تقرير: أطفال سورية وجحيم الحرب
رام الله - دنيا الوطن
يحذر المختصون الاجتماعيون والنفسيون، من أن أهوال مآسي الأزمة السورية على نفسية الأطفال، ستترك تأثيرات سلبية مستقبلية تمس تنشئتهم النفسية والتربوية والأخلاقية، وستعيش طوال العمر مع أولئك الذين عانوا منها، وستحكم سلوك وثقافة
أجيال السوريين
السيدة "م.ع" فلسطينية تعمل مدرسة ابتدائي منذ 25 عاماً في المدارس السورية، كانت تقف قبل ثلاثة أيام بذهول على أبواب مخيم اليرموك، وهي تراقب جموع الفارين منه، خليط من الفلسطينيين والسوريين من سكان المخيم وممن فروا إليه خلال الأزمة السورية. تدمع عيناها على زوجها الذي بقي داخل المخيم ورفض الخروج، تنظر باتجاه المدخل قبل أن ينتهي سيل الخارجين برشقات من رصاص كلاشينكوف وأصوات قنص.
لكن السيدة (م.ع) سريعاً ما تنشغل بنقاش مع مجموعة من الشباب والشابات تحلقوا حولها، تبتسم لهم، وتتبادل معهم أطراف حديث سريع قبل أن تودعهم، وتمضي بحثاً عن مكان تبيت فيه ليلتها مع أولادها، تلوح بيديها للشباب وتقول لسائق السيارة الذي ينتظرها هؤلاء كانوا من تلاميذي.
وفي حديث معها ترى المُدرسة القديرة أن المحنة التي يمر بها أطفال سورية منذ عشرين شهراً، أكبر من طاقتهم على التحمل، وأن نتائج المعاناة منها بدأت تظهر في سلوكهم ونظرتهم إلى الحياة والمجتمع ومستقبلهم في وطنهم، وقناعاتهم بدءاً من
تراجع أهمية التحصيل الدراسي بنظرهم، إلى العلاقات المجتمعية وقدرتهم على الاندماج المجتمعي. وتشير في هذا السياق إلى نقطة غاية في الأهمية وهي تقييمهم لمؤسسات الدولة والمجتمع على ضوء الأزمة والشرخ المجتمعي، الذي بدأ يدب كواقع، سواء لجهة الخلافات الطاحنة بين المعارضين والموالين، ودور مؤسسات الجيش والأمن والأحزاب والإعلام الرسمي والأطر النقابية والتربوية والثقافية في الأزمة، أو لجهة احتقان طائفي يتضخم مع مرور الوقت، وتعقيدات الأزمة ككرة ثلج متدحرجة، بسبب سيل من ضخ إعلامي يعزف ضمناً على هذا الوتر.
وتلفت المُدرسة إلى أن أحد أخطر نتائج الأزمة اهتزاز قناعة النشء الجديد بالمؤسسات المجتمعية، ووقوعهم تحت ضغط تبرير وسائل الإعلام على جانبي الصراع، لاستخدام العنف والقوة المفرطة، وهذا يجعل من العنف ثقافة سائدة، أو لنقل في
الحدود الدنيا مقبولة مجتمعياً من أوساط واسعة في المجتمع، وتتوجه في بعض مناحيها نحو الأطر الحكومية باعتبارها طرفاً في الأزمة ولم يتم تحييدها.
(ر. س) موجه تربوي في مدرسة ثانوية بريف دمشق الجنوبي، يوضح ما سبق بالقول: إن استعادة الصورة السابقة لنظرة الأطفال والشباب السوريين إلى المؤسسات المجتمعية والحكومية، يحتاج إلى وقت ليس بالقليل، فتكريس صورة الجيش كطرف في الأزمة شكّل إحدى أكبر مساوئها، لاسيما أن سورية في حالة نزاع مع إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان، ولطالما اعتبر الجيش السوري ضمانة لأمن وسلامة البلد واستعادة الجولان
إلى السيادة السورية.
ويضيف: "السلوك العنيف صار سمة من سمات تعامل الطلاب فيما بينهم من مزاح، وفي النقاشات تبرز في كثير من الأحيان عبارات عنف لفظي، فمشاهد القتل والدمار، والتجارب التي مرّ بها الطلاب وأسرهم على حواف الموت والنزوح، وفقدان كل مقومات الاستقرار المجتمعي، وتراجع الاعتقاد بأن المستقبل سيكون أقل سوءاً، كل ذلك يدفع الأطفال والشباب اليافعين نحو ممارسة عنف حركي أو لفظي".
مديرة مدرسة ابتدائية في بلدة ببيلا، جنوب دمشق، تذكر واقعة الانفجار الذي وقع في منطقة القزاز نيسان (أبريل) الماضي كنقطة تحول في نفسيات طلاب مدرستها، فـ"بعد الانفجار انتشرت ظواهر التبول اللاإرادي لدى طلاب الصفوف الأولى من
المرحلة الابتدائية، والخوف من العتمة أو الخروج إلى الشارع، وعدم الانتظام في الدوام المدرسي".
وتستطرد "بالإضافة إلى اضطرار أسر الأطفال للنزوح من المناطق الساخنة، نحو مناطق أقل سخونة، نقل عشرات آلاف الأطفال من بيئتهم الاجتماعية، التي ولدوا فيها إلى بيئات اجتماعية غريبة عنهم نسبياً، فالمحافظات السورية تشكل بيئات مجتمعية بينها فوارق في العادات والتقاليد، وعانى الكثير من الطلاب المنقولين إلى مدارس في محافظات أخرى غير محافظاتهم من الانعزالية والانطوائية وتراجع مستوى التحصيل الدراسي، والشعور بالاغتراب الاجتماعي، وأحياناً الإحساس بعدائية
من قبل الآخرين، ربما يكون مبالغاً فيها، لكنها شعور ناتج عن ضغوط الأزمة التي تعصف بالسوريين".
ومن المؤشرات على معاناة الأطفال اضطرار الكثير منهم لترك الدراسة والدخول إلى سوق العمل، جراء تهجير أهاليهم والظروف المادية الصعبة التي يواجهونها، مما يعرضهم لمشاعر قهرية بحرمانهم من حق الدراسة، والاضطهاد والاستغلال بالعمل
لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة.
إلا أن مظاهر المعاناة المذكورة تبدو بسيطة أمام معاناة الأطفال، الذين فقدوا آبائهم أو أمهاتهم أو أحد أفراد أسرهم، فهؤلاء من الصعب مداواة جراحهم النفسية التي حفرتها شهور طويلة من جحيم الحرب. وكمثال على ذلك تقول سيدة سورية إن ابنها البالغ من العمر خمس سنوات، كان ينتظر عودة والده الذي قتل قبل خمسة أشهر في قصف بقذائف الهاون، وكان الطفل يقف يومياً وراء الباب ساعات طويلة بانتظار أب لن يعود، إلى أن فوجئت السيدة قبل ثلاثة أسابيع تقريباً بتعرض طفلها لحالة من بكاء هستيري صرخ في نهايتها بصوت متهدج "عندما أكبر سأقتل من قتل أبي"، ومن يومها يلعب مع إخوته لعبة الحرب، دوره التمثيلي فيها دور المنتقم لوالده.
وتنبه السيدة إلى أن المشاعر التي يعبر عنها ابنها تخيفها، وتصيبها بالرعب عندما تشاهد فتية، في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر، يحملون السلاح، فهي لا
تريد أن يلاقي طفلها عندما يكبر مصير هؤلاء الفتية.. لا تريد له أن يلعب في الحياة دور المنتقم بل دور المسامح، وأن يلقى من ارتكبوا عمليات قتل وتنكيل جزاءهم الذي يستحقونه بإخضاعهم لمحاكمات عادلة، يعبُر السوريون من خلالها إلى واحدة من أهم تعبيرات دولة القانون في الغد المنشود.
