مواقع التواصل الاجتماعي إلى أين؟!
رام الله - دنيا الوطن
أعدته الصحفية ناريمان شقورة
"طائر الغرام أرسل لي طلباً للصداقة وقبلته، وبالقليل من أبيات الشعر التي كان يضعها في صفحته لشعراء من عصر الجاهلية والعصر الحديث استطاع الدخول إلى قلبي"، وكأن تلك الأشعار كُتبت لي دون غيري، وبمرور الأيام وبعد إبداء الإعجاب بما يضعه في صفحته، تطورت المحادثات عبر الرسائل الخاصة إلى محادثات مباشرة بالصوت والصورة، إلى أن أصبحت المحادثات اليومية مثل الطعام والشراب الذي لا يمر يومٌ دونهما، وكان انقطاع الشبكة العنكبوتية ( الانترنت) بمثابة اليوم غير المحسوب من الأسبوع، ولتخطي هذا تبادلنا أرقام الهواتف الخلوية وبدأ الغرام يدق أبوابنا، وبانسجام عقلينا معاً قررنا الاستمرار سويا وعشنا حلمنا الوردي، وظهرت مشكلة عاهد بإقامته في قطاع غزة، بينما أنا أسكن في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، وبتحدينا لكل الظروف والتنسيق الإسرائيلي لاختلاف عناويننا في بطاقات الهوية وصعوبة التنقل، تمكنا بعد ثلاث سنوات من تخطي هذه المشكلة من خلال تقرير علاج، وجاء عاهد إلى بيت لحم وتحولت محادثاتنا الالكترونية والخلوية إلى ارتباط أثمر اليوم بـ غرام ، ومحمد وهما طفلي من عاهد الذي تحدى كل المعيقات والحواجز والجغرافيا واختلاف بعض العادات الاجتماعية بين قطاع غزة والضفة الغربية، وها نحن اليوم نشكل أسرة ولم يكن هو ربها لما اعتقدت بأنني سعيدة".
(رانيا أحمد) هي تلك الفتاة الجميلة ذات العينين العسليتين الواسعتين والرموش الطويلة كما تظهر في صورة ملفها الشخصي وذات العامين بعد العقد الثاني من العمر، لفت انتباهي تعليقٌ لها عند أحد الأصدقاء، فأرسلت لها تنويها من خلال النكز، فسارعت بإضافتي، وتعرفنا على بعضنا البعض، لاكتشف أنها مقيمة في مصر، وكبرت بيننا علاقة انتهت بعد عام من الحب الذي ظننت أنه أوكسجين حياتي، فبعد أن بذلت قصارى جهدي للوصول لها في تلك المنطقة الغريبة في القاهرة القديمة، تبين لي أنها راني أحمد وليست رانية احمد وأن تلك الفتاة الجميلة هي ابنة صاحب المنزل الذي تخدم فيه الأرملة التي تعيل 5 أطفال بالإضافة إلى والدها وامها المريضة وثلاثة اخوة، أما ارتيادها للفيس بوك فهو من خلال البيوت التي تدخل للتنظيف فيها، وأنا هو واحد من المغفلين الذين ينفقون على رانية التي تشبه كل المخلوقات إلا الإيناث، كانت الصدمة الكبرى التي وقفت أمامها حائرا فهل أوبخها ام أوبخ نفسي على سذاجتي؟؟؟ فكلما طلبت منها فتح الكاميرا تحججت برداءة الانترنت مرة وبعطل الجهاز مرة أخرى و.....و........الخ.
" أصبحت اشتاق إلى أبنائي وهم في البيت لأنهم القريبون البعيدون، فهم يجلسون بقربي لكنهم حاضرون بأجسادهم فقط أما عقولهم وأرواحهم في ذلك العالم الافتراضي ما بين السكايب، والفيس بوك، والماسنجر، وكلما فكرت في قطع الانترنت عن البيت الذي بات يلهيهم عن دروسهم احتجوا الثلاثة بشدة بذريعة انهم يحتاجونه في البحث العلمي" أم موظفة.
