الحرب على سورية : حلم سلطاني ...فهل يمكن لتركيا أن تتحمل كلفة الاحلام ؟

الحرب على سورية : حلم سلطاني ...فهل يمكن لتركيا أن تتحمل كلفة الاحلام ؟
كتب سومر سلطان 
بعد الحرب العالمية الأولى التي هددت تركيا تهديداً وجودياً أسس "مصطفى كمال أتاتورك" الدولة التركية، ضمن الحدود التي رسمتها معاهدة لوزان، على مبدأ أساسي هو "السلام في الوطن، والسلام في العالم" وهكذا انسحبت تركيا إلى بيتها الداخلي متجنبة التدخل في شؤون الدول الأخرى مما أدى لرسم قطيعة تاريخية مع المرحلة العثمانية وفكرها الاستعماري الذي كان يرى في النهب أحد أهم موارد الدخل.

وبهويته العسكرية قام أتاتورك بتنشئة الجيش الحديث وفق مبادئه، محدداً دوره بالدفاع ضمن حدود البلاد، لا يخرج منها إلا ضمن استثناءات قليلة أهمها توغله في شمال العراق لمواجهة حزب العمال الكردستاني عام 1991، ودخوله إلى الأراضي القبرصية، عام 1974، لإقامة دولة شمال قبرص التركية التي لم يعترف بها حتى الآن إلا تركيا.

ولهذا كان من الطبيعي جداً أن يحدث هذا التناقض فيما بين الكمالية ممثلة بالجيش والعثمانية الجديدة ممثلة بـ"أردوغان"، فالأحلام التوسعية للأخير جعلته يرى في مبدأ "السلام في الوطن، والسلام في العالم" عائقاً أمامه، وهو من يرى في نفسه "سليل سلاطين بني عثمان" و"حفيد الدولة العلية"، ويحلم بترؤس قادة المنطقة وتحويلهم إلى ما يشبه الولاة في المرحلة العثمانية، حيث يكون بامكانه أن يوبخ دولة ما ويعيدها إلى جادة صوابه، ويمكن حتى أن يأمر بمعاقبتها. ولكنه لتحقيق هذه الأحلام بحاجة إلى تحويل الجيش من جيش وطني إلى جيش استعماري قادر على خدمة أهدافه التدخلية هذه. وفي الحقيقة فإن العديد من معارك السيطرة على الجيش بين الحكومة الإسلامية والضباط الكماليين كانت في حقيقة الأمر حرباً بين طرف يريد تحويله من جيش وطني إلى جيش استعماري وطرف يحاول ابقاءه على حاله التي أنشأه عليها "أتاتورك".

الفارق كبير جداً في العقيدة القتالية، أو قواعد الاشتباك كما سماها "أردوغان، بين الجيش الوطني والجيش الاستعماري؛ فأسلحة الأول دفاعية في الغالب بينما هي هجومية في الثاني؛ وأسلوب حركة الأول لا يتسم عموماً بالسرعة والديناميكية التي يتطلب وجودها في الثاني، ولذا فإن اللوجستية في الجيوش الاستعمارية تكون متطورة؛ كما أنها تتطلب تطوراً في مجال الاستطلاع. وفي حالة الدول المسالمة نلاحظ أن جيوشها تتحول إلى ما يشبه فرق الدفاع المدني في حالة الكوارث الطبيعية. والتحول من نمط الجيش الوطني إلى نمط الجيش الاستعماري يتطلب تكديساً علمياً وتقنياً ورأسمالياً عالياً. وإذا لاحظنا صفقات التسلح الأخيرة لحكومة "أردوغان" نلاحظ بسهولة وجود هذه الرغبة فعلاً بتحويل جيشها إلى جيش استعماري متدخل: صفقة دبابات T72؛ صفقة تحديث طائرات F4، ومنها الطائرة التي أسقطتها الدفاعات السورية؛ صفقة طائرات التجسس دون طيار من "اسرائيل"؛ صفقة طائرات الاستطلاع، وقد أذاعت وكالات الأنباء أن تسليمها قد بدأ؛ إضافة إلى توجيهه لتوريد صواريخ بعيدة المدى. ولكن لا توجد أية صفقة لصواريخ دفاعية مثلاً.

آلية اتخاذ قرار الحرب:

نتذكر أن "أردوغان" تعرض، عام 2003، للضغط للمشاركة في الحرب الأمريكية على العراق، وقام بعرض الأمر على مجلس الشعب الذي عارض الحرب بشدة رغم توسلات رئيس الحكومة الذي قام فيما بعد بتسويق قرار المجلس وكأنه هو من اتخذه.

