ميشال سماحة واللعبة الإستخباراتية المعقدة اسم الكاتب: جوني منير

غزة - دنيا الوطن
   تأخرت العواصم الغربية، ولا سيما واشنطن وباريس، في إعادة تقويمها لوظيفة لبنان في الأزمة السورية. ففي البداية اعتقدت أنّ التأثير في الأحداث السورية من خلال الساحة اللبنانية سيزيد من قوة الضغط على النظام لإسقاطه سريعاً، نظراً إلى التداخل الطبيعي ما بين الساحتين لأسباب جغرافية وتاريخية واجتماعية وحتى سياسية، وخصوصاً مذهبية.

    يومها، كان رأي بعض الفرقاء اللبنانيين مخالفاً لسببين أساسيين، اولها أنّ تماسك النظام أقوى ممّا تعتقد الدول الغربية، خصوصاً أنّ هذا النظام كان يستعد لهذه اللحظة منذ توَلّي الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة عام 1970. والسبب الثاني أنّ الساحة اللبنانية سريعة العطب اكثر بكثير ممّا تراه هذه العواصم، وأنّ الصراع المذهبي الذي سيشتد في سوريا والمحيط سينعكس بقوة على الصعيد اللبناني، ما سيفتح بسرعة أبواب هزّ الاستقرار الداخلي. يومها، دعا بعض الفرقاء في لبنان إلى سياسة النأي بالنفس، على رغم المعارضة الشديدة للقوى السياسية المحسوبة على فريق 14 آذار التي لامست التهوّر في بعض أوجهها. في مقابل فتح الحدود الشمالية أمام مساندة "الثورة السورية" جنح "حزب الله" بالاتجاه المعاكس، وبدأت الاشتباكات تتوسع في الشمال لتلامس حدود الحرب الأهلية الحقيقية.

    ووسط هذه الظروف، تجاوز عدد اللاجئين السوريين 100000، إضافة إلى كادرات عسكرية للمعارضين السوريين شارك بعضها في بعض معارك طرابلس، حيث خطّ التماس المذهبي ما بين السنّة والعلويين.

    وبدا للعواصم الغربية أنّ لبنان انزلق فعلا باتجاه المحظور، فاستخدم الشمال كممرّ لدعم "لوجستي" للداخل السوري جعل منه حُكماً منطقة لتخزين بعض السلاح، وخلق مناخاً ملائماً لنموّ الحركات المتطرفة.

    في المقابل، عمد النظام السوري، المحشور في الزاوية الضيقة، الى التعاطي بشراسة مع المستجدات على الساحة اللبنانية. وأضحَت المناطق القريبة من الحدود في الشمال والبقاع الشمالي ساحة حرب ومنطقة عمليات. وأسرعت العواصم الغربية إلى إعادة تقويم "وظيفة" الساحة اللبنانية، ولا سيما بعدما عمد بعض الفرقاء إلى استهداف الجيش، وبالتالي كشفه وحشره وشَلّ قدرته على الحركة، ما يعني في الخلاصة زَجّ لبنان في أتون الحرب الأهلية بعد سقوط هيبة الدولة اللبنانية.

    لذلك، جاء من يقول للرئيس نجيب ميقاتي خلال زيارته الأخيرة لباريس، إن العاصمة الفرنسية أخطأت بتقويمها لـ"مناعة" الساحة اللبنانية، وإنّ حكومته كانت محقة في سياسة النأي بالنفس. كما انه سمع كلاماً مشابهاً في نيويورك. ولأن القناعة الدولية باتت واضحة لجهة استحالة إسقاط النظام السوري بالضربة العسكرية، بدأ تحضير الملفات لمفاوضات صعبة من المفترض أن تبدأ بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية ما بين واشنطن من جهة وموسكو وطهران من جهة أخرى.

    وبدأت مؤشرات هذا المناخ مع الإعلان عن زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة مطلع الشهر المقبل، وهي زيارة معبّرة جداً. هذا الجوّ انعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية، لناحية تأمين مناخ مساعد للجيش اللبناني لإعادة ضبط الساحة وتخفيف التشنج الذي كان سائدا بين مختلف الفرقاء، ما فتح أبواب الضاحية الجنوبية أمام عمليات الجيش، وهو ما ينسحب على البقاع والشمال ومحيط المخيمات في مرحلة قريبة.

    فالإشارات الأمنية التي كانت قد ظهرت كانت مرعبة، مثل الباخرة "لطف الله- 2" واعتقال ميشال سماحة. ومثلما بقيت جوانب كثيرة من باخرة الأسلحة "مُبهمة"، فإنّ قضية سماحة بقيت غامضة أيضاً، ولو أنّ الجميع يُجمع على أنها تدخل في إطار العمليات الاستخباراتية المعقدة.

    وتذهب التقديرات ما بين اتجاهين واستنتاجين:

    الأول أنّ سماحة كان، وبإرادته وعلمه، جزءاً من هذه العملية. ووفق هؤلاء فإنّ سماحة، الذي تربطه علاقة جيدة بمسؤولين من جهاز المخابرات الفرنسية، شَعر في المرحلة الماضية بحصول تراجع في هذه العلاقة، وهو لا بُدّ سَمعَ أنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان قد طلب من نظيره السوري بشار الأسد، عبر قنوات ضيقة (في مرحلة ما قبل اندلاع الأحداث في سوريا)، استبعاد سماحة عن خط التواصل الفرنسي - السوري، لا سيما في القضايا الدقيقة.

    انطلاقاً من هنا، يعتقد أصحاب هذه التوجّه أنّ سماحة قد يكون حاول استعادة حرارة علاقته بباريس ثانيةً، فساهم في خطة الإيقاع بالأسد في مصيدة الاتهام الدولي من زاوية استهداف أمن البلدات القريبة لسوريا، لكن تنفيذ الخطة طرأ عليه مستجدات اللحظة الأخيرة، فانكشف دوره واعتقاله.

    ويدعم أصحاب هذا التوجه نظريتهم بالإشارة إلى دور أدّاه سماحة في السابق، عندما رافق اللواء علي مملوك إلى باريس، حيث نزلا في فندق "رفاييل"، وهناك تبادلَ الجناح بينه وبين مملوك بعِلم المخابرات الفرنسية التي كانت قد زرعت أجهزة تنصّت متطورة.

    ويضيف هؤلاء أنّ عدم صدور مواقف فرنسية شاجبة لِما حصل، إضافة إلى عدم سحب باريس وساماً كانت منحته لسماحة سابقاً، بينما تفترض حالات مُشابهة سَحب الوسام فورا، يؤكد صحة نظريتهم. لا بل انها تؤكد أنّ ديبلوماسياً فرنسياً، طبعاً يعمل في السفارة الفرنسية في بيروت، قابل سماحة لفترة لا بأس بها خلال توقيفه على أساس أنه من الرعايا الفرنسيين.

    وتروي هذه المصادر عن فضيحة كانت قد طاولت وزير الداخلية الفرنسية السابق جان كلود غيان، بسبب الملف السوري الذي كان يحمله، وحيث كان لسماحة علاقة بذلك أيضاً.

    في المقابل، يسخر أصحاب الاتجاه الثاني من هذه الاستنتاجات، ويؤكدون أنّ سماحة ذهب ضحية لعبة مخابراتية دولية كانت تُحاك ضد الأسد.

    ويشير هؤلاء إلى التسجيلات الصوتية في سيارة سماحة في معرض تأكيد وجهة نظرهم، ذلك أنّ اكتشاف آلة التسجيل تتطلب تقنيات عالية لاكتشاف الذبذبات، وحيث بَدا سماحة مذهولاً عند إعلامه بالأمر.

    ووفق هؤلاء، فإنّ هذه السيارة التي تلقّاها سماحة هدية من الرئيس السوري، إنما كان الأسد حصل عليها مع عدد من السيارات الأخرى كهدية من أمير قطر، وأنّ آلة التسجيل كانت مربوطة بالأقمار الصناعية، ما جعل الفريق الأمني للرئيس السوري يفكّك السيارات الباقية، لأنّ ذلك يكشف الرئيس السوري أمنياً بشكل خطير، لا سيما لناحية اغتياله.

    ويلفت هؤلاء إلى أنّ سماحة قال خلال استجوابه إنه كان يزور ضابطاً آخر في المبنى الذي يوجد فيه مملوك، نافياً الربط مع مملوك، ما جعل هؤلاء يراهنون على أنّ الحكم على سماحة لن يتجاوز مسألة نقل أسلحة.


التعليقات