" أجمل شيء في حياتي هو جهازي الحاسوب الموصول بالانترنت، فهو العالم الذي أهرب فيه من الواقع الجشع والمرير، فانا خريج جامعي أغلقت كل الأبواب في وجهي ولا عمل لدي، وكلما بحثت عن فرصة كلما كرهت الواقع، فبشروط تعجيزية يضعها أصحاب العمل أعود كل يوم بخيبة أمل جديدة، لا تنتهي إلا بدخولي الانترنت لأتحدث مع شباب في جيلي من بلدان مختلفة أتبادل معهم الصور والأفكار والثقافات أحيانا" شاب من غزة.
" اعتقد أنه اختراع عظيم من خلاله نستطيع التعرف على العالم من أصحابه وليس من وسائل الإعلام، وبتنا من خلال الانترنت نصنع التغيير في السياسة وفي المجتمعات أيضا" طالبة في جامعة بير زيت.
قصصٌ وحكايات عديدة رويت على مسامعي من فئات عمرية وتعليمية مختلفة حول الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، من تلك القصص مآسي ومعانات ومنها أيضا الأفراح والمسرات، وبين النقيضين لم يخلُ منزلٌ من أدوات التكنولوجيا، وبين قضاء الساعات الطويلة والقصيرة اليومية برفقة الشبكة العنكبوتية أصبح جزءا من الممارسات الاعتيادية في حياتنا، وفي هذا الشأن تجيب لنا د. انشراح نبهان مختصة في علم النفس الاجتماعي بعض التساؤلات التالية:
س/ كيف تفسرين هذا الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي؟
في ظل سطوة ما يعرف بـ("حقبة العولمة الحديثةnew globalization era”"( أو ما يسمى ("عصر ما بعد الحداثة": (“modernization era وما تحمله هذه الحقب من نظم اجتماعية جديدة باتت تؤثر بصورة أو بأخرى على النسيج العربي المحافظ، لا يمكننا تجاهل موجة التغيير هذه. كما وانه لا يمكننا تجاهل اذرعها التكنولوجية الحديثة جدا المتمثلة في " الانترنت" والياتها وبرامجها التي لم يعد يخلو منها اي بيت سواء كان ريفيا او حضريا.
ولو درسنا على سبيل الحصر آليات وبرامج التواصل الاجتماعي التي روجت لها بنجاح واقتدار الشبكة العنكبوتية والقائمين عليها، لوجدنا أنها أفرزت منظومة ادوار اجتماعية Social Roles” " لم تكن موجودة من قبل. وفي اعتقادي ان على المؤسسات التعليمية والاجتماعية الفاعلة في الوطن العربي ان تطلق حملة منظمة لدراسة آثار هذا التغير الاجتماعي الهائل الذي يشكل إعصارا قيمياً على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والوطن الكبير.
فبرامج التواصل الاجتماعي(facebook, twitter) باتت تخلق للفرد نسيجاً من البناء المعرفي لم نألفه من قبل. كما أنها أفرزت إطارا ًجديدا ًمن التفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات لسنا مهيئين له ولسنا بقادرين على تتبع آثاره على مستويات عدة منها عقلية ونمط تفكير من تأثروا بها واتجاهاتهم وسلوكياتهم اليومية بأنماطها الجديدة التي بتنا نتلمسها ونشعر بآثارها بصورة محسوسة لا يمكن تجاهلها.
س/ ما الأسباب التي تجعل أبناؤنا يبنون علاقات اجتماعية من خلال الانترنت؟ هل هو البحث وراء الجديد؟ أم لأسباب ترتبط بالملل والهروب من الواقع؟
من السابق لأوانه ان نحكم فيما اذا كانت انماط السلوكيات الجديدة هذه سلبية قطعاً او ايجابية بشكل مؤكد، فالدراسات غير متوفرة والمرجعيات العلميه لم تتبناها بالبحث المعمق لرسم استراتيجيات وخطط عمل لتوجيه هذا الطوفان الاجتماعي الجامح الذي يتسلل إلى غرف أبناءنا وبناتنا دون ضوابط وسلاسل اجتماعية تذكر، ولكن من الدوافع التي يلجأ لها شبابنا لارتياد الانترنت والمواقع الاجتماعية المختلفة ما يلي:
- الفجوة الثقافية التي تفصل بين آباء الأمس وأبناء اليوم وما يرافقها من فجوة تكنولوجية متاحة بكافة أدواتها وبرامجها للأبناء ومغيبة عن الآباء.
