كريمة وحفيدة الشهيد الشيخ فرحان السعدي يناشدان الرئيس منحهما مكرمة حج وتوفير حياة كريمة لهما

جنين  - دنيا الوطن–تقرير علي سمودي 

" بعد الظلم الكبير الذي عاشته والدتي طوال عمرها رغم ان الجميع يتفاخر باسم والدها الشهيد ويتردد اسمه في كل المناسبات والمنابر امنيتنا الوحيد ان نحظى بمكرمة الرئيس محمود عباس لتادية فريضة الحج "،  بهذه الكلمات استهلت حديثها لمراسلنا المواطنة لينا عبد اللطيف السعدي حفيدة الشهيد فرحان السعدي صاحب الرصاصة الاولى التي اطلقت لمقاومة الانتداب البريطاني في فلسطين والذي اعدم صائما في سجن عكا قبل 72 عاما  ، ورغم مرور السنوات لم تتمكن حفيدته الوحيدة التي ما زالت على قيد الحياة فريدة السعدي من ادراج اسمه ضمن قوائم الشهداء في مؤسسة رعاية واسر الشهداء لتامين كما تقول كريمتها التي كرست حياتها الرعايتها راتب شهري ككل اسر الشهداء يساعدهما في ظل ظروف حياتهما الصعبة والقاسية .

صفحات من الذاكرة 

في منزل العائلة في مخيم جنين ، تبذل الابنة لينا كل جهد مستطاع لرعاية والدتها التي تجاوزت العقد الثامن ونالت منها الامراض حتى اصبحت عاجزة عن الحركة وتعاني من الشلل ، ولكن رغم نوبات المرض والنسيان فانها بمجرد سماع اسم والدها الشهيد تستعيد قوتها وذاكرتها لتتحدث عن سيرته الجهادية وحياة الفلسطينين في قريتها المزار  قبل النكبة التي قادتهم الى مخيم جنين ، وتقول حفيدة الشهيد فرحان السعدي " كانت حياتنا جميلة وبسيطة وهادئة فيها حب ومودة يجمع بين العائلات وكل الناس في الافراج والاتراح ، وابي رحمه الله كان متزوج من امراتتن رزق من الاولى باربع بنات، والثانية والدتي وولدين هما عبد الله واحمد وجميعهم توفاهم الله ولم ابقى سوى انا"، وتضيف " كان والدي يملك ارضا وبيارة كبيرة مساحتها  14 دونم مزروعة بكل اصناف الخضروات والحمضيات والفواكه فكنا نساعده ونعمل في الارض والزراعة ورعايتها ونوزع خيراتها على الفقراء والمحتاجين وفيما بعد اصبحت البيارة توفر كل   مؤنة الثوار  ".

الثائر فرحان السعدي 

تشعر اللاجئة فريدة بسعادة وهي تتحدث عن والدها حتى تنسى مرضها وهمومها الكثيرة ، ورغم سمعها الثقيل فان لسانها ينطلق دون تردد وهي تحاول ان تستجمع ما تبقى في ذاكرتها من صور تستحق ان توثق في مسيرة النضال والثورة الاولى التي كان والدها احد قادتها وفرسانها ، وتقول " كانت عائلتنا تتمتع بمكانة اجتماعية واحترام وتقدير وخاصة والدي الدي يعتبر من وجهاء المنطقة، فقد تميز بالطيبة وسعة الصدر ويحظى بحب واحترام الجميع لشجاعته وتفانيه في خدمة الناس لانه كان  مصلحا وابرز وجوه  العشائر "، وتضيف "ولن انسى انه حول بيتنا لمضافة فكان مفتوح للجميع ".

تحدق اللاجئة فريدة في صورة والدها التي تحتفظ بها الى جانبها قرب سريرها الذي لم تغادره منذ 16 عاما بعدما اصبحت عاجزة عن السير والحركة وتقول " بدا ابي يقاوم الانتداب البريطاني ويجمع الثوار سرا يجتمع بهم في بيارتنا ويخططون للعمليات واستقطاب المجاهدين والثوار من باقي المناطق ، وكنت اشاركه في تحضير الطعام للثوار وتنظيف سلاحهم وتجهيزه واخفاءه بسبب خطورة الاوضاع في تلك المرحلة حيث بدا التحضير للثورة ".

