المعطيات الجديدة المرتبطة بالاستراتيجية السورية التقليدية
دمشق - دنيا الوطن
ناهض حتر
في الذكرى السادسة لحرب تموز، أعلن زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله جملة من المعطيات الجديدة المرتبطة بالاستراتيجية السورية التقليدية المعروفة بـ«الدفاع خارج الأسوار». وتقوم هذه الاستراتيجية على تجاوز آثار خروج مصر من حلبة الصراع مع العدو الإسرائيلي بعد 1973، وبالتالي المصاعب الجسيمة للحرب النظامية على الجبهة السورية نفسها، من خلال إدامة وتصعيد المعركة مع الإسرائيليين والأميركيين على الجبهات غير النظامية في المنطقة.
وعلى هذه الخلفية، جاء الدعم السوري الحيوي والمثابر للمقاومات العربية في فلسطين ولبنان والعراق.ولطالما صوّر الخصوم السياسيون لنهج المقاومة، تلك الاستراتيجية بأنّها تعبر عن أنانية تحمي نفسها ومصالحها بممارسة الصراع على أرض الآخرين وبرجالهم. لكن أولئك الخصوم يتغاضون عن الكلفة الباهظة للحرب خارج الأسوار، والمخاطر التي تنشأ عنها، وامكانية انتقالها، في المنعطفات الحادة، من خارج الأسوار إلى داخلها. وهو ما يتطلب الحفاظ على جاهزية عسكرية مستعدة للمواجهة من دون تقاعس.التهمة الثانية الموجهة إلى تلك الاستراتيجية هي القائلة إنّ
دمشق تستخدم المقاومات ورقة ضغط للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل بشأن الجولان، ومع الغرب بشأن مصالحها. وقد أظهرت الأحداث على مدى العقود الأربعة الماضية، وبعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، أنّ الصراع ــ وليس التسوية مع إسرائيل ــ هو محور السياسة السورية.دفعت سوريا بالفعل أثماناً باهظة على مذبح استراتيجية الحرب خارج الأسوار، أبسطها المواجهات العسكرية مع الإسرائيليين والأميركيين في لبنان في النصف الأول من الثمانينيات، وأقساها مساعي الحلف الأميركي ــ الإسرائيلي ــ الرجعي لتقويض الاستراتيجية السورية نفسها من خلال الحصار والعزل
ونقل الحرب إلى داخل الأسوار، كما حدث في التمرد الإخواني الإرهابي في1980، وكما يحدث منذ ربيع 2011 وحتى الآن من حرب إرهابية وإعلامية شرسة على سوريا المحاصرة.الجديد الذي جاء نصر الله به، هو أنّ دمشق تمارس استراتيجيتها تلك في عهد بشار الأسد، بجدية متفانية، أولاً من حيث كونها المزوّد الرئيسي بالسلاح ــ بكل أشكاله ــ للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وثانياً من حيث كونها تطوّر صناعاتها العسكرية ــ وخصوصاً الصاروخية ــ في السياق نفسه، وثالثاً من حيث استعدادها للذهاب إلى الحد الأقصى في تحمّل المسؤولية السياسية والعسكرية والمادية
والمخاطر الناجمة عن تلك الاستراتيجية، كما ظهر في حرب تموز في لبنان 2006 وحرب غزة 2009. ففي الحربين، كان الجيش السوري، الرافعة الرئيسية للمواجهة، وشريكاً في الحرب. وقد تطلب ذلك، رابعاً، إعادة تكوين القدرات الدفاعية للجيش السوري بما حوّله إلى قوة عسكرية نوعية.ولم يذكر نصر الله، لسوء الحظ، معطيات خاصة عن الدور السوري في المقاومة العراقية. ولعل هذا الدور هو الدور الأخطر الذي لعبته دمشق؛ فالعدو، هنا، هو الولايات المتحدة الأميركية نفسها، ومحور المواجهة ليس في الميدان التقليدي لإدامة الصراع مع إسرائيل، بل في هزيمة المشروع
