بناء الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية – آفاق مستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي
رام الله - دنيا الوطن
تشهد دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأعوام القادمة نمواً مُطّرداً في الإنفاق على قطاع الرعاية الصحية مما يُشكل عبئاً ثقيلا على حكوماتها. ومع استهلالنا لعام ٢٠١٣، لا تزال المنطقة تعاني من ازدياد تكاليف الرعاية الصحية، الأمر الذي يُعزى بشكل جزئي إلى تفشي الأمراض المزمنة بها. واليوم، باتت حكومات دول الخليج، بفضل التطوير المنهجي والتخطيط الاستراتيجي وبرامج الفحص الطبي الشامل، مُدركة لتعذر استدامة النموذج القائم على المدى الطويل والذي تتحمل فيه الدولة على عاتقها القسط الأكبر من التكاليف المباشرة للرعاية الصحية. وفي ضوء المعطيات السابقة، توصلت شركة الاستشارات الإدارية الرائدة بوز أند كومباني إلى حتمية تبني تلك الحكومات لمنهج الشراكة بين القطاعين العام والخاص سعياً منها لترشيد الإنفاق على منظومة الرعاية الصحية والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة وتسهيل وصول المرضى إلى المتخصصين.
نظام تحفّه التحديات
حققت نظم الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً إنجازات بارزة، بما يشمل تقديم الخدمات الصحية على نطاق واسع وتطوير المعايير المهنية واللوائح التنظيمية وتوفير التمويل السخي وضخ المزيد من الاستثمارات. وقد ساهمت كل من برامج الفحص الطبي الشامل وبرامج التطوير السريعة المُنفذة على صعيد المنظومة بأسرها وجهود التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى في ترسيخ مكانة دول الخليج في طليعة صناعة الرعاية الصحية.
فضلاً عن ذلك، تشارك حالياً حكومات دول مجلس التعاون، في إطار برامجها للتنمية الوطنية، في الجهود المحورية الرامية إلى تحسين وصول المرضى إلى الخدمات الصحية ورفع مستوى جودتها. وعلى أرض الواقع، تشهد المنطقة بأسرها خطوات وثّابة في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية. وتهدف الاستثمارات المُمولة من قبل الدولة إلى سد الهوّة بين العرض والطلب على الخدمات الصحية المقدمة للمرضى المُنوَّمين وتلك المقدمة للمرضى الخارجيين، علاوةً على تعزيز ثقة المواطنين في خدمات الرعاية الصحية الوطنية والحدّ من حجم السياحة العلاجية في الخارج. كما بدأت دول مجلس التعاون في الآونة الأخيرة بطرح نظام التأمين الصحي الإلزامي.
عقبات صناعة الرعاية الصحية
وفي هذا الصدد، يفيد غابريال شاهين، وهو شريك في شركة بوز أند كومباني، قائلاً ”في الحقيقة ستكون هذه المبادرات الاستشرافية واعدة بحق في حال ما سعت حكومات المنطقة للبحث عن سبيل جديد لتغطية تكاليف الزيادة في الطلب المتوقع على الرعاية الصحية وبناء قدرات منظوماتها الصحية. ولا يُمكن تحقيق أهداف حكومات المنطقة المنشودة لقطاع الرعاية الصحية سوى من خلال صياغة خطط استراتيجية ملائمة وطويلة المدى. وبالرغم من الجهود المبذولة، لا تزال نظم الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي تكافح مجموعة من التحديات المُتمثلة في العجز عن توفير القدرات اللازمة وتفاوت مستوى جودة الخدمات المقدمة، ناهيك عن النقص في الكوادر البشرية المتخصصة في الرعاية الصحية ومحدودية توافر الخدمات الصحية التخصصية المتسمة بالكفاءة وارتفاع معدلات تفشي الأمراض غير المعدية“.
ستضطر حكومات المنطقة إلى إنفاق المزيد على خدمات الرعاية الصحية نظراً لهذه التحديات التي تقف كحجر عثرة على الدوام في طريق تقدم الرعاية الصحية في المنطقة، ولاسيما التحدي الماثل في تقدم أعمار جيل الشباب الحالي.
