«دويلات» داخل دولة خارج سيطرة الحكومة

غزة - دنيا الوطن
عبيرالرملى
الوطن مثل الإنسان تماماً يحتاج إلى صدمة ووقفة كى يحاسب القائمون عليه أنفسهم قبل أن يحاسبوا أمام الله على خيانة الأمانة وبيع الأوطان.

كانت الزيارة إلى محافظة شمال سيناء وتحديداً لمدينة رفح تحمل فى الطريق الصورة التى تشكلت فى ذهنى عبر ثلاث مرات زرتها سابقاً إلى جانب الشعور بقوة الوطن من ناحية، وبين ما أتطلع إلى رؤيته من جديد قد طرأ عليها خلال السنوات التى لم أزرها فيها من ناحية، إلى أن جاءت الأحداث التى شهدتها الحدود المصرية مؤخراً والتى أسفرت عن استشهاد وإصابة العشرات من أبنائنا لتضع خطاً فاصلاً بين ما كان فى ذهنى وبين ما أصبحت عليه الآن.
كانت البداية عن زيارة موقع الحادث فى منطقة الماسورة أو كمين الحرية كما يطلقون عليه، وفوجئت بأن موقع الحادث لم يكن على الحدود كما تتناوله غالبية وسائل الإعلام وكما روج له البعض وإنما يبعد عن معبر كرم أبو سالم الذى يفصل بيننا وبين الكيان الصهيونى بثلاثة كيلو مترات تقريباً لتسأل نفسك.. بهذه السهولة قد يصل العدو لك من الداخل ومن وسط أراضيك ليخترقك فماذا نحن فاعلون إذا أراد أن يأتى إليك وجهاً لوجه على خط النار؟!
وجاءت تصريحات السادة المسئولين بالاستعداد لتطهير البؤر الإجرامية والقبض على العناصر الإرهابية لتعطى بصيصاً من الأمل فى القضاء على ذلك إلا أن سرعان ما سمعنا عن مهاجمة كمائن الشرطة وبعض مواقع الجيش وهو ما يعود بك إلى نقطة الصفر والشعور بالفشل فى القبض على المتهمين فى الحادث الثانى طالما مازلت تبحث عن إيهام الرأى العام بأشياء وأخبار لا صحة لها تاركاً أرض الساحة للعابثين بالوطن وسلامته.
تأتى الأخبار عن مهاجمة القوات لكمين «الريسة» أكثر من ونذهب إلى موقع الحادث لنفاجأ بأن المعتدين يخرجون من قلب الصحراء لإطلاق النيران ثم العودة وهذا ما حدث كثيراً دون القبض عليهم أو ملاحقتهم مع استمرار الخسائر فى المصابين وهيبة القوات المتواجدة بالكمين.
ثم نهرول إلى قرية «الجورة» بعد إعلان الجهات المسئولة عن تنفيذ عمليات بها للقبض على العناصر الإرهابية لنسأل أهل المنطقة المجاورة للجبل فتأتى الإجابه لا يوجد شىء سوى بعض القذائف التى أطلقت منذ أيام بطريقة عشوائية فى الوقت الذى نفوا فيه سماع أى أصوات فى الليالى التى تحدثت عنها وسائل الإعلام وأوهمت الرأى العام بها.
وكانت المفاجأة الأكبر عن زيارة جبل الحلال الذى قال لنا البعض عنه بأن ذهابنا إليه تعد مخاطرة كبرى غير محسوبة العواقب، كما أن الأخبار التى تكتب عن تنفيذ عمليات فيه للقبض على العناصر الإجرامية تؤكد ذلك، ورغم كل هذا صعدت إلى الجبل بصحبة زملائى ودليل يرشدنا.
المنظر العام للجبل قد يعكس صورة الخوف منه.. وتضع فى ذهنك على الأقل مقابلة عناصر تحمل السلاح وتتخذ منه مكاناً آمناً للهروب من مطاردة الشرطة، إلا أن ذلك لم يحدث عند الصعود للجبل والوقوف بين مرتفعاته التى تشتكى من الصحراء الجرداء.
وفى ظل تلك التصريحات عن مداهمة الجبل أكد العديد من العمال الذين يعملون فى إحدى المناطق الداخلية فى محجر زلط أن الجبل لم يتم مداهمته ولم تنفذ أى عمليات فيه ولم يسمعوا أى أصوات فيه للرصاص كما أنهم لم يروا ايضاً أى عناصر بشرية معربين عن دهشتهم مما يسمعوه فى وسائل الإعلام بل قال أحدهم: «كل ده كلام أونطة وهجص إعلام».
ورداً على سؤال حول مرور طائرات بين الحين والآخر لاستطلاع المنطقة أكد أحد العمال أن هذا لم يحدث مطلقاً إلا اثناء زيارة الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية فى زيارتيه الأخيرتين لرفح بعد الحادث.
ومن خلال أشياء كثيرة أخرى لا يتسع المجال لذكرها أستطيع أن أقول إن هذا الجبل أكذوبة كبرى.. وشماعة يعلق عليها الفشل الأمنى فى شمال سيناء يتم تصويره على أنه وحش كاسر يستطيع أن يفتك بالشخص الذى يقترب منه إلا أن الحقيقة التى لمستها فى أحلك الظروف تخالف ذلك تماماً.
المشكلة ليست فيما نتحدث فيه فربما يندرج ذلك فى رحاب الماضى، إلا أن مستقبل سيناء لا يبشر بالخير وهذا على عكس ما نتمناه كأبناء لهذا الوطن.
ما وصلت إليه سيناء حالياً أصبح خارج نطاق السيطرة ولن نصدق بسهولة الأبواق التى تتحدث بين الحين والآخر وتستعرض عضلات مملوءة بالهواء لأننا لدينا القدرة على التحليل والرؤية والوصول إلى الحقيقة ذاتها فى عقر دارها.
ولو أن الحكم للواقع.. ولو أن قاضى المنصة يحتكم إلى الأرض الصحراء فى سيناء حيث لا تنمية ولا رخاء وارتفاع معدلات البطالة بصورة مخيفة لكان كافياً بإدانة نظام قمعى كبت على أنفاس الوطن لمدة 30 سنة بل وتعليق رموز النظام البائد على باب زويلة جراء ما فعلوه بهذا الوطن.
ورغم أننا نعيش عهداً جديداً ربما يتفاءل به البعض... ورغم أن أبناء سيناء فرحوا بسقوط النظام لإمكانية تحسين أحوالهم، إلا أن المؤتمر الذى عقدته أهل السنة والجماعة فى مدينة الشيخ زويد وحضره ممثلون عن السلفيين وجماعة الإخوان المسلمين يبعث برسائل الخطر ومن ثم العودة إلى ما كانت عليه.
الحاضرون فى المؤتمر شنوا هجوماً حاداً على رجال الشرطة بل أكدوا على اقتحامهم للبيوت بنفس الطرق التى كانت تحدث فى عهد النظام البائد وحذروا من تلك الممارسات وصدها سواء كان ذلك سلمياً أو بأى طريقة أخرى.
الغضب يجتاح الكثيرين وهناك من أكد عدم سماحه بذلك حتى لو كانت النتيجة هى فقدان روحه-وهنا علينا أن نقف ونعترف بأن غالبية أهالى سيناء يمتلكون السلاح بمختلف أنواعه وهناك من يريد الوقيعة بين الشعب والشرطة من ناحية وبين الشعب والجيش من ناحية أخرى لكون الشرطة والجيش مسلحين بطبيعة عملهما والشعب غالبيته مسلح فى مثل هذه المناطق الحدودية خاصة بعد الانفلات الأمنى الذى شهدته البلاد عقب ثورة 25 يناير.
الكثير من شباب سيناء الذى يجتمع يومياً على المقاهى يؤكد أن بلادهم لن تتحمل أى سنوات بنفس السياسة الماضية فى الوقت نفسه أكدوا أنهم غير راضين عن أداء الأمن ويتساءلون عن عدم قيام الأجهزة بإطلاع الرأى العام على صور الذين يتم القبض عليهم حتى تكون هنالك مصداقية ويشعر المواطن السيناوى بهيبة الدولة.
وشاءت الظروف بالجلوس مع العديد من أبناء القبائل الذين يعتبرون قبيلتهم دولة داخل سيناء تستطيع حماية نفسها وبسط نفوذها من خلال السلاح الذى تمتلكه- مع الأخذ فى الاعتبار أن سيناء بها مئات القبائل ومن ثم نجد أنفسنا أمام مئات الدول داخل الدولة الواحدة وهنا تكمن الخطورة خاصة حينما يقول أحد الشباب: إحنا بقينا 300 دولة فى دولة واحدة.
الخطورة القادمة لابد أن يستوعبها الحكم الجديد للبلاد وعلى رأسه الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية ليعرف أن الوضع فى سيناء الآن لا يحتاج إلى مجرد قرارات وإنما إلى تنفيذ واقعى يشعر أبناء سيناء بأنهم اصحاب الأرض بدلاً من تهميشهم والتعامل معهم على أنهم مواطنون درجة ثانية.
المواطن السيناوى الذى يعيش على الحدود وسط سيل من إغراءات الكيان الصهيونى الذى يستغل ضعاف النفوس لايزال يشترى المياه.. وتسببت تهريب السلع الأنفاق بين مصر وقطاع غزة فى ارتفاع أسعار المنتجات وخلق أزمات البنزين والسولار والمياه وما شابه ذلك.
مطلوب من نظام الحكم الجديد أن يعى ويفهم بأن حادث الاعتداء الأخير على الحدود نقطة فاصلة فى سياساته الجديدة لكونه أول حادث من نوعه بعد تولى الدكتور مرسى المسئولية.
ما شعرت به من خلال مئات أحاديث مع شباب سيناء بأنهم يستشعرون الخطر ولن يقبلوا باستمرار الوضع الراهن... جلوسى معهم وأحاديثهم تؤكد أن الثورة القادمة على أى نظام حكم لن تكون سلمية بل ستكون ثورة مسلحة ضد الفقر والجوع والتهميش والاتهامات المتبادبة بالخيانة بين أبنائها رغم اعترافهم بوجود ضعاف النفوس بينهم.
السياسة التى تتبعها الشرطة ووزارة الداخلية معهم عقب الأحداث لا ترضيهم بل قال أكثر من قيادى فى جماعة «أهل السنة والجماعة» فى مؤتمر علنى نصاً «إذا غيرت الشرطة من سياستها فأهلاً بها وسهلاً.. وإن لم تغير فلا أهلاً بها ولا سهلاً وأرواحنا فداء لكرامتنا وعدم السماح بعودة النظام مرة أخرى».
الكثير من أبناء سيناء خرجوا فى مسيرات تؤيد قرارات رئيس الجمهورية بإحالة بعض قيادات الجيش للتقاعد لكثير من الأسباب التى يعرفها أبناء سيناء والرئيس الذى سيتحمل مسئوليتها خلال فترة حكمه.
الوضع فى سيناء يخالف الكثير مما نسمعه... وعيوننا أصدق من بيانات السادة المسئولين التى تخرج بين الحين والآخر... شمال سيناء وطبيعتها القبلية تكاد تكون خارج السيطرة نتيجة سياسة النظام البائد.. الآن يجب على الحكم الجديد أن ينظر إلى هذه البقعة الغالية من أرض الوطن.. الآن وليس غداً على الرئيس الجديد أن يقدر خطورة الموقف فى المنطقة الحدودية التى تفصلنا عن الكيان الصهيونى بمسافات تكاد تكون أقرب من المسافات بين القصور الرئاسية فى عابدين والاتحادية والقبة ورأس التين.

التعليقات