الإمبريالي الكبير للمحافظين الجدد، الهادف إلى إقامة الشرق الأوسط الجديد الأميركي العثماني ــ الخليجي ــ الأصولي.ينبغي أن نتوقف هنا، إذاً، لنرى دور سوريا الدولي في أفول مرحلة القطب الواحد، وولادة مرحلة التعددية القطبية. وبالمقابل، تفيد سوريا الآن من الدعم الروسي ــ الصيني لمقاومتها المديدة للعدوان الإمبريالي الرجعي المستمر والمتصاعد منذ ستة عشر شهراً، بهدف تحطيم وحدة ترابها الوطني ووحدة مجتمعها وتفكيك جيشها وتدمير قدراتها الاقتصادية وحيويتها الاجتماعية والثقافية.في وصف سوريا، لم يعد جائزاً، بعد خطاب نصر الله، القول
إنّها دولة ممانعة. إنّها، بالتحديد، دولة المقاومة العربية. فقد اتضح اليوم أنّ تلك المقاومة هي حزمة سياسية وعسكرية وأمنية واحدة متضافرة في نهج استراتيجي واحد عماده الدولة السورية. ولذلك، فإنّ خروج حماس من دمشق لا يعني انفكاك حركة مقاومة عن حلف إقليمي، بل يعني انفكاكها عن خط المقاومة نفسه؛ فخارج العلاقة التحالفية مع سوريا، لا توجد مقاومة، بل مفاوضات وصفقات وتموضع داخل التجديد الإخواني لكامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.وسوريا هي دولة المقاومة العربية بامتياز، لأنّها، على خلاف المقاومات الجزئية، لم تتخذ، في خوضها الصراع مع تل
أبيب وواشنطن، معياراً جزئياً ــ طائفياً أو مذهبياً ــ بل ظل معيارها واحداً هو الصراع نفسه، وتوظيف المقاومات الجزئية ضده. قاتلت سوريا إلى جانب حزب الله الشيعي وحماس الإخوانية والفصائل العراقية السنية، مبرهنةً على تكوينها العروبي والتزامها الاستراتيجي بالمقاومات بغض النظر عن ارتباطاتها وميولها الجزئية. إنّ شجاعة ورجولة نصر الله في إعلانه الدور المركزي لسوريا ورئيسها وجيشها وصناعتها العسكرية وضباطها ــ وفي مقدمتهم الشهداء داوود راجحة وحسن تركماني وآصف شوكت ــ في انتصار تموز 2006، تلهمنا الشجاعة والرجولة، لكي نخرج، بدورنا، من
الدائرة الرمادية، ونعيد اكتشاف اصطفافنا السياسي وفق الأولوية المعيارية للصراع مع الإمبريالية والصهيونية. وفي سياق ذلك الاصطفاف الصريح والمحدد، سوف نرى، في الدولة الوطنية السورية، وفي ضوء الممكن الواقعي القائم بالطبع، وقبل الربيع العربي وبعده، المركز الرئيسي الأخير للمقاومة العربية وللروح العربية. وما تستهدفه الحرب المجنونة على سوريا اليوم هو تدمير هذا المركز وإلحاق سوريا بالمعسكر الأميركي الإخواني السلفي الرجعي.لا يعمينا ذلك عن التناقض القاتل الذي وقع فيه النظام السوري خلال العقد الماضي؛ فبينما كانت رئاسة الأسد
الابن تطوّر قدرات الجيش السوري، وتوطّد دورها في المقاومة، انزلقت إلى ما يشكّل الضد الاقتصادي الاجتماعي لذلك الدور من خلال تشجيع الغزو النيوليبرالي الكمبرادوري للاقتصاد والمجتمع السوريين. وهو ما تدفع سوريا ثمنه الآن، أولاً، بخسارة قسم من القاعدة الاجتماعية التقليدية للدولة والمقاومة، والمتمثلة بالفلاحين وجماهير الريف، وثانياً، بإفقار وتهميش مئات الألوف من الشباب الذين تحولوا خزاناً بشرياً للإرهاب الرجعي، وثالثاً، بنشر نموذج النجاح الفردي البرجوازي على نطاق واسع، مما أدى إلى اهتزاز منظومة القيم الوطنية لدى أوساط