ويعلق جاد بيطار، وهو مدير أول في بوز أند كومباني قائلاً ”بالرغم من أن معدل الإنفاق الحالي يقل عن المعايير الدولية عند مقارنته بنصيب الفرد في الدول المتقدمة، فإن هذا الأمر سيتغير إن آجلاً أم عاجلاً. ونتيجةً لذلك، ستسعى الحكومات بشكل منطقي إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص، ولكن تحت رقابة وتنظيم مباشر منها“.
منهج رقابي وتنظيمي
في ظل غياب التنظيم الملائم، ستحتدم المنافسة فيما بين الشركات الخاصة من جانب، وبينها وبين الحكومة من جانب آخر من أجل الفوز بالأيدي العاملة، وذلك في بيئة تندر فيها العمالة الماهرة الأمر الذي يؤدي بدروه إلى تصاعد التكاليف.
ولتجنب الوقوع في مثل تلك المواقف الشائكة، يتحتم على الحكومات اعتماد منهج رقابي وتنظيمي متعدد الأبعاد تتضافر فيه الأطراف المعنية بما يضمن توفير القطاع الخاص للقدرات والكفاءات المُكملة على أرض الواقع. ويعلق الدكتور نيخيل عدناني، وهو مستشار أول في بوز أند كومباني، قائلاً: ”من الأهمية بمكان التسليم بعدم وجود عصا سحرية لتطوير منظومة الرعاية الصحية مع إدراكنا لمدى تعقيد التحديات التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي ومدى تباينها بين الدول الستة. عوضاً عن ذلك، يُمكن للتنفيذ الحذر والموجه للشراكات بين القطاعين العام والخاص معالجة القضايا الرئيسية المتعلقة بقطاع الرعاية الصحية من حيث إتاحة الوصول إلى الخدمات الصحية، ومستوى جودتها، وقدرة المرضى على تحمل تكاليفها“.
وضع يربح فيه الجميع
تكمن أنجح الأساليب وأكثرها فعالية للجمع بين القدرات المُكملة للقطاعين العام والخاص في إبرام الشراكات فيما بينهما. وبمقدور دول مجلس التعاون الخليجي تسخير الشراكة بين القطاعين العام والخاص كسبيل لإدارة التكاليف المتنامية للرعاية الصحية، وكآلية لتعزيز قدرات منظومة الرعاية الصحية، وكجزء من برنامج التطوير المنهجي للقطاع.
شراكة يعمُّ نفعها على الجميع
يجلب كل من القطاعين العام والخاص نقاط قوة مختلفة إلى منظومة الرعاية الصحية. فالحكومات بدورها الفريد كجهة مانحة للتراخيص في قطاع الصحة تستطيع تحديد أوجه القصور في منظومة الرعاية الصحية وذلك من حيث إتاحة الوصول إلى الخدمات ومستوى جودتها. والأهم من ذلك كله، ما تتمتع به من صلاحيات تُخوّل لها تنظيم سوق الخدمات الصحية، واستحداث الحوافز التشجيعية، وقيامها في بعض الأحيان بتطبيق برامج إصلاح القطاع.
ويضيف غابريال شاهين قائلاً: ”يستطيع القطاع الخاص بدوره الارتقاء بكفاءة وفعالية العمليات التشغيلية لقطاع الرعاية الصحية من خلال الاستفادة بخبراته في مجالات على غرار الخدمات السريرية أو الإدارية أو المساندة. علاوةً على ذلك، بمقدور القطاع الخاص توفير موارد مالية لضخ رؤوس الأموال في فرص مُدرة للربح، وإذكاء روح المبادرة سعياً لتحفيز الابتكار“.
قد يتراوح نطاق التعاون بين القطاعين العام والخاص بدءاً من تقديم الخدمات الصحية وصولاً إلى الملكية الكاملة لأصول الرعاية الصحية. ويضيف جاد بيطار قائلاً "تدور الشراكات بين القطاعين العام والخاص في فلك نطاق من المهام تُمثل فيه عقود الإدارة أبسط أشكالها. وأما فيما يتعلق بالمهام الأكثر تعقيداً، فيتولى الشريك من القطاع الخاص تمويل المنشآت وبنائها وتشغيلها وامتلاكها وبيعها تدريجياً إلى الحكومة على المدى الطويل. ويسمح هذا النموذج من الشراكة للحكومة بتجنب التكاليف الرأسمالية الضخمة المطلوبة مقدماً للاستثمار في مجال الرعاية الصحية“.
