في ندوة بعنوان الإسلاميون والمسيحيون العرب: المسيحيون العرب جزء أساسي من المجتمع والدولة يعبر عن ثقافة التنوع والاختلاف
عمان - دنيا الوطن
عقد مركز دراسات الشرق الأوسط بالتعاون مع المعهد الملكي للدراسات الدينية ندوة عملية يوم السبت 13/10/2012، تحت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون العرب"، وشارك فيها مجموعة من الخبراء والمختصين ورجال الدين والسياسيين من مصر ولبنان والأردن.
وفي جلسة الافتتاح، ألقى الدكتور كامل أبو جابر، مدير العهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، كلمة نقل في بدايتها تحيات صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال راعي الندوة إلى المشاركين، مشيراً إلى أن خلفية موضوع الندوة ترتبط بمسألة علاقة الدين بالدولة، وهي مسألة معقدة وشائكة تتباين حولها الآراء والعقائد والأفكار، وأوضح أن عنوان الندوة يضم في ثناياه فرضية أن هناك إشكالية لا بد من البحث فيها، والتي هي في الأساس ليست مشكلة المسيحيين وحسب، وإنما هي مشكلة الأمة بأطيافها كافة، مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وأن هذه المشكلة حديثة العهد تاريخياً قامت مع ظروف الأمة الصعبة والمعقدة منذ نزول جند نابليون إلى مصر عام 1798.
كما أكد أبو جابر بأن حدة هجمة الحضارة الغربية علينا قادت إلى حال المخاض الذي ما زلنا فيه بحيث ذهب القديم ولم يحل بعده ما هو مقنع؛ فإحدى قدمينا في الماضي والأخرى غير واثقة من نفسها تتحسس الحاضر بريبة وتتوجس من المستقبل في محاولة استشراف آفاقه.
وشدد أبو جابر على أن الحوار هو سبيل التوصل الى رؤية لمستقبلنا، حوار إسلامي- إسلامي، وإسلامي- مسيحي، ومسيحي- مسيحي، حوار لا بد وأن تتعدد محاوره في محاولة للتوصل إلى رؤية مستقبليه تمكننا من التصالح مع أنفسنا أولاً، وهو حوار قد يقود إلى دفع الإسلاميين إلى بلورة برنامج واضح لهم وللمبادئ والعقائد والأديان الأخرى في المنطقة.
كما ذكر مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية بأن مثل هذه الرؤيا لا بد وأن ترتكز إلى أحد أهم أركان الفكر السياسي الإسلامي ألا وهو العدالة التي بدونها لا يمكن أن تكون الحرية حقيقية؛ وهي العدالة التي تعطي طعماً ونكهة وحقاً لحياة الإنسان في مجتمعه.
وفي كلمة الافتتاح الثانية أشار الأستاذ جواد الحمد، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن، إلى أن تولّي الإسلاميين للحكم في عدد من بلدان الثورات دفع كثيرين ممن لا يؤمنون بوحدة الأمة العربية إلى تصوير العرب وكأنهم يعيشون حالة جنوب أفريقيا عندما سادها التمييز العنصري والطائفي، وأوضح بأنه رغم حصول عدد من التجاوزات طوال العقديْن الماضييْن ضد بعض المواطنين المسيحيين، فإنها في النهاية أحداث جنائية وفردية عادة، ولها أسباب ودوافع غير طائفية في الأساس، غير أن بعض المشاركين فيها يتسترون بستار الطائفية للتغطية على دوافعهم الحقيقية.
وشدد الحمد على أن الحوار المباشر والمصارحة ومناقشة الواقع والتشارك في رسم ملامح المستقبل بين المواطنين من مسيحيين ومسلمين يعد عملاً نبيلاً يحمينا من خطر الطائفية والتفكير الطائفي، بل ويضعف مبررات التدخل الأجنبي في بلادنا تحت هذه الحجة، وأضاف بأن تحقيق هذه الرؤية بعد التوصل إليها يقع على عاتق القيادات السياسة والدينية في سياق تيارات الإسلام السياسي من جهة، والمسيحيين العرب من جهة أخرى، موضحاً بأن الاتفاق على برنامج عمل يحدد دور كل طرف وواجباته تأسيساً على دستور وقانون حاكم للمواطنة والحقوق والواجبات المدنية والدينية لكل المواطنين يعدّ من أهم الأعمدة لإنجاح حالة التعايش والتعاون والوحدة بين المسيحيين العرب وإخوانهم المسلمين سواءً من تيارات الإسلام السياسي أو من غيرهم.
وأكد مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بأن الثورات العربية وفّرت فرصة ذهبية لإعادة بناء الثقة والوحدة الوطنية بين أبناء البلاد العربية بعيداً عن التصنيفات الطائفية أو الإثنية، وكذلك كرّست نهج التعبير السلمي عن الرأي بحرية دون المس بالآخرين أو إقصائهم وأن يتساوى المواطنون في الحقوق والواجبات.
الجلسة الأولى
(الجلسة الأولى: من اليمين د. يوحنا قلته- مصر، د. رؤوف أبو جابر- الأردن، أ. حمزة منصور- الأردن)
وفي الجلسة الأولى التي حملت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون العرب: بناء العلاقة والتحديات"، وترأسها الدكتور رؤوف أبو جابر رئيس المجلس الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين، قدّم الأنبا الدكتور يوحنا قلته، نائب البطريرك للأقباط الكاثوليك في مصر، ورقة بعنوان "أبرز الإشكالات والمخاوف التي تعتري رؤية المسيحيين العرب وشعورهم تجاه صعود التيار الإسلامي في المنطقة"، ووأوضح بأن المسيحيين العرب لم يمروا في تاريخهم الذي امتد لأكثر من ألفي عام بحيرة أشبه بتلك التي يمرون بها في أعقاب الثورات العربية، كما أكد أن ثورة 25 يناير 2011 المصرية مثّلت تصحيحاً لمسار علاقة المسلمين والمسيحيين في مصر من خلال تلاحم الشباب المسيحي والمسلم في الثورة على الظلم والاستبداد في سبيل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وأضاف بأن نجاح حركة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية قد هزّ طمأنينة المسيحيين في مصر، وهو أمر يدعو إلى طمأنتهم على كافة المستويات الرسمية والشعبية، داعياً في الوقت ذاته إلى تجاوز التاريخ والتفكير في المستقبل لتأسيس علاقة سليمة بين المسيحيين العرب والإسلاميين.
وشدّد الأنبا قلته على أن تحقيق العدالة يعتبر الضمانة الوحيدة لنجاح الثورات العربية، لأنها تحقق المساواة لجميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية، وهو أمر يكفل تحقيق دولة المواطنة، كما شدّد على أن نهضة المسلمين في المنطقة تعني نهضة المسيحيين، وأن المسيحيين لن ينهضوا إن لم ينهض إخوانهم المسلمون.
ودعا الأنبا في ختام ورقته إلى إصلاح الإعلام ووقف الهجمات الإعلامية المتبادلة ليتربى الجيل الجديد على مفهوم المواطنة واحترام الآخر وقبوله والتعايش معه، كما دعا إلى إعادة النظر في مناهج التعليم والتركيز على احترام قيمة الإنسان، أي إنسان، وأن الوطن يتسع للجميع.
وفي سياق الجلسة نفسها ذكر الأستاذ حمزة منصور، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الأردني في ورقة حملت عنوان "رؤية الإسلاميين في التعامل مع المسيحيين العرب" بأن أجواء ثورات الربيع العربي وصعود الإسلاميين أثارا كثيراً من التساؤلات والمخاوف حول وضع المسيحيين، وحول حقوقهم المكتسبة، وأكد أن بعض هذه التساؤلات والمخاوف مشروع ومبرر، فبعد انقطاع الحكم الإسلامي، وبدافع الصراع مع الغرب المستعمر، وتنكُّره لحقوق الأمة، أصابت لوثة التعصب أفراداً وهيئات خلطوا بين المواطن والمحتل، وبين الشريك في المواطنة والحضارة والعدو، وهي بلا شك حالة شاذة غريبة على التصور الإسلامي، غير أن بعض هذه المخاوف، حسب منصور، يأتي في سياق الحملة المنظمة على الإسلاميين، بل على الإسلام، تقودها قوى خارجية معادية للإسلام، وعلمانيون انسلخوا من الأديان، فاتخذوا موقف العداء من كل ما يتصل بالدين.
واستعرض منصور في كلمته رؤية عدد من فروع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية للتعامل مع المسيحيين العرب، ، موضحاً بأن الجماعة نصت في مشاريعها في مصر وسوريا والأردن مثلا على إقامة النموذج الصالح الذي يحكم بين الناس بالعدل، وليس فقط بين المسلمين بعضهم ببعض، كما نصت على أن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها قد حلت محل ما يُعرف بـ (أهل الذمة)، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية، التي يكفلها الدستور، وتنظمها القوانين، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية (زواج وطلاق ومواريث) والحقوق الدينية محفوظة طبقاً لعقيدة كل مواطن.
وأكد منصور على أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تقرر في رؤيتها للإصلاح الصادرة عام 2005 المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، حيث نصت الرؤية على جملة أهداف منها: توفير الأمن النفسي والاجتماعي والغذائي لكل مواطن، وتوفير الكسب الحلال لجميع المواطنين اعتماداً على حقوق المواطنة دون تمييز، وتوفير واحترام الحريات العامة للمواطنين، وضمان حرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية لجميع المواطنين، واحترام العقائد الدينية والتعددية الفكرية والسياسية وفقاً للدستور والمصالح العليا للوطن.
وختم أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي ورقته بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر أمام الإسلاميين ورجال الدين المسيحي المستنيرين، والسياسيين الملتزمين بثقافة الأمة ومصالحها العليا، يتمثل في الإعداد لمزيد من الحوارات، وصولاً إلى برنامج مشترك لتعزيز قيم التسامح والتعاون، وبناء صيغ للعمل المشترك على الصعيدين: الداخلي، بما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، والمشاركة في مشروع نهضوي على المستويين الوطني والقومي، والخارجي، لخدمة قضايا الأمة الرئيسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لتشكيل لوبي إسلامي- مسيحي مؤثر قادر على مواجهة اللوبي الصهيوني.
الجلسة الثانية
(الجلسة الثانية: من اليمين د. هشام جعفر- مصر، د. عبد اللطيف عربيات- الأردن، د. رياض جرجور- لبنان، د. عماد جاد- مصر)
وترأس الجلسة الثانية الدكتور عبد اللطيف عربيات، رئيس مجلس النواب الأردني الأسبق والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين، وحملت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون ما بعد الثورات العربية"، وفي هذه الجلسة تناول الدكتور رياض جرجور، الأمين العام للفريق العربي للحوار الإسلامي- المسيحي في لبنان، في ورقته بعنوان "النظرة المسيحية للثورات العربية"، انعكاس ثورات الربيع العربي على المسيحيين العرب، ولخصها في عدد من النقاط، أبرزها: خوف بعض المسيحيين من أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع حصراً في شؤون الدولة، واحتمال ازدياد ظاهرة هجرة المسيحيين إلى الغرب في حال تم تهميش دورهم في الحياة العامة في أوطانهم، وحصول ضغوطات على الحرية الدينية لدى المسيحيين (طقوس– أحوال شخصيّة) وحتى على الحريات العامة، هذا فضلاً عن اعتقاد المسيحيين العرب بعدم وجود بديل واضح أو حتى مجرّد تصّور راجح لِما بعد النظام الاستبدادي الذي ينتفض الناس للتخلّص منه.
كما أوضح جرجور بأن إفراغ المسيحيين من المنطقة هو مخطط غربي يهدف إلى القضاء على ثقافة التنّوع والإختلاف في المنطقة، ومنع التواصل الحضاري بين دول المشرق العربي التي كان المسيحيون يلعبون دوراً مهمّاً فيه، وأضاف بأن بقاء المسيحيين في المشرق العربي هو ترسيخ لفكرة الدولة الحديثة والتنوّع الثقافي والتعددية والديمقراطية، ومنع استنزاف الطاقات العلمية والفكرية والثقافية في منطقتنا، وأن المشهد العربي كله سيختلف حضارياً وإنسانياً مع هجرة المسيحيين.
وفي ختام ورقته أوصى جرجور بأن تشجع الكنائس الهيئات المدنية على نشر ثقافة الحوار والتوعية بضرورة المشاركة الفعّالة في بناء المجتمع وبالتالي الخروج من الإنعزال ومن الغيتو ومن التعصب الطائفي والمذهبي.
وفي إطار العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب دعا جرجور المسيحيين إلى أن يسعوا إلى إقامة تحالف مع المسلمين وخاصة المتنّورين (في إطار تيار الإسلام السياسي) لوضع عقد اجتماعي إسلامي- مسيحّي عربّي، يقيم الدولة الحديثة ويحترم الحقوق الدينية ويرسي قواعد المساواة في المواطنة، كما دعا إلى نشر ثقافة قبول الآخر واحترامه، واستخدام كل الوسائل التربوية والإعلامية والثقافية المتاحة، وعدم الاكتفاء بالخطابات العاطفية والمجاملات من فوق، لأن الأمر بات يتطلب العمل من الأساس صعوداً إلى أعلى الدرج، على أن يترافق ذلك مع تحديث الخطاب الديني لدى الطرفين وتطويره بحيث يساهم في إزالة الأحكام والتصورات المسبقة عن الآخر.
وفي الورقة الثانية من الجلسة ذاتها دعا الدكتور هشام جعفر، الباحث المصري في شؤون حركات الإسلام السياسي، في ورقته بعنوان "نحور رؤية إسلامية- مسيحية مشتركة لطبيعة العلاقة والدور في بناء الدولة العربية الحديثة" إلى مشاركة المسيحيين في بناء الموطنة من خلال إدماجهم في المجال العام بوصفهم مواطنين، والتحرر من فكرة "الإسلاموفوبيا" (الرهاب من الإسلام)، موضحاً أن هناك فرقاً بين مخاوف مشروعة يمكن تفهمها من قبل المسيحيين، وبين تخويف تروج له أطراف من الخارج والداخل لا أساس له في الواقع، كما شدد جعفر على ضرورة أن ترفع حركات الإسلام السياسي المعتدل من سقفها في مواجهة التطرف والتشدد والغلو بعيداً عن المزايدات لتحقيق أهداف انتخابية.
وفي ورقة حملت العنوان نفسه ذكر الدكتور عماد جاد، الباحث والمحلل السياسي في مركز الأهرام للدراسات في مصر، بأن أنظمة الاستبداد كرّست الانقسام الطائفي في المجتمع من خلال تعزيزها لمفهوم الإسلاموفوبيا بين المسيحيين المصريين، كما عملت هذه الأنظمة على بناء علاقة قوية مع الكنيسة القبطية على حساب حقوق المواطنين المسيحيين، وأعاقت قيام تيارات مدنية في صفوف المسيحيين الأقباط كان يمكن أن تشكل عنواناً أو أحد العناوين للأقباط في مصر.
وأكد جاد في ختام ورقته على أن دولة المواطنة تمثل المخرج في بناء علاقة مستقرة وصحيحة بين الإسلاميين والمسيحيين العرب في المنطقة، وهي الدولة التي تستوعب التعدد والتنوع وتساوي بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات.
عقد مركز دراسات الشرق الأوسط بالتعاون مع المعهد الملكي للدراسات الدينية ندوة عملية يوم السبت 13/10/2012، تحت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون العرب"، وشارك فيها مجموعة من الخبراء والمختصين ورجال الدين والسياسيين من مصر ولبنان والأردن.
وفي جلسة الافتتاح، ألقى الدكتور كامل أبو جابر، مدير العهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، كلمة نقل في بدايتها تحيات صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال راعي الندوة إلى المشاركين، مشيراً إلى أن خلفية موضوع الندوة ترتبط بمسألة علاقة الدين بالدولة، وهي مسألة معقدة وشائكة تتباين حولها الآراء والعقائد والأفكار، وأوضح أن عنوان الندوة يضم في ثناياه فرضية أن هناك إشكالية لا بد من البحث فيها، والتي هي في الأساس ليست مشكلة المسيحيين وحسب، وإنما هي مشكلة الأمة بأطيافها كافة، مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وأن هذه المشكلة حديثة العهد تاريخياً قامت مع ظروف الأمة الصعبة والمعقدة منذ نزول جند نابليون إلى مصر عام 1798.
كما أكد أبو جابر بأن حدة هجمة الحضارة الغربية علينا قادت إلى حال المخاض الذي ما زلنا فيه بحيث ذهب القديم ولم يحل بعده ما هو مقنع؛ فإحدى قدمينا في الماضي والأخرى غير واثقة من نفسها تتحسس الحاضر بريبة وتتوجس من المستقبل في محاولة استشراف آفاقه.
وشدد أبو جابر على أن الحوار هو سبيل التوصل الى رؤية لمستقبلنا، حوار إسلامي- إسلامي، وإسلامي- مسيحي، ومسيحي- مسيحي، حوار لا بد وأن تتعدد محاوره في محاولة للتوصل إلى رؤية مستقبليه تمكننا من التصالح مع أنفسنا أولاً، وهو حوار قد يقود إلى دفع الإسلاميين إلى بلورة برنامج واضح لهم وللمبادئ والعقائد والأديان الأخرى في المنطقة.
كما ذكر مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية بأن مثل هذه الرؤيا لا بد وأن ترتكز إلى أحد أهم أركان الفكر السياسي الإسلامي ألا وهو العدالة التي بدونها لا يمكن أن تكون الحرية حقيقية؛ وهي العدالة التي تعطي طعماً ونكهة وحقاً لحياة الإنسان في مجتمعه.
وفي كلمة الافتتاح الثانية أشار الأستاذ جواد الحمد، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن، إلى أن تولّي الإسلاميين للحكم في عدد من بلدان الثورات دفع كثيرين ممن لا يؤمنون بوحدة الأمة العربية إلى تصوير العرب وكأنهم يعيشون حالة جنوب أفريقيا عندما سادها التمييز العنصري والطائفي، وأوضح بأنه رغم حصول عدد من التجاوزات طوال العقديْن الماضييْن ضد بعض المواطنين المسيحيين، فإنها في النهاية أحداث جنائية وفردية عادة، ولها أسباب ودوافع غير طائفية في الأساس، غير أن بعض المشاركين فيها يتسترون بستار الطائفية للتغطية على دوافعهم الحقيقية.
وشدد الحمد على أن الحوار المباشر والمصارحة ومناقشة الواقع والتشارك في رسم ملامح المستقبل بين المواطنين من مسيحيين ومسلمين يعد عملاً نبيلاً يحمينا من خطر الطائفية والتفكير الطائفي، بل ويضعف مبررات التدخل الأجنبي في بلادنا تحت هذه الحجة، وأضاف بأن تحقيق هذه الرؤية بعد التوصل إليها يقع على عاتق القيادات السياسة والدينية في سياق تيارات الإسلام السياسي من جهة، والمسيحيين العرب من جهة أخرى، موضحاً بأن الاتفاق على برنامج عمل يحدد دور كل طرف وواجباته تأسيساً على دستور وقانون حاكم للمواطنة والحقوق والواجبات المدنية والدينية لكل المواطنين يعدّ من أهم الأعمدة لإنجاح حالة التعايش والتعاون والوحدة بين المسيحيين العرب وإخوانهم المسلمين سواءً من تيارات الإسلام السياسي أو من غيرهم.
وأكد مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بأن الثورات العربية وفّرت فرصة ذهبية لإعادة بناء الثقة والوحدة الوطنية بين أبناء البلاد العربية بعيداً عن التصنيفات الطائفية أو الإثنية، وكذلك كرّست نهج التعبير السلمي عن الرأي بحرية دون المس بالآخرين أو إقصائهم وأن يتساوى المواطنون في الحقوق والواجبات.
الجلسة الأولى
(الجلسة الأولى: من اليمين د. يوحنا قلته- مصر، د. رؤوف أبو جابر- الأردن، أ. حمزة منصور- الأردن)
وفي الجلسة الأولى التي حملت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون العرب: بناء العلاقة والتحديات"، وترأسها الدكتور رؤوف أبو جابر رئيس المجلس الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين، قدّم الأنبا الدكتور يوحنا قلته، نائب البطريرك للأقباط الكاثوليك في مصر، ورقة بعنوان "أبرز الإشكالات والمخاوف التي تعتري رؤية المسيحيين العرب وشعورهم تجاه صعود التيار الإسلامي في المنطقة"، ووأوضح بأن المسيحيين العرب لم يمروا في تاريخهم الذي امتد لأكثر من ألفي عام بحيرة أشبه بتلك التي يمرون بها في أعقاب الثورات العربية، كما أكد أن ثورة 25 يناير 2011 المصرية مثّلت تصحيحاً لمسار علاقة المسلمين والمسيحيين في مصر من خلال تلاحم الشباب المسيحي والمسلم في الثورة على الظلم والاستبداد في سبيل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وأضاف بأن نجاح حركة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية قد هزّ طمأنينة المسيحيين في مصر، وهو أمر يدعو إلى طمأنتهم على كافة المستويات الرسمية والشعبية، داعياً في الوقت ذاته إلى تجاوز التاريخ والتفكير في المستقبل لتأسيس علاقة سليمة بين المسيحيين العرب والإسلاميين.
وشدّد الأنبا قلته على أن تحقيق العدالة يعتبر الضمانة الوحيدة لنجاح الثورات العربية، لأنها تحقق المساواة لجميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية، وهو أمر يكفل تحقيق دولة المواطنة، كما شدّد على أن نهضة المسلمين في المنطقة تعني نهضة المسيحيين، وأن المسيحيين لن ينهضوا إن لم ينهض إخوانهم المسلمون.
ودعا الأنبا في ختام ورقته إلى إصلاح الإعلام ووقف الهجمات الإعلامية المتبادلة ليتربى الجيل الجديد على مفهوم المواطنة واحترام الآخر وقبوله والتعايش معه، كما دعا إلى إعادة النظر في مناهج التعليم والتركيز على احترام قيمة الإنسان، أي إنسان، وأن الوطن يتسع للجميع.
وفي سياق الجلسة نفسها ذكر الأستاذ حمزة منصور، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الأردني في ورقة حملت عنوان "رؤية الإسلاميين في التعامل مع المسيحيين العرب" بأن أجواء ثورات الربيع العربي وصعود الإسلاميين أثارا كثيراً من التساؤلات والمخاوف حول وضع المسيحيين، وحول حقوقهم المكتسبة، وأكد أن بعض هذه التساؤلات والمخاوف مشروع ومبرر، فبعد انقطاع الحكم الإسلامي، وبدافع الصراع مع الغرب المستعمر، وتنكُّره لحقوق الأمة، أصابت لوثة التعصب أفراداً وهيئات خلطوا بين المواطن والمحتل، وبين الشريك في المواطنة والحضارة والعدو، وهي بلا شك حالة شاذة غريبة على التصور الإسلامي، غير أن بعض هذه المخاوف، حسب منصور، يأتي في سياق الحملة المنظمة على الإسلاميين، بل على الإسلام، تقودها قوى خارجية معادية للإسلام، وعلمانيون انسلخوا من الأديان، فاتخذوا موقف العداء من كل ما يتصل بالدين.
واستعرض منصور في كلمته رؤية عدد من فروع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية للتعامل مع المسيحيين العرب، ، موضحاً بأن الجماعة نصت في مشاريعها في مصر وسوريا والأردن مثلا على إقامة النموذج الصالح الذي يحكم بين الناس بالعدل، وليس فقط بين المسلمين بعضهم ببعض، كما نصت على أن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها قد حلت محل ما يُعرف بـ (أهل الذمة)، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية، التي يكفلها الدستور، وتنظمها القوانين، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية (زواج وطلاق ومواريث) والحقوق الدينية محفوظة طبقاً لعقيدة كل مواطن.
وأكد منصور على أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تقرر في رؤيتها للإصلاح الصادرة عام 2005 المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، حيث نصت الرؤية على جملة أهداف منها: توفير الأمن النفسي والاجتماعي والغذائي لكل مواطن، وتوفير الكسب الحلال لجميع المواطنين اعتماداً على حقوق المواطنة دون تمييز، وتوفير واحترام الحريات العامة للمواطنين، وضمان حرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية لجميع المواطنين، واحترام العقائد الدينية والتعددية الفكرية والسياسية وفقاً للدستور والمصالح العليا للوطن.
وختم أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي ورقته بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر أمام الإسلاميين ورجال الدين المسيحي المستنيرين، والسياسيين الملتزمين بثقافة الأمة ومصالحها العليا، يتمثل في الإعداد لمزيد من الحوارات، وصولاً إلى برنامج مشترك لتعزيز قيم التسامح والتعاون، وبناء صيغ للعمل المشترك على الصعيدين: الداخلي، بما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، والمشاركة في مشروع نهضوي على المستويين الوطني والقومي، والخارجي، لخدمة قضايا الأمة الرئيسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لتشكيل لوبي إسلامي- مسيحي مؤثر قادر على مواجهة اللوبي الصهيوني.
الجلسة الثانية
(الجلسة الثانية: من اليمين د. هشام جعفر- مصر، د. عبد اللطيف عربيات- الأردن، د. رياض جرجور- لبنان، د. عماد جاد- مصر)
وترأس الجلسة الثانية الدكتور عبد اللطيف عربيات، رئيس مجلس النواب الأردني الأسبق والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين، وحملت عنوان "الإسلاميون والمسيحيون ما بعد الثورات العربية"، وفي هذه الجلسة تناول الدكتور رياض جرجور، الأمين العام للفريق العربي للحوار الإسلامي- المسيحي في لبنان، في ورقته بعنوان "النظرة المسيحية للثورات العربية"، انعكاس ثورات الربيع العربي على المسيحيين العرب، ولخصها في عدد من النقاط، أبرزها: خوف بعض المسيحيين من أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع حصراً في شؤون الدولة، واحتمال ازدياد ظاهرة هجرة المسيحيين إلى الغرب في حال تم تهميش دورهم في الحياة العامة في أوطانهم، وحصول ضغوطات على الحرية الدينية لدى المسيحيين (طقوس– أحوال شخصيّة) وحتى على الحريات العامة، هذا فضلاً عن اعتقاد المسيحيين العرب بعدم وجود بديل واضح أو حتى مجرّد تصّور راجح لِما بعد النظام الاستبدادي الذي ينتفض الناس للتخلّص منه.
كما أوضح جرجور بأن إفراغ المسيحيين من المنطقة هو مخطط غربي يهدف إلى القضاء على ثقافة التنّوع والإختلاف في المنطقة، ومنع التواصل الحضاري بين دول المشرق العربي التي كان المسيحيون يلعبون دوراً مهمّاً فيه، وأضاف بأن بقاء المسيحيين في المشرق العربي هو ترسيخ لفكرة الدولة الحديثة والتنوّع الثقافي والتعددية والديمقراطية، ومنع استنزاف الطاقات العلمية والفكرية والثقافية في منطقتنا، وأن المشهد العربي كله سيختلف حضارياً وإنسانياً مع هجرة المسيحيين.
وفي ختام ورقته أوصى جرجور بأن تشجع الكنائس الهيئات المدنية على نشر ثقافة الحوار والتوعية بضرورة المشاركة الفعّالة في بناء المجتمع وبالتالي الخروج من الإنعزال ومن الغيتو ومن التعصب الطائفي والمذهبي.
وفي إطار العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب دعا جرجور المسيحيين إلى أن يسعوا إلى إقامة تحالف مع المسلمين وخاصة المتنّورين (في إطار تيار الإسلام السياسي) لوضع عقد اجتماعي إسلامي- مسيحّي عربّي، يقيم الدولة الحديثة ويحترم الحقوق الدينية ويرسي قواعد المساواة في المواطنة، كما دعا إلى نشر ثقافة قبول الآخر واحترامه، واستخدام كل الوسائل التربوية والإعلامية والثقافية المتاحة، وعدم الاكتفاء بالخطابات العاطفية والمجاملات من فوق، لأن الأمر بات يتطلب العمل من الأساس صعوداً إلى أعلى الدرج، على أن يترافق ذلك مع تحديث الخطاب الديني لدى الطرفين وتطويره بحيث يساهم في إزالة الأحكام والتصورات المسبقة عن الآخر.
وفي الورقة الثانية من الجلسة ذاتها دعا الدكتور هشام جعفر، الباحث المصري في شؤون حركات الإسلام السياسي، في ورقته بعنوان "نحور رؤية إسلامية- مسيحية مشتركة لطبيعة العلاقة والدور في بناء الدولة العربية الحديثة" إلى مشاركة المسيحيين في بناء الموطنة من خلال إدماجهم في المجال العام بوصفهم مواطنين، والتحرر من فكرة "الإسلاموفوبيا" (الرهاب من الإسلام)، موضحاً أن هناك فرقاً بين مخاوف مشروعة يمكن تفهمها من قبل المسيحيين، وبين تخويف تروج له أطراف من الخارج والداخل لا أساس له في الواقع، كما شدد جعفر على ضرورة أن ترفع حركات الإسلام السياسي المعتدل من سقفها في مواجهة التطرف والتشدد والغلو بعيداً عن المزايدات لتحقيق أهداف انتخابية.
وفي ورقة حملت العنوان نفسه ذكر الدكتور عماد جاد، الباحث والمحلل السياسي في مركز الأهرام للدراسات في مصر، بأن أنظمة الاستبداد كرّست الانقسام الطائفي في المجتمع من خلال تعزيزها لمفهوم الإسلاموفوبيا بين المسيحيين المصريين، كما عملت هذه الأنظمة على بناء علاقة قوية مع الكنيسة القبطية على حساب حقوق المواطنين المسيحيين، وأعاقت قيام تيارات مدنية في صفوف المسيحيين الأقباط كان يمكن أن تشكل عنواناً أو أحد العناوين للأقباط في مصر.
وأكد جاد في ختام ورقته على أن دولة المواطنة تمثل المخرج في بناء علاقة مستقرة وصحيحة بين الإسلاميين والمسيحيين العرب في المنطقة، وهي الدولة التي تستوعب التعدد والتنوع وتساوي بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات.

التعليقات