اجتماعية عديدة، وفي مقدمتها بيروقراطية الحزب والدولة.من الثغر الكبرى لذلك التناقض، استطاع العدوّ النفاذ ليخوض المعركة ضد الدولة السورية داخل الأسوار. وهي معركة كسر عظم؛ فلن يتوقف التحالف الغربي العثماني الخليجي الرجعي، إلى أن يحقق الأهداف التالية: (1) شق المجتمع السوري على أسس طائفية ومذهبية تنهي وحدة الدولة، وتالياً امكاناتها ودورها الإقليمي، (2) تفكيك المؤسسة العسكرية وتصفيتها، (3) تفكيك القطاع العام والمؤسسات والقدرات الانتاجية الوطنية لصالح توطين النموذج النيوليبرالي الكمبرادوري نهائياً، (4) إلحاق سوريا بنادي
المتعاهدين مع إسرائيل.بالمقابل، ليس هناك من بديل أمام الدولة السورية سوى خوض المعركة حتى النهاية، بما يحقق الأهداف التالية: (1) سحق التمرد المسلح وتطهير البلد من العناصر الإرهابية، بصورة نهائية، وبأي ثمن وفي أقصر وقت ممكن، (2) اتخاذ كل ما يلزم من سياسات وإجراءات لتطهير جهاز الدولة من عناصر الفساد والترهّل، وتوفير السلع والخدمات وتنشيط الانتاجية الاقتصادية وإطلاق حملة وطنية لإسعاف الفئات الشعبية من الضنك المضاعف الذي ترزح تحته بسبب إفقارها وبسبب الظروف الأمنية الحالية، (3) تظهير أطروحة سياسية متماسكة وجذرية وهجومية، داخلياً
وسورياً، ترتكز، بلا لبس، على مبادئ التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، (4) التخلص، كلياً ونهائياً، من كل آليات ومظاهر النهج النيوليبرالي وضرب مواقع الكمبرادور واستعادة التحالف الاجتماعي الوطني وفق الخط الاشتراكي.
الأيديولوجيا العامل الحاسم في التكوين السوري
لعل الأساس المتين للنصر في المعركة الدائرة الآن في قلب الشام، وفي معارك المستقبل، يظل يتمحور حول الأيديولوجيا؛ فلا يمكن لبلد، كسوريا، متعدد العصبيات والجهات والمجتمعات المحلية من جهة، ويربض على موقع جيو سياسي استراتيجي، أن يتوحد إلا برابط أيديولوجي.ولا يمكن أن يكون هذا الرابط الأيديولوجي في سوريا دينياً، فبالنظر إلى أنّ العصبيات التي لا بد من لحمها لبقاء الدولة الموحدة، هي هنا طائفية ومذهبية، تغدو أي أيديولوجية من
هذا الصنف وصفة للتفكيك لا للتوحيد. ولا يمكن أن يركن السوريون للحم دولتهم بالأيديولوجية الوطنية الليبرالية؛ فالجمهورية العربية السورية لا تتطابق، في جغرافيتها، مع جغرافية الوطن السوري الجريح. وهي متعددة المراكز الجهوية المتقاطعة مع تنوّع المجتمعات المحلية، وارتباطاتها المجاورة، مما يجعل الأيديولوجية الوطنية الليبرالية، هنا، هي، أيضاً، تفكيكية. ولا يمكن، في أحسن الأحوال، تصوّر ديموقراطية ليبرالية في سوريا تزيد في إنتاجيتها على الديموقراطية الطوائفية في لبنان. يعني ذلك استحالة الدولة واستحالة الجيش الوطني الفاعل
واستحالة الاستقلال. كذلك، فإنّ التركيب الاجتماعي السياسي السوري المعقد في فئاته الطبقية وتقاطعاتها العصبية والجهوية والإقليمية، لا تسمح بصراع طبقي صاف في ظل الليبرالية الاقتصادية التي تعمل هنا كآلية إفقار وتهميش وتفتيت بين العصبيات لا فوقها.هذه اللوحة هي التي انتجت بالأساس الحركات البعثية والقومية والشيوعية في سوريا، بوصفها إجابات عن سؤال الدولة والوحدة والدور. ولأنّ البعثيين قدموا صيغة ايديولوجية تمثل ضفيرة من العلمانية الوطنية والعروبة والاشتراكية، فقد تمكنوا من حكم سوريا، وهمّشوا الشيوعيين والقوميين، في حين حكمت
