ضحايا نصب واحتيال باسم شركة HP

الرباط - دنيا الوطن - محمد منافع
يقومون بتقمص جميع الأدوار و الصفات، بإيهام ضحاياهم بتوظيفهم كمراقبين مستقبلين، بفروع شركة "HP" العالمية بالمغرب، مع تدريب مجاني لمدة 3 أشهر بفرنسا،ضحاياهم تجاوز المئات منذ 2010، من مختلف المناطق والمدن المغربية، الأمر الذي حذا ب " مغرب اليوم"، إلى التوقف عند هذه الظاهرة ومحاولة ملامستها من كافة الجوانب القانونية والاجتماعية، من أجل فهم أسباب و ظروف تنامي هذه الظاهرة، مع شهادات حية لضحاياهم.

بداية القصة:
عاد يوسف ابن مدينة الدار البيضاء ذات مساء، إلى منزله ككل يوم يمضيه بعمله، بعد تناوله وجبة عشاءه، يخبره أفراد عائلته توصله بطرف بريدي، أحضره له أخوه الأصغر مصطفى إلى غرفته، تلهف يوسف لمعرفة ماذا يحتويه الظرف، المفاجأة الكبرى عند رأيته للظرف المرسل إليه شخصيا من فرنسا،
فتح يوسف الظرف والفرحة تختلط مع الدهشة تبرز في محياه، يجد داخله مجموعة من الأوراق، شهادة إدارية كتب عليهما اسمه وعنوانه ، مع تدريب مجاني لمدة 3 أشهر بالعاصمة الفرنسية، مع لائحة بأسماء وعنوانين أشخاص تم انتقاءهم أيضا لنفس الهدف، إلى جانب ورقة أخيرة كتبت عليها جميع الشروط والتوجيهات التي يجب على يوسف أن يتبعها من أجل انجاز الملف.

ماهية المحتوى:
عليه أولا أن يبعث مبلغ 585.00 درهم من أجل تتمة أوراق الملف إن أراد أن يكون كمراقب مستقبلا للشركة "HP" بالمغرب.
تشاور يوسف مع بعض أصدقائه حول الموضوع، ونصحوه بالشروع في إعداد الملف المطلوب و التوكل على الله، لم يخفي يوسف توجسه وما مدى يمكن أن يؤول إليه هذا الملف ،لكنه في ذات الوقت، لم يخفي فرحته إن وفق في هذا العمل الجديد.
في صباح اليوم التالي،توجه يوسف إلى إحدى الوكالات البريد المغرب القريبة منه، قام بإرسال الأوراق التي طلبت منه أن يبعثها عبر البريد حسب ما كتب في خانة الشروط والتوجيهات، تتكون أساسا من شهادة الدبلوم ونسخة من البطاقة التعريف الوطنية وبطاقة التدريب، وصلته مع الظرف عليها صورته، ومعلومات خاصة به إلى عنوان (Département Ressources Humaines. Recrutement Et Formation 14, Terrasse Bellini- La Défense 92807 PUTEAUX CEDEX – PARIS - France. وإيداع المبلغ المطلوب في الحساب الشخصي للمندوب الشركة هنا بالمغرب باسم رشدي مصطفى في حساب رقم POSTE MAROC : 6394 1284 0063 6684، وعمل نسخ من الشهادة والإدارية وبطاقة التعريف الوطنية ونسخة من الإيصال الذي أودع به المبلغ وإرسالها عبر الفاكس على الرقم 0033 1 42 25 13 13 ، اكتشف فيما بعد أنه عبارة عن رقم إحدى المؤسسات الخاصة بأوربا.


المفأجاة غير المتوقعة:
بعد إرساله لمعظم الأوراق التي طلبت منه، عاد يوسف إلى عمله ينتظر ما قد تسفر عنه الأيام القادمة، مضيفا ما لم أكن أتوقعه من مفاجأة بعد 15 يوما، من إرسال الوثائق عبر البريد السريع، توصلي بإيصال من بريد المغرب يخبرني بضرورة الحضور إلى مقر المكتب في أقرب وقت.

هم صباحا بالذهاب إلى المكتب البريد، محملا بأسئلة لا يجد لها أجوبة، وجد في انتظاره بالمكتب رجوع الظرف الذي أرسله إلى العنوان بفرنسا مختوما من طرف ساعي بريد فرنسا، على أن الظرف مرسل إلى عنوان مجهول.
عملية البحث:

قام يوسف ببحث عبر الشبكة العنكبوتية عن الموقع ، تأكدت شكوكه وتخميناته من خلالها فالعنوان المتوفر لم يكن سوى اسم ساحة تقع في قلب العاصمة الفرنسية، وعدم وجود اسم الشركة بالمنطقة الصناعية بطنجة، كما جاء في الغلاف المرسل إليه.

ماذا بعد هل أذهب إلى الشرطة لوضع شكاية أم التوجه إلى مقر البريد من أجل محاولة استرداد مبلغ النقود، أسئلة وأخرى تدور في ذهن يوسف ، لم يجد جوابا لها سوى القيام من جديد بعملية بحث حول الشركة اكتشف من خلالها شبكة "experts-univers "، تضم العديد من الأجوبة والاستفسارات للأشخاص، وقعوا جميعهم ضحايا لعمليات النصب والاحتيال الخطيرة من طرف هؤلاء المحتالون باسم الشركة ،منذ سنة 2010 إلى حدود كتابة هذه السطور رغم الشكايات التي قام بها بعض هؤلاء الضحايا.

لم يجد يوسف سوى ربط الاتصال ببعض الضحايا الذين تركوا أرقام هواتفهم و ايميلات الشخصية، عبر الشبكات التواصل الاجتماعية وبعض المواقع التي اجتمع فيها هؤلاء الضحايا من مدن مختلفة عبر التراب الوطني.

ضحايا من مدن مختلفة:
الدار البيضاء، طنجة، الفقيه بن صالح، مراكش، الجديدة،... ومن مدن أخرى عددهم تجاوز الآلاف، التقت "مغرب اليوم" بعضهم بمدينة الدار البيضاء بعد أن ربطت الاتصال مع بعدهم عبروا عن غضبهم واستياءهم الشديد من استمرار عمل هؤلاء الناصبين في النصب والاحتيال على شباب مغاربة، مؤكدين عن عزمهم و استعدادهم لمتابعة هؤلاء النصابين قضائيا ليكونوا عبرة لغيرهم.
تقول ليلى من الدار البيضاء تتابع دراساتها في مجال التجارة " على أنها لم تقع ضحية لهؤلاء النصابين بحكم تجربة مرة بها بعض من صديقاتها سبق لهم أن وقعا ضحايا لعمليات نصب واحتيال، خاصة إذ كانت العملية لا تتضمن المسطرة المتبعة في اختيار الأشخاص المراد تعيينهم كمراقبين كما جاء في الظرف، مضيفا أنها تتوصل يوميا بمئات الرسائل البريدية من أفارقة يدعون أنهم يملكون الملايير في بلدان أوربا، لكنهم يحتاجون إلى المال ليخرجوا من وضعيتهم الحالية، حتى يضمنوا لأنفسهم كل المال، ومن بعد يعطونك نصيبك جزاء خدمتك، مضيفة أنها عمليات النصب والاحتيال انتشرت بشكل ملف داخل المجتمع المغربي مما يجب معها القضاء عليها.

بينما محمد من سيدي بنور حارس أمن خاص يؤكد أنه وقع ضحية لهؤلاء بحكم الجهل " عار و حشومة عليهم يديروا فينا هاكا" علامات الاستياء تظهر على محياه، وهو يتذكر اليوم الأول التي توصل به بالظرف الملغم كما سماه لنا يضيف محمد أن الشيء الذي جعله يقدم على هذه المغامرة هو الفقر والجهل الذي كان يتخبط فيه مع أبناء المنطقة دفعه " يديرها فيض الله". يضيف أنه اتصل بهاتف الشركة بسيدي معروف وقام بتقديم نفسه واستفسر حول الظرف، أخبروه أنه ليس من طرفهم، وعلى أنه ليس الأول والأخير الذي اتصل بهم، دعوه إلى تقديم شكاية إلى أقرب مقر الشرطة لتأخذ العدالة مجراها القانوني.

أما حسن من الرباط مسؤول في شركة وطنية للاتصالات يقول ل"مغرب اليوم"، بحكم بعض الزيارات التي أقوم بها أحيانا لأجل الشركة لفرنسا، اطلعت على الظرف أول ما وصلني، ما بداخله عرفت حينها أنها طريقة جديدة للنصب والاحتيال يستخدمها بعض هؤلاء المحتالون للنصب على ضحاياهم، فمن وجهة نظره توصل الشخص بظرف من فرنسا ومروره عبر طنجة إلى الدار البيضاء وإرساله على عنوان الضحية يخلق الكثير من الشكوك، الشركة إن كانت تريد توظيف أشخاص سوف تتصل بهم مباشرة على الهاتف ودون تعقيد العملية.
مضيفا أنه قام بعمليات الاتصال لمجموعة من الضحايا بعد التعرف على أرقامهم من المواقع السالفة الذكر، واتفق معهم على اللقاء بهم جميعا بمدينة البيضاء، لكني تفاجأت بعدم حضور أي منهم.

من هم هؤلاء:
من هم هؤلاء؟ أين نجدهم، أسئلة وغيرها لم يجد له العديد من الضحايا جواب حتى الآن، حول طريقة للوصول إلى هؤلاء المحتالون، يوقعون في الأوراق بأسماء أجنبية مثل "Sablaha Zinat و Natom Idans"، بعض الضحايا أكد لم"مغرب اليوم" محاولته الاستفسار عن معنى هذه الأسماء داخل الشبكة العنكبوتية فلم يجد لها معنى، اكتشف فيما بعد أن مركبة من كلمات بطريقة عشوائية من أسماء عربية.

بينما قام البعض الأخر بمحاولة الاستفسار الأمر لدى قيامه بشكاية لدى السلطات المختصة، خاصة أمام النفي الدائم لفرع الشركة بالمغرب مسؤولياتها على تلك الأظرفة.

موقف الشركة:
من جهتها اتصلت "مغرب اليوم" بمقر الشركة بالدار البيضاء أكدوا لنا أيضا خلو مسؤوليتهم من تلك الأظرفة التي يتوصل بها بعض الضحايا تحمل اسم الشركة، مؤكدين أنهم أصدروا بيانا بهذا الشأن ينفي بشكل قاطع خلو مسؤوليتهم، مضيفين أيضا أنهم أخطروا السلطات القضائية بهذا الملف للضرب على أيدي هؤلاء النصابين، الذين "يقتاتون" على آلام وجراح الآخرين ويأكلون أموال الناس بالباطل عن طريق النصب والاحتيال، حيث ينبغي التصدي لهم ومحاربتهم من قبل الجهات المختصة وتعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب لتحقيق الأمن وحماية حقوق الإنسان من كل اعتداء.
مؤكدين أن شركة تتبع سياسة خاصة في مجال توظيف الطريقة العادية المعمول بها على الصعيد الوطني، حيث تتصل هذه الأخيرة بالمرشح وتطلب منه الالتحاق بمقر الشركة بسيدي معروف حيث يخضع لمجموعة من الاختبارات والمؤهلات التي تتوافق مع سياسياتها الداخلية الخاصة.

النصب والاحتيال في القانون المغربي:
في اتصال هاتفي مع إدريس الغريني، محامي بهيئة المحامين بمدينة فاس، أكد ل"مغرب اليوم" أكد الغريني أن عمليات النصب والاحتيال جريمة تطرّقَ لها المشرع المغربي في الفرع الثاني من الباب التاسع المتعلق بالجنايات والجنح المتعلقة بالأموال من مجموعة القانون الجنائي المغربي، المنفذ بمقتضى الظهير الشريف رقم 413/59/1 بالمصادقة على القانوني الجنائي الصادر بتاريخ 26 نونبر 1962. وتترواح عقوبتها بين 6 أشهر سنتين سجنا نافذا، وقذ تصل أحيانا إلى 5 سنوات حسب طبيعة الجرائم المرتكبة.

مضيفا أن موقف الشركة المعنية لا تعتبر مسؤولا ، خاصة إن قامت بإعلان وبشكل رسمي، عن خلو مسؤوليتها من مثل هذه الأظرفة، مؤكدا على ضرورة قيام هؤلاء الضحايا بتقديم هذه الوثائق إلى النيابة العامة من أجل الوقوف على الموضوع.

قول في الأسباب:
يجدر بنا هنا التساؤل عن أسباب تزايد هده الظاهرة، التي تبقى في بعدها ظاهرة اجتماعية خطيرة في المجتمع المغربي، في اتصال هاتفي مع توفيق حيداني باحث اجتماعي، أكد لـ " مغرب اليوم" أن وضعية الاقتصادية الدقيقة التي يعيشها المغرب، تدفع العديد من الشباب المغاربة خاصة العاطلين منهم عن العمل، إلى تصديق أي شيء خاصة إن كانت تتضمن فرصة السفر خارج أرض، لتغيير وضعيته الاقتصادية والاجتماعية، مقارنة مع المبلغ المطلوب كما هو مشار إليه في الورقة.

من جهة أخرى يؤكد توفيق حيداني، بخصوص تنامي هذه الظاهرة مرتبط أساسا بالتغير في نسق القيـّم الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي، مضيفا أن التطور التذي تعرفه البنية الاجتماعية للمغرب أضحى اليوم أوسع مما كان عليه في الماضي. مما ترتب عنه شرخ داخل الجسم المغربي خلف وراءه العديد من المشاكل والمظاهر الاجتماعية التي مازال المجتمع حسبه يعاني من أثارها. و من بينهم الممارسين للنصب والاحتيال الذين يستغلون سذاجة بعض الأفراد للعديد من أفراد المجتمع الذين يقعون ضحايا في شباكهم. خاصة عندما يوظفون أسماء مؤسسات عالمية يسهل عليهم إيقاع بضحاياهم.

وللحد من هذه الظاهرة، أكد الحيداني، أنه من الصعب جدا وضع حد للظاهرة، لأنها مرتبطة بعوامل خارجية وأخرى ذاتية نفسية. لكن، في نظره ينبغي التفكير على الأقل في التقليل منها ومن تأثيراتها السلبية على المجتمع االمغربي، من خلال تعبئة لكل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والإعلام لتسليط الضوء على هذه المظاهر والسلوكات التي تنخر الجسم المغربي.

التعليقات