كلمة الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي في قمة مكة

جدة - دنيا الوطن
  في مهبط الوحي وفي أطهر بقاع الأرض، ها هم قادة الأمة الإسلامية ورموُزها يلبون دعوتكم يا خادم الحرمين الشريفين لحضور الاجتماع الاستثنائي الثاني للقمة الإسلامية الذي بادرتم بدعوته. وها هم ملايين المؤمنين يسعون ويطّوفون بالبيت العتيق، ومن خلفهم مليار ونصف مليار من المسلمين في أرجاء المعمورة كافة، يتضرعون إلى الله أن يجمع القادة على تجاوز الأزمة، وأن تكون هذه القمة وسيلة النجاة للأمة من المخاطر التي تواجهها.

في خطابكم أمام قمة 2005 وفي نفس هذا المكان المبارك، قلتم "إنه تكمن في أعماق الأمة الإسلامية رغبةٌ فعلية في التغيير إلى الأفضل، وعزمٌ صادقٌ على إنهاء أوضاع التخلف". وتطلعتم إلى "أمةٍ إسلاميةٍ موحدةٍ، وحكمٍٍ رشيدٍ يقضي على الظلم والقهر، ويفضي إلى تنمية شاملة، تضع حدّاً للعَوْز والفقر، وتؤدي إلى انتشار وسطية تمثل سماحة الإسلام". وأعربتم عن رغبتكم في وجود مؤسسات فاعلة تعيد للأمة الإسلامية وضعها الطبيعي في سياق الحضارات ومعدلات القوة.

وتدور الأيام، ويمرّ العالم الإسلامي في أيامنا هذه، بأصعب فترة في تاريخه المعاصر منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها. إن يقظة الشعوب وتطلعها إلى الحياة الكريمة والحكم الرشيد الذي تكون فيه مصلحة الشعوب هي العليا، ويعمل فيها القادة في خدمة شعوبهم. وحيث يتجلى حرص الجماهير على أن لا تعيش خارج سياق التاريخ. كلّ هذا قد غيّر موازين القوى، ونجم عنه حراك غير معهود.

وتقتضي الحكمة أيضا أن تكون تلبية مطالب الشعوب هي مقصد الحكم، ويكون فيه الحوار السلمي هو أسلوب العمل، والتدرج في تحقيق الأهداف هو المنهج المتبع، فنظرة فاحصة لمجريات الأمور في سجل اليقظات التي قامت في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي بدءاً من ثورة الشعب القيرغزي في صيف عام 2010 على الحكم الاستبدادي المطلق، ومروراً بكل الانتفاضات التي عرفتها الدول العربية منذ نهاية عام 2010 إلى يومنا هذا، لخير دليل على مصداقية هذه الحكمة. إن قمة اليوم هي وقفة تأمل في لحظة صدق أمام الله والتاريخ تتطلع فيها الأمة إلى قادتها لينهضوا بالمسؤولية التاريخية لتجاوز هذه الظروف العصيبة

وقد بات واضحاً أنه لا يمكن للعالم الإسلامي الاستمرار على نهجه الحالي، بينما يقتضي الواجب أن يكون عالمنا الإسلامي أحد روّاد هذا العصر الفاعلين، ومسيّري توجهاته، ممتلكا مقومات الكفاية، وقدرة الأداء الذاتية، لا سيما وأن المسلمين يشكلون ربع سكان العالم، وحباهم الله بالموارد البشرية والطاقات والخيرات العميمة التي تؤهلهم ليكونوا خير أمة أخرجت للناس.

وقد بدأت إرهاصات هذا التحرّك في البروز عبر برنامج العمل العشري لمنظمة التعاون الإسلامي، والذي تبنته قمة 2005. فقد عالج ذلك البرنامج الخلل الذي انتاب مسيرة العالم الإسلامي. وتمّ بالفعل تنفيذ جزء كبير منه على مستوى منظومة التعاون الإسلامي.

وقد حققت الأمانة العامة وأجهزتها في السنوات السبع الماضية كثيراً من الانجازات في مجال التضامن التنموي والاقتصادي، كتقوية الأواصر الاقتصادية بين الدول الأعضاء عن طريق نظام الأفضليات التجارية الذي سيقود إلى خلق فضاء تجاري تستفيد منه كل الدول الأعضاء، والتخفيف من حدة الفقر، وخلق فرص العمل، وبرنامج تنمية إفريقيا، وتعزيز التجارة البينية، وتقديم المساعدات الفنية، والمساهمة في بناء القدرات، وبرامج مكافحة الأمراض والأوبئة، والنهوض بصناعة القطن، وتطوير القيمة المضافة للمنتجات الزراعية. وبلغ برنامج المنظمة للتنمية في إفريقيا زهاء أربعة مليارات دولار في نهاية عام 2011 صرفت في مجالات السكن والصحة والأمن الغذائي، والزراعة والتعليم. أما صندوق التضامن الإسلامي للتنمية، وصندوق التضامن الإسلامي، فقد بلغ مجموع تمويلهما مليار دولار خصصت لبرنامج التخفيف من حدة الفقرة وتطوير البنية التحية خصوصا في البلدان الأقل نموّا.

وبذلت الأمانة العامة جهوداً حثيثة في مجال التعاون والتضامن السياسي بالدفاع عن القضايا العادلة  للدول الأعضاء في المنابر السياسية الدولية مثل نصرة القضية الفلسطينية، ومناهضة حملات العداء للإسلام، والتصدي لكل ما يضر بدول العالم الإسلامي، والدفاع عن حقوق الأقليات والمجتمعات الإسلامية عبر العالم. وطالت جهودنا التضامنية كذلك مناهضة الإرهاب، والدعوة إلى التمسك بالصفة التي تميز الإسلام ألا وهي صفة الاعتدال والوسطية والتسامح.

كما وسعت الأمانة العامة من حضورها عالميا، وأسمعت صوتها وصوت الإسلام في جميع المحافل الدولية الكبرى. كما حملنا موضوع التضامن الإسلامي إلى المنابر الدولية، واستطعنا، بحمد الله، من خلق كتلة تصويتيه ملتزمة ومتضامنة للعالم الإسلامي قوامها 57 صوتا في الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات العالمية للدفاع عن مصالح الأمة الإسلامية، وتعتبر هذه الكتلة أكبر كتلة تصويت في الأمم المتحدة، وسابقة فريدة في تاريخ تلك المنظمة. ويكفي أن أقول إن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بانكي مون قد ذكر في عدة مناسبات رسمية أن منظمة التعاون الإسلامي، قد أصبحت "شريكا أساسيا واستراتيجيا" لمنظمة الأمم المتحدة.

واليوم، واستكمالاً لما نحن بصدد تنفيذه بموجب برنامج العمل العشري، أراد خادم الحرمين الشريفين انطلاقا من حرصه الكريم على تضافر جهود المسلمين وتضامنهم، أن يعزز المفاهيم التي تؤسس للعمل الإسلامي المشترك عن طريق التركيز على موضوع التضامن الإسلامي الذي يعتبر اللحمة التي تجمع شتات المسلمين أينما كانوا.

أصحاب الجلالة والسموّ والفخامة والمعالي،

لقد قام السادة الوزراء بتدارس بنود جدول الأعمال دراسة مستفيضة وتداولوا فقرات البيان الختامي، والقرارات الخاصة التي ستصدر عن القمة الاستثنائية، وتوصلوا إلى توصيات بشأن كل ما سيرفع إلى مجلسكم الموقّر لإبداء النظر فيها. وأود أن أشير إلى أن هذه التوصيات قد عكست الواقع الماثل للقضايا التي تضمنها جدول الأعمال، والمتعلقة بالتضامن الإسلامي، وقضايا فلسطين، وسوريا، ومالي، وميانمار. كما أكدت الدور المحوري للأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي ومؤسساتها المختلفة في تنفيذ القرارات التي ستصدر عن القمة.

       وستحدد هذه القرارات التوجه السياسي لمنظمة التعاون الإسلامي في الأشهر المقبلة. وأجد من الواجب أن أؤكد أن الانتقال بهذه التوصيات إلى حيّز التنفيذ الفعلي يتوقف بشكل رئيسي على توافر الإرادة السياسية للدول.

ويسرني في ختام كلمتي هذه أن أزفّ إليكم بشارتين، لهما ارتباط بالأمانة العامة لمنظمتكم هذه. والبشرى الأولى هي استلام الأمانة العامة للمنظمة من وزارة خارجية المملكة العربية السعودية (دولة المقر) وثيقة "اتفاقية المقرّ" بعد أن تمّ توقيعها رسميا من طرف السلطات السعودية. وتنظم هذه الوثيقة الإطار القانوني لعلاقة المملكة بالأمانة العامة للمنظمة، كما تشمل الامتيازات والحصانات لموظفي الأمانة العامة والوفود والزوار الذين يؤمون المنظمة.

أما البشرى الثانية، فهي أنه وصلتنا تعليمات خادم الحرمين الشريفين لبناء المقرّ الدائم لمنظمة التعاون الإسلامي، والتي تقدَّم كهدية كريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين للأمة الإسلامية، ولمنظمة المؤتمر الإسلامي. وقد وافق خادم الحرمين الشريفين، مشكوراً، على عرض فيلم وثائقي لمدة ثلاث دقائق خلال الجلسة الختامية لتصميم بناية المقر الجديد. ويسرني أن أتقدم باسمكم جميعا لأسدي إلى مقام خادم الحرمين الشريفين بالغ الشكر والامتنان لهذه المكرمة السامية التي ستستفيد منها المنظمة والأمة الإسلامية جمعاء.

أصحاب الجلالة والسموّ والفخامة والمعالي،

وإننا إذ نتيمن خيراً بهذه الأمسية المباركة، وفي هذه الرحاب الطاهرة، وإذ نتمثل مرامي دعوة خادم الحرمين الشريفين إلى التضامن الحقيقي، نؤكد العزم على أن يكون التضامن الإسلامي هدف كل أعمالنا، وطريقنا إلى المنعة والقوة والتقدم، مدركين أن عالم اليوم لا مجال فيه للضعيف أو العاجز، ولا تتأتى المنعة إلا برصّ الصفوف والإيمان بوحدة المصير، وبما تمليه علينا مسؤولياتنا التاريخية إزاء موقعنا من العالم، وإزاء مستقبل أجيالنا القادمة، وهذا ما ينبغي أن نتجند له بكل ما أوتينا من عزم وقوة.

راجيا لمداولاتكم التوفيق والسداد في هذه الظروف الصعبة.

التعليقات