باقة ورد الى الرئيس محمود عباس ابو مازن
باقة ورد الى الرئيس محمود عباس (ابو مازن)
بقلم: ريموندا حوا طويل
بريد الكتروني: [email protected]
ان الشجاعة في القلوبِ كثيرة ورأيت شجعان العقول قليلا
* بحكمة المؤرخ وثقافة المناضل وإصرار صاحب الحق خاض معركة الدولة وانتصر
* محمود عباس القائد المحارب، أستاذ التاريخ، القانوني، الرائد الأديب، المؤلف، المفاوض العنيد، يأسرك بمنطقه وترفعه وخلقه ورؤياه وبصيرته * "هل هناك شعب فائض عن الحاجة في منطقتنا، أم ان هناك دولة ناقصة ينبغي تجسيدها فوق أرض فلسطين"
سؤال طرحه الرئيس وأجابت عليه مائة وثمانين دولة
هذه باقة ورد أقدمها للرئيس القائد أبو مازن.. أقدمها بحب واعتزاز وتقدير على هذا النصر التاريخي العظيم الذي حققه عندما وضع فلسطين على جغرافية الدول المستقلة، التي لها حدود وكيان، ولغة، وعلم، وشعب ورئيس.
دولة حقيقية في عُرف القانون والتاريخ والمنطق والواقع السياسي والثوري.. دولة على قدم المساواة مع الدول الأخرى.
دولة غير عضو، ولكنها ذات كيان وحقوق وكلمة، وهي قادرة على أن تأخذ مكانتها وحقوقها عندما تذهب إلى المحافل الدولية والمنابر الإنسانية والمنظمات الحقوقية.
دولة ولها حدود وشعب، فلا يجوز لأي دولة أخرى أن تغتصب أرضها وحقها وماءها وهواءها، ولا يجوز لأي قوة ان تحاصرها وتمنع عنها الماء والهواء والحياة.
القيادات التاريخية أقوى من المتغيرات
يا سيادة الرئيس..
أنا أعرفك حق المعرفة.. منذ سنين قائدا ورفيق درب لابو عمار وأُكبر فيك هدوءك وعلمك وتاريخك وحكمتك وتجربتك وخبرتك وإيمانك بحق وطنك وقضية بلادك.
لقد حملت مأساة شعبك ومعاناته وحملت كل هموم المشردين من أطفال وشيوخ ونساء وحملت تاريخا طويلا من الهموم والمآسي والنكبات على امتداد خمسة عقود أو أكثر وقد شهدت منذ كنت في العاشرة من عمرك في مدينة صفد ألوانا من المحن والهزائم والانكسارات، حملت كل ذلك وذهبت لتضعه أمام العالم ولتضع العالم كله بما فيه من قيم ومبادئ ومفاهيم أمام هذه النكبات والكوارث التي تشكل ملفا داميا للشعب الفلسطيني، انك في كلمتك أمام هيئة الأمم المتحدة وضعت العالم كله أمام من استباح دماء هؤلاء الشهداء الفلسطينيين على امتداد التاريخ.
الموت الحقيقي هو ان تسلم بالهزيمة.
وعندما شاهدت العالم كله يصفق لك ويتعاطف معك ويعبر عن إعجابه وتقديره لكلماتك التي تفيض بالحكمة والصدق استعدت في ذاكرتي ما قاله ياسر عرفات على منبر هيئة الأمم في العام 1974 عندما قال جملته الشهيرة: "لقد جئتكم حاملا غصن الزيتون في يد وبندقية الثائر في يد ، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"، رغم أن إسرائيل والعالم أسقطت غصن الزيتون إلا أن ابو مازن اليوم يقتحم الأمم المتحدة بغصن الزيتون من اجل عدالة قضيتنا وهو يمثل شعب مناضل حمل البندقية لان العالم لم يستجب لغصن الزيتون كل هذه السنين. ابو مازن حمل امانة المناضلين والمساجين وحرب غزة ولبنان وصبرا وشاتيلا والمخيمات ولم يأتِ من ضعف ولكن من عزيمة شعب مناضل ومكافح واتى حاملا انتصار ارادة الشعب الفلسطيني على الظلم وآخرها انتصار ارادة الشعب المقاتل في غزة. وقد حققت لبلدك ولتاريخك مجدا حقيقيا عندما سلم العالم كله بحق فلسطين وأدان المعتدين الذين تسببوا في سلب أوطاننا وطردنا من أراضينا في شتى بقاع العالم.
الارادة الصلبة لابو مازن
ان الحروب ليست هي الوسيلة الأولى للانتصارات، بل إن الحكمة والمنطق والاحتكام إلى العقل والقيم تجرد عدوك من أي منطق وتظهره عاريا ضعيفا عاجزا حتى لو امتلك كل ألوان ومفردات القوة.
وفي عالم السياسة ودنيا الثورات والمتغيرات لا شيء ثابت، ولا شيء دائم، ولا شيء فوق منطق التاريخ، يمضي زعماء وتتغير المنابر وتختلف الأهواء والمعطيات وتهب رياح الثورة لتعصف بكل شيء، ولكن القيادات التاريخية لا تفقد وضوح الرؤية تظهر كالطود الشامخ لا تهزها الأحداث ولا تعصف بها المتغيرات ولا تنال منها المؤامرات والمحن.
انك دائما كنت تحسن قراءة الواقع وقراءة المستقبل وتوازن بين جميع الاحتمالات لتحاول أن تتخذ القرار الصائب ولم تكن معنيا بالتصفيق أو التهليل أو الأضواء، ما يهمك حقا كان ولا يزال أن تقترب خطوة من القدس ومن صفد ومن فلسطين. وللحقيقة أقول ان انتصارك الأخير وضعنا على الطريق الصحيح لنواصل المشوار الذي كان يحلم به الرئيس عرفات وكنت تشاركه هذا الحلم بل كنت تستوحي روحه التي كانت ترفرف حولك وأنت تخاطب العالم مستذكرا مقولة الرئيس المشهورة: "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي".
وحاربت معركة دولة فلسطين
اخترناك زعيما بعد الرئيس عرفات وكانت نتائج الانتخابات أكثر من 63 في المائة من الأصوات، وهذا إجماع لك أن تفخر به ولنا أن نلتزم به، وأذكر هنا أننا في أول انتخابات للرئيس عرفات قال الزعيم الراحل: "لو فزت بواحد وخمسين في المائة من الأصوات لكنت راضيا ولكن نتائج الانتخابات قاربت السابعة والستين في المائة من أصوات الناخبين.
ان القيادة التاريخية التي يمثلها الرئيس محمود عباس (ابو مازن) مدرسة عقلانية حكيمة تستمد جذورها من معين التجربة الإنسانية، ومن جذور التاريخ وأعماقه، فالرئيس أبو مازن أستاذ في التاريخ حصل على درجة الدكتوراة من جامعة موسكو وكانت رسالته في الصهيونية والمحرقة التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية على يد هتلر، وفي جميع مواقفه السياسية يوازن الرئيس أبو مازن بين المعطيات المختلفة ويختار دائما الأفضل بعقلانية وحكمة، إذا كان الرئيس عرفات وضع حجر الأساس لقيام دولة فلسطينية وإعلان الاستقلال في الجزائر على أساس قرار 181 فإن الرئيس أبو مازن قد أكمل المسيرة وعاهد شعبه من على منبر هيئة الأمم المتحدة بان يسجل اسم فلسطين على خارطة العالم الجغرافية والسياسية والتاريخية واعتراف العالم بها. وتحقق اعتراف العالم بإعلان دولة فلسطينية في التاريخ المعاصر.
كلاهما امتاز بالصبر والعناد والمثابرة والمرونة والحكمة، وكلاهما أثنى معظم سنوات عمره وزهرة شبابه ثائرا يقاتل في الخط الأمامي.
واحد من سبعة
الرئيس أبو مازن أحد سبعة مناضلين التقوا في بيت أبو جهاد في الكويت وهو لا يزال في شهر العسل.. وهناك وضع هؤلاء السبعة القواعد الأساسية لحركة فتح بل ان اسم فتح ولد في تلك الجلسة وهي الحروف الأولى من حركة تحرير فلسطين.
وكان أبو مازن واحد منهم.