 الشهيد عز الدين القسام 

 في تلك المرحلة ، ذاع صيت القائد العربي عز الدين القسام الذي ترك عائلته وحياته في سوريا وحضر لفلسطين لمقاومة الانتداب ، وتقول اللاجئة فريدة " كان ابي معجب كثيرا بتجربة وطريقة القسام في مقاومة الاحتلال ويتحدث دوما عنه ويتمنى لقاءه ليشاركا معا في معركة التصدي للانتداب الذي كان يدعم العصابات الاسرائيلية "، وتضيف " لن انسى انه في احد الايام استدعاني والدي الى البيارة وكان سعيدا وهو يقول يا بنيتي هذا هو امام الجاهدين الشيخ عز الدين القسام الذي استضافه والدي واخفاه عن عيون عن الانتداب البريطاني  وخلال ذلك قاما معا بجولات في المنطقة والخطابة في المساجد لتشجيع الناس على الجهاد ".

وتتابع " اثمرت خطوات ابي ورفيقه القسام في حشد المزيد من المجاهدين الثوار ، واطلق ابي الرصاص الاولى في مواجهة الانتداب البريطاني الذي بدا بمطاردته ، و خلال ذلك استشهد القسام فغضب ابي وقاد المجموعات التي شكلها لتنفيذ العمليات ضد قوات الاستعمار البريطاني ".

الملاحقة والاستهداف 

تنهمر الدموع من عيني الابنة فريدة من شدة تاثرها وتنتابها لحظات صمت ، فتكمل كريمتها حفيدة السعدي الرواية التي تحفظها عن ظهر قلب من احاديث والدتها لها ، وتقول " تتاثر امي كثيرا عندما تتذكر لحظة ملاحقة جدي فهي تصف اجراءات قوات الانتداب بانها اكثر قمعيه مما نتعرض له من الاحتلال الاسرائيلي والذي عايشته خاصة خلال مجزرة مخيم جنين "، وتضيف " روت لي والدتي ان قوات الانتداب بدات بمطاردة جدي واقتحام منزل العائلة في قرية المزار بشكل دائم وكانوا يحتجزونهم بعد محاصرة المنزل وتفتيشه وتدمير محتوياته وتهديد العائلة بتصفيته "، وتتابع " ولعقاب الاهالي ومنعهم من احتضان الثوار ومساعدتهم كانت القوات البريطانية تعتقل شباب العائلة والقرية وتنكل بهم ".

تعود الابنة فريدة لمتابعة حديث الذكريات ، وتقول " عشنا ايام عصيبة خلال ملاحقة ابي الشيخ فرحان السعدي حتى تحولت حياتنا لماسي بسبب المداهمات ولم يتورعوا حتى عن احتجاز الاطفال والتحقيق معهم ورغم ذلك واصل ابي مسيرته الجهادية "، وتضيف " كان يقود مجموعات الثوار على فرسه والخيالة يتنلقون بين جبال فلسطين في تنفيذ عملياتهم حتى اصيب في احدى المرات برصاصهم خلال اشتباكه معهم في منطقة بيسان ".

  الاعتقال وحكم الاعدام   

نجح القائد الشيخ فرحان السعدي في تضليل قوات الانتداب التي استمرت في رصده وملاحقته حتى تمكنت من حصاره في احد منازل قريته المزار في 42 رمضان عام 1935 ، وتقول ابنته فريدة " تحولت القرية لساحة حرب مئات الجنود المدجحين بالسلاح حاصروا المنازل وشرعوا في تفتيشها بينما تمكن ابي وهو صائم من التخفي ولكنهم استمروا في البحث حتى وصلوا لمكانه وقرروا هدمه فوق راسه فاعتقلوه واحتفلوا الانهم تمكنوا من الوصول اليه واقتادوه الى سجن عكا ".

تردد فجاة الله اكبر وتقول " الجميع هتف الله اكبر وهم يرون ابي في قبضة الجنود مما اثار مشاعر الغضب خاصة بعدما سارع حكومة الانتداب لعقد اسرع جلسة محكمة قضت باعدامه دون السماح له بالدفاع او ان يمثله احد وصدر قرار بالتنفيذ بعد 3 ايام من اعتقاله ".

للمرة الاخيرة ، تمكنت فريدة وعائلتها من زيارة الوداع لوالدها في سجن عكا ، مشهد يبكيها ويلازمها وتتذكره حتى اليوم ، وتقول " صدمنا عندما شاهدناه يرتدي البدلة الحمراء ولكن رغم الحكم بالاعدام رفع معنوياتنا و كان والدي قويا كما عرفناه صابرا وشامخا يتمتع بمعنويات عاليه وعندما شاهدناه  ابلغنا انه تحدى المحكمة ورفض طلب الرحمة والندم وقال للقضاة عندما سالوه هل انت مذنب ؟" معاذ الله ان اكون مذنبا ، فانا جاهدت من اجل ارضي وشعبي وديني وحياة الكرامة واذا كتب الله لي عمر جديدا وتحررت ساعود للجهاد والثورة "، وتضيف " لم يهتم والدي بحكمه بالاعدام وسخر من القضاة والمحكمة وخلال زيارته كان قوي العزيمة رافع الراس يتحدث بفخر واعتزاز وقال لنا بعدما سلم وصيته لاخي عبد الله واوصاه برعاية اسرتي وطلب من المجاهدين مواصلة الثور انه صائم وسيقابل وجه الله صائما فرحا بانه شهيد في سبيل فلسطين ".

نفذت قوات الانتداب حكم الاعدام في الشيخ فرحان السعدي وهو يردد الله اكبر والشهادتين رافضا الانحناء تقول كريمته فريدة التي كانت الاكثر تاثرا وبدات منذ تلك اللحظة معاناتها من مرض الاعصاب الذي يلازمها،وتضيف "فور انتشار النبا ثارت البلاد باكملها وتوافد رفاقه ومحبيه وابناء شعبنا من ثوار وعلماء وخطباء وشخصيات وطنية ليشاركوا في تشييعه وهم يشيدون بمناقبه وسيرته ويجددون العهد على مواصلة دربه ". وفجاة تداهم الدموع الابنة فريدة لتردد ابيات من الشعر نظمها احد الشعراء في استشهاد والدها ولم تنساها رغم كل السنوات " 

خشي الشباب من المشيب بل السنون من  العقود 

قوموا شوفوا فرحان فوق جبينه اثر السجود 

يمشي  الى حبل المشنقة مشي الاسود 

بعد النكبة 

عقب استشهاد والدها ، تزوجت فريدة برفيق دربها وابن قريتها عبد اللطيف العباس في المزار وانجبت بنتا وولدا ، وخلال ذلك حلت نكبة عام 1948 التي حولتهم الى لاجئين واستقروا في مخيم جنين لترزق بستة ابناء اخرين وبعد فترة وجيزة توفي زوجها وتولت رعاية الابناء .

 وتقول الابنة لينا التي تجاوزت اليوم العقد الخامس " عندما توفي ابي كنت في عمر اربعين يوما ، وعشنا في منزلنا حياة قاسية بعد رحيل الاب وعدم توفر مصدر رزق لنا ولكن والدتي تحملت كل شيء ووهبتنا حياتها حتى كبرنا "، وتضيف " وبسبب مرض والدتي وزواج اخواني جميعا وانهماكهم  بامور حياتهم قررت ان اعيش لخدمتها ورعايتها واصبحت المعيل لها ".

 الايام العصيبة 

لم يحالف الحظ لينا في مواصلة دراستها رغم نجاحها وحصولها على شهادة المتريك التي توازي الثانوية العامة حاليا  فتعلمت مهنة الخياطة ، وتقول " عشت ووالدتي في منزلنا نتحدى الظروف الصعبة واستمريت في العمل في مهنة الخياطة 20 عاما تحملت كل شيء في ظل اهمال الجميع لنا وعدم اهتمامهم بامرنا وتحملنا الحياة بمرها وحلوها ولكن منذ سنوات اصابتني ايضا الامراض ولم اعد قادرة على الرؤية بعيني".

 لم تستسلم لينا للامر الواقع والمرض وحاولت ان تشق طريق الحياة ولكن بمرور الايام تعددت امراضها حتى اصبحت عاجزة عن العمل ، وتقول " دوما كنت حريصة على عدم الوصول لمرحلة العجز ولكن تكاثرت الامراض علي واصبحت اعاني من السكري والضغط وضغط في الدم واجريت عدة عمليات جراحية في عيني وظهري كانت نتيجتها ماساوية حيث لم اعد قادرة على العمل رغم انني طوال حياتي كان هدفي الاول والاخير توفير حياة كريمة لي ولوالدتي حتى لا نحتاج احد  ".

 مجزرة المخيم 

 خلال انتفاضة الاقصى عاشت لينا ووالدتها ايام عصيبة كباقي اهالي المخيم ، فقد استشهد ابن شقيقها الشاب امجد الزرعيني اثر اصابته برصاص الاحتلال الذي هدم منزلها وشردها خلال مجزرة مخيم جنين في نيسان عام 2002 ، وتقول لينا "خلال اجتياح المخيم  احتلت قوات الاحتلال  منزلنا واحتجزوني ووالدتي دون مراعاة عجزها ومرضها وحرموني من التنقل والحركة وحتى توفير الطعام لها "، وتضيف " مع استمرار الحصار لم يبقى بمنزلنا سوى القليل من الطعام ومنعوني من احضار مساعدة من منازل الجيران حتى اصبح لا يوجد لدينا طعام او شراب وكدنا نموت من الجوع ، والاشد قساوة الرعب الذي حل بوالدتي من مناظر وممارسات الجنود ولم يكن يواسيني ويخفف عني سوى قراءة القران الكريم الذي احفظ غالبية اجزاءه ".

وتكمل " لم تنتهي المعاناة ، وعندما بدا الاحتلال بهدم المنازل وشمل منزلنا اضطرت لسحب امي من منزل لاخر ونجونا من الموت باعجوبة ولكن كل ذلك اثر كثيرا على صحة ونفسية والدتي ".

معاناة مستمرة 

في مجزرة المخيم ، فقدت لينا ووالدتها منزلهم وكل متعلقات حياتهم ، ورغم عودتهم للمنزل الجديد الذي بني ضمن مشروع اعادة بناء المنازل المدمرة ما زالت معاناتهم مستمرة ، وتقول " بدانا من الصفر لان كل شيء دفن تحت الانقاض وحياتنا اليوم ماساوية مرض والدتي واحتياجاتها الكثيرة كونها مقعدة وامراض المتعددة ومصاريف عملياتي الباهظة في وقت لا يوجد لنا أي مصدر رزق سوى راتب الشؤون الاجتماعية البالغ 750 شيكل كل 3 شهور "، وتضيف " قرعنا كل الابواب لمساعدتنا  ولكن دون جدوى لذلك املي ان تصل صرختنا للرئيس محمود عباس لادراج اسم والدتي ضمن عوائل الشهداء الذين ترعاهم السلطة وهو من حقها كونها ابنة شهيد وتوفير راتب شهري لها يساعدني على الاقل في توفير احتياجاتها ".

وتكمل لينا " ونامل منحنا منحة حج كباقي اسر الشهداء فالعمر يمضي بوالدتي والامراض تفتك بها وسمعنا الكثير عن المكرمة طوال السنوات الماضية ولكن لم يهتم احد بنا ".

 وتقول لينا " نامل ان يكون وفاء للشهداء بتكريم اسرهم وتوفير حياة كريمة لهم ،  والدتي ليست بحاجة لنياشين ودروع تكريم رغم انها لم تحظى بشي منها طوال حياتها رغم ان الجميع يمجد سيرة والدها ويتغنى ببطولاته وكل ما نتمناه حياة كريمة "، واضافت " ارجوا من صحيفة "القدس" ايصال رسالتنا للرئيس ورئيس الوزراء الدكتور سلام فياض فالكثيرين شاهدوا حالتنا ووعدونا بالمساعدة ولكن ما زلنا ننتظر لذلك نناشدهم  تلبية نداءنا ومنحنا لمرة واحدة  منحة حج لوالدتي ".

التعليقات