اللوحة الاجتماعية السياسية السورية نفسها على الإخوان المسلمين السوريين بالفشل التاريخي، وحوّلتهم إلى جماعة متعصبة ودموية ومرتبطة بالاستعمار والرجعية الخليجية على طول الخط. وهي لن تستطيع، تحت أي ظرف، أن تقدم إطاراً أيديولوجياً مطابقاً لاحتياجات الدولة السوريا، ولن يعدو دورها إلا أن يكون جزءاً من ماكينة التقسيم أو في أحسن الأحوال جزءاً من التمثيل السني في شبه دولة تقوم على المحاصصة الطائفية والمذهبية. إنّ الطريق المفضي إلى قيادة دولة وطنية في سوريا مغلق مسبقاً أمام أي منظمة أصولية بحكم تكوينها. وهذا هو السبب الجوهري في أنّ
الإخوان السوريين، رغم كونهم القوة الرئيسية المدعومة في المعارضة السورية، ورغم ما يتمتعون به من دعم خليجي وصلات دولية، عاجزون عن صياغة خطاب وطني موجه إلى سوريا موحدة، مثلما هم عاجزون عن تشكيل الثقل اللازم لتوحيد المعارضة السورية التي لا توجد بين صفوفها، بحكم التكوين السوري نفسه، قوة مركزية تشكّل بديلاً ممكناً للنظام السوري الذي، على أخطائه وخطاياه، لا يزال قادراً على تقديم إطار وطني موحد للسوريين.لقد تمكن الرئيس الراحل حافظ الأسد من توليف الصيغة الأيديولوجية البعثية بظلال شديدة المرونة والواقعية من الاشتراكية
السوفياتية والقومية السورية، ووحّد السوريين وراء دور إقليمي طموح انعقد على متلازمة البراغماتية المقيدة بالاستقلال والصراع الحتمي مع إسرائيل. وقد اختلّت هذه الصيغة المعقدة في عهد الوريث لصالح صيغة متناقضة من اللبرلة الاقتصادية في الداخل والتشدد في الخارج. وهي صيغة انفجرت عندما اجتمعت عليها ايديولوجية «الربيع العربي» ــ وهي خليط ديماغوجي من الليبرالية السياسية والأصولية الإسلامية والعدمية القومية ــ جنباً إلى جنب مع الخطط الانتقامية المعدّة مسبقاً ضد سوريا بسبب دورها في المقاومة، وهوس الخليج بالتخلص من آخر مركز للقومية
العربية، ومتطلبات التوسع الإقليمي للبرجوازية التركية التي أعادت اكتشاف ضرورة العثمنة كإطار أيديولوجي سنّي للمجال الحيوي التركي.الرابطة الأيديولوجية اللاحمة ليست خياراً في سوريا، وإنما قدر البلد والدولة. المعارضة، بأجنحتها الأصولية والليبرالية، عاجزة وستظل عاجزة عن تكوين خطاب وطني، بينما النظام الحاكم لا يزال متردداً، لكنّه يستطيع مع حلفائه الشيوعيين والقوميين السوريين أن يضفر الرابطة الأيديولوجية المطابقة لاحتياجات الدولة، عروبية ولكن مشرقية، علمانية ولكن وطنية وتراثية، واشتراكية ولكن ديموقراطية
ناهض حتر
في الذكرى السادسة لحرب تموز، أعلن زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله جملة من المعطيات الجديدة المرتبطة بالاستراتيجية السورية التقليدية المعروفة بـ«الدفاع خارج الأسوار». وتقوم هذه الاستراتيجية على تجاوز آثار خروج مصر من حلبة الصراع مع العدو الإسرائيلي بعد 1973، وبالتالي المصاعب الجسيمة للحرب النظامية على الجبهة السورية نفسها، من خلال إدامة وتصعيد المعركة مع الإسرائيليين والأميركيين على الجبهات غير النظامية في المنطقة.
