مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان يجبر بلدية القدس على زيادة حجم خدماتها المقدمة لأربع أحياء مقدسية

القدس - دنيا الوطن - هبة أصلان 
حقق مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان نجاحاً في قضية كان قد رفعها باسم سُكّان الاحياء الشماليّة لمدينة القدس (حيّ كفر عقب، سميرأميس، حي الزغير، وحي المطار)، ضد بلدية الاحتلال التي تُماطل في تقديم خدماتها لسكان هذه الأحياء الأربعة الواقعة شمال مدينة القدس المحتلة.

وفي تفاصيل القضية، فقد ألزمت المحكمة المركزيّة قبل بِضعة أيّام، بلدية القدس على تحسين خدمات جمع النفايات والمُقدّمة لهذه الأحياء بشكلٍ نوعي، وذلك من خلال العمل على تعديل المُناقصة التي تُلزم المتعهدين بتنفيذ المهمات المتعلّقة بجمع النفايات.

وعليه تم زيادة قيمة المناقصة المخصصة لجمع النفايات من هذه المناطق لتصبح قيمتها ثلاثة ملايين شيكل بدلاً من مليونين وثلاثين الفاً، إلى جانب اعتمادها لمُتعهد مُباشر، وليس كما كان في السابق، حيث عملت البلديّة على إرساء المناقصة على مُتعهّد إسرائيلي، والذي بدوره يقوم بالتعاقد مع متعهد فلسطيني لتنفيذ المهمّات. كما تمّ التعاقد حاليّاً مع متعهّد مؤقت لجمع النفايات على أن يُمارس مهامه حتى نهاية العام الحالي بشكل دوري ومنتظم، وعليه يقوم بجمع النفايات من هذه الأحياء بواقع ستة أيام أسبوعياً، بدلاً من أربعة أيام كانت مُخصصة لجمع النفايات، كما تمّ ارغام البلديّة على ادخال شاحنة صغيرة مع رافعة (تراكتور) لجميع النفايات من بين الأزقة والحارات الموجودة في هذه الأحياء، وذلك بواقع ثلاثة أيام أسبوعياً، وبحيث تكون كمية النفايات المجموعة ثمانمئة وأربعون طناً شهرياً (مع العلم أنّ البلديّة كانت قد اعلنت أنها تجمع 350 طن شهريا في السابق).

وبالاضافة إلى جميع ما سبق، فقد تمّ إلزام بلدية الاحتلال بزيادة عدد حاويات النفايات في هذه المنطقة بواقع 70 حاوية (سعة كل منها 7-8 كوب)، بدلاً من 35 حاوية (كانت موجودة بأحجام متفاوتة)، كما ألزم قرار المحكمة البلدية برفع عدد الحاويات الصغيرة ذات سعة ألف ومئة لتر ليصبح عددها 100 حاوية (بدلاً من 15 حاوية قديمة)، هذا وقد تم الاتفاق على أن يتم تخصيص يوم لتنظيف الخردة مرةً بالأسبوع (علماً أن هذا النوع من التنظيف لم يكن موجود بالسابق)، إلى جانب إقرار المحكمة بأهمية اعتماد البلدية خمسة عمال نظافة يقوموا بعملهم ستة مرات اسبوعيا، وكما أنّهم مُلزمين بتقديم تقارير شهرية للمركز عن مجريات العمل مع احتفاظ المركز بحقه بالتوجه للمحكمة في حال تقصير البلدية في عملها.

وبحسب السيّد رامي صالح، مُدير فرع مركز القدس للمساعدة القانونيّة بالقدس، فقد أشار إلى أن بلدية الاحتلال قد حاولت التهرب من التزاماتها اتجاه السكان خلف جدار الفصل، مدعية أن المشكلة ليست ناتجة عن تقصير البلديّة، وأنها ليست وحدها سبباً فيها. فقد طلبت البلديّة أن تكون الدولة جزء من المُدعى عليهم في القضية، خاصة وأن الدولة هي التي أقامت جدار الضم والتوسع، والذي يخنق المدينة ويفصل سكانها عن بعضهم البعض. وعليه فقد وافقت المحكمة على إدخال الدولة كمدعى عليه، بشكل مؤقت. وقد وضّح المركز في مرافعته أن هذه المشكلة ليس للسكان علاقة بها، وهي مشتركة ما بين البلدية والحكومة، وأن ادخال الدولة من عدمه لا يعفي البلدية من القيام بمهامها وواجباتها.