- تغير الأدوار الاجتماعية وتراخي سلطة الأسرة الممتدة التي كانت تعتبر نمط من أنماط الهيمنة الاجتماعية حيث كانت تمارس كل آليات الضبط السلوكي والمعرفي على الأبناء دون استثناء وتشمل الأب والأم والعم والعمة والجد والجدة وغيرهم من البناء الأسرة الكبيرة الواحدة . بخلاف الأسر النووية المهيمنة حاليا التي تتميز بانشغال الأب والأم عن التربية المباشرة للأبناء.
- قيام مؤسسات غير الأسرة على تربية وتوجيه الأبناء وضبط سلوكهم والتي تتميز بسطوة اجتماعية مقبولة من قبل الآباء لتعاونها في أداء ما يناط برب وربة الأسرة من ادوار أثناء انشغالهم بالعمل
- الثورة المعرفية الحديثة التي باتت تحجم وتقزم ما يعرفه الآباء مقارنة بأبنائهم وشعور هؤلاء بتدني القيمة الاجتماعية من الناحية المعرفيه مقارنة بالأبناء رغم صغر سنهم وتجربتهم غير الناضجة.
- نجاح العديد من شبكات العلاقات التي تم بناؤها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وما أحدثته من تغيرات سياسية كما حدث في مصر (الثورة المصرية) وفلسطين (الدعم الإعلامي للقضية الفلسطينية خارج إطار الرقابة الإسرائيلية ) ودورها أيضا في أمريكا (الانتخابات الرئاسية) الخ.
- تغير الصورة النمطية لشريك الحياة (للطرفين) من النمط التقليدي وفي إطاره الضيق إلى النمط الحديث وفي أوسع دوائره الاجتماعية.
- نجاح العديد من الزيجات (المحلية/ العالمية) التي قامت بتغطيتها بتميز وبصورة جذابة وسائل الإعلام المحلية والدولية واتخاذ هؤلاء كقدوة تستحق التجربة والمغامرة
" أما إذا كانت تشكل هروبا من الواقع وتحديا له فأنا اعتقد إن الأمر جاء كمحصلة غير متوقعة لرياح التغيير التي حملتها أمواج العولمة الحديثة التي أغرقت كافة شعوب الأرض ووطننا العربي احد بقاعها الخصبة . فنحن في الوطن العربي ومنذ أكثر من ألف عام كنا ولا زلنا مرتعا لكل جديد يأتينا، نتقبله ونمتصه كقطعة الإسفنج الجافة جدا عندما نغرقها بالماء" .
وبالعودة إلى آراء فئات مختلفة:
هل تعتقد أن وضع الصور الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي أمر جيد أو لا؟
يجيب أ. محمد عمر مدرس في مدرسة ثانوية للبنات :" أنا ضد وضع الصور وأي معلومات شخصية لأني أرى أن حياتي الشخصية موضوع يخصني لوحدي لا يجب أن يشاركني فيه احد وان كانوا أصدقائي وأقاربي ومن يريد أصلا التواصل معي بإمكانه زيارتي أو الاتصال بي، وان كان خارج الوطن فليس ولست مضطرين لذلك فهذه هي الحياة فراق ولقاء".
أما بالنسبة لريم البالغة 32 عاما من مدينة نابلس، بما أن الناس تراني في الشارع وفي العمل وفي المواصلات بهذا العصر يمنكنهم التقاط صورة لي من أي جهاز محمول دون أن اشعر، لهذا لا أرى في موضوع الصور أي حساسية لأنني أضع الصور التي اخرج بها إلى الشارع، ولا داعي لوضع صور خاصة جدا.
بينما تغضب السيدة أم مأمون 48 عاما قائلةً: " ما هذه إلا ثقافات غربية صدرها لنا الغرب ليفسد شبابنا وشاباتنا، لا أرى أي داع أو مبرر لوضع الصور التي يمكن أن يستغلها البعض بطريقة سيئة تعود على أصحابها بالمتاعب وأحيانا تصل الأمور إلى المشكلات الاجتماعية بين العائلات".
