بأعلى صوته: يا هذه الأرض قتلوا ريكال! وأذلوا كبريائك! وقهروا أبناءك! وتعالت ضحكاتهم فوق ترابك غير آبهين بكِ! _إنهم القتلة_ لصوص قوت أطفالك .
في عرين قائد الأسود، وبوجود فازال توقف الجميع عن الضحك الساخر عندما أبلغ أحد الأسود حديث ميسول في مابير المتحدي لكل مشانقهم وقوانينهم ليسود الصمت، ولينتظر الجميع صوت كاليروا الغاضب دائماً والمتوعد المشنوقين على أحباله بالقتل بعد الموت، وبعد الدفن وكعادته إخترق حاجز الصمت بصوته قائلاً: لم أعد أحتمل حماقة هذا الميسول وسأقتله بنفسي ونهض ليخرج لميسول، إلا أن فازال عارضه وقال: إجلس يا قائدي، واترك لي الأمر لأيام ولن أطلب أكثر من ذلك _ولأنه فازال المخادع القاتل_ وافق كاليروا على طلبه .
بايار يبني قبراً لأخيه بين مابير وميرال ومقابل الطريق التي تؤدي إلى الساما داعياً كل الدنيا لزيارة هذا المكان، فهنا وفي هذا القبر ترقد العدالة، فأصبح الضريح قبلة للزوار فكل المسافرين يتخذوا منه محطة للإستراحة تجلبهم روايات بايار الأمر الذي آثار حفيظة الأسود الذي قرر قائدهم كاليروا هدم القبر بحجة أن المزار فعلاً من عمل الشيطان، فما أقبح القاتل عندما يرتدي عباءة الداعية ليبرر قتله بإسم الله ودين الله والله منه براء! .
في صباح ذات يوم، وبينما كانت الرياح تتعارك مع أغصان الأشجار وقطرات الندى تتأرجح بين الزهور تتمنى أن تتأخر أشعة الشمس في الشروق وجدت الذئاب ميسول قائدهم قد فارق الحياة لا يعلموا أهو الموت الطبيعي؟ أو هو موت المقهورين؟ أو هو القتل الصامت؟ وبجميع الأحوال فإن ميسول قد مات هذا ما تحدث به الذئب فلومار عندما خاطب القوم قائلاً: لقد مات ميسول موت الشرفاء الأبطال .
مات ميسول وهو يقارع سيوف الجلادين لم ينحني لها.
مات ميسول تاركاً لنا وصية يجب أن نحملها لنتوارثها جيلاً بعد جيل.
قررت الذئاب أن يدفن ميسول بجوار صديقه ريكال ليكون عنواناً صادقاً للحرية والعدالة والصداقة، وليحرض كل الدنيا على الثورة. لأن في موت الأبطال حياة، وفي رقودهم تحت الأرض زلزال سيبقى يقلق القتلة ويخيفهم في أحلامهم، وليكون هذا المكان قبلة للفهود والذئاب تشد إليه الرحال من كل مكان .
في صباح ذات يوم بينما كان فازال متجهاً إلى عرين قائده أخبره أحد الأسود بأن القرد ماني لم يعد موجوداً، والظاهر أنه رحل عن مابير بعدما أصبح هدفاً لمن يريد الإنتقام من الأسود ولا يقوى على مواجهتها، ولكن فازال الذي يحترف المكر ويمتهن الخداع ذهب تفكيره في إتجاه آخر، وخرج بنفسه يبحث عن ماني فوجده مقتولاً في أحد أركانها ملقى به تحت شجرة، فتوجه مباشرة بعدها إلى قائده يبلغه بذلك ليرد كاليروا بصوت الغاضبين قائلاً: لم يعد لدي مزيداً من الصبر، ولم يعد لدي أي جهوزية لتلقي أخباراً أخرى فالآن سأعطي قراراً بمحاصرة معقل الذئاب، وأطلب منهم الإستسلام وهنا طلب فازال الإستئذان بالحديث فعلم كاليروا بأن لدى فازال مكراً جديداً فوافق له أن يتحدث واستمع له عندما قال: يا قائدي هذه فرصة لنا بأن نقوم بنشر الأسود والنمور في النصف الآخر الذي تعيش به الحيوانات بحجة ضبط الأمن وملاحقة الخارجين عن القانون بعد مقتل ميسول وماني وبدل أن نكون نحن المتهمين بقتلهم فإننا سنصبح الباحثين عن حقوقهم، وهدأ غضب كاليروا وتبسم وضحك وقال: بدأت أشك في أن ماني لم تقتله الذئاب وتبسم فازال وقال: لعلهم هم ولعله غيرهم ولكن لكل خطة ثمناً وعلمتنا التجربة بأن نسير خلف عقولنا ومصالحنا حتى لا يسقط حكمنا لنعيش حياة الذل والإهانة .
قائد الأسود كاليروا أعلن بأن هناك تحالفاً مع النمور بمقتضاه سيتم نشر عدداً كبيراً من الأسود والنمور في النصف التي تعيش به الحيوانات لتضبط الأمن وتحافظ على حياة الأبرياء من الخارجين عن القانون الذين باعوا ضمائرهم في سوق اللصوص، وإمتثالاً لهذا الأمر إنتشرت مئات الأسود والنمور في هذا النصف البائس التي خيم عليه اليأس تمارس العربدة والهيمنة بكل أشكالها بحجة صون الدماء وحفظ كرامة حيوانات من قدم الزمان خلعت ثوب الكرامة والشرف، وبهذه الغلبة لكاليروا وقومه والسيطرة بدون منافس على مابير من في العالم يعلم كم سيدوم حكم الأسود؟ ومتى هي ثورة الأحرار؟ .
إنتهت بحمد الله عز وجل

التعليقات