كما شدد السيّد صالح، على أهميّة أن يقوم أهالي المنطقة بالعمل على التصدي للإهمالات المختلفة التي تقوم بها بلديّة الاحتلال، وخاصة في مسألة تعبيد الطرق والأزقة، وعمل أرصفة، وذلك من خلال التوجّه للمؤسسات الحقوقيّة المختلفة، بهدف إلزام البلديّة بواجباتها تجاههم. ومن ناحيّة أخرى، أهميّة العمل على إلزام البلديّة برفع مستوى خدماتها في جمع النفايات في في الأحياء المهمّشة في المدينة، مثل عناتا وضاحية السلام.

مراحل تطور القضية

مثّل مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان الأحياء الأربعة المذكورة، فيما يتعلق بموضوع جمع النفايات منها، وخاصة مع تدهور الاوضاع البيئية والصحية في هذه المناطق التي عُزِلت عن المدينة المُحتلة بشكل كبير وذلك بسبب بناء جدار الضم والتوسع، وبحسب المركز فقد تم الاهمال في تقديم الخدمات لهذه المناطق، فتراكمت النفايات بكميات هائلة أدت الى تلوث بيئي وتدهور صحي لعدد كبير من قاطنيها، خاصة وأن حاويات النفايات كانت تبقى ممتلئة بالفضلات لفترات طويلة، وصلت أحيانا الى أكثر من اسبوعين، مما أجبر بعض السكّان على حرق النفايات، وعليه وبعد أن توجهت لجان الأحياء المُمثلة للسكان إلى مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان، حيث أرفق المركز مع التماسه ضد البلديّة تقارير طبية لسكان المنطقة التي تثبت تدهور الاوضاع الصحية لهم نتيجة لتراكم النفايات، وقد بدأ المركز بتمثيل هؤلاء السكان المتضررين في المحاكم الاسرائيلية.

ووِفقاً لمحامي مركز القدس الأستاذ محمد العباسي، فقد تم التوجه للمحكمة حيث طلب منها أن تُجبر البلدية على القيام بواجباتها اتجاه سكان المناطق المتضررة، وتبدأ بتنظيف النفايات المتراكمة وتحسين الاوضاع البيئية فيها خاصة وأن هؤلاء السكان يدفعون ما عليهم من مُستحقات ضرائيبية للبلدية، وفي شهر نيسان/ابريل 2012 قدم التماس من قبل المركز للمحكمة وعليه كانت أول جلسة للنظر بالقضية في شهر حزيران/مايو 2012. وقد أكّد العباسي أنّه وفي تلك الفترة كانت هناك محاولات عدة من قبل البلدية لتأجيل القضية، لكن غياب أي تحسن يذكر للأوضاع جعل المركز يرفض أي محاولة للتأجيل، ووفقاً للمركز وللسكان فإن تحسن ملحوظ في الخدمات بدأت أثاره تظهر على الأرض.

 

نضال السكان ولجنة الحي

ومن الامور المهمّة في هذه القضية، هو إدعاء بلدية الاحتلال أن عدد سكان المناطق الأربع المتضررة هو خمسة وثلاثون الفاً، وبالتالي تتمسك بهذه الحجة في محاولة منها للتهرب من تقديم خدماتها بشكل دوري ومنظم وبالحجم المطلوب، كما لم تنجح الأطراف الأخرى في اثبات عدد السكان الحقيقي لغياب الاحصائيات، وهنا يؤكد السيّد منير زغير – أبو أشرف، رئيس لجنة أهالي كفر عقب على أن عدد سكان المناطق الأربع يُناهز الستين ألف نسمة، خمسة عشر ألفاً منهم يقطنون مساكن مرخصة، في حين أن الخمسة والاربعين ألفاً الباقية هي بيوت لم تُعطِ البلديّة تراخيص بناء لها. ولكن الترخيص من عدمه وفقاً للقانون، لا يعفى البلدية من تقديم الخدمات. وقد أضاف السيّد زغير إلى أن البلدية تجبي الضرائب المختلفة، وأهمها ضريبة المسقوفات (الأرنونا) من أصحاب البيوت المرخصة والغير مرخصة، وفي هذا رِضى مبطن من قبل البلدية على البناء دون ترخيص فهو يعود عليها بالفائدة المادية.