في حين تبتسم عبير 39 عاما موضحة أن وضع الصور مهم مع الاسم ليسهل عملية تعرف الأشخاص على بعضهم بعد البحث، وتضيف :" عمل والدي في منظمة التحرير الفلسطينية اضطرنا إلى العيش في دول عربية عديدة والدراسة في أكثر من مكان ومن خلال الفيس بوك تمكنت من إعادة الصلة الاجتماعية القوية التي ربطتني بأصدقاء وجيران من تلك الدول واستعدنا معا أروع الذكريات وبعد تواصلنا تمكنت من زيارة إحدى صديقاتي التي انقطعت عنها بفعل السفر واليوم تربطني بها علاقة أقوى من ذي قبل وتمكنت العثور عليها من خلال صورة وضعتها كانت تجمعني فيها في طفولتي في الخارج واحتفظت بها في ملفها".
حالها حالُ الكثير من الأمور في حياتنا لها من يؤيدها ولها من يعارضها، ولكل من الفريقين مبرراته التي يؤمن بها ويعتقد بصوابها.
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي باختلافها أدوات مختلفة للحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، حيث كان لها دورا كبيرا في ثورات الشعوب العربية مثل مصر وتونس وليبيا وسوريا، كما ساهمت في تشكيل أحزاب سياسية جديدة انضم لها عدد كبير من المشتركين والأعضاء في هذه المواقع، كما صارت هذه المواقع تستخدم في الدعاية الانتخابية أثناء الحملات للمرشحين في عدد من البلدان ، بالإضافة إلى استخدامها كمواد إعلانية للتسويق عن بعض المنتجات والمحال التجارية والشركات.
وبين المهام التي تؤديها تلك المواقع من إعلام وإخبار، وإعلان، وترفيه وتثقيف وتسلية استحقت تصنيفها ضمن وسائل الإعلام الجديد مع إضافة جديدة أنها ذات التأثير الكبير مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، حيث تمتاز بالتفاعلية فأضحى بإمكان المتلقي أن يلعب دور المرسل، فيتفاعلان معا من خلال إبداء الآراء والتعليق، وهو ما يخلق حالة جيدة بين عناصر الرسالة على اختلافها مع فرصة التعبير عن الرأي بمساحة أوسع من ذي قبل.
تعدد الأدوار التي تؤديها مواقع التواصل الاجتماعي يثير تساؤلات عديدة تدور في أذهان الكثيرين كلٌ حسب تخصصه وفلك اهتماماته ومنها: ( هل ستحل تلك المواقع كبديل عن التزاور الاجتماعي والاتصال الهاتفي أم ستكون وسيلة لتقوية العلاقات الاجتماعية من خلال متابعة صور وأخبار الأسرة والأصدقاء ومن يهمنا شأنهم في أي بقعة كانوا؟ أمِن الممكن أن تكون تلك المواقع واحدة من الأخطار التي تهدد ترابط المجتمع؟ هل ستؤثر وسائل الإعلام الجديد من بينها مواقع التواصل الاجتماعي على أهمية الوسائل الإعلامية التقليدية؟ هل التصويت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في المسابقات سيؤثر سلبا على شركات الاتصالات؟ الإعلانات في المواقع الاجتماعية قد تكون سلاحا ذو حدين،ما هي سبل الحماية للمستهلك وكيف يمكن تجنب عمليات الاحتيال والنصب؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن أن تتعامل الأنظمة الحاكمة مع تلك المواقع التي باتت تهدد استقرارها وأمنها؟ وهل الأحزاب المشكلة عبر تلك المواقع الاجتماعية هي أحزاب حقيقية ذات تأثير فعلي في الواقع السياسي والمجتمعي وهل بإمكانها منافسة الأحزاب والجمعيات والمؤسسات قديمة النشأة وما مدى ثقة المشترك في تلك المواقع بها؟؟؟