ولعله هو الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة من هؤلاء السبعة. فقد لحق معظمهم بالرفيق الأعلى ومنهم صلاح خلف، وخليل الوزير، ويوسف النجار وياسر عرفات.
وتقول حقائق التاريخ المعاصر ان "أبو مازن" هو مهندس أوسلو ولكنه ليس المسؤول عن عدم تنفيذ ما فيها من جوانب ايجابية.
وعندما كان أبو مازن يفاوض سرا كان على وعي تام بإخطار هذه الاتفاقية، وقد أوضح في معرض عرضه للأسباب التي دعت إلى الدخول في مفاوضات أوسلو بهذا المثل الرمزي.
قال: اننا بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى، وتوقيع السادات لاتفاقيات كامب ديفيد، وتفكيك الاتحاد السوفييتي وخروج منظمة التحرير من عمان وبيروت كنا أمام لجة عميقة من الماء ولم يكن أمامنا إلا ان نلقي بأنفسنا بها، فإما أن نغرق ونواجه الموت وإما أن نعبر هذه اللجة الى الضفة الأخرى.
وفي حديث صحفي آخر قال أبو مازن: في الأوقات الصعبة من تاريخ الأمم يجب عليك ان توازن بين ما هو سيء وما هو أكثر سوءاً.
وقد وافق الرئيس عرفات على اتفاقية أوسلو لان العرب جميعهم لم يتركوا له أي خيار، وكان أبو عمار يرى انه بدلا من أن نحارب من خارج الوطن علينا أن نحارب ونحن على أرض الوطن. وهذا المنطق قبله معظم زعماء المنظمات وفي طليعتهم ابو علي مصطفى، وكل زعماء الفصائل .
وفيما يرويه نبيل شعث ان أبو عمار عندما عاد إلى غزة وقف أمام البحر وهو يتساءل: هل هذا هو بحرنا؟ هل هؤلاء هم شعبنا يا نبيل؟ ويعلق نبيل شعث على قبول المنظمة لأوسلو بان أبو عمار عندما قرأ المواد التي تسمح له بالعودة الى وطنه بعد سبعة وعشرين عاما أخذته الفرحة والدهشة وتصور حجم الانتصار الذي سيعم فلسطين وهو يقابل أبنائها بعد سبعة وعشرين عاما.
ليس دفاعا عن أوسلو
واني استذكر هنا أنه عقب اغتيال ابو جهاد تصاعدت في تونس اصوات عديدة تشعر الفلسطينيين بانه لم يعد مرغوبا في وجودهم، ونتيجة لهذه الضغوطات أحس الفلسطينيون في تونس بأنهم على درب الضياع وقد عاصرت هذه الفترة واكتويت بنيرانها وشاهدت بنفسي حيرة أبناء فلسطين ومناضليها وهم يبكون ويتساءلون الى أين يذهبون، فمعظمهم كان دخولهم محرما عليهم في سوريا ولبنان والأردن ومصر، هذه الحقائق نهديها لمن يريدون ان يعرفوا الخلفية التاريخية لتوقيع اتفاقيات أوسلو.
وللحقيقة أنني كنت أرى في أبو مازن قائدا حازما لا يتردد ولا يهادن ويصر على ما يراه حقا كقائد تاريخي مسؤول.
ونستذكر هنا مقولة ابو مازن ان السياسة هي فن الممكن، واننا في حاجة إلى موطئ قدم لندفن فيه شهدائنا، وكان ابو مازن غاضب جدا بعد استشهاد ابو جهاد لانه كان من المفروض ان يدفن ابو جهاد في سوريا بسبب وجود والدته ووالده في دمشق، ولكن بسبب خلاف مع أغلب الدول العربية فكان محظور على اغلب القيادة الفلسطينية دخول سوريا منهم ابوعمار، وابو جهاد وابو مازن لموقفهم السياسي والحفاظ على القرار الفلسطيني المستقل. وكنا في تونس ننتظر الموافقة على الدخول الى سوريا وتم نقل الجثمان بطائرة خاصة ولم يستطع ابو مازن والقيادة الفلسطينية مرافقة الجثمان الى سوريا. وكانت الدموع بعين الرئيس عرفات وابو مازن ومعظم القيادة الفلسطينية وهم يودعون جثمان ابو جهاد الى وطن حيث لا وطن له.
ليست اوسلو قيدا مقدسا
وها هو ابو مازن يثبت للجميع بان أوسلو لن تكون قيدا وأن علينا جميعا أن نكون جنودا تحت رايته وهو يحارب لاستعادة حقوقنا معلنا في كل مناسبة وعبر كل منبر ان لا تنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وأن لا تفريط في حق العودة، ولا تنازل عن شبر واحد من الأرض الفلسطينية في حدود عام 1967.
ملامح من حياة مناضل حقيقي
وُلِـد محمـود رضا عبـاس " أبو مـازن " في صَفَـد عـام 1935 .وقد اضطـر للِّجـوء مع عائلتـه إلى سوريا بعد الهجوم على مدينة صفـد واحتلالهـا من قِبَل المنظمـات اليهوديـة في نيسان 1948. فدرس الابتدائية والثانوية في دمشق والتحـق بجامعـة دمشق وحصـل على إجـازة في القانـون عام 1958.
وفي عـام 1957 عمـل في وزارة التربيـة والتعليـم القَطَرِيـة مديـراً لشـؤون الموظفيـن، زار خلالهـا الضفـة الغربيـة وقطـاع غـزة عـدة مرات لاختيـار معلميـن وموظفيـن للعمـل في قطـر. واستمـر في عملـه حتى عـام 1970 حيث تفـرغ كلياً للعمـل الوطني.
وقد ساهم في تأسيس حركـة التحريـر الوطني الفلسـطيني ( فتـح )، وكانت الانطلاقـة في العـام 1965.
وقد حصـل على شهـادة الدكتـوراه من معهد الاستراق في موسكـو عـام 1982، وكان موضوع الرسالة "العلاقات السرية بين ألمانيا النازية والحركة الصهيونية".
وقد انتخب رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية في العام 2004.
كما أصبح رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة الانتخابات أعقبت رحيل الرئيس عرفات. وقد ألّـف العديـد من الكتب أهمهـا: "الصهيونيـة بدايـة ونهايـة " ، " قنطـرة الشـر "، " الوجـه الآخـر "، " سقـوط حكومـة نتنياهـو "، " الاستقطـاب العرقي والديني في إسرائيـل "، " طريـق أوسلـو " إضافـة إلى العديـد من الدراسات الهامـة.
حياته السياسية
بدأ الرئيس محمود عباس نشاطه السياسي من سوريا، ثم انتقل الى العمل مديرا لشؤون الأفراد في إدارة الخدمة المدنية في قطر. ومن هناك قام بتنظيم مجموعات فلسطينية، واتصل بحركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح التي كانت وليدة آنذاك.
وشارك في اللجنة المركزية الأولى، ولكنه ظل بعيدا عن مركز الإحداث نظرا لوجوده في دمشق، في حين كانت قاعدة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1968.
وقد حصل خلال عمله السياسي على الدكتوراة في تاريخ الصهيونية من كلية الدراسات الشرقية في موسكو.
قاد المفاوضات مع الجنرال "ماتيتياهو بيليد" والتي أدت إلى إعلان مبادئ السلام على أساس الحل باقامة دولتين والمعلنة في 1 كانون الثاني (يناير) 1977.
كما انه عضو في اللجنة الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ نيسان (ابريل) 1981، كما تولى حقيبة الأراضي المحتلة بعد اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد).
وفي عام 1996 تم اختياره أمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وبذلك أصبح الرجل الثاني عمليا في ترتيب القيادة الفلسطينية وقد عاد أبو مازن الى فلسطين في تموز (يوليو) في عام 1995.
وما أعرفه عن الرئيس محمود عباس انه كان يحاور اليسار الإسرائيلي ورموز السياسة الإسرائيلية المعتدلة ويدخل معهم في نقاشات ومنهم ماتيتياهو بيليد واوري افنيري وغيرهما وكان منهجه العملي انه يريد أن يصل الى حل عادل للقضية الفلسطينية مع الحكومة الاسرائيلية بواسطة اليسار الاسرائيلي ، كما انه في المرحلة الأخيرة من حكم ايهود اولمرت خاض محادثات مطولة سرية مع وجود وسطاء ويعترف اولمرت وغيره من المراقبين بأنه لو تم تمديد ولاية ايهود اولمرت لمدة ستة شهور أخرى لكانت المشكلة الفلسطينية قد تم حلها بشروط تقبلها منظمة التحرير وتنسحب على القدس والمستوطنات وحق العودة.