وعلى هذه الخلفية، جاء الدعم السوري الحيوي والمثابر للمقاومات العربية في فلسطين ولبنان والعراق.ولطالما صوّر الخصوم السياسيون لنهج المقاومة، تلك الاستراتيجية بأنّها تعبر عن أنانية تحمي نفسها ومصالحها بممارسة الصراع على أرض الآخرين وبرجالهم. لكن أولئك الخصوم يتغاضون عن الكلفة الباهظة للحرب خارج الأسوار، والمخاطر التي تنشأ عنها، وامكانية انتقالها، في المنعطفات الحادة، من خارج الأسوار إلى داخلها. وهو ما يتطلب الحفاظ على جاهزية عسكرية مستعدة للمواجهة من دون تقاعس.التهمة الثانية الموجهة إلى تلك الاستراتيجية هي القائلة إنّ
دمشق تستخدم المقاومات ورقة ضغط للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل بشأن الجولان، ومع الغرب بشأن مصالحها. وقد أظهرت الأحداث على مدى العقود الأربعة الماضية، وبعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، أنّ الصراع ــ وليس التسوية مع إسرائيل ــ هو محور السياسة السورية.دفعت سوريا بالفعل أثماناً باهظة على مذبح استراتيجية الحرب خارج الأسوار، أبسطها المواجهات العسكرية مع الإسرائيليين والأميركيين في لبنان في النصف الأول من الثمانينيات، وأقساها مساعي الحلف الأميركي ــ الإسرائيلي ــ الرجعي لتقويض الاستراتيجية السورية نفسها من خلال الحصار والعزل
ونقل الحرب إلى داخل الأسوار، كما حدث في التمرد الإخواني الإرهابي في1980، وكما يحدث منذ ربيع 2011 وحتى الآن من حرب إرهابية وإعلامية شرسة على سوريا المحاصرة.الجديد الذي جاء نصر الله به، هو أنّ دمشق تمارس استراتيجيتها تلك في عهد بشار الأسد، بجدية متفانية، أولاً من حيث كونها المزوّد الرئيسي بالسلاح ــ بكل أشكاله ــ للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، وثانياً من حيث كونها تطوّر صناعاتها العسكرية ــ وخصوصاً الصاروخية ــ في السياق نفسه، وثالثاً من حيث استعدادها للذهاب إلى الحد الأقصى في تحمّل المسؤولية السياسية والعسكرية والمادية
والمخاطر الناجمة عن تلك الاستراتيجية، كما ظهر في حرب تموز في لبنان 2006 وحرب غزة 2009. ففي الحربين، كان الجيش السوري، الرافعة الرئيسية للمواجهة، وشريكاً في الحرب. وقد تطلب ذلك، رابعاً، إعادة تكوين القدرات الدفاعية للجيش السوري بما حوّله إلى قوة عسكرية نوعية.ولم يذكر نصر الله، لسوء الحظ، معطيات خاصة عن الدور السوري في المقاومة العراقية. ولعل هذا الدور هو الدور الأخطر الذي لعبته دمشق؛ فالعدو، هنا، هو الولايات المتحