شاهد بالصور .. من غزة إلي بركان "واو الناموس" في قلب الصحراء العربية الكبرى
بقلم: د.كامل خالد الشامي
أستاذ جامعي وكاتب
جامعة غزة
أن تقطع مسافة قصيرة في معبر رفح لا تتعدي بضعة مئات من الأمتار في يوم أو يومين أمر له دلالة سياسة,ولكن أن تنقطع بك السبل في الصحراء الخالية الجرداء قضية موت وحياة.
انطلقنا عند منتصف الليل من مدينة سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية إلي بركان واو الناموس الذي يبعد قرابة 700 كلم جنوبا عن تلك المدينة.
كنت أعرف أني ذاهب مع أصدقائي أحمد وعبد الله إلي منطقة اللامعمور و وقلما كنت أري الطريق إلي الهدف شجرة أو حتى شجيرة فهذه هي الصحراء الكبرى مطلقة الجفاف, بكثبانها الرملية وصحاريها المختلفة, والطريق هنا ترابي قديم أو ما يسمي بطرق القوافل,عليك أن تكون حريصا وواثقا من أنك تعرف الاتجاهات وتستطيع أن تسير علي هدي النجوم إذا أدركك الليل, فدرب التبانة كانت واضحة جدا في هذه الليلة.مررنا علي واحات متفرقة في طريقنا مثل أم الأرانب وزريلة ومرزق وواحة واو الكبير, تلك الواحة التي لا يعيش فيها إلا بضعة أفراد يربطهم العمل بمشروع زراعي, تلك الواحة التي كانت السجن الرهيب للمقاومين الليبيين في عهد الاحتلال الايطالي, هنا كان يجلب المقاومين وتجلب عائلاتهم معهم للعيش وقضاء فترة العقوبة, ولم يفكر أحدا بالهروب فالهروب هنا معناه الموت المحقق.
في لحظة إرهاق وتعب وفي أقل من يضعه ثواني ضللنا الطريق إلي البركان الذي يشبه أرض القمر, وصلنا إلي صحراء حمادة أو ما يسمي بالصحراء الحجرية
فانفجر أطار سيارة الدفع الرباعي التي تقلنا واستخدمنا الإطار الاحتياطي الذي انفجر أيضا لم يبق أمامنا إلا الصلاة والدعاء, قررنا العودة إلي واو الكبير تحت حرارة شمس الصحراء الحارقة وبثلاث إطارات تعمل والإطار الرابع كان ما يعرف بالجنط, لقد كنا فعلا علي الجنط, التكييف ممنوع حتى يتم توفير النفط.
استخدم صديقي أحمد البوصلة لتحديد اتجاه طريق العودة فدخلنا إلي حقل ألغام وخرجنا منة بأعجوبة .
في المساء عدنا الكرة ثانية إلي بركان واو الناموس وصلنا إلي أرض القمر منظر هائل وخرافي .كان القمر بدرا يعكس ظلاله الرقيقة علي طبيعة خلابة لم تعرف منها إلا شكلها الخارجي الذي يشبه أرض الأحلام.
في صباح اليوم التالي استيقظنا علي أشعة الشمس الملتهبة وباشرنا التصوير وعمل الخرائط اللازمة وتحديد أفضل أماكن التخييم, وعند المساء أردنا العودة من حيث أتينا, لكن موتور السيارة أبي أن يدور .
نعم حلت الكارثة, ففي الليلة التي وصلنا بها قرر صديقي عبد الله أن ينام داخل السيارة , وأحمد في الخيمة, وقمت أنا بدفن نفسي في الرمال ولم يبقي بارزا مني إلا وجهي الذي أخفيته تحت قطعة قماش هربا من أرفف الناموس التي كانت تعبأ الجو.
في السيارة دارت معركة شرسة بين عبد الله والناموس فكلما اقتربت منة ناموسة كان يحاول إبعادها بضربة من يده وفي كل مرة كانت يده ترتطم ببوق السيارة , كنت أسمع صوت البوق وكأنة حلم من شدة التعب , وهكذا استمرت ملحمة عبد الله مع الناموس حتى الصباح, وعلي ما يبدو أن هذه المعركة أدت إلي إفراغ البطارية من الشحن.
لم يبقي أمامنا شيئا نفعله إلا الجلوس تحت أشجار النخيل, والعودة بالذاكرة إلي الوراء, لا أحد يعرف كم سيمضي من الوقت حتى يكتشفنا أو يقتفي آثارنا أحد, الطعام متوفر من الإوز البري في بحيرات واو الناموس التي تبلغ مساحتها أكثر من 40,000 متر مربع ومياهها مالحة مثل مياه البحر, لكن مصادر المياه العذبة كانت معروفة لنا. كانت المرة الأولي التي أعيش فيها دون أمل وتتقطع بي السبل!!
السير علي الأقدام حتى مناطق المعمور وأن كان أحد الخيارات بقي كخيار أخير بسبب الخوف من الضياع في الصحراء الرهيبة وحرارة الجو الملتهبة.
في الليل أشعلنا النار, وبينما نحن نفكر في طريقة تخرجنا من بركان واو الناموس,وإذا بصوت سيارة صحراوية يقترب منا, نعم لقد جاء المنقذون..... كنا قد بلغنا قبل أن نغادر واو الكبير إذا لم نعد بعد العصر عليكم أن تبحثوا عنا...... ولكن من شدة الخوف من الضياع والهلاك كنا قد نسينا ذلك!!!
في لحظة فرح وعناق أخوة تم تشغيل سيارتنا وعدنا إلي الحياة بعد أن كان الموت ينتظر الإشارة الربانية لوضع النهاية.














أستاذ جامعي وكاتب
جامعة غزة
أن تقطع مسافة قصيرة في معبر رفح لا تتعدي بضعة مئات من الأمتار في يوم أو يومين أمر له دلالة سياسة,ولكن أن تنقطع بك السبل في الصحراء الخالية الجرداء قضية موت وحياة.
انطلقنا عند منتصف الليل من مدينة سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية إلي بركان واو الناموس الذي يبعد قرابة 700 كلم جنوبا عن تلك المدينة.
كنت أعرف أني ذاهب مع أصدقائي أحمد وعبد الله إلي منطقة اللامعمور و وقلما كنت أري الطريق إلي الهدف شجرة أو حتى شجيرة فهذه هي الصحراء الكبرى مطلقة الجفاف, بكثبانها الرملية وصحاريها المختلفة, والطريق هنا ترابي قديم أو ما يسمي بطرق القوافل,عليك أن تكون حريصا وواثقا من أنك تعرف الاتجاهات وتستطيع أن تسير علي هدي النجوم إذا أدركك الليل, فدرب التبانة كانت واضحة جدا في هذه الليلة.مررنا علي واحات متفرقة في طريقنا مثل أم الأرانب وزريلة ومرزق وواحة واو الكبير, تلك الواحة التي لا يعيش فيها إلا بضعة أفراد يربطهم العمل بمشروع زراعي, تلك الواحة التي كانت السجن الرهيب للمقاومين الليبيين في عهد الاحتلال الايطالي, هنا كان يجلب المقاومين وتجلب عائلاتهم معهم للعيش وقضاء فترة العقوبة, ولم يفكر أحدا بالهروب فالهروب هنا معناه الموت المحقق.
في لحظة إرهاق وتعب وفي أقل من يضعه ثواني ضللنا الطريق إلي البركان الذي يشبه أرض القمر, وصلنا إلي صحراء حمادة أو ما يسمي بالصحراء الحجرية
فانفجر أطار سيارة الدفع الرباعي التي تقلنا واستخدمنا الإطار الاحتياطي الذي انفجر أيضا لم يبق أمامنا إلا الصلاة والدعاء, قررنا العودة إلي واو الكبير تحت حرارة شمس الصحراء الحارقة وبثلاث إطارات تعمل والإطار الرابع كان ما يعرف بالجنط, لقد كنا فعلا علي الجنط, التكييف ممنوع حتى يتم توفير النفط.
استخدم صديقي أحمد البوصلة لتحديد اتجاه طريق العودة فدخلنا إلي حقل ألغام وخرجنا منة بأعجوبة .
في المساء عدنا الكرة ثانية إلي بركان واو الناموس وصلنا إلي أرض القمر منظر هائل وخرافي .كان القمر بدرا يعكس ظلاله الرقيقة علي طبيعة خلابة لم تعرف منها إلا شكلها الخارجي الذي يشبه أرض الأحلام.
في صباح اليوم التالي استيقظنا علي أشعة الشمس الملتهبة وباشرنا التصوير وعمل الخرائط اللازمة وتحديد أفضل أماكن التخييم, وعند المساء أردنا العودة من حيث أتينا, لكن موتور السيارة أبي أن يدور .
نعم حلت الكارثة, ففي الليلة التي وصلنا بها قرر صديقي عبد الله أن ينام داخل السيارة , وأحمد في الخيمة, وقمت أنا بدفن نفسي في الرمال ولم يبقي بارزا مني إلا وجهي الذي أخفيته تحت قطعة قماش هربا من أرفف الناموس التي كانت تعبأ الجو.
في السيارة دارت معركة شرسة بين عبد الله والناموس فكلما اقتربت منة ناموسة كان يحاول إبعادها بضربة من يده وفي كل مرة كانت يده ترتطم ببوق السيارة , كنت أسمع صوت البوق وكأنة حلم من شدة التعب , وهكذا استمرت ملحمة عبد الله مع الناموس حتى الصباح, وعلي ما يبدو أن هذه المعركة أدت إلي إفراغ البطارية من الشحن.
لم يبقي أمامنا شيئا نفعله إلا الجلوس تحت أشجار النخيل, والعودة بالذاكرة إلي الوراء, لا أحد يعرف كم سيمضي من الوقت حتى يكتشفنا أو يقتفي آثارنا أحد, الطعام متوفر من الإوز البري في بحيرات واو الناموس التي تبلغ مساحتها أكثر من 40,000 متر مربع ومياهها مالحة مثل مياه البحر, لكن مصادر المياه العذبة كانت معروفة لنا. كانت المرة الأولي التي أعيش فيها دون أمل وتتقطع بي السبل!!
السير علي الأقدام حتى مناطق المعمور وأن كان أحد الخيارات بقي كخيار أخير بسبب الخوف من الضياع في الصحراء الرهيبة وحرارة الجو الملتهبة.
في الليل أشعلنا النار, وبينما نحن نفكر في طريقة تخرجنا من بركان واو الناموس,وإذا بصوت سيارة صحراوية يقترب منا, نعم لقد جاء المنقذون..... كنا قد بلغنا قبل أن نغادر واو الكبير إذا لم نعد بعد العصر عليكم أن تبحثوا عنا...... ولكن من شدة الخوف من الضياع والهلاك كنا قد نسينا ذلك!!!
في لحظة فرح وعناق أخوة تم تشغيل سيارتنا وعدنا إلي الحياة بعد أن كان الموت ينتظر الإشارة الربانية لوضع النهاية.
















التعليقات