كما اشرف على المفاوضات التي أدت الى اتفاق اوسلو، كما قاد المفاوضات التي جرت في القاهرة وأفضت الى اتفاق غزة – اريحا.
وقد ترأس إدارة شؤون التفاوض التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها عام 1994 وعمل رئيسا للعلاقات الدولية في المنظمة.
وفي 19 اذار (مارس) 2003 تم تعيينه رئيسا للوزراء ولكنه واجه صعوبات أدت الى استقالته.
وفي 25 تشرين ثاني (نوفمبر) 2004 تم ترشيحه رئيسا للسلطة الفلسطينية من قبل حركة فتح وقد جرت الانتخابات في 9 كانون الثاني (يناير) 2005. وكانت النتيجة نجاحه وحصوله على ما نسبته 65.52 ومنذ ذلك الوقت ما زال يتولى رئاسة السلطة الفلسطينية.
أبو مازن المفاوض الصعب
عندما تقرأ أي مقالة أو تصريح للرئيس أبو مازن تدرك أنه هو نفسه كاتب هذا المقال. فاسلوبه مميز وطريقته في التفكير واضحة ومفرداته وصياغته تدل على انه مفكر وكاتب مجيد، كما أنه محاور مثقف بعيد النظر، ولعله كان دائما في الصفوف الأولى عندما تكون هناك مفاوضات مع الطرف الاخر لانه كان دائما قادرا على التعبير عن حقائق التاريخ وعن حقوق الشعب الفلسطيني، ويشهد بذلك هذه الخطبة التاريخية الرائعة التي تعد وثيقة سياسية وفكرية وأدبية ومرافعة صادقة بليغة عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.
ومما يعزز ثقة محمود عباس بنفسه وقدرته على الإقناع أنه اختار لرسالة الدكتوراة موضوعا بالغ الحساسية وكان ذلك في منتصف السبعينيات وهو يتعلق بالصهيونية من جهة والمذبحة التي تعرض لها اليهود على يد النازيين من جهة أخرى.
ان الاقتراب من هذا الملف محفوف بالخطر ويتهدد الموت كل من يحاول ان يقترب منه، ولكن ذلك لم يثنِ طالب الدراسة محمود عباس عن التصدي لحقائق التاريخ ومحاولة اذاعة الصفحات الخفية من هذه الحقائق التي تمس بسياسة الوكالة اليهودية وكيف تعامل بن غوريون مع هذه القضية.
وللحقيقة أقول ان طالب الدكتوراة الأستاذ محمود عباس طلب مني في العام 1976 أمده بمعلومات عن هذه الحقبة التاريخية التي لا يوجد لها مراجع، أو مصادر، وذلك من خلال أصدقائنا من مفكري اليسار الاسرائيلي ومن النواب والسياسيين الذين لهم بالضرورة خبرة وثقافة، واطلاع على هذا الموضوع الذي كانت إثارته تبعث على الخوف والتردد، بل إن كثيرا من أصدقائي تساءلوا في استغراب كيف أجرؤ على أن اطرح مثل هذه الاسئلة وحول هذا الموضوع. ونصحني الاصدقاء وخاصة الكاتب المعروف اوري أفنيري الذي زودني بالمعلومات عن هذه القضية الحساسة جدا وكانت هذه المعلومات سرية للغاية حيث الذي كتب الكتاب عن هذا الموضوع حول علاقة الوكالة اليهودية بالمانيا النازية الدكتور كاستنر قد قُتل في تل ابيب لانه كان محظور هذا الموضوع ان يناقش. وطلب مني افنيري ان أجدف بعيدا عن شاطئ هذه الحقبة التاريخية. ولكنه زودني بإسم مكسيم غيلان الموجود في باريس والذي يحرر مجلة "اسرائيل/فلسطين" كان قد سجن في اسرائيل بسبب تعاونه مع منظمة التحرير وكان يعرف كل الحقائق، وقد قمت بواجب التعريف بين ابو مازن ومكسيم غيلان الذي اصبح فيما بعد من اصدقاء ابو مازن وعصام سرطاوي، ولا شك ان ابو مازن وجد الاجابات التي يريدها عند هذا الكاتب، وخاصة علاقة الوكالة اليهودية بالنازية والدور الذي قام به بن غوريون في تلك الفترة. كانت جرأة غير عادية عند ابو مازن لطرح هذا الموضوع في رسالة الدكتوراة.
لمحات من عبقرية القائد: ما أشبه اليوم بالبارحة
كانت الرحلة الاخيرة التي عاشها الرئيس رحلة شاقة بين ترانيم الماضي المعبق برائحة النضال والثورة التي كللها الشهيد الراحل ياسر عرفات، وبين خضم الحاضر المليء بالتناقضات السياسية الداخلية والخارجية. لقد كان أبو مازن صوت الحرية، صوت وطنه الحبيب، صوت الديمقراطية، صوت الشهداء والمحرومين، صوت المخيمات وعذابات المشردين. لقد عبر عنا جميعا. وكان صوتا واضحا نقيا لكل فلسطيني في شتى أنحاء المعمورة. وبذلك يكون قد تسلم الراية من الرئيس الراحل ومضى على درب القيادات التاريخية العظيمة. كما أنه عبر عن القدس وكان صاحب فكر خلاق ورأي مستمد من حقائق التاريخ ومن تجارب النضال، فتقدم ثابت الخطوة نحو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية متجاوزا كل العقبات والصعوبات التي اعترضت طريقه.
قبل التوجه الى الأمم المتحدة طاف الرئيس عباس أرجاء العالم وأرسل موفدين من القيادة الفلسطينية إلى دول عدة حتى استطاع أن يرفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين الى مائة وثماني وثلاثين دولة.
وإن كان الثمن هو الشهادة
وبين الترهيب والترغيب كان الرئيس ابو مازن يضع نصب عينيه المصلحة الفلسطينية أولا، ومع كل استحقاق كان يرى فيه ان المصلحة الفلسطينية هي الأولى ولهذا استوجب الواقع معالجة كل القضايا بحكمة وعقلانية، لا نقول بصورة ميكافيلية وإنما نقول بصورة تنحاز الى الوطن والشعب الفلسطيني.
لقد تحمل الرئيس ابو مازن الكثير الكثير من أجل تحقيق هذا الانتصار الدبلوماسي، تحمله جسديا وعناءً وتهجما وتضييقا كما تعرض لشتى أنواع المضايقات التي قد تدفع أي انسان الى اليأس والتخلي عن متابعة المسيرة.
ولكن من كان شريكا في الطلقة الاولى بل كان صوته مرجحا في مثل هذه الايام قبل ثمانية وأربعين عاما الى جانب الرئيس الشهيد ياسر عرفات، باعلان الكفاح المسلح طريقا لتحرير فلسطين، كان واثقا ان مشروع الشهادة الذي رضيه ورفاقه كان دائما نصب عينيه. كما حدث مع رفاقه في درب النضال الطويل، فاستمر بمتابعة المسيرة غير مهتم بعواقب الأمور وان كان الثمن الشهادة.
ومن أروع ما يروى عن الرئيس ابو مازن أنه عندما سُئل عن سبب إصراره وتمسكه أجاب انهم أبناء شعبي. فلو وجدت ان هناك شخصين اثنين يتظاهران داعين الى رحيلي لكنت الثالث معهما.
وعندما اعتلى ابو مازن منبر الأمم المتحدة ثلاث مرات خلال عام واحد وشهرين كان واثقا أنه يدافع عن قضية شعبه وأنه ينطق بصوت اللاجئين المشتتين في أصقاع المعمورة ومن هنا فان لهم الحق في الدولة رغم كل ما يدعيه الطرف الآخر.