بحسب الدستور التركي تقوم الحكومة بطلب منحها تفويض اجراء عمليات حربية خارجية من مجلس الشعب، ويقرر المجلس الموافقة أو عدم الموافقة، وعند الموافقة يكون التفويض محدوداً بفترة زمنية دقيقة، وبانتهائها يتوجب إعادة طلب منح تفويض جديد. ومن ثم تقوم الحكومة بمنح الجيش تفويضاً أكثر دقة من حيث الأهداف العسكرية الواجب تحقيقها، والمدة، وأنواع الأسلحة وغيرها...

 

مدى جاهزية الجيش للحرب:

بملاحظة طرائق الجيش الحربية، خلال عملياته في المنطقة الكردية، بناءً على شهادات المجندين فيه، يمكن تلمس ثقل كبير في عملياته، فتحركاته بطيئة، وقصفه غير دقيق، وأساليبه غير ذات فعالية كبيرة. ويضاف إلى ذلك فقدان الحافز لدى جنوده، يشهد على ذلك حالات الانهيار النفسي الكثيرة للجنود المتواجدين في مناطق الاشتباك، وحالات الهروب من الخدمة ورفض أدائها، وتقديم عدد كبير من ضباط الجيش والأمن استقالاتهم تحت طائلة عقوبة السجن التي قد تصل عامين كاملين. وحتى أن بعض المتهربين من أداء الخدمة الالزامية قاموا باجراءات يائسة لاعفائهم منها، كالدخول في علاقات مثلية شاذة وتصويرها لتقديمها لوزارة الدفاع. وبالأخص فإن عدم قدرة الجيش على انهاء العصيان الكردي المسلح منذ ثلاثين عاماً يشي بحقيقة قدراته. وربما هذا ما عناه رئيس هيئة الأركان الجنرال "نجدت أوزل" خلال رده على سؤال حول احتمال شن حرب على سورية، فقال: «لسنا في حالة شن حرب على أحد»

 

قناة إخبارية تركية: أبهذه الأسلحة سنحارب سورية؟

أجرى "فرهات بوراتاف" مدير الأخبار الدولية في قناة "سي ان ان تورك" الإخبارية التركية مقارنة بين منظومات السلاح بين البلدين، ووصل إلى نتيجة فاجعة عبر عنها بالقول: أبهذه الأسلحة سندخل الحرب ضد سورية؟ وعلى سبيل المثال يقول "بوراتاف" أنه مقابل ألفي مضاد جوي تركي، أغلبها من أعوام الخمسينات والستينات، وقد نسقت في أمريكا، وأحدثها من الثمانينات، تمتلك سورية أربعة آلاف مضاد جوي من بينها خمسون مضاد Pantsir صنع عام 2007.

 

حزب الشعب الجمهوري يضع الفاتورة التقديرية للحرب ضد سورية:

أعد النائب "أوموت أوران" من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، دراسة حول الكلفة التقديرية التي ستضطر تركيا لتحملها عند شنها الحرب ضد سورية. وشبه "أوران" في دراسته أحلام "أردوغان" التوسعية بأحلام أنور باشا التي تسببت بكل ويلات ادخال تركيا العثمانية الحرب العالمية الأولى.

ودرس "أوران" الاستثمارات الأجنبية المعرضة للهرب في حال شن الحرب، وبالأخص ذات السيولة العالية منها؛ محافظ استثمارية بقيمة 109 مليار دولار، أسهم بقيمة 53 مليار دولار، سندات خزينة بقيمة 38 مليار دولار، ودائع نقدية بقيمة 17 مليار دولار. ومجموع الأموال الأجنبية التي سيهرب جزء كبير منها في ظروف الحرب حسب الدراسة يكون 109 مليار و357 مليون دولار. ويصل لنتيجة أن طبيعة الاقتصاد التركي تمنع قيام الحروب.

ونضيف نحن الخسارة التي سيتعرض لها القطاع السياحي الهام جداً بالنسبة لتركيا، ولا سيما في المناطق الجنوبية، مع تساقط الصواريخ السورية التي أثبتت جدواها مرتين على الأقل في المواجهات مع "اسرائيل" في لبنان وغزة .

 

إذاً متى سيتم اتخاذ قرار الحرب؟

من الصعب جداً توقع منح مجلس الشعب الحكومة تفويض شن حرب ضد سورية، فالمعارضة في هذا المجال ستأتي من داخل كتلة حزب العدالة الحاكم نفسه، وخاصة الأعضاء الذين ما زالوا يحملون في أنفسهم اخلاصاً، أو لنقل حنيناً، للأفكار التي ناضلوا وسجنوا من أجلها كالوحدة الإسلامية، ومعاداة "اسرائيل"، وإقامة السوق الإسلامية المشتركة وسواها... وحتى لو حصلت الحكومة نتيجة صفقات غالية جداً على هذا التفويض فإن اتخاذ قرار الحرب سيكون وبالاً على "أردوغان" وقد يعني انهاء مستقبله السياسي بشكل فاجع.

التعليقات