يحذر المختصون الاجتماعيون والنفسيون، من أن أهوال مآسي الأزمة السورية على نفسية الأطفال، ستترك تأثيرات سلبية مستقبلية تمس تنشئتهم النفسية والتربوية والأخلاقية، وستعيش طوال العمر مع أولئك الذين عانوا منها، وستحكم سلوك وثقافة
أجيال السوريين
السيدة "م.ع" فلسطينية تعمل مدرسة ابتدائي منذ 25 عاماً في المدارس السورية، كانت تقف قبل ثلاثة أيام بذهول على أبواب مخيم اليرموك، وهي تراقب جموع الفارين منه، خليط من الفلسطينيين والسوريين من سكان المخيم وممن فروا إليه خلال الأزمة السورية. تدمع عيناها على زوجها الذي بقي داخل المخيم ورفض الخروج، تنظر باتجاه المدخل قبل أن ينتهي سيل الخارجين برشقات من رصاص كلاشينكوف وأصوات قنص.
لكن السيدة (م.ع) سريعاً ما تنشغل بنقاش مع مجموعة من الشباب والشابات تحلقوا حولها، تبتسم لهم، وتتبادل معهم أطراف حديث سريع قبل أن تودعهم، وتمضي بحثاً عن مكان تبيت فيه ليلتها مع أولادها، تلوح بيديها للشباب وتقول لسائق السيارة الذي ينتظرها هؤلاء كانوا من تلاميذي.
وفي حديث معها ترى المُدرسة القديرة أن المحنة التي يمر بها أطفال سورية منذ عشرين شهراً، أكبر من طاقتهم على التحمل، وأن نتائج المعاناة منها بدأت تظهر في سلوكهم ونظرتهم إلى الحياة والمجتمع ومستقبلهم في وطنهم، وقناعاتهم بدءاً من
تراجع أهمية التحصيل الدراسي بنظرهم، إلى العلاقات المجتمعية وقدرتهم على الاندماج المجتمعي. وتشير في هذا السياق إلى نقطة غاية في الأهمية وهي تقييمهم لمؤسسات الدولة والمجتمع على ضوء الأزمة والشرخ المجتمعي، الذي بدأ يدب كواقع، سواء لجهة الخلافات الطاحنة بين المعارضين والموالين، ودور مؤسسات الجيش والأمن والأحزاب والإعلام الرسمي والأطر النقابية والتربوية والثقافية في الأزمة، أو لجهة احتقان طائفي يتضخم مع مرور الوقت، وتعقيدات الأزمة ككرة ثلج متدحرجة، بسبب سيل من ضخ إعلامي يعزف ضمناً على هذا الوتر.
وتلفت المُدرسة إلى أن أحد أخطر نتائج الأزمة اهتزاز قناعة النشء الجديد بالمؤسسات المجتمعية، ووقوعهم تحت ضغط تبرير وسائل الإعلام على جانبي الصراع، لاستخدام العنف والقوة المفرطة، وهذا يجعل من العنف ثقافة سائدة، أو لنقل في
الحدود الدنيا مقبولة مجتمعياً من أوساط واسعة في المجتمع، وتتوجه في بعض مناحيها نحو الأطر الحكومية باعتبارها طرفاً في الأزمة ولم يتم تحييدها.
(ر. س) موجه تربوي في مدرسة ثانوية بريف دمشق الجنوبي، يوضح ما سبق بالقول: إن استعادة الصورة السابقة لنظرة الأطفال والشباب السوريين إلى المؤسسات المجتمعية والحكومية، يحتاج إلى وقت ليس بالقليل، فتكريس صورة الجيش كطرف في الأزمة شكّل إحدى أكبر مساوئها، لاسيما أن سورية في حالة نزاع مع إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان، ولطالما اعتبر الجيش السوري ضمانة لأمن وسلامة البلد واستعادة الجولان
إلى السيادة السورية.