لا تراجع مهما كان الثمن
ووفقا لقيادات فلسطينية كانت على مقربة من الرئيس ابو مازن في الساعات الحرجة التي سبقت التصويت، فقد جاء من يطلب منه التعهد بعدم اللجوء الى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي وأن يؤكد انه لن يلاحق جنرالات الاحتلال عن جرائم الحرب التي ارتكبوها في حق الشعب الفلسطيني وأنه لن يدين بناء المستوطنات استنادا الى مواثيق جنيف.
ولكن الرئيس رفض ذلك رفضا قاطعا بل إن رئيس وزراء دولة أوروبية هامة طلب منه إرسال نسخة من نص خطابه لقراءته وبعدها تتخذ دولته قرارا بالتصويت أو عدمه لان الوقت قصير بين القاء الكلمة والتصويت. فكان جواب الرئيس عباس: بعد سماعك الخطاب امامك فرصة للتصويت أو عدمه. فكان أن صوتت هذه الدولة الأوروبية بنعم للدولة الفلسطينية.
شخصية الزعيم من خلال قراءة خطابه الاخير
والحقيقة أني قرأت بإمعان شديد خطاب الرئيس وتأملت فيه ووجدت أنه صورة حقيقية لطريقة تفكير الزعيم ووجدت أنه يعبر تعبيرا صادقا عن جميع ابناء فلسطين. وسأتوقف هنا عند بعض الفقرات لنعرف ابعاد وحقائق شخصية القائد.
* يقول أبو مازن: وتجيء فلسطين اليكم اليوم في لحظة فارق اقليميا ودوليا كي تكرس حضورها وتحمي امكانات وأسس السلام العادل المأمول في منطقتنا.
انه ينشد السلام العادل وهذا المنطق هو الذي يكسب القضية الفلسطينية المصداقية ويكسب القائد الشفافية وبعد النظر، انه يطالب بسلام عادل مأمولٍ في المنطقة، يقول ذلك وأصوات الصواريخ والدمار والقتل ودوي الطائرات لم يزل يتردد صداه في غزة وجنوب فلسطين.
* ويقول ابو مازن: اؤكد أن شعبنا لن يتنازل عن حقوقه الوطنية الثابتة وسيواصل المقاومة الشعبية السلمية.
وهذا التوجه القائم على عنصري المقاومة والناحية السلمية مما يميز فكر الزعيم وتوجهاته فهو لا يغفل مبدأ المقاومة ولكنها المقاومة التي تقوم على معطيات يمكن أن تستمر ويمكن أن تحقق النصر وتحرج العدو وترغمه على أن لا يغامر باستخدام قوة نيرانه العسكرية وهكذا يكون نهجه استمرارا لما أعلنه الرئيس الراحل عندما قال من فوق منبر الأمم المتحدة: جئتكم حاملا غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.
ولا شك أن المقاومة السلمية التي يدعو اليها الرئيس تجسد هذا المعنى وتعزز من توجه الجماهير الفلسطينية التي ترفض الهزيمة أو املاءات الأمر الواقع.
* ويقول أبو مازن: في مسيرة نضاله الوطني الطويلة حرص شعبنا على تحقيق التوافق والتماثل بين أهداف وطرائق نضاله وبين القانون الدولي وروح العصر بمتغيراته ووقائعه، وحرص على الا يفقد انسانيته وسمو أخلاقياته وقيمه الراسخة وقدراته الخلاقة على البقاء.
فالرئيس إذن حريص على روح العصر من جهة وعلى الانسجام مع المبادئ والأخلاق عندما نسعى إلى تحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية.
جلالة الملك عبدالله في ضيافة القائد
ولعل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الى دولة فلسطين تحمل كثيرا من المعاني. فجلالة الملك رجل دولة ومواقف وهو كأول زعيم يزور الأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة يعلن كعادته عن دعمه للشعب الفلسطيني وللقيادة الفلسطينية، ليس من خلال الوفود ولا الرسائل ولا الأساليب الدبلوماسية التقليدية وإنما يحضر بنفسه على رأس وفد كبير للتهنئة والتنسيق والمساعدة، لتكون فلسطين دولة على خارطة الشرق الأوسط لها حضورها وشعبها وقيادتها وفي ذلك رد بليغ على أولئك المتقولين بأفكار سياسية وتوجهات مريضة مشبوهة تحمل عنوان "الوطن البديل".
ان وجود جلالة الملك في رحاب دولة فلسطين الى جانب ابو مازن يؤكد أبعاد هذه المدرسة العقلانية في السياسة التي كان يبشر بها دائما الرئيس الفلسطيني فقد كان دائما على قناعة تامة ومنذ أن كان رئيسا للجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة، إذ كان يعلن دائما عن استقلالية كل من الأردن وفلسطين وقد تعرض بسبب هذه السياسة الى هجوم ضار حيث صدر ضده بيان يتهمه بإقامة علاقات قوية مع الأردن ومحاولة إعادته الى الصورة فكأنه يدعم النظام الأردني؟!
وأذكر أني قابلته في العام 1978 في أعقاب طرح أجندة فلسطينية تهاجمه فقال لي يومها: ان العلاقات الأردنية الفلسطينية هي علاقات تاريخية، وهي علاقات جوار ونسب وجغرافيا ومصير واحد ورؤية واحدة .. وأضاف ابو مازن: اني أُحملكِ رسالة إلى رؤساء البلديات في الضفة الغربية مؤداها أني لا استجدي صك الوطنية من احد فهؤلاء أخواني في الأردن.. وأنا أدرك حقائق التاريخ ومقتضيات السياسة والوطنية، وكان ذلك الحديث في حضور رئيس الديوان الملكي عدنان ابو عودة وشوكت محمود رئيس اللجنة الأردنية المشتركة من الطرف الأردني. وكان ابو مازن في حالة ثورة وغضب شديدين ونعت كل من كان له يد في البيان والهجوم عليه وتخوينه بان هؤلاء يفكرون بعقلية المخاتير وليسوا كسياسيين. لان السياسة هي فن الممكن أولا وأخيرا. فقد كان همي الأول والأخير أن أوفر الأمان ومصادر العيش الشريف لأبناء الضفة الغربية.. فأنا الطرف المسئول عن الفلسطينيين في تلك الفترة جنبا الى جنب مع الأشقاء الأردنيين، وقد وجدت تعاونا حقيقيا من الأخوة الأردنيين وحرصهم الشديد كالمعتاد على استقلالية القرار الفلسطيني.
وفي السنوات العشرين الأخيرة بلغت العلاقات الأردنية الفلسطينية حدا رائعا من التكامل والتنسيق بين جلالة الملك الحسين والرئيس ياسر عرفات وخاصة عندما سقطت الطائرة بالرئيس ابو عمار في صحراء ليبيا. عندما أتى الرئيس عرفات في زيارة إلى الأردن لزيارة الملك الحسين شعر الملك الحسين بان الرئيس ابو عمار في حالة دوخان ووجع رأس شديد فأمسك بيده وادخله إلى المستشفى لإجراء الفحوصات وتبين أنه عنده نزيف في الدماغ على اثر حادث سقوط الطائرة في صحراء ليبيا. فأخذ الملك على عاتقه ان تجرى العملية لابو عمار على أيدي أكفأ الأطباء في الأردن. وهكذا أنقذ حياته. وكانت العلاقة حميمة جدا بين الملك حسين والرئيس عرفات.
وحققت الرؤيا التاريخية بين الزعيم الفلسطيني ابو مازن وجلالة الملك عبدالله في العشر السنوات الأخيرة قمة التنسيق والتكامل والمودة والاحترام، ولا أدلُ على ذلك من وجود جلالة الملك العظيم بين أبناء شعبنا وفي ضيافة قائدنا.
فقد وضعت هذه الزيارة حدا لجميع المخاوف التي تنتاب الشعب الأردني أو الشعب الفلسطيني فهي مؤشر حقيقي على التكامل والاستقلالية وليست مجرد زيارة مجاملة وتهنئة ولكنها تحمل رسالة مؤداها ان هناك دولتين لكل منهما شرعيتها واستقلاليتها ودستورها .. فالأردن تقابله فلسطين. وفي أي مخطط مستقبلي للكونفدرالية الفلسطينية الأردنية سيكون واردا على نحو ما كانت السياسة المعلنة لمنظمة التحرير الفلسطينية وهو ان الكونفدرالية ستتحقق عندما يتم استقلال دولة فلسطين.