منهج قائم على تعديل أنماط الشراكة
يتعين على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تبني منهج يعمل على موائمة الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفقاً لحيثياتها الاقتصادية الخاصة.
وفي هذا الشأن يضيف الدكتور عدناني قائلاً ”على الحكومات أن تتوخى الحذر لضمان حماية مصالحها بالتزامن مع دراسة تخصيص مرافق الرعاية الصحية العامة. وينبغي تكييف الشراكات بحيث تتوافق مع المتطلبات الخاصة بكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي ونظام الرعاية الصحية المطبق بها“.
فرص القطاع الخاص
يُشير نموذج قطاع الرعاية الصحية إلى أن القطاع العام هو المسؤول عن تنظيم أنشطة القطاع وترخيصها ومراقبتها. وفي المقابل، بإمكان القطاع الخاص تقديم الخدمات ذات القيمة التجارية على غرار جراحات القلب وتصنيع المعدات الطبية.
وفي حين تلائم خدمات التعامل غير المباشر مع المرضى التي تتميز بقيمة تجارية أعلى نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يُفضّل احتفاظ القطاع العام بالخدمات التي تغلب عليها القيمة الاجتماعية على غرار التوعية الصحية للسكان.
وفيما يتعلق بالقطاعات الفرعية للرعاية الصحية، تكمن الفرص في مجالات توفير الخدمات الصحية وتمويلها وتوفير الإمدادات والتوعية الصحية في كل دولة من دول الخليج وليس على مستوى الخليجي بأكمله.
تشمل فرص الشراكات بين القطاعين العام والخاص على مستوى مختلف الجهات ما يلي:
§ مؤسسات الرعاية الصحية: تلوح أمام مؤسسات الرعاية الصحية فرص واعدة لتطوير منظومات رعاية صحية في المناطق الريفية، فضلاً عن فرص توفير نظم نقل قوية للمرضى وخدمات طبية لحالات الطوارئ. وهناك فرص أخرى لتوفير الخدمات ضمن مجالات تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، وتشمل مرافق الرعاية المتخصصة ومراكز التميز.
§ مؤسسات التمويل: تحتاج الشركات الخاصة التي تبحث عن فرص تمويل توافر الحد الأدنى من حجم المشاريع حتى تصبح مجدية مالياً وطبياً. وتنبع أحد فرص التمويل المحورية من طرح برامج التأمين الصحي الإلزامي التي ستحتاج إلى شركات خاصة يُمكنها تقديم خدمات التعامل مع العملاء والخدمات المالية والدعم الإداري.
§ الموردون: تساعد خبرة القطاع الخاص على توريد مستلزمات للرعاية الصحية تتسم بالموثوقية وانخفاض التكاليف إلى القطاع العام. ومن الفرص الأخرى النجاح في فصل الخدمات التشخيصية لمنظومات الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي فضلاً عن تحسين عملية شراء المستلزمات الطبية وإدارة المرافق.
§ المؤسسات التعليمية: تضطلع المؤسسات التعليمية بدور مهم ينبع من حاجة منطقة الخليج إلى عدد كبير من المتخصصين في الرعاية الصحية. وينبغي على دول الخليج تلبية الطلب على خدمات الرعاية الصحية وإدخال مزيد من مواطنيها ضمن مجالات الرعاية الصحية في إطار أهدافها الوطنية لتعليمهم وتعزيز مهاراتهم.
إرساء أسس الشراكات بين القطاعين العام والخاص
في الواقع، تتضاءل فرص الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب التحديات المتمثلة في الإطار المؤسسي، والبيئة المواتية، وعملية خلق الفرص. فغالباً ما تفتقر دول مجلس التعاون الخليجي إلى الإطار المؤسسي في تنظيم عملية تطوير وتعزيز الشراكات.
