غزة: رغم عمود الغيمة وهول الركام ذاهبون نحو دولة فلسطين 194 صموداً وتحدٍ

غزة: رغم عمود الغيمة وهول الركام ذاهبون نحو دولة فلسطين 194 صموداً وتحدٍ
بقلم: محمود روقة

هو اليوم التاسع والعشرون من نوفمبر، يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، إذ لم نبتعد كثيراً عن أيام العدوان الإسرائيلي النازي على قطاع غزة، وفي هذا اليوم أردتُ أن أسجل باختصار صورة الأيام الثمانية التي عاشتها غزة الحبيبة تحت لهيب العدوان الفاشي الإسرائيلي "عمود الغيمة"، أما غزة فأسمته الصمود والتحدي طريقنا إلى الدولة.

لقد عاشت غزة لمرات عديدة ويلات الحرب والدمار الإسرائيلية. الصواريخ الإسرائيلية المحشوة بالحقد والكراهية والعنصرية تقصف غزة البشر والحجر والشجر، فتقتل الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، وتدمر البيوت والمدارس والمساجد، وتحرق المزروعات من زيتون وورد ونخيل.

عاشت غزة ثمانية أيامٍ متواصلة (14- 21 نوفمبر2012) ليل نهار تحت لهيب نيران العدوان الإسرائيلي الفاشي، فأعلنت إسرائيل الحرب على غزة الآمنة عصر يوم الرابع عشر من شهر نوفمبر الجاري لتُوقف مساء يوم الحادي والعشرين من الشهر نفسه، وغزة على مدى تلك الأيام الثمانية تُقاوم بما لديها من سلاح بسيط يُعززه صمودها ووحدة أبنائها، فكانت غزة الكف الذي قاوم المِخرز.

وغزة تُنادي وتصرخ بشهدائها وجرحاها ذوي القُربى من عرب ومسلمين وتبعث برسائل تستغيث ما تبقى من إنسانية في عالم يدعي الحضارة والمساواة والعادلة، وغزة تموت بصواريخ الموت الهمجية تحمل علامة صنعٍ أمريكية وإسرائيلية نازية ... غزة تصرخ وتصرخ، يسافر الصوت والصدى صراخاً واستغاثة، لكن واحسرتاه لا مجيب ... وغزة تُقاوم عدوها ولا تستسلم.

غزة في عمود الغيمة وتحت الركام، فالصاروخ النازل عليها يدوي رعداً يهز المحيط ويهدم البناية أياً كانت متانتها، ويشعل النيران وتتصاعد سحابات الدخان الأسود كما دخان قنبلة نووية على هيروشيما ونكازاكي، فغزة اليوم تحت الركام، لكنها أقوى صموداً وتحدٍ.

تسمع قصفاً، رعداً ووهجاً من خوف ونار، نتابع الصوت المدوي رعباً، ونُخمن مكان القصف والدمار، لكن لا نعرف كم من البشر ماتوا وكم من البيوت دُمرت بهذا الصاروخ أو ذاك؟ نُدير مؤشر الراديو ، نضبط موجة الإذاعة التي نلتقطها عبر الموبيل، صوت المذيع ينقل البث إلى المراسل الميداني، قصفوا مبنى المخابرات أو ما تُسمى بالسفينة. دوي انفجار صاروخ آخر، قصف على مبنى الجوازات، مدينة عرفات للشرطة، ابنتي تتابع إذاعة غير التي أتابعها، قصفوا مركز شرطة العباس في الرمال الغربي، نحن الآن بلا كهرباء، لا نستطيع مشاهدة التلفاز ... القصف على كل مكان في قطاع غزة، سيارات الإسعاف نسمعها ذهاباً وإياباً، تنقل القتلى والجرحى، نشاهدها بأم أعيننا أو عبر موجات الأثير من شمال القطاع إلى جنوبه ... القصف الآن في منطقة الأنفاق في رفح، على الحدود مع مصر ... في عبسان شرق مدينة خانيونس شهيدان وأربع إصابات ... غارات إسرائيلية على مدينة دير البلح بمحافظة الوسطى ... نحن على موعد مع الكهرباء ... فهي تبدد ظلام الليل المخيف برعد طائراتهم ، بمجيئها يهدأ الأطفال قليلاً ونطرد شبح المعاناة قليلاً، نشاهد التلفاز ونتابع الأخبار المصورة والبث المباشر لكثير من عمليات القصف والدمار ونتابع الصور القادمة من مجمع الشفاء الطبي، الذي يعج بحركة الأطباء والممرضين وسيارات الإسعاف وأناس يتابعون قتلاهم ومُصابيهم.

القصف على تجمع الدوائر الحكومية - بنت ابو خضرة، أكثر من ثمانية صورايخ من طائرات الـ F16 دمرت المكان وجعلته ركاماً وحطاماً، النيران تشتعل في المكان. وقبلها قصفت الطائرات أرض السرايا وأجهزتْ على ما تبقى عليها من بقايا مبانٍ، فاهتزت غزة بكاملها، العمارات تميد بساكنيها وكأني بهزات أرضية تتبع القصف الصاروخي ... الأولاد والبنات الصغار وحتى الكبار في هلعٍ وخوفٍ، يتساءلون عن الهدف القادم لصواريخ الدمار الإسرائيلية. لابد من رفع المعنويات وتهدئة الصغار وإن كنا في داخلنا نحسب ألف حساب، فلا ملاجئ لدينا وكثير من بيوتنا ضعيفة البنية لا تتحمل ضربات القصف الصاروخية... نحن الآباء علينا أن نُمارس مهنة الطبيب النفسي للتخفيف عن صغارنا فزع الحرب الهمجية. لم نعرف النوم طوال الأيام الثمانية، أيام الحرب الهمجية على شعبنا الأعزل، كنا نسرق غفوات لنستريح قليلاً.

لدينا ما يكفينا قليلاً من المونة، خبز ومعلبات وزيت وزعتر، نهار يوم شبه هادئ أسرعتُ إلى سوق الخضار لأتزود بما تيسر من الخضروات ما بقي منها في مخازن الباعة ... في نهار هذا اليوم اختفت طائرات القصف الحربية ولم تختفِ طائراتهم بدون طيار، كم هي مُحكمِة القنص لأناس في هذا الشارع أو ذاك البيت، ترسل صاروخ الإعدام إلى هدفها الفلسطيني فتصيبه في مقتلٍ، المحظوظ من يفلت من شرها ... بإمكاننا دفن موتانا الشهداء في مقابر مزدحمة قريبة لآن تلك الواسعة على تماس مع جدار القنص والموت الإسرائيلي، في كل شارع ثمة بيت عزاء، بيوت العزاء حزينة والناس يشاطرون ويواسون بعضهم البعض. لا مكان للفرح في غزة، فقد ألغتْ الكثير من العائلات أفراحهم وأزالوا زينة الأعراس من على جدران منازلهم مع أول شهيد سقط في حرب "عمود الغيمة" روى ثرى غزة الحبيبة، وتصدح الحناجر ويعلو الدعاء تكريما للشهداء وشفاء للجرحى.
ما يشفي غليل الفلسطينيين هنا صواريخ المقاومة الفلسطينية التي توحدت على هدف واحد، رد العدوان وصمود وتحدٍ ومقاومة... تضربون نضرب، هذا هو حديث المقاومة التي وصلت صواريخها محلية الصُنع العمق الإسرائيلي في صورة لم تشهدها إسرائيل من قبل، فالشارع الإسرائيلي لأول مرة يهرع للملاجئ فزعاً من بضع صواريخ متواضعة القوة والتأثير.

تدخل غزة ليلها ويزداد خوف الكبار على الصغار، فليل غزة مع الصواريخ والقذائف الإسرائيلية جواً وبحراً وبراً أكثر عنفاً وموتاً ... القطاع كله تحت شبح الموت الإسرائيلي النازي ... شمال غزة ومدينة غزة والوسطى وخانيونس ورفح تُدكُ بصواريخ الموت ... الكل في الهدف، البشر والحجر والشجر، حتى الحيوانات والطيور لم تسلم ... أصوات وفنارات سيارات الإسعاف تسمع طوال الليل ... الأمهات والجدات يحضن الأطفال ويهدأن من خوفهم ويقرأن ما تيسر من تعويذات يعتقدن أنها ترد الشر والبلية ... لا نوم هنا والخوف الشديد، والكل يدعو الحماية والنجاة من أشباح الموت المتطايرة في الفضاء... الصغير والكبير أصبح خبيراً في تفسير نوع الضربة هنا أوهناك : هذه الصواريخ من البوارج البحرية ... هذه ضربات دبابات ... هذه صواريخ F16 ... هذه صواريخ "الزنانة - طائرة بدون طيار" ... علمتنا الحروب التقاط نوع الصاروخ الساقط هنا وهناك عبر تمييز الصوت المصاحب ...

ترسل الشمس أشعتها وتبعث بدفءٍ ما فكما نقول: للنهار عيون، واستئناس أرحم بكثير من الليل وأشباحه، وتتواصل حمم الموت الإسرائيلية على القطاع من شماله حتى جنوبه وغزة تحت لهيب القصف المتواصل وأعمدة الدخان تتصاعد من كل مكان في مدينة غزة وأخواتها في قطاعنا الحبيب. المنظمات الوطنية والأجنبية توثق بالصور والأرقام ضحيا العدوان الإسرائيلي من بشر وحجر وشجر ... الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة تسجل بأدواتها وقائع الحرب الهمجية على شعب أعزل إلا من صموده ومعنوياته التي لن تحيد حقه المشروع في الحرية والعودة والاستقلال. وقد دفعت الصحافة ثمناً باهظاً من خيرة شبابها واحترقت بعض مكاتبها ومقراتها بنيران الحقد الإسرائيلي الغاشم، فهذا المصور خالد الزهار يفقد ساقه والصحفيان محمود الكومي وزميله حسام سلامة ومحمد أبو عيشة يسقطون شهداء للكلمة والصورة الحرة ، ومن يسلم حياً في ميدان الكلمة والصورة تُكتب له ولادة جديدة ...

عائلات بأكملها تُدفن تحت ركام بيوتها المقصوفة بصواريخ الحقد والنازية الإسرائيلية، عائلة الدلو وأبو كميل مثالاً لا حصراً.... الطبيب محمد نعيم من وسط مدينة غزة يواصل الليل بالنهار يداوي الجرحى ويضمد جراحهم وينقذ حياة الكثيرين من أبناء شعبه ممن وصلوا إلى مجمع الشفاء الطبي بغزة، يفرح كلما عادت الحياة لجريح أثخنته ومزقته شظايا صورايخ الحرب النازية هذه الليلة من ليالي العدوان، سبعة أيام متواصلة يداوم بلا انقطاع في المَشفى ولم يرَ أولاده وأحبابه وفجأة تكون المصيبة الكبرى، لم يعرف أنه على موعد مع ابنه الصغير هذه الساعة، ليجده شهيداً بين يديه ... ما هذه الصُدفة وما هذا القدر، الطبيب يُداوي المُصابين وينقذ حياتهم ولا يستطع إنقاذ حياة فلذة كبده، لقد أصر الصاروخ الإسرائيلي الذي هوى على عمارة نعمة في غزة قتل ابنه ... يا لها من فاجعة كبيرة وحزن عميق... الابن وصل أبيه الطبيب قتيلاً بلا نفس ... يصمد الطبيب ودموع حزنه تنهمر من عينيه ... صبراً آل ياسر...

مواقف عظيمة كثيرة تلك التي يسطرها أهل غزة من البطولة والفداء والصمود والتحدي ... قدرهم محتوم وصمودهم مشهود وقلوبهم تصدح بالدعاء وحناجرهم كل يوم أين إخوتنا في العروبة والإسلام؟ وأين مدعي حقوق الإنسان؟ وأين وأين وأين ؟؟؟

جولات الدبلوماسية محلياً وعربياً ودولياً تتحرك بعد مرور أيام من القتل والدمار على غزة ... نسمع عن محاولات لوقف إطلاق النار عل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ... خطوط الهواتف الساخنة بين عواصم كثيرة تجري فيها اقتراحات ومشاريع لوقف المجزرة ... الكل يترقب سريان وقف إطلاق النار ... بوادر و أخبار أولية تشير إلى اقتراب التوصل لاتفاق أو تفاهمات ما بين الجانبين برعاية مصرية ... وقيل أن سريان وقف إطلاق النار سيبدأ في الساعة التاسعة ليلاُ من يوم الأربعاء الموافق21 نوفمبر 2012 ، ولتسخن حمحم الصواريخ من الجانبين في نصف الساعة الأخيرة وليسقط الشهداء في الدقيقتين الأخيرتين قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

وما أن يعلن رسمياً من قبل مصر العربية عن سريان الاتفاق لتعلن محطات التلفاز والإذاعات الوطنية بيان الانتصار وتعالتْ زخات الرصاص احتفالاً بنصر الشهداء ... غزة لم تنم هذه الليلة كما الليالي السابقة، لكن هذه المرة ابتهاجاً بالنصر، قد يكون لهذا الفصيل أو ذاك رأياً في شكل وحجم هذا الانتصار، لكنه الصمود والتصدي والتحدي.

ولتصحو غزة تلملم أشلاءها وتُضمد جراحها، وهي ماضية بلا هوادة نحو النصر الأكبر بالحرية والعودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس ... وغزة اليوم كما كل قرى ومدن فلسطين ومخيمات اللجوء والشتات تنادي بأعلى الصوت: أيُّها الفلسطينيون، غادروا مواقع الفرقة والاختلاف والانقسام إلى مواقع الوحدة والصمود والتحدي، واكتبوا اليوم قبل الغد صفحة الوحدة الوطنية وبيان الانتصار القادم لا محالة.

رحم الله شهداءنا وأشفى جرحانا وفك أسر أسرانا البواسل. إنهم يُنادوننا بدمهم المنسكب على أرضنا الغالية ... يصرخون فينا: أن اتحدوا اليوم قبل الغد، فهل سمعنا وأجبنا هذا النداء، كي ينام الشهداء في نعيم الخلود.

اليوم هو التاسع والعشرون من نوفمبر، يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وهو اليوم الذي اختاره الشعب الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية للذهاب للجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة لنيل عضوية فلسطين الدولة 194 على الخارطة السياسية العالمية، إنها معركة الإرادة و التحدي، فلسان غزة يقول: رغم عمود الغيمة وهول الركام ذاهبون نحو دولة فلسطين 194 صموداً وتحدٍ.

التعليقات