بريد الكتروني: [email protected]
ان الشجاعة في القلوبِ كثيرة ورأيت شجعان العقول قليلا
* بحكمة المؤرخ وثقافة المناضل وإصرار صاحب الحق خاض معركة الدولة وانتصر
* محمود عباس القائد المحارب، أستاذ التاريخ، القانوني، الرائد الأديب، المؤلف، المفاوض العنيد، يأسرك بمنطقه وترفعه وخلقه ورؤياه وبصيرته * "هل هناك شعب فائض عن الحاجة في منطقتنا، أم ان هناك دولة ناقصة ينبغي تجسيدها فوق أرض فلسطين"
سؤال طرحه الرئيس وأجابت عليه مائة وثمانين دولة
هذه باقة ورد أقدمها للرئيس القائد أبو مازن.. أقدمها بحب واعتزاز وتقدير على هذا النصر التاريخي العظيم الذي حققه عندما وضع فلسطين على جغرافية الدول المستقلة، التي لها حدود وكيان، ولغة، وعلم، وشعب ورئيس.
دولة حقيقية في عُرف القانون والتاريخ والمنطق والواقع السياسي والثوري.. دولة على قدم المساواة مع الدول الأخرى.
دولة غير عضو، ولكنها ذات كيان وحقوق وكلمة، وهي قادرة على أن تأخذ مكانتها وحقوقها عندما تذهب إلى المحافل الدولية والمنابر الإنسانية والمنظمات الحقوقية.
دولة ولها حدود وشعب، فلا يجوز لأي دولة أخرى أن تغتصب أرضها وحقها وماءها وهواءها، ولا يجوز لأي قوة ان تحاصرها وتمنع عنها الماء والهواء والحياة.
القيادات التاريخية أقوى من المتغيرات
يا سيادة الرئيس..
أنا أعرفك حق المعرفة.. منذ سنين قائدا ورفيق درب لابو عمار وأُكبر فيك هدوءك وعلمك وتاريخك وحكمتك وتجربتك وخبرتك وإيمانك بحق وطنك وقضية بلادك.
لقد حملت مأساة شعبك ومعاناته وحملت كل هموم المشردين من أطفال وشيوخ ونساء وحملت تاريخا طويلا من الهموم والمآسي والنكبات على امتداد خمسة عقود أو أكثر وقد شهدت منذ كنت في العاشرة من عمرك في مدينة صفد ألوانا من المحن والهزائم والانكسارات، حملت كل ذلك وذهبت لتضعه أمام العالم ولتضع العالم كله بما فيه من قيم ومبادئ ومفاهيم أمام هذه النكبات والكوارث التي تشكل ملفا داميا للشعب الفلسطيني، انك في كلمتك أمام هيئة الأمم المتحدة وضعت العالم كله أمام من استباح دماء هؤلاء الشهداء الفلسطينيين على امتداد التاريخ.
الموت الحقيقي هو ان تسلم بالهزيمة.
وعندما شاهدت العالم كله يصفق لك ويتعاطف معك ويعبر عن إعجابه وتقديره لكلماتك التي تفيض بالحكمة والصدق استعدت في ذاكرتي ما قاله ياسر عرفات على منبر هيئة الأمم في العام 1974 عندما قال جملته الشهيرة: "لقد جئتكم حاملا غصن الزيتون في يد وبندقية الثائر في يد ، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"، رغم أن إسرائيل والعالم أسقطت غصن الزيتون إلا أن ابو مازن اليوم يقتحم الأمم المتحدة بغصن الزيتون من اجل عدالة قضيتنا وهو يمثل شعب مناضل حمل البندقية لان العالم لم يستجب لغصن الزيتون كل هذه السنين. ابو مازن حمل امانة المناضلين والمساجين وحرب غزة ولبنان وصبرا وشاتيلا والمخيمات ولم يأتِ من ضعف ولكن من عزيمة شعب مناضل ومكافح واتى حاملا انتصار ارادة الشعب الفلسطيني على الظلم وآخرها انتصار ارادة الشعب المقاتل في غزة. وقد حققت لبلدك ولتاريخك مجدا حقيقيا عندما سلم العالم كله بحق فلسطين وأدان المعتدين الذين تسببوا في سلب أوطاننا وطردنا من أراضينا في شتى بقاع العالم.
الارادة الصلبة لابو مازن
ان الحروب ليست هي الوسيلة الأولى للانتصارات، بل إن الحكمة والمنطق والاحتكام إلى العقل والقيم تجرد عدوك من أي منطق وتظهره عاريا ضعيفا عاجزا حتى لو امتلك كل ألوان ومفردات القوة.
وفي عالم السياسة ودنيا الثورات والمتغيرات لا شيء ثابت، ولا شيء دائم، ولا شيء فوق منطق التاريخ، يمضي زعماء وتتغير المنابر وتختلف الأهواء والمعطيات وتهب رياح الثورة لتعصف بكل شيء، ولكن القيادات التاريخية لا تفقد وضوح الرؤية تظهر كالطود الشامخ لا تهزها الأحداث ولا تعصف بها المتغيرات ولا تنال منها المؤامرات والمحن.
انك دائما كنت تحسن قراءة الواقع وقراءة المستقبل وتوازن بين جميع الاحتمالات لتحاول أن تتخذ القرار الصائب ولم تكن معنيا بالتصفيق أو التهليل أو الأضواء، ما يهمك حقا كان ولا يزال أن تقترب خطوة من القدس ومن صفد ومن فلسطين. وللحقيقة أقول ان انتصارك الأخير وضعنا على الطريق الصحيح لنواصل المشوار الذي كان يحلم به الرئيس عرفات وكنت تشاركه هذا الحلم بل كنت تستوحي روحه التي كانت ترفرف حولك وأنت تخاطب العالم مستذكرا مقولة الرئيس المشهورة: "لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي".
وحاربت معركة دولة فلسطين
اخترناك زعيما بعد الرئيس عرفات وكانت نتائج الانتخابات أكثر من 63 في المائة من الأصوات، وهذا إجماع لك أن تفخر به ولنا أن نلتزم به، وأذكر هنا أننا في أول انتخابات للرئيس عرفات قال الزعيم الراحل: "لو فزت بواحد وخمسين في المائة من الأصوات لكنت راضيا ولكن نتائج الانتخابات قاربت السابعة والستين في المائة من أصوات الناخبين.
ان القيادة التاريخية التي يمثلها الرئيس محمود عباس (ابو مازن) مدرسة عقلانية حكيمة تستمد جذورها من معين التجربة الإنسانية، ومن جذور التاريخ وأعماقه، فالرئيس أبو مازن أستاذ في التاريخ حصل على درجة الدكتوراة من جامعة موسكو وكانت رسالته في الصهيونية والمحرقة التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية على يد هتلر، وفي جميع مواقفه السياسية يوازن الرئيس أبو مازن بين المعطيات المختلفة ويختار دائما الأفضل بعقلانية وحكمة، إذا كان الرئيس عرفات وضع حجر الأساس لقيام دولة فلسطينية وإعلان الاستقلال في الجزائر على أساس قرار 181 فإن الرئيس أبو مازن قد أكمل المسيرة وعاهد شعبه من على منبر هيئة الأمم المتحدة بان يسجل اسم فلسطين على خارطة العالم الجغرافية والسياسية والتاريخية واعتراف العالم بها. وتحقق اعتراف العالم بإعلان دولة فلسطينية في التاريخ المعاصر.
كلاهما امتاز بالصبر والعناد والمثابرة والمرونة والحكمة، وكلاهما أثنى معظم سنوات عمره وزهرة شبابه ثائرا يقاتل في الخط الأمامي.
واحد من سبعة
الرئيس أبو مازن أحد سبعة مناضلين التقوا في بيت أبو جهاد في الكويت وهو لا يزال في شهر العسل.. وهناك وضع هؤلاء السبعة القواعد الأساسية لحركة فتح بل ان اسم فتح ولد في تلك الجلسة وهي الحروف الأولى من حركة تحرير فلسطين.
وكان أبو مازن واحد منهم.
ولعله هو الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة من هؤلاء السبعة. فقد لحق معظمهم بالرفيق الأعلى ومنهم صلاح خلف، وخليل الوزير، ويوسف النجار وياسر عرفات.