تحتاج حكومات مجلس التعاون الخليجي إلى استحداث إجراءات أكثر فعالية لتحديد فرص الشراكات والإعلان عنها. ويتطلب ذلك فهماً شاملاً لاحتياجات الرعاية الصحية.
ولإرساء الأسس اللازمة للشراكات بين القطاعين العام والخاص، يجب على الحكومات القيام بما يلي:
§ إعداد الإطار المؤسسي: بإمكان الحكومات التغلب على هذه المشاكل من خلال توفير قدرات تكفل الحوكمة المثلى للشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما أنها تحتاج إلى إنشاء مكاتب لإدارة الشراكات تستند إلى قطاعات مختلفة وتتمتع بدرجة راقية من التدريب وجهات لتشجيع الاستثمار تعمل على إطلاق الشراكات وتنفيذها والإشراف عليها.
§ إنشاء بيئة مواتية للشراكات: يتعين على الحكومات التركيز على ثلاثة جوانب لإيجاد بيئة مواتية للشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية وهي: الجانب القانوني والتنظيمي والجانب التشغيلي والجانب المالي. فعلى الجانب القانوني، ينبغي للحكومات تبني القوانين والأنظمة اللازمة لاستقطاب مستثمري القطاع الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين. ومن الناحية التشغيلية، ستحتاج جهات الرعاية الصحية في منطقة الخليج إلى اتخاذ قرار بشأن المجالات التي ستتولى مسؤولية تشغيلها لتمهيد الطريق لدخول الشركات الخاصة. ومن حيث التمكين المالي، باستطاعة الحكومات تقديم ضمانات مباشرة تتيح للقطاع الخاص الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع. وبالمثل، يُمكن أن تتعهد الحكومات بتحقيق الحد الأدنى من معدلات الاستخدام أو العائدات التي من شأنها التخفيف من أي أضرار قد تلحق بالأرباح في حال عدم تحقق المستوى المتوقع للطلب، بل وقد تمنح قروض بفوائد مخفضة.
§ تنظيم الفرص: ستحتاج الحكومات إلى استحداث عملية مُنظمة لتخطيط وتنفيذ الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية وهو ما يتطلب القيام بخمس مراحل. تتمثل المرحلة الأولى من تلك العملية في وضع خطة للقدرات على مستوى قطاع الرعاية الصحية بحيث تُحدد الفرص الحالية والمستقبلية لسد الثغرات القائمة في نطاق تغطية خدمات الرعاية الصحية. أما المرحلة الثانية فيتم فيها فصل مجموعة فرعية من هذه الفرص وإسنادها إلى القطاع الخاص بناءً على نموذج قطاع الرعاية الصحية. ثم تنتقل العملية بعدها إلى المستوى التشغيلي، حيث تشمل المرحلة الثالثة وضع إطار الشراكات الذي يُحدد الأهداف والمهام والمسؤوليات ونموذج إدارة الأداء. وبالوصول إلى تلك النقطة، يُمكن أن تنتقل الشراكة إلى المرحلتين الرابعة والخامسة من العملية وهما: صياغة خطة التنفيذ ثم البدء في التنفيذ على أرض الواقع.
وفي الختام، يجدر بدول مجلس التعاون الخليجي استخدام آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص للتخفيف من أعباء الإنفاق المتزايد على الرعاية الصحية. ومع تحديد دور القطاع العام وفرص الشراكة الملائمة، بمقدور الحكومات تخطي العقبات المؤسسية، وبناء قدراتها، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحمل الحكومات وحدها مهمة جعل الشراكات قادرة على تقديم خدمات رعاية صحية يُمكن الوصول إليها وتتميز بالجودة العالية والأسعار المعقولة، بل يتعين على القطاع الخاص المبادرة بإجراء التحليلات الخاصة به وتقاسم معلومات وبيانات سوق الرعاية الصحية مع القطاع العام. وبفضل تقديم هذا الدعم لعملية الشراكة، يصبح بمقدور القطاع الخاص مساندة الحكومات وخلق فرص الشراكة من خلال بناء علاقة تعاونية عمادها الثقة المتبادلة بين الطرفين.