ويضيف: "السلوك العنيف صار سمة من سمات تعامل الطلاب فيما بينهم من مزاح، وفي النقاشات تبرز في كثير من الأحيان عبارات عنف لفظي، فمشاهد القتل والدمار، والتجارب التي مرّ بها الطلاب وأسرهم على حواف الموت والنزوح، وفقدان كل مقومات الاستقرار المجتمعي، وتراجع الاعتقاد بأن المستقبل سيكون أقل سوءاً، كل ذلك يدفع الأطفال والشباب اليافعين نحو ممارسة عنف حركي أو لفظي".
مديرة مدرسة ابتدائية في بلدة ببيلا، جنوب دمشق، تذكر واقعة الانفجار الذي وقع في منطقة القزاز نيسان (أبريل) الماضي كنقطة تحول في نفسيات طلاب مدرستها، فـ"بعد الانفجار انتشرت ظواهر التبول اللاإرادي لدى طلاب الصفوف الأولى من
المرحلة الابتدائية، والخوف من العتمة أو الخروج إلى الشارع، وعدم الانتظام في الدوام المدرسي".
وتستطرد "بالإضافة إلى اضطرار أسر الأطفال للنزوح من المناطق الساخنة، نحو مناطق أقل سخونة، نقل عشرات آلاف الأطفال من بيئتهم الاجتماعية، التي ولدوا فيها إلى بيئات اجتماعية غريبة عنهم نسبياً، فالمحافظات السورية تشكل بيئات مجتمعية بينها فوارق في العادات والتقاليد، وعانى الكثير من الطلاب المنقولين إلى مدارس في محافظات أخرى غير محافظاتهم من الانعزالية والانطوائية وتراجع مستوى التحصيل الدراسي، والشعور بالاغتراب الاجتماعي، وأحياناً الإحساس بعدائية
من قبل الآخرين، ربما يكون مبالغاً فيها، لكنها شعور ناتج عن ضغوط الأزمة التي تعصف بالسوريين".
ومن المؤشرات على معاناة الأطفال اضطرار الكثير منهم لترك الدراسة والدخول إلى سوق العمل، جراء تهجير أهاليهم والظروف المادية الصعبة التي يواجهونها، مما يعرضهم لمشاعر قهرية بحرمانهم من حق الدراسة، والاضطهاد والاستغلال بالعمل
لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة.
إلا أن مظاهر المعاناة المذكورة تبدو بسيطة أمام معاناة الأطفال، الذين فقدوا آبائهم أو أمهاتهم أو أحد أفراد أسرهم، فهؤلاء من الصعب مداواة جراحهم النفسية التي حفرتها شهور طويلة من جحيم الحرب. وكمثال على ذلك تقول سيدة سورية إن ابنها البالغ من العمر خمس سنوات، كان ينتظر عودة والده الذي قتل قبل خمسة أشهر في قصف بقذائف الهاون، وكان الطفل يقف يومياً وراء الباب ساعات طويلة بانتظار أب لن يعود، إلى أن فوجئت السيدة قبل ثلاثة أسابيع تقريباً بتعرض طفلها لحالة من بكاء هستيري صرخ في نهايتها بصوت متهدج "عندما أكبر سأقتل من قتل أبي"، ومن يومها يلعب مع إخوته لعبة الحرب، دوره التمثيلي فيها دور المنتقم لوالده.
وتنبه السيدة إلى أن المشاعر التي يعبر عنها ابنها تخيفها، وتصيبها بالرعب عندما تشاهد فتية، في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر، يحملون السلاح، فهي لا
تريد أن يلاقي طفلها عندما يكبر مصير هؤلاء الفتية.. لا تريد له أن يلعب في الحياة دور المنتقم بل دور المسامح، وأن يلقى من ارتكبوا عمليات قتل وتنكيل جزاءهم الذي يستحقونه بإخضاعهم لمحاكمات عادلة، يعبُر السوريون من خلالها إلى واحدة من أهم تعبيرات دولة القانون في الغد المنشود.

التعليقات