يؤكد زغير بصفته رئيساً للجنة الحي وممثلاً للسكان، على غياب الدور الذي يفترض بالبلدية أن تقوم به لتوفير البيئة الصحية للعيش الكريم لها، فمهمة البلدية لا تقتصر على جمع النفايات وتنظيف الشوارع منها، بل هي تتعداها ليكون هناك شوارع مرتبة وأرصفة ومواقف للباصات مع مظلات تحمي السكان مطر الشتاء، بالإضافة الى جسور تحمي 7800 طالب يقطنون في المنطقة، 5000 طالب منهم يقطعوا شارعاً تمر منه 3000 سيارة بالساعة، بالإضافة الى 3500 طالب ينتقلون للدراسة خارج المنطقة.

وقد بدا السيد زغير فرحاً بالانجاز الذي حققه مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان لصالح أهالي الأحياء الشماليّة لمدينة القدس المُحتلة، حيث انّهم توجهوا للمركز بعد انقطاع كافة السبل لديهم، ويقول مبتسماً: "هذه القضية هي الأولى التي تُرفع باسم 60 الف مواطن ضد بلدية الاحتلال منذ العام 1967، وقد زاد التحسن في تقديم الخدمات بما نسبته 30%، فنحن الى أنّ نحصل على خدمات من بلدية الاحتلال تصل نسبتها الى 65% وهذا بالتأكيد مرده للجهود المبذولة من السكان ومن محاميي المركز".

كما أكّد السيّد زغير، إلى أن هناك أضرار مختلفة ناتجة عن تراكم النفايات، الامر الذي أجبر الأهالي خلال الفترات السابقة على حرق النفايات، وقد أفادت تقارير المراكز الطبية في المنطقة الى دخول 90% من السكان للعيادات الطبية للعلاج من عدد من الأمراض منها السعال الحاد، الحساسية، التهابات الحلق، والالتهابات الجلدية، بالإضافة إلى وجود شكوك قوية بوفاة عدد من السكان بمرض السرطان نتيجة لاستنشاقهم المتواصل لهذه الغازات وهو مشكلة تتحمل البلدية نتائجها.

وهنا يعود ليؤكد أنه، وبالاضافة الى الجهود المبذولة من المركز، إلا ان هناك سبب آخر دفع بلدية الاحتلال للتحرك الايجابي وينوه زغير إلى نزول الطيور على الحاويات والنفايات المحروقة وانتقالها الى المناطق القريبة التي يقطنها الإسرائيليون في المستوطنات المجاورة، وبالتالي تنقل الامراض وتصدرها لهم وهذا فيه اشارة لخوف البلدية من شكاوى سٌكان هذه المُستوطنات.

 

وجهة النظر المجتمعيّة

يؤكد الاستاذ مناف عباس، وهو أحد سكّان الحي، عن رضاه عن التحسن الملموس في جمع النفايات في المنطقة. وقد أثنى الأستاذ عبّاس، وبحسب خِبرته كناشط قانوني وباحث ميداني في إحدى المؤسسات الحقوقيّة في المناطق المُحتلة، على نوعية القضية التي كسبها مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان، خاصةً وأن حجم الانتهاكات التي تمارسها حكومة الاحتلال وكافة أجهزتها تزداد يوماً بعد الآخر في ظل الحرب الديموغرافية التي تشهدها مدينة القدس بالمقام الاول.

ويضيف عباس أنه ومن خلال توثيقهم للخدمات المقدمة في المنطقة، تمكنوا من إثبات عدم قيام بلدية الاحتلال بواجباتها اتجاه السكان هناك، وبالتالي كان التوجه للقضاء منطقياً وضروريا في ظل تردي أوضاع السكان في هذه المناطق.

وعن البُعد المؤسساتي للقضية، يُشير عباس إلى اطار العمل التكاملي الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية في المدينة، وذلك للتأكيد على أن جميع ما تقوم به دولة الاحتلال وأجهزتها في المدينة ما هو الا خطوات تعسفية وعبثية تنافي قواعد القانون الدولي الانساني الذي نظم العلاقات بين الدولة المحتلة والشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وبغض النظر كان التوجه لمحكمة الاحتلال مقبول او لا كان لا بد من الحصول على حقوق المواطنين المقدسيين في هذه المناطق فهي حقوق وليست احسان وهبة من دولة الاحتلال

التعليقات