تشهد دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأعوام القادمة نمواً مُطّرداً في الإنفاق على قطاع الرعاية الصحية مما يُشكل عبئاً ثقيلا على حكوماتها. ومع استهلالنا لعام ٢٠١٣، لا تزال المنطقة تعاني من ازدياد تكاليف الرعاية الصحية، الأمر الذي يُعزى بشكل جزئي إلى تفشي الأمراض المزمنة بها. واليوم، باتت حكومات دول الخليج، بفضل التطوير المنهجي والتخطيط الاستراتيجي وبرامج الفحص الطبي الشامل، مُدركة لتعذر استدامة النموذج القائم على المدى الطويل والذي تتحمل فيه الدولة على عاتقها القسط الأكبر من التكاليف المباشرة للرعاية الصحية. وفي ضوء المعطيات السابقة، توصلت شركة الاستشارات الإدارية الرائدة بوز أند كومباني إلى حتمية تبني تلك الحكومات لمنهج الشراكة بين القطاعين العام والخاص سعياً منها لترشيد الإنفاق على منظومة الرعاية الصحية والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة وتسهيل وصول المرضى إلى المتخصصين.
نظام تحفّه التحديات
حققت نظم الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً إنجازات بارزة، بما يشمل تقديم الخدمات الصحية على نطاق واسع وتطوير المعايير المهنية واللوائح التنظيمية وتوفير التمويل السخي وضخ المزيد من الاستثمارات. وقد ساهمت كل من برامج الفحص الطبي الشامل وبرامج التطوير السريعة المُنفذة على صعيد المنظومة بأسرها وجهود التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى في ترسيخ مكانة دول الخليج في طليعة صناعة الرعاية الصحية.
فضلاً عن ذلك، تشارك حالياً حكومات دول مجلس التعاون، في إطار برامجها للتنمية الوطنية، في الجهود المحورية الرامية إلى تحسين وصول المرضى إلى الخدمات الصحية ورفع مستوى جودتها. وعلى أرض الواقع، تشهد المنطقة بأسرها خطوات وثّابة في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية. وتهدف الاستثمارات المُمولة من قبل الدولة إلى سد الهوّة بين العرض والطلب على الخدمات الصحية المقدمة للمرضى المُنوَّمين وتلك المقدمة للمرضى الخارجيين، علاوةً على تعزيز ثقة المواطنين في خدمات الرعاية الصحية الوطنية والحدّ من حجم السياحة العلاجية في الخارج. كما بدأت دول مجلس التعاون في الآونة الأخيرة بطرح نظام التأمين الصحي الإلزامي.
عقبات صناعة الرعاية الصحية
وفي هذا الصدد، يفيد غابريال شاهين، وهو شريك في شركة بوز أند كومباني، قائلاً ”في الحقيقة ستكون هذه المبادرات الاستشرافية واعدة بحق في حال ما سعت حكومات المنطقة للبحث عن سبيل جديد لتغطية تكاليف الزيادة في الطلب المتوقع على الرعاية الصحية وبناء قدرات منظوماتها الصحية. ولا يُمكن تحقيق أهداف حكومات المنطقة المنشودة لقطاع الرعاية الصحية سوى من خلال صياغة خطط استراتيجية ملائمة وطويلة المدى. وبالرغم من الجهود المبذولة، لا تزال نظم الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي تكافح مجموعة من التحديات المُتمثلة في العجز عن توفير القدرات اللازمة وتفاوت مستوى جودة الخدمات المقدمة، ناهيك عن النقص في الكوادر البشرية المتخصصة في الرعاية الصحية ومحدودية توافر الخدمات الصحية التخصصية المتسمة بالكفاءة وارتفاع معدلات تفشي الأمراض غير المعدية“.
ستضطر حكومات المنطقة إلى إنفاق المزيد على خدمات الرعاية الصحية نظراً لهذه التحديات التي تقف كحجر عثرة على الدوام في طريق تقدم الرعاية الصحية في المنطقة، ولاسيما التحدي الماثل في تقدم أعمار جيل الشباب الحالي.