وتقول حقائق التاريخ المعاصر ان "أبو مازن" هو مهندس أوسلو ولكنه ليس المسؤول عن عدم تنفيذ ما فيها من جوانب ايجابية.
وعندما كان أبو مازن يفاوض سرا كان على وعي تام بإخطار هذه الاتفاقية، وقد أوضح في معرض عرضه للأسباب التي دعت إلى الدخول في مفاوضات أوسلو بهذا المثل الرمزي.
قال: اننا بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى، وتوقيع السادات لاتفاقيات كامب ديفيد، وتفكيك الاتحاد السوفييتي وخروج منظمة التحرير من عمان وبيروت كنا أمام لجة عميقة من الماء ولم يكن أمامنا إلا ان نلقي بأنفسنا بها، فإما أن نغرق ونواجه الموت وإما أن نعبر هذه اللجة الى الضفة الأخرى.
وفي حديث صحفي آخر قال أبو مازن: في الأوقات الصعبة من تاريخ الأمم يجب عليك ان توازن بين ما هو سيء وما هو أكثر سوءاً.
وقد وافق الرئيس عرفات على اتفاقية أوسلو لان العرب جميعهم لم يتركوا له أي خيار، وكان أبو عمار يرى انه بدلا من أن نحارب من خارج الوطن علينا أن نحارب ونحن على أرض الوطن. وهذا المنطق قبله معظم زعماء المنظمات وفي طليعتهم ابو علي مصطفى، وكل زعماء الفصائل .
وفيما يرويه نبيل شعث ان أبو عمار عندما عاد إلى غزة وقف أمام البحر وهو يتساءل: هل هذا هو بحرنا؟ هل هؤلاء هم شعبنا يا نبيل؟ ويعلق نبيل شعث على قبول المنظمة لأوسلو بان أبو عمار عندما قرأ المواد التي تسمح له بالعودة الى وطنه بعد سبعة وعشرين عاما أخذته الفرحة والدهشة وتصور حجم الانتصار الذي سيعم فلسطين وهو يقابل أبنائها بعد سبعة وعشرين عاما.
ليس دفاعا عن أوسلو
واني استذكر هنا أنه عقب اغتيال ابو جهاد تصاعدت في تونس اصوات عديدة تشعر الفلسطينيين بانه لم يعد مرغوبا في وجودهم، ونتيجة لهذه الضغوطات أحس الفلسطينيون في تونس بأنهم على درب الضياع وقد عاصرت هذه الفترة واكتويت بنيرانها وشاهدت بنفسي حيرة أبناء فلسطين ومناضليها وهم يبكون ويتساءلون الى أين يذهبون، فمعظمهم كان دخولهم محرما عليهم في سوريا ولبنان والأردن ومصر، هذه الحقائق نهديها لمن يريدون ان يعرفوا الخلفية التاريخية لتوقيع اتفاقيات أوسلو.
وللحقيقة أنني كنت أرى في أبو مازن قائدا حازما لا يتردد ولا يهادن ويصر على ما يراه حقا كقائد تاريخي مسؤول.
ونستذكر هنا مقولة ابو مازن ان السياسة هي فن الممكن، واننا في حاجة إلى موطئ قدم لندفن فيه شهدائنا، وكان ابو مازن غاضب جدا بعد استشهاد ابو جهاد لانه كان من المفروض ان يدفن ابو جهاد في سوريا بسبب وجود والدته ووالده في دمشق، ولكن بسبب خلاف مع أغلب الدول العربية فكان محظور على اغلب القيادة الفلسطينية دخول سوريا منهم ابوعمار، وابو جهاد وابو مازن لموقفهم السياسي والحفاظ على القرار الفلسطيني المستقل. وكنا في تونس ننتظر الموافقة على الدخول الى سوريا وتم نقل الجثمان بطائرة خاصة ولم يستطع ابو مازن والقيادة الفلسطينية مرافقة الجثمان الى سوريا. وكانت الدموع بعين الرئيس عرفات وابو مازن ومعظم القيادة الفلسطينية وهم يودعون جثمان ابو جهاد الى وطن حيث لا وطن له.
ليست اوسلو قيدا مقدسا
وها هو ابو مازن يثبت للجميع بان أوسلو لن تكون قيدا وأن علينا جميعا أن نكون جنودا تحت رايته وهو يحارب لاستعادة حقوقنا معلنا في كل مناسبة وعبر كل منبر ان لا تنازل عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وأن لا تفريط في حق العودة، ولا تنازل عن شبر واحد من الأرض الفلسطينية في حدود عام 1967.
ملامح من حياة مناضل حقيقي
وُلِـد محمـود رضا عبـاس " أبو مـازن " في صَفَـد عـام 1935 .وقد اضطـر للِّجـوء مع عائلتـه إلى سوريا بعد الهجوم على مدينة صفـد واحتلالهـا من قِبَل المنظمـات اليهوديـة في نيسان 1948. فدرس الابتدائية والثانوية في دمشق والتحـق بجامعـة دمشق وحصـل على إجـازة في القانـون عام 1958.
وفي عـام 1957 عمـل في وزارة التربيـة والتعليـم القَطَرِيـة مديـراً لشـؤون الموظفيـن، زار خلالهـا الضفـة الغربيـة وقطـاع غـزة عـدة مرات لاختيـار معلميـن وموظفيـن للعمـل في قطـر. واستمـر في عملـه حتى عـام 1970 حيث تفـرغ كلياً للعمـل الوطني.
وقد ساهم في تأسيس حركـة التحريـر الوطني الفلسـطيني ( فتـح )، وكانت الانطلاقـة في العـام 1965.
وقد حصـل على شهـادة الدكتـوراه من معهد الاستراق في موسكـو عـام 1982، وكان موضوع الرسالة "العلاقات السرية بين ألمانيا النازية والحركة الصهيونية".
وقد انتخب رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية في العام 2004.
كما أصبح رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة الانتخابات أعقبت رحيل الرئيس عرفات. وقد ألّـف العديـد من الكتب أهمهـا: "الصهيونيـة بدايـة ونهايـة " ، " قنطـرة الشـر "، " الوجـه الآخـر "، " سقـوط حكومـة نتنياهـو "، " الاستقطـاب العرقي والديني في إسرائيـل "، " طريـق أوسلـو " إضافـة إلى العديـد من الدراسات الهامـة.
حياته السياسية
بدأ الرئيس محمود عباس نشاطه السياسي من سوريا، ثم انتقل الى العمل مديرا لشؤون الأفراد في إدارة الخدمة المدنية في قطر. ومن هناك قام بتنظيم مجموعات فلسطينية، واتصل بحركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح التي كانت وليدة آنذاك.
وشارك في اللجنة المركزية الأولى، ولكنه ظل بعيدا عن مركز الإحداث نظرا لوجوده في دمشق، في حين كانت قاعدة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1968.
وقد حصل خلال عمله السياسي على الدكتوراة في تاريخ الصهيونية من كلية الدراسات الشرقية في موسكو.
قاد المفاوضات مع الجنرال "ماتيتياهو بيليد" والتي أدت إلى إعلان مبادئ السلام على أساس الحل باقامة دولتين والمعلنة في 1 كانون الثاني (يناير) 1977.
كما انه عضو في اللجنة الاقتصادية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ نيسان (ابريل) 1981، كما تولى حقيبة الأراضي المحتلة بعد اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد).
وفي عام 1996 تم اختياره أمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وبذلك أصبح الرجل الثاني عمليا في ترتيب القيادة الفلسطينية وقد عاد أبو مازن الى فلسطين في تموز (يوليو) في عام 1995.
وما أعرفه عن الرئيس محمود عباس انه كان يحاور اليسار الإسرائيلي ورموز السياسة الإسرائيلية المعتدلة ويدخل معهم في نقاشات ومنهم ماتيتياهو بيليد واوري افنيري وغيرهما وكان منهجه العملي انه يريد أن يصل الى حل عادل للقضية الفلسطينية مع الحكومة الاسرائيلية بواسطة اليسار الاسرائيلي ، كما انه في المرحلة الأخيرة من حكم ايهود اولمرت خاض محادثات مطولة سرية مع وجود وسطاء ويعترف اولمرت وغيره من المراقبين بأنه لو تم تمديد ولاية ايهود اولمرت لمدة ستة شهور أخرى لكانت المشكلة الفلسطينية قد تم حلها بشروط تقبلها منظمة التحرير وتنسحب على القدس والمستوطنات وحق العودة.