اعتقد أن الإجابة على تلك التساؤلات التي تتبعها أسئلة عديدة تحتاج إلى البحث والدراسة والمراقبة والملاحظة ولا يمكن أن تتم ذلك بشكلٍ عشوائي لان مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزء من حياة المواطنين
أعدته الصحفية ناريمان شقورة
"طائر الغرام أرسل لي طلباً للصداقة وقبلته، وبالقليل من أبيات الشعر التي كان يضعها في صفحته لشعراء من عصر الجاهلية والعصر الحديث استطاع الدخول إلى قلبي"، وكأن تلك الأشعار كُتبت لي دون غيري، وبمرور الأيام وبعد إبداء الإعجاب بما يضعه في صفحته، تطورت المحادثات عبر الرسائل الخاصة إلى محادثات مباشرة بالصوت والصورة، إلى أن أصبحت المحادثات اليومية مثل الطعام والشراب الذي لا يمر يومٌ دونهما، وكان انقطاع الشبكة العنكبوتية ( الانترنت) بمثابة اليوم غير المحسوب من الأسبوع، ولتخطي هذا تبادلنا أرقام الهواتف الخلوية وبدأ الغرام يدق أبوابنا، وبانسجام عقلينا معاً قررنا الاستمرار سويا وعشنا حلمنا الوردي، وظهرت مشكلة عاهد بإقامته في قطاع غزة، بينما أنا أسكن في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، وبتحدينا لكل الظروف والتنسيق الإسرائيلي لاختلاف عناويننا في بطاقات الهوية وصعوبة التنقل، تمكنا بعد ثلاث سنوات من تخطي هذه المشكلة من خلال تقرير علاج، وجاء عاهد إلى بيت لحم وتحولت محادثاتنا الالكترونية والخلوية إلى ارتباط أثمر اليوم بـ غرام ، ومحمد وهما طفلي من عاهد الذي تحدى كل المعيقات والحواجز والجغرافيا واختلاف بعض العادات الاجتماعية بين قطاع غزة والضفة الغربية، وها نحن اليوم نشكل أسرة ولم يكن هو ربها لما اعتقدت بأنني سعيدة".
(رانيا أحمد) هي تلك الفتاة الجميلة ذات العينين العسليتين الواسعتين والرموش الطويلة كما تظهر في صورة ملفها الشخصي وذات العامين بعد العقد الثاني من العمر، لفت انتباهي تعليقٌ لها عند أحد الأصدقاء، فأرسلت لها تنويها من خلال النكز، فسارعت بإضافتي، وتعرفنا على بعضنا البعض، لاكتشف أنها مقيمة في مصر، وكبرت بيننا علاقة انتهت بعد عام من الحب الذي ظننت أنه أوكسجين حياتي، فبعد أن بذلت قصارى جهدي للوصول لها في تلك المنطقة الغريبة في القاهرة القديمة، تبين لي أنها راني أحمد وليست رانية احمد وأن تلك الفتاة الجميلة هي ابنة صاحب المنزل الذي تخدم فيه الأرملة التي تعيل 5 أطفال بالإضافة إلى والدها وامها المريضة وثلاثة اخوة، أما ارتيادها للفيس بوك فهو من خلال البيوت التي تدخل للتنظيف فيها، وأنا هو واحد من المغفلين الذين ينفقون على رانية التي تشبه كل المخلوقات إلا الإيناث، كانت الصدمة الكبرى التي وقفت أمامها حائرا فهل أوبخها ام أوبخ نفسي على سذاجتي؟؟؟ فكلما طلبت منها فتح الكاميرا تحججت برداءة الانترنت مرة وبعطل الجهاز مرة أخرى و.....و........الخ.
" أصبحت اشتاق إلى أبنائي وهم في البيت لأنهم القريبون البعيدون، فهم يجلسون بقربي لكنهم حاضرون بأجسادهم فقط أما عقولهم وأرواحهم في ذلك العالم الافتراضي ما بين السكايب، والفيس بوك، والماسنجر، وكلما فكرت في قطع الانترنت عن البيت الذي بات يلهيهم عن دروسهم احتجوا الثلاثة بشدة بذريعة انهم يحتاجونه في البحث العلمي" أم موظفة.