ويعلق جاد بيطار، وهو مدير أول في بوز أند كومباني قائلاً ”بالرغم من أن معدل الإنفاق الحالي يقل عن المعايير الدولية عند مقارنته بنصيب الفرد في الدول المتقدمة، فإن هذا الأمر سيتغير إن آجلاً أم عاجلاً. ونتيجةً لذلك، ستسعى الحكومات بشكل منطقي إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص، ولكن تحت رقابة وتنظيم مباشر منها“.
منهج رقابي وتنظيمي
في ظل غياب التنظيم الملائم، ستحتدم المنافسة فيما بين الشركات الخاصة من جانب، وبينها وبين الحكومة من جانب آخر من أجل الفوز بالأيدي العاملة، وذلك في بيئة تندر فيها العمالة الماهرة الأمر الذي يؤدي بدروه إلى تصاعد التكاليف.
ولتجنب الوقوع في مثل تلك المواقف الشائكة، يتحتم على الحكومات اعتماد منهج رقابي وتنظيمي متعدد الأبعاد تتضافر فيه الأطراف المعنية بما يضمن توفير القطاع الخاص للقدرات والكفاءات المُكملة على أرض الواقع. ويعلق الدكتور نيخيل عدناني، وهو مستشار أول في بوز أند كومباني، قائلاً: ”من الأهمية بمكان التسليم بعدم وجود عصا سحرية لتطوير منظومة الرعاية الصحية مع إدراكنا لمدى تعقيد التحديات التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي ومدى تباينها بين الدول الستة. عوضاً عن ذلك، يُمكن للتنفيذ الحذر والموجه للشراكات بين القطاعين العام والخاص معالجة القضايا الرئيسية المتعلقة بقطاع الرعاية الصحية من حيث إتاحة الوصول إلى الخدمات الصحية، ومستوى جودتها، وقدرة المرضى على تحمل تكاليفها“.
وضع يربح فيه الجميع
تكمن أنجح الأساليب وأكثرها فعالية للجمع بين القدرات المُكملة للقطاعين العام والخاص في إبرام الشراكات فيما بينهما. وبمقدور دول مجلس التعاون الخليجي تسخير الشراكة بين القطاعين العام والخاص كسبيل لإدارة التكاليف المتنامية للرعاية الصحية، وكآلية لتعزيز قدرات منظومة الرعاية الصحية، وكجزء من برنامج التطوير المنهجي للقطاع.
شراكة يعمُّ نفعها على الجميع
يجلب كل من القطاعين العام والخاص نقاط قوة مختلفة إلى منظومة الرعاية الصحية. فالحكومات بدورها الفريد كجهة مانحة للتراخيص في قطاع الصحة تستطيع تحديد أوجه القصور في منظومة الرعاية الصحية وذلك من حيث إتاحة الوصول إلى الخدمات ومستوى جودتها. والأهم من ذلك كله، ما تتمتع به من صلاحيات تُخوّل لها تنظيم سوق الخدمات الصحية، واستحداث الحوافز التشجيعية، وقيامها في بعض الأحيان بتطبيق برامج إصلاح القطاع.
ويضيف غابريال شاهين قائلاً: ”يستطيع القطاع الخاص بدوره الارتقاء بكفاءة وفعالية العمليات التشغيلية لقطاع الرعاية الصحية من خلال الاستفادة بخبراته في مجالات على غرار الخدمات السريرية أو الإدارية أو المساندة. علاوةً على ذلك، بمقدور القطاع الخاص توفير موارد مالية لضخ رؤوس الأموال في فرص مُدرة للربح، وإذكاء روح المبادرة سعياً لتحفيز الابتكار“.
قد يتراوح نطاق التعاون بين القطاعين العام والخاص بدءاً من تقديم الخدمات الصحية وصولاً إلى الملكية الكاملة لأصول الرعاية الصحية. ويضيف جاد بيطار قائلاً "تدور الشراكات بين القطاعين العام والخاص في فلك نطاق من المهام تُمثل فيه عقود الإدارة أبسط أشكالها. وأما فيما يتعلق بالمهام الأكثر تعقيداً، فيتولى الشريك من القطاع الخاص تمويل المنشآت وبنائها وتشغيلها وامتلاكها وبيعها تدريجياً إلى الحكومة على المدى الطويل. ويسمح هذا النموذج من الشراكة للحكومة بتجنب التكاليف الرأسمالية الضخمة المطلوبة مقدماً للاستثمار في مجال الرعاية الصحية“.