كما اشرف على المفاوضات التي أدت الى اتفاق اوسلو، كما قاد المفاوضات التي جرت في القاهرة وأفضت الى اتفاق غزة – اريحا.
وقد ترأس إدارة شؤون التفاوض التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها عام 1994 وعمل رئيسا للعلاقات الدولية في المنظمة.
وفي 19 اذار (مارس) 2003 تم تعيينه رئيسا للوزراء ولكنه واجه صعوبات أدت الى استقالته.
وفي 25 تشرين ثاني (نوفمبر) 2004 تم ترشيحه رئيسا للسلطة الفلسطينية من قبل حركة فتح وقد جرت الانتخابات في 9 كانون الثاني (يناير) 2005. وكانت النتيجة نجاحه وحصوله على ما نسبته 65.52 ومنذ ذلك الوقت ما زال يتولى رئاسة السلطة الفلسطينية.
أبو مازن المفاوض الصعب
عندما تقرأ أي مقالة أو تصريح للرئيس أبو مازن تدرك أنه هو نفسه كاتب هذا المقال. فاسلوبه مميز وطريقته في التفكير واضحة ومفرداته وصياغته تدل على انه مفكر وكاتب مجيد، كما أنه محاور مثقف بعيد النظر، ولعله كان دائما في الصفوف الأولى عندما تكون هناك مفاوضات مع الطرف الاخر لانه كان دائما قادرا على التعبير عن حقائق التاريخ وعن حقوق الشعب الفلسطيني، ويشهد بذلك هذه الخطبة التاريخية الرائعة التي تعد وثيقة سياسية وفكرية وأدبية ومرافعة صادقة بليغة عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.
ومما يعزز ثقة محمود عباس بنفسه وقدرته على الإقناع أنه اختار لرسالة الدكتوراة موضوعا بالغ الحساسية وكان ذلك في منتصف السبعينيات وهو يتعلق بالصهيونية من جهة والمذبحة التي تعرض لها اليهود على يد النازيين من جهة أخرى.
ان الاقتراب من هذا الملف محفوف بالخطر ويتهدد الموت كل من يحاول ان يقترب منه، ولكن ذلك لم يثنِ طالب الدراسة محمود عباس عن التصدي لحقائق التاريخ ومحاولة اذاعة الصفحات الخفية من هذه الحقائق التي تمس بسياسة الوكالة اليهودية وكيف تعامل بن غوريون مع هذه القضية.
وللحقيقة أقول ان طالب الدكتوراة الأستاذ محمود عباس طلب مني في العام 1976 أمده بمعلومات عن هذه الحقبة التاريخية التي لا يوجد لها مراجع، أو مصادر، وذلك من خلال أصدقائنا من مفكري اليسار الاسرائيلي ومن النواب والسياسيين الذين لهم بالضرورة خبرة وثقافة، واطلاع على هذا الموضوع الذي كانت إثارته تبعث على الخوف والتردد، بل إن كثيرا من أصدقائي تساءلوا في استغراب كيف أجرؤ على أن اطرح مثل هذه الاسئلة وحول هذا الموضوع. ونصحني الاصدقاء وخاصة الكاتب المعروف اوري أفنيري الذي زودني بالمعلومات عن هذه القضية الحساسة جدا وكانت هذه المعلومات سرية للغاية حيث الذي كتب الكتاب عن هذا الموضوع حول علاقة الوكالة اليهودية بالمانيا النازية الدكتور كاستنر قد قُتل في تل ابيب لانه كان محظور هذا الموضوع ان يناقش. وطلب مني افنيري ان أجدف بعيدا عن شاطئ هذه الحقبة التاريخية. ولكنه زودني بإسم مكسيم غيلان الموجود في باريس والذي يحرر مجلة "اسرائيل/فلسطين" كان قد سجن في اسرائيل بسبب تعاونه مع منظمة التحرير وكان يعرف كل الحقائق، وقد قمت بواجب التعريف بين ابو مازن ومكسيم غيلان الذي اصبح فيما بعد من اصدقاء ابو مازن وعصام سرطاوي، ولا شك ان ابو مازن وجد الاجابات التي يريدها عند هذا الكاتب، وخاصة علاقة الوكالة اليهودية بالنازية والدور الذي قام به بن غوريون في تلك الفترة. كانت جرأة غير عادية عند ابو مازن لطرح هذا الموضوع في رسالة الدكتوراة.
لمحات من عبقرية القائد: ما أشبه اليوم بالبارحة
كانت الرحلة الاخيرة التي عاشها الرئيس رحلة شاقة بين ترانيم الماضي المعبق برائحة النضال والثورة التي كللها الشهيد الراحل ياسر عرفات، وبين خضم الحاضر المليء بالتناقضات السياسية الداخلية والخارجية. لقد كان أبو مازن صوت الحرية، صوت وطنه الحبيب، صوت الديمقراطية، صوت الشهداء والمحرومين، صوت المخيمات وعذابات المشردين. لقد عبر عنا جميعا. وكان صوتا واضحا نقيا لكل فلسطيني في شتى أنحاء المعمورة. وبذلك يكون قد تسلم الراية من الرئيس الراحل ومضى على درب القيادات التاريخية العظيمة. كما أنه عبر عن القدس وكان صاحب فكر خلاق ورأي مستمد من حقائق التاريخ ومن تجارب النضال، فتقدم ثابت الخطوة نحو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية متجاوزا كل العقبات والصعوبات التي اعترضت طريقه.
قبل التوجه الى الأمم المتحدة طاف الرئيس عباس أرجاء العالم وأرسل موفدين من القيادة الفلسطينية إلى دول عدة حتى استطاع أن يرفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين الى مائة وثماني وثلاثين دولة.
وإن كان الثمن هو الشهادة
وبين الترهيب والترغيب كان الرئيس ابو مازن يضع نصب عينيه المصلحة الفلسطينية أولا، ومع كل استحقاق كان يرى فيه ان المصلحة الفلسطينية هي الأولى ولهذا استوجب الواقع معالجة كل القضايا بحكمة وعقلانية، لا نقول بصورة ميكافيلية وإنما نقول بصورة تنحاز الى الوطن والشعب الفلسطيني.
لقد تحمل الرئيس ابو مازن الكثير الكثير من أجل تحقيق هذا الانتصار الدبلوماسي، تحمله جسديا وعناءً وتهجما وتضييقا كما تعرض لشتى أنواع المضايقات التي قد تدفع أي انسان الى اليأس والتخلي عن متابعة المسيرة.
ولكن من كان شريكا في الطلقة الاولى بل كان صوته مرجحا في مثل هذه الايام قبل ثمانية وأربعين عاما الى جانب الرئيس الشهيد ياسر عرفات، باعلان الكفاح المسلح طريقا لتحرير فلسطين، كان واثقا ان مشروع الشهادة الذي رضيه ورفاقه كان دائما نصب عينيه. كما حدث مع رفاقه في درب النضال الطويل، فاستمر بمتابعة المسيرة غير مهتم بعواقب الأمور وان كان الثمن الشهادة.
ومن أروع ما يروى عن الرئيس ابو مازن أنه عندما سُئل عن سبب إصراره وتمسكه أجاب انهم أبناء شعبي. فلو وجدت ان هناك شخصين اثنين يتظاهران داعين الى رحيلي لكنت الثالث معهما.
وعندما اعتلى ابو مازن منبر الأمم المتحدة ثلاث مرات خلال عام واحد وشهرين كان واثقا أنه يدافع عن قضية شعبه وأنه ينطق بصوت اللاجئين المشتتين في أصقاع المعمورة ومن هنا فان لهم الحق في الدولة رغم كل ما يدعيه الطرف الآخر.
لا تراجع مهما كان الثمن
ووفقا لقيادات فلسطينية كانت على مقربة من الرئيس ابو مازن في الساعات الحرجة التي سبقت التصويت، فقد جاء من يطلب منه التعهد بعدم اللجوء الى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي وأن يؤكد انه لن يلاحق جنرالات الاحتلال عن جرائم الحرب التي ارتكبوها في حق الشعب الفلسطيني وأنه لن يدين بناء المستوطنات استنادا الى مواثيق جنيف.
ولكن الرئيس رفض ذلك رفضا قاطعا بل إن رئيس وزراء دولة أوروبية هامة طلب منه إرسال نسخة من نص خطابه لقراءته وبعدها تتخذ دولته قرارا بالتصويت أو عدمه لان الوقت قصير بين القاء الكلمة والتصويت. فكان جواب الرئيس عباس: بعد سماعك الخطاب امامك فرصة للتصويت أو عدمه. فكان أن صوتت هذه الدولة الأوروبية بنعم للدولة الفلسطينية.
شخصية الزعيم من خلال قراءة خطابه الاخير
والحقيقة أني قرأت بإمعان شديد خطاب الرئيس وتأملت فيه ووجدت أنه صورة حقيقية لطريقة تفكير الزعيم ووجدت أنه يعبر تعبيرا صادقا عن جميع ابناء فلسطين. وسأتوقف هنا عند بعض الفقرات لنعرف ابعاد وحقائق شخصية القائد.
* يقول أبو مازن: وتجيء فلسطين اليكم اليوم في لحظة فارق اقليميا ودوليا كي تكرس حضورها وتحمي امكانات وأسس السلام العادل المأمول في منطقتنا.
انه ينشد السلام العادل وهذا المنطق هو الذي يكسب القضية الفلسطينية المصداقية ويكسب القائد الشفافية وبعد النظر، انه يطالب بسلام عادل مأمولٍ في المنطقة، يقول ذلك وأصوات الصواريخ والدمار والقتل ودوي الطائرات لم يزل يتردد صداه في غزة وجنوب فلسطين.
* ويقول ابو مازن: اؤكد أن شعبنا لن يتنازل عن حقوقه الوطنية الثابتة وسيواصل المقاومة الشعبية السلمية.
وهذا التوجه القائم على عنصري المقاومة والناحية السلمية مما يميز فكر الزعيم وتوجهاته فهو لا يغفل مبدأ المقاومة ولكنها المقاومة التي تقوم على معطيات يمكن أن تستمر ويمكن أن تحقق النصر وتحرج العدو وترغمه على أن لا يغامر باستخدام قوة نيرانه العسكرية وهكذا يكون نهجه استمرارا لما أعلنه الرئيس الراحل عندما قال من فوق منبر الأمم المتحدة: جئتكم حاملا غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.
ولا شك أن المقاومة السلمية التي يدعو اليها الرئيس تجسد هذا المعنى وتعزز من توجه الجماهير الفلسطينية التي ترفض الهزيمة أو املاءات الأمر الواقع.
* ويقول أبو مازن: في مسيرة نضاله الوطني الطويلة حرص شعبنا على تحقيق التوافق والتماثل بين أهداف وطرائق نضاله وبين القانون الدولي وروح العصر بمتغيراته ووقائعه، وحرص على الا يفقد انسانيته وسمو أخلاقياته وقيمه الراسخة وقدراته الخلاقة على البقاء.
فالرئيس إذن حريص على روح العصر من جهة وعلى الانسجام مع المبادئ والأخلاق عندما نسعى إلى تحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية.
جلالة الملك عبدالله في ضيافة القائد
ولعل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الى دولة فلسطين تحمل كثيرا من المعاني. فجلالة الملك رجل دولة ومواقف وهو كأول زعيم يزور الأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة يعلن كعادته عن دعمه للشعب الفلسطيني وللقيادة الفلسطينية، ليس من خلال الوفود ولا الرسائل ولا الأساليب الدبلوماسية التقليدية وإنما يحضر بنفسه على رأس وفد كبير للتهنئة والتنسيق والمساعدة، لتكون فلسطين دولة على خارطة الشرق الأوسط لها حضورها وشعبها وقيادتها وفي ذلك رد بليغ على أولئك المتقولين بأفكار سياسية وتوجهات مريضة مشبوهة تحمل عنوان "الوطن البديل".
ان وجود جلالة الملك في رحاب دولة فلسطين الى جانب ابو مازن يؤكد أبعاد هذه المدرسة العقلانية في السياسة التي كان يبشر بها دائما الرئيس الفلسطيني فقد كان دائما على قناعة تامة ومنذ أن كان رئيسا للجنة الأردنية الفلسطينية المشتركة، إذ كان يعلن دائما عن استقلالية كل من الأردن وفلسطين وقد تعرض بسبب هذه السياسة الى هجوم ضار حيث صدر ضده بيان يتهمه بإقامة علاقات قوية مع الأردن ومحاولة إعادته الى الصورة فكأنه يدعم النظام الأردني؟!
وأذكر أني قابلته في العام 1978 في أعقاب طرح أجندة فلسطينية تهاجمه فقال لي يومها: ان العلاقات الأردنية الفلسطينية هي علاقات تاريخية، وهي علاقات جوار ونسب وجغرافيا ومصير واحد ورؤية واحدة .. وأضاف ابو مازن: اني أُحملكِ رسالة إلى رؤساء البلديات في الضفة الغربية مؤداها أني لا استجدي صك الوطنية من احد فهؤلاء أخواني في الأردن.. وأنا أدرك حقائق التاريخ ومقتضيات السياسة والوطنية، وكان ذلك الحديث في حضور رئيس الديوان الملكي عدنان ابو عودة وشوكت محمود رئيس اللجنة الأردنية المشتركة من الطرف الأردني. وكان ابو مازن في حالة ثورة وغضب شديدين ونعت كل من كان له يد في البيان والهجوم عليه وتخوينه بان هؤلاء يفكرون بعقلية المخاتير وليسوا كسياسيين. لان السياسة هي فن الممكن أولا وأخيرا. فقد كان همي الأول والأخير أن أوفر الأمان ومصادر العيش الشريف لأبناء الضفة الغربية.. فأنا الطرف المسئول عن الفلسطينيين في تلك الفترة جنبا الى جنب مع الأشقاء الأردنيين، وقد وجدت تعاونا حقيقيا من الأخوة الأردنيين وحرصهم الشديد كالمعتاد على استقلالية القرار الفلسطيني.
وفي السنوات العشرين الأخيرة بلغت العلاقات الأردنية الفلسطينية حدا رائعا من التكامل والتنسيق بين جلالة الملك الحسين والرئيس ياسر عرفات وخاصة عندما سقطت الطائرة بالرئيس ابو عمار في صحراء ليبيا. عندما أتى الرئيس عرفات في زيارة إلى الأردن لزيارة الملك الحسين شعر الملك الحسين بان الرئيس ابو عمار في حالة دوخان ووجع رأس شديد فأمسك بيده وادخله إلى المستشفى لإجراء الفحوصات وتبين أنه عنده نزيف في الدماغ على اثر حادث سقوط الطائرة في صحراء ليبيا. فأخذ الملك على عاتقه ان تجرى العملية لابو عمار على أيدي أكفأ الأطباء في الأردن. وهكذا أنقذ حياته. وكانت العلاقة حميمة جدا بين الملك حسين والرئيس عرفات.
وحققت الرؤيا التاريخية بين الزعيم الفلسطيني ابو مازن وجلالة الملك عبدالله في العشر السنوات الأخيرة قمة التنسيق والتكامل والمودة والاحترام، ولا أدلُ على ذلك من وجود جلالة الملك العظيم بين أبناء شعبنا وفي ضيافة قائدنا.
فقد وضعت هذه الزيارة حدا لجميع المخاوف التي تنتاب الشعب الأردني أو الشعب الفلسطيني فهي مؤشر حقيقي على التكامل والاستقلالية وليست مجرد زيارة مجاملة وتهنئة ولكنها تحمل رسالة مؤداها ان هناك دولتين لكل منهما شرعيتها واستقلاليتها ودستورها .. فالأردن تقابله فلسطين. وفي أي مخطط مستقبلي للكونفدرالية الفلسطينية الأردنية سيكون واردا على نحو ما كانت السياسة المعلنة لمنظمة التحرير الفلسطينية وهو ان الكونفدرالية ستتحقق عندما يتم استقلال دولة فلسطين.