" أجمل شيء في حياتي هو جهازي الحاسوب الموصول بالانترنت، فهو العالم الذي أهرب فيه من الواقع الجشع والمرير، فانا خريج جامعي أغلقت كل الأبواب في وجهي ولا عمل لدي، وكلما بحثت عن فرصة كلما كرهت الواقع، فبشروط تعجيزية يضعها أصحاب العمل أعود كل يوم بخيبة أمل جديدة، لا تنتهي إلا بدخولي الانترنت لأتحدث مع شباب في جيلي من بلدان مختلفة أتبادل معهم الصور والأفكار والثقافات أحيانا" شاب من غزة.
" اعتقد أنه اختراع عظيم من خلاله نستطيع التعرف على العالم من أصحابه وليس من وسائل الإعلام، وبتنا من خلال الانترنت نصنع التغيير في السياسة وفي المجتمعات أيضا" طالبة في جامعة بير زيت.
قصصٌ وحكايات عديدة رويت على مسامعي من فئات عمرية وتعليمية مختلفة حول الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، من تلك القصص مآسي ومعانات ومنها أيضا الأفراح والمسرات، وبين النقيضين لم يخلُ منزلٌ من أدوات التكنولوجيا، وبين قضاء الساعات الطويلة والقصيرة اليومية برفقة الشبكة العنكبوتية أصبح جزءا من الممارسات الاعتيادية في حياتنا، وفي هذا الشأن تجيب لنا د. انشراح نبهان مختصة في علم النفس الاجتماعي بعض التساؤلات التالية:
س/ كيف تفسرين هذا الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي؟
في ظل سطوة ما يعرف بـ("حقبة العولمة الحديثةnew globalization era”"( أو ما يسمى ("عصر ما بعد الحداثة": (“modernization era وما تحمله هذه الحقب من نظم اجتماعية جديدة باتت تؤثر بصورة أو بأخرى على النسيج العربي المحافظ، لا يمكننا تجاهل موجة التغيير هذه. كما وانه لا يمكننا تجاهل اذرعها التكنولوجية الحديثة جدا المتمثلة في " الانترنت" والياتها وبرامجها التي لم يعد يخلو منها اي بيت سواء كان ريفيا او حضريا.
ولو درسنا على سبيل الحصر آليات وبرامج التواصل الاجتماعي التي روجت لها بنجاح واقتدار الشبكة العنكبوتية والقائمين عليها، لوجدنا أنها أفرزت منظومة ادوار اجتماعية Social Roles” " لم تكن موجودة من قبل. وفي اعتقادي ان على المؤسسات التعليمية والاجتماعية الفاعلة في الوطن العربي ان تطلق حملة منظمة لدراسة آثار هذا التغير الاجتماعي الهائل الذي يشكل إعصارا قيمياً على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والوطن الكبير.
فبرامج التواصل الاجتماعي(facebook, twitter) باتت تخلق للفرد نسيجاً من البناء المعرفي لم نألفه من قبل. كما أنها أفرزت إطارا ًجديدا ًمن التفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات لسنا مهيئين له ولسنا بقادرين على تتبع آثاره على مستويات عدة منها عقلية ونمط تفكير من تأثروا بها واتجاهاتهم وسلوكياتهم اليومية بأنماطها الجديدة التي بتنا نتلمسها ونشعر بآثارها بصورة محسوسة لا يمكن تجاهلها.
س/ ما الأسباب التي تجعل أبناؤنا يبنون علاقات اجتماعية من خلال الانترنت؟ هل هو البحث وراء الجديد؟ أم لأسباب ترتبط بالملل والهروب من الواقع؟
من السابق لأوانه ان نحكم فيما اذا كانت انماط السلوكيات الجديدة هذه سلبية قطعاً او ايجابية بشكل مؤكد، فالدراسات غير متوفرة والمرجعيات العلميه لم تتبناها بالبحث المعمق لرسم استراتيجيات وخطط عمل لتوجيه هذا الطوفان الاجتماعي الجامح الذي يتسلل إلى غرف أبناءنا وبناتنا دون ضوابط وسلاسل اجتماعية تذكر، ولكن من الدوافع التي يلجأ لها شبابنا لارتياد الانترنت والمواقع الاجتماعية المختلفة ما يلي:
- الفجوة الثقافية التي تفصل بين آباء الأمس وأبناء اليوم وما يرافقها من فجوة تكنولوجية متاحة بكافة أدواتها وبرامجها للأبناء ومغيبة عن الآباء.
- تغير الأدوار الاجتماعية وتراخي سلطة الأسرة الممتدة التي كانت تعتبر نمط من أنماط الهيمنة الاجتماعية حيث كانت تمارس كل آليات الضبط السلوكي والمعرفي على الأبناء دون استثناء وتشمل الأب والأم والعم والعمة والجد والجدة وغيرهم من البناء الأسرة الكبيرة الواحدة . بخلاف الأسر النووية المهيمنة حاليا التي تتميز بانشغال الأب والأم عن التربية المباشرة للأبناء.
- قيام مؤسسات غير الأسرة على تربية وتوجيه الأبناء وضبط سلوكهم والتي تتميز بسطوة اجتماعية مقبولة من قبل الآباء لتعاونها في أداء ما يناط برب وربة الأسرة من ادوار أثناء انشغالهم بالعمل
- الثورة المعرفية الحديثة التي باتت تحجم وتقزم ما يعرفه الآباء مقارنة بأبنائهم وشعور هؤلاء بتدني القيمة الاجتماعية من الناحية المعرفيه مقارنة بالأبناء رغم صغر سنهم وتجربتهم غير الناضجة.
- نجاح العديد من شبكات العلاقات التي تم بناؤها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وما أحدثته من تغيرات سياسية كما حدث في مصر (الثورة المصرية) وفلسطين (الدعم الإعلامي للقضية الفلسطينية خارج إطار الرقابة الإسرائيلية ) ودورها أيضا في أمريكا (الانتخابات الرئاسية) الخ.
- تغير الصورة النمطية لشريك الحياة (للطرفين) من النمط التقليدي وفي إطاره الضيق إلى النمط الحديث وفي أوسع دوائره الاجتماعية.
- نجاح العديد من الزيجات (المحلية/ العالمية) التي قامت بتغطيتها بتميز وبصورة جذابة وسائل الإعلام المحلية والدولية واتخاذ هؤلاء كقدوة تستحق التجربة والمغامرة
" أما إذا كانت تشكل هروبا من الواقع وتحديا له فأنا اعتقد إن الأمر جاء كمحصلة غير متوقعة لرياح التغيير التي حملتها أمواج العولمة الحديثة التي أغرقت كافة شعوب الأرض ووطننا العربي احد بقاعها الخصبة . فنحن في الوطن العربي ومنذ أكثر من ألف عام كنا ولا زلنا مرتعا لكل جديد يأتينا، نتقبله ونمتصه كقطعة الإسفنج الجافة جدا عندما نغرقها بالماء" .
وبالعودة إلى آراء فئات مختلفة:
هل تعتقد أن وضع الصور الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي أمر جيد أو لا؟
يجيب أ. محمد عمر مدرس في مدرسة ثانوية للبنات :" أنا ضد وضع الصور وأي معلومات شخصية لأني أرى أن حياتي الشخصية موضوع يخصني لوحدي لا يجب أن يشاركني فيه احد وان كانوا أصدقائي وأقاربي ومن يريد أصلا التواصل معي بإمكانه زيارتي أو الاتصال بي، وان كان خارج الوطن فليس ولست مضطرين لذلك فهذه هي الحياة فراق ولقاء".
أما بالنسبة لريم البالغة 32 عاما من مدينة نابلس، بما أن الناس تراني في الشارع وفي العمل وفي المواصلات بهذا العصر يمنكنهم التقاط صورة لي من أي جهاز محمول دون أن اشعر، لهذا لا أرى في موضوع الصور أي حساسية لأنني أضع الصور التي اخرج بها إلى الشارع، ولا داعي لوضع صور خاصة جدا.
بينما تغضب السيدة أم مأمون 48 عاما قائلةً: " ما هذه إلا ثقافات غربية صدرها لنا الغرب ليفسد شبابنا وشاباتنا، لا أرى أي داع أو مبرر لوضع الصور التي يمكن أن يستغلها البعض بطريقة سيئة تعود على أصحابها بالمتاعب وأحيانا تصل الأمور إلى المشكلات الاجتماعية بين العائلات".
في حين تبتسم عبير 39 عاما موضحة أن وضع الصور مهم مع الاسم ليسهل عملية تعرف الأشخاص على بعضهم بعد البحث، وتضيف :" عمل والدي في منظمة التحرير الفلسطينية اضطرنا إلى العيش في دول عربية عديدة والدراسة في أكثر من مكان ومن خلال الفيس بوك تمكنت من إعادة الصلة الاجتماعية القوية التي ربطتني بأصدقاء وجيران من تلك الدول واستعدنا معا أروع الذكريات وبعد تواصلنا تمكنت من زيارة إحدى صديقاتي التي انقطعت عنها بفعل السفر واليوم تربطني بها علاقة أقوى من ذي قبل وتمكنت العثور عليها من خلال صورة وضعتها كانت تجمعني فيها في طفولتي في الخارج واحتفظت بها في ملفها".
حالها حالُ الكثير من الأمور في حياتنا لها من يؤيدها ولها من يعارضها، ولكل من الفريقين مبرراته التي يؤمن بها ويعتقد بصوابها.
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي باختلافها أدوات مختلفة للحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، حيث كان لها دورا كبيرا في ثورات الشعوب العربية مثل مصر وتونس وليبيا وسوريا، كما ساهمت في تشكيل أحزاب سياسية جديدة انضم لها عدد كبير من المشتركين والأعضاء في هذه المواقع، كما صارت هذه المواقع تستخدم في الدعاية الانتخابية أثناء الحملات للمرشحين في عدد من البلدان ، بالإضافة إلى استخدامها كمواد إعلانية للتسويق عن بعض المنتجات والمحال التجارية والشركات.
وبين المهام التي تؤديها تلك المواقع من إعلام وإخبار، وإعلان، وترفيه وتثقيف وتسلية استحقت تصنيفها ضمن وسائل الإعلام الجديد مع إضافة جديدة أنها ذات التأثير الكبير مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، حيث تمتاز بالتفاعلية فأضحى بإمكان المتلقي أن يلعب دور المرسل، فيتفاعلان معا من خلال إبداء الآراء والتعليق، وهو ما يخلق حالة جيدة بين عناصر الرسالة على اختلافها مع فرصة التعبير عن الرأي بمساحة أوسع من ذي قبل.
تعدد الأدوار التي تؤديها مواقع التواصل الاجتماعي يثير تساؤلات عديدة تدور في أذهان الكثيرين كلٌ حسب تخصصه وفلك اهتماماته ومنها: ( هل ستحل تلك المواقع كبديل عن التزاور الاجتماعي والاتصال الهاتفي أم ستكون وسيلة لتقوية العلاقات الاجتماعية من خلال متابعة صور وأخبار الأسرة والأصدقاء ومن يهمنا شأنهم في أي بقعة كانوا؟ أمِن الممكن أن تكون تلك المواقع واحدة من الأخطار التي تهدد ترابط المجتمع؟ هل ستؤثر وسائل الإعلام الجديد من بينها مواقع التواصل الاجتماعي على أهمية الوسائل الإعلامية التقليدية؟ هل التصويت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في المسابقات سيؤثر سلبا على شركات الاتصالات؟ الإعلانات في المواقع الاجتماعية قد تكون سلاحا ذو حدين،ما هي سبل الحماية للمستهلك وكيف يمكن تجنب عمليات الاحتيال والنصب؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن أن تتعامل الأنظمة الحاكمة مع تلك المواقع التي باتت تهدد استقرارها وأمنها؟ وهل الأحزاب المشكلة عبر تلك المواقع الاجتماعية هي أحزاب حقيقية ذات تأثير فعلي في الواقع السياسي والمجتمعي وهل بإمكانها منافسة الأحزاب والجمعيات والمؤسسات قديمة النشأة وما مدى ثقة المشترك في تلك المواقع بها؟؟؟
اعتقد أن الإجابة على تلك التساؤلات التي تتبعها أسئلة عديدة تحتاج إلى البحث والدراسة والمراقبة والملاحظة ولا يمكن أن تتم ذلك بشكلٍ عشوائي لان مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزء من حياة المواطنين

التعليقات