منهج قائم على تعديل أنماط الشراكة
يتعين على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تبني منهج يعمل على موائمة الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفقاً لحيثياتها الاقتصادية الخاصة.
وفي هذا الشأن يضيف الدكتور عدناني قائلاً ”على الحكومات أن تتوخى الحذر لضمان حماية مصالحها بالتزامن مع دراسة تخصيص مرافق الرعاية الصحية العامة. وينبغي تكييف الشراكات بحيث تتوافق مع المتطلبات الخاصة بكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي ونظام الرعاية الصحية المطبق بها“.
فرص القطاع الخاص
يُشير نموذج قطاع الرعاية الصحية إلى أن القطاع العام هو المسؤول عن تنظيم أنشطة القطاع وترخيصها ومراقبتها. وفي المقابل، بإمكان القطاع الخاص تقديم الخدمات ذات القيمة التجارية على غرار جراحات القلب وتصنيع المعدات الطبية.
وفي حين تلائم خدمات التعامل غير المباشر مع المرضى التي تتميز بقيمة تجارية أعلى نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يُفضّل احتفاظ القطاع العام بالخدمات التي تغلب عليها القيمة الاجتماعية على غرار التوعية الصحية للسكان.
وفيما يتعلق بالقطاعات الفرعية للرعاية الصحية، تكمن الفرص في مجالات توفير الخدمات الصحية وتمويلها وتوفير الإمدادات والتوعية الصحية في كل دولة من دول الخليج وليس على مستوى الخليجي بأكمله.
تشمل فرص الشراكات بين القطاعين العام والخاص على مستوى مختلف الجهات ما يلي:
§ مؤسسات الرعاية الصحية: تلوح أمام مؤسسات الرعاية الصحية فرص واعدة لتطوير منظومات رعاية صحية في المناطق الريفية، فضلاً عن فرص توفير نظم نقل قوية للمرضى وخدمات طبية لحالات الطوارئ. وهناك فرص أخرى لتوفير الخدمات ضمن مجالات تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، وتشمل مرافق الرعاية المتخصصة ومراكز التميز.
§ مؤسسات التمويل: تحتاج الشركات الخاصة التي تبحث عن فرص تمويل توافر الحد الأدنى من حجم المشاريع حتى تصبح مجدية مالياً وطبياً. وتنبع أحد فرص التمويل المحورية من طرح برامج التأمين الصحي الإلزامي التي ستحتاج إلى شركات خاصة يُمكنها تقديم خدمات التعامل مع العملاء والخدمات المالية والدعم الإداري.
§ الموردون: تساعد خبرة القطاع الخاص على توريد مستلزمات للرعاية الصحية تتسم بالموثوقية وانخفاض التكاليف إلى القطاع العام. ومن الفرص الأخرى النجاح في فصل الخدمات التشخيصية لمنظومات الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي فضلاً عن تحسين عملية شراء المستلزمات الطبية وإدارة المرافق.
§ المؤسسات التعليمية: تضطلع المؤسسات التعليمية بدور مهم ينبع من حاجة منطقة الخليج إلى عدد كبير من المتخصصين في الرعاية الصحية. وينبغي على دول الخليج تلبية الطلب على خدمات الرعاية الصحية وإدخال مزيد من مواطنيها ضمن مجالات الرعاية الصحية في إطار أهدافها الوطنية لتعليمهم وتعزيز مهاراتهم.
إرساء أسس الشراكات بين القطاعين العام والخاص
في الواقع، تتضاءل فرص الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب التحديات المتمثلة في الإطار المؤسسي، والبيئة المواتية، وعملية خلق الفرص. فغالباً ما تفتقر دول مجلس التعاون الخليجي إلى الإطار المؤسسي في تنظيم عملية تطوير وتعزيز الشراكات.
