بيان صادر عن جمعية دار الكتاب والسنة حول العدوان الصهيوني الغاشم على أهلنا في قطاع غزة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . وبعد:
إنَّ الصراعَ بين الحقِ والباطلِ صراعٌ قديمٌ بقِدَمِ الحياةِ على ظهرِ الأرضِ، قائمٌ متجدِّدٌ ما دامتِ السمواتُ والأرضُ، فهو سنةٌ ماضيةٌ لن تتغيرَ ولن تتبدلَ، فلن تجدَ لسُنةِ اللهِ تبديلاً، ولن تجدَ لسُنةِ اللهِ تحويلاً، ولكنَّ سنةَ الله في هذا الكونِ تقتضي أن تكونَ الغلبةُ والقوةُ والتمكينُ لأهلِ الحقِ، والذِّلةُ والمهانةُ لأهلِ الباطلِ، قال تعالى:]بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[ [الأنبياء:18].
ولكن الناظرَ في واقعِ الأمةِ اليوم يبكي دماً بدلَ الدمعِ على ما حلَّ بها من ضعفٍ وهوانٍ وتشتُّتٍ وتبعثُرٍ، مما حدا بأممِ الكفرِ وأعداءِ الإسلام أن يتآمروا عليها ويجتمعوا ضدَّها، ليقضوا على كلِّ معالمِ العزَّةِ والكرامةِ فيها، فاحتلُّوا أرضَها، وانتهكوا عِرضَها، وسفكوا دماءَها، ونهبوا ثرواتِها، وأكلوا خيراتِها، فانقضُّوا على الأمةِ يتهافتون عليها كما تنقَضُّ الأكلةُ إلى قَصْعَتِها، حتى صدقَ في الأمةِ قولُ نبيِّها r:(يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا) فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:(بَلْ أَنْتُمْ ِيَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ) فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ:(حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ) [رواه أبو داود وصححه الألباني].
وإنَّ ما يجري الآنَ على أرضِ فلسطين الطاهرة – وبالأخص على ثرى غزة الأبية - من انتهاكاتٍ واعتداءاتٍ وتجاوزاتٍ بحقِّ البشرِ والحجرِ والشجرِ يجسِّدُ حقيقةَ الصراعِ، ذلك أنَّ الصراعَ الذي بيننا وبين اليهودِ ليس صراعاً سياسياً ولا إقليمياً ولا عُنصرياً، ولكنه صراعٌ دينيٌ عقديٌ، سيظلُّ مستمراً يطوي حياةَ جيلٍ بعد جيلٍ، حتى تكونَ المعركةُ الفاصلةُ بين الحقِّ والباطلِ، ولكن بالرغم مما نعانيه من آلامٍ وجراحاتٍ إلا أننا نطمئِنُ القلوبَ ونضَمِّدُ الجراحَ ونسَكِّنُ الآلامَ، فنعزي أنفسَنا في جرائمِ اليهودِ بما يلي:
أولا: أنَّ الابتلاءَ سنةٌ ثابتةٌ من سننِ اللهِ في هذا الكونِ. قال تعالى:] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ, الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[ [البقرة:155-157]، إذ الابتلاءُ به تتمايزُ الصفوفُ وتُكشفُ المعادنُ ويتميزُ الخبيثُ من الطيبِ. قال تعالى:] مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[[آل عمران:179] ولما سئل النبيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ:(الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ, يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِه، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) [سنن ابن ماجه وصححه الألباني]، فلا بد أن نصبر وأن نحتسب .
ثانيا: أنَّ شهداءَنا بإذنِ اللهِ في الجنةِ وقتلاهم بإذنِ اللهِ في النارِ. قال تعالى:] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[[آل عمران:169-170]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t
أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ) [صحيح البخاري]، وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ)[سنن ابن ماجه وصححه الألباني].
ثالثا: أننا بصبرِنا وثباتِنا ننالُ أجرَ الرباطِ في سبيلِ الله. قال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[[آل عمران:200] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [صحيح البخاري]، وعن سلمان t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى
عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)[صحيح مسلم].
رابعا: أنَّ المستقبلَ بإذنِ اللهِ على هذه الأرضِ هو للإسلامِ وأهلِه. وأنَّ الغلبةَ والعزةَ والتمكينَ ستكونُ بإذن الله لأهلِ الإيمانِ، قال تعالى:]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ [الروم:47]، وقال تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ [النور:55]، فهذا وعدُ الله جلَّ وعلا لعبادِه المؤمنين إن حققوا العبوديةَ الخالصةَ له سبحانه، وأعلنوا البراءةَ من الشركِ وأهلِه، حيث يُقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيدمغُه فإذا هو زاهقٌ، فتكون الغلبةُ والتمكينُ بإذن اللهِ للحقِّ وأهلِه، والذلةُ والمهانةُ للباطلِ وأهلِه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) [رواه مسلم]، وعَنْ ثَوْبَانَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي
الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) [رواه مسلم]. هذا وليعلمَ كلُّ مؤمنٍ يتفطَّرُ قلبُه أنَّ المستقبلَ - بإذن الله - للإسلام، وأنَّ العزةَ والنصرةَ والتمكينَ - لا محالةَ - لأهلِ الإيمان، وإن قَوِيت شَوكةُ اليهودِ، واعتنقوا التوراةَ والتلمودَ، وبَنَوا القِلاعَ والحصونَ والسدودَ، ]هُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [التوبة:33].
وفي الختامِ نقولُ لأهلِنا وإخوانِنا على أرضِ غزة: اصبروا وصابروا ورابطوا، واعتصموا بحبلِ الله جميعا ولا تفرقوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكم، ولا تيأسوا من رَوْحِ اللهِ، واعلموا أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ مع العسرِ يسرا، ولن يغلبَ عسرٌ يسرين، وإننا على يقينٍ أنَّ النصرَ حليفُ المؤمنين، وسيدخلون بيتَ المقدسِ كما دخله أسلافُهم من قبل، فيدُكُّون حصونَ اليهودِ وقلاعَهم، ويسوؤون وجوهَهم، ويدمِّرون بُنيانَهم،
فليَبنِ اليهودُ ما شاءوا، وليتطاولوا في البُنيانِ، فإنها ستَخِرُّ على رءوسِهم، وسيلقون بها مصارعَهم، ذلك أمرُ الله، واللهُ غالبٌ على أمرِه ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
إنَّ الصراعَ بين الحقِ والباطلِ صراعٌ قديمٌ بقِدَمِ الحياةِ على ظهرِ الأرضِ، قائمٌ متجدِّدٌ ما دامتِ السمواتُ والأرضُ، فهو سنةٌ ماضيةٌ لن تتغيرَ ولن تتبدلَ، فلن تجدَ لسُنةِ اللهِ تبديلاً، ولن تجدَ لسُنةِ اللهِ تحويلاً، ولكنَّ سنةَ الله في هذا الكونِ تقتضي أن تكونَ الغلبةُ والقوةُ والتمكينُ لأهلِ الحقِ، والذِّلةُ والمهانةُ لأهلِ الباطلِ، قال تعالى:]بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[ [الأنبياء:18].
ولكن الناظرَ في واقعِ الأمةِ اليوم يبكي دماً بدلَ الدمعِ على ما حلَّ بها من ضعفٍ وهوانٍ وتشتُّتٍ وتبعثُرٍ، مما حدا بأممِ الكفرِ وأعداءِ الإسلام أن يتآمروا عليها ويجتمعوا ضدَّها، ليقضوا على كلِّ معالمِ العزَّةِ والكرامةِ فيها، فاحتلُّوا أرضَها، وانتهكوا عِرضَها، وسفكوا دماءَها، ونهبوا ثرواتِها، وأكلوا خيراتِها، فانقضُّوا على الأمةِ يتهافتون عليها كما تنقَضُّ الأكلةُ إلى قَصْعَتِها، حتى صدقَ في الأمةِ قولُ نبيِّها r:(يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا) فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:(بَلْ أَنْتُمْ ِيَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ) فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ:(حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ) [رواه أبو داود وصححه الألباني].
وإنَّ ما يجري الآنَ على أرضِ فلسطين الطاهرة – وبالأخص على ثرى غزة الأبية - من انتهاكاتٍ واعتداءاتٍ وتجاوزاتٍ بحقِّ البشرِ والحجرِ والشجرِ يجسِّدُ حقيقةَ الصراعِ، ذلك أنَّ الصراعَ الذي بيننا وبين اليهودِ ليس صراعاً سياسياً ولا إقليمياً ولا عُنصرياً، ولكنه صراعٌ دينيٌ عقديٌ، سيظلُّ مستمراً يطوي حياةَ جيلٍ بعد جيلٍ، حتى تكونَ المعركةُ الفاصلةُ بين الحقِّ والباطلِ، ولكن بالرغم مما نعانيه من آلامٍ وجراحاتٍ إلا أننا نطمئِنُ القلوبَ ونضَمِّدُ الجراحَ ونسَكِّنُ الآلامَ، فنعزي أنفسَنا في جرائمِ اليهودِ بما يلي:
أولا: أنَّ الابتلاءَ سنةٌ ثابتةٌ من سننِ اللهِ في هذا الكونِ. قال تعالى:] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ, الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[ [البقرة:155-157]، إذ الابتلاءُ به تتمايزُ الصفوفُ وتُكشفُ المعادنُ ويتميزُ الخبيثُ من الطيبِ. قال تعالى:] مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[[آل عمران:179] ولما سئل النبيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ:(الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ, يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِه، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) [سنن ابن ماجه وصححه الألباني]، فلا بد أن نصبر وأن نحتسب .
ثانيا: أنَّ شهداءَنا بإذنِ اللهِ في الجنةِ وقتلاهم بإذنِ اللهِ في النارِ. قال تعالى:] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[[آل عمران:169-170]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t
أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ) [صحيح البخاري]، وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ)[سنن ابن ماجه وصححه الألباني].
ثالثا: أننا بصبرِنا وثباتِنا ننالُ أجرَ الرباطِ في سبيلِ الله. قال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون[[آل عمران:200] وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال:(رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [صحيح البخاري]، وعن سلمان t أَنَّ رَسُولَ اللهِ rقال: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى
عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)[صحيح مسلم].
رابعا: أنَّ المستقبلَ بإذنِ اللهِ على هذه الأرضِ هو للإسلامِ وأهلِه. وأنَّ الغلبةَ والعزةَ والتمكينَ ستكونُ بإذن الله لأهلِ الإيمانِ، قال تعالى:]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ [الروم:47]، وقال تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ [النور:55]، فهذا وعدُ الله جلَّ وعلا لعبادِه المؤمنين إن حققوا العبوديةَ الخالصةَ له سبحانه، وأعلنوا البراءةَ من الشركِ وأهلِه، حيث يُقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيدمغُه فإذا هو زاهقٌ، فتكون الغلبةُ والتمكينُ بإذن اللهِ للحقِّ وأهلِه، والذلةُ والمهانةُ للباطلِ وأهلِه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) [رواه مسلم]، وعَنْ ثَوْبَانَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي
الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) [رواه مسلم]. هذا وليعلمَ كلُّ مؤمنٍ يتفطَّرُ قلبُه أنَّ المستقبلَ - بإذن الله - للإسلام، وأنَّ العزةَ والنصرةَ والتمكينَ - لا محالةَ - لأهلِ الإيمان، وإن قَوِيت شَوكةُ اليهودِ، واعتنقوا التوراةَ والتلمودَ، وبَنَوا القِلاعَ والحصونَ والسدودَ، ]هُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [التوبة:33].
وفي الختامِ نقولُ لأهلِنا وإخوانِنا على أرضِ غزة: اصبروا وصابروا ورابطوا، واعتصموا بحبلِ الله جميعا ولا تفرقوا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهبَ ريحكم، ولا تيأسوا من رَوْحِ اللهِ، واعلموا أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ مع العسرِ يسرا، ولن يغلبَ عسرٌ يسرين، وإننا على يقينٍ أنَّ النصرَ حليفُ المؤمنين، وسيدخلون بيتَ المقدسِ كما دخله أسلافُهم من قبل، فيدُكُّون حصونَ اليهودِ وقلاعَهم، ويسوؤون وجوهَهم، ويدمِّرون بُنيانَهم،
فليَبنِ اليهودُ ما شاءوا، وليتطاولوا في البُنيانِ، فإنها ستَخِرُّ على رءوسِهم، وسيلقون بها مصارعَهم، ذلك أمرُ الله، واللهُ غالبٌ على أمرِه ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

التعليقات