تحتاج حكومات مجلس التعاون الخليجي إلى استحداث إجراءات أكثر فعالية لتحديد فرص الشراكات والإعلان عنها. ويتطلب ذلك فهماً شاملاً لاحتياجات الرعاية الصحية.
ولإرساء الأسس اللازمة للشراكات بين القطاعين العام والخاص، يجب على الحكومات القيام بما يلي:
§ إعداد الإطار المؤسسي: بإمكان الحكومات التغلب على هذه المشاكل من خلال توفير قدرات تكفل الحوكمة المثلى للشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما أنها تحتاج إلى إنشاء مكاتب لإدارة الشراكات تستند إلى قطاعات مختلفة وتتمتع بدرجة راقية من التدريب وجهات لتشجيع الاستثمار تعمل على إطلاق الشراكات وتنفيذها والإشراف عليها.
§ إنشاء بيئة مواتية للشراكات: يتعين على الحكومات التركيز على ثلاثة جوانب لإيجاد بيئة مواتية للشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية وهي: الجانب القانوني والتنظيمي والجانب التشغيلي والجانب المالي. فعلى الجانب القانوني، ينبغي للحكومات تبني القوانين والأنظمة اللازمة لاستقطاب مستثمري القطاع الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين. ومن الناحية التشغيلية، ستحتاج جهات الرعاية الصحية في منطقة الخليج إلى اتخاذ قرار بشأن المجالات التي ستتولى مسؤولية تشغيلها لتمهيد الطريق لدخول الشركات الخاصة. ومن حيث التمكين المالي، باستطاعة الحكومات تقديم ضمانات مباشرة تتيح للقطاع الخاص الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع. وبالمثل، يُمكن أن تتعهد الحكومات بتحقيق الحد الأدنى من معدلات الاستخدام أو العائدات التي من شأنها التخفيف من أي أضرار قد تلحق بالأرباح في حال عدم تحقق المستوى المتوقع للطلب، بل وقد تمنح قروض بفوائد مخفضة.
§ تنظيم الفرص: ستحتاج الحكومات إلى استحداث عملية مُنظمة لتخطيط وتنفيذ الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الرعاية الصحية وهو ما يتطلب القيام بخمس مراحل. تتمثل المرحلة الأولى من تلك العملية في وضع خطة للقدرات على مستوى قطاع الرعاية الصحية بحيث تُحدد الفرص الحالية والمستقبلية لسد الثغرات القائمة في نطاق تغطية خدمات الرعاية الصحية. أما المرحلة الثانية فيتم فيها فصل مجموعة فرعية من هذه الفرص وإسنادها إلى القطاع الخاص بناءً على نموذج قطاع الرعاية الصحية. ثم تنتقل العملية بعدها إلى المستوى التشغيلي، حيث تشمل المرحلة الثالثة وضع إطار الشراكات الذي يُحدد الأهداف والمهام والمسؤوليات ونموذج إدارة الأداء. وبالوصول إلى تلك النقطة، يُمكن أن تنتقل الشراكة إلى المرحلتين الرابعة والخامسة من العملية وهما: صياغة خطة التنفيذ ثم البدء في التنفيذ على أرض الواقع.
وفي الختام، يجدر بدول مجلس التعاون الخليجي استخدام آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص للتخفيف من أعباء الإنفاق المتزايد على الرعاية الصحية. ومع تحديد دور القطاع العام وفرص الشراكة الملائمة، بمقدور الحكومات تخطي العقبات المؤسسية، وبناء قدراتها، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحمل الحكومات وحدها مهمة جعل الشراكات قادرة على تقديم خدمات رعاية صحية يُمكن الوصول إليها وتتميز بالجودة العالية والأسعار المعقولة، بل يتعين على القطاع الخاص المبادرة بإجراء التحليلات الخاصة به وتقاسم معلومات وبيانات سوق الرعاية الصحية مع القطاع العام. وبفضل تقديم هذا الدعم لعملية الشراكة، يصبح بمقدور القطاع الخاص مساندة الحكومات وخلق فرص الشراكة من خلال بناء علاقة تعاونية عمادها الثقة المتبادلة بين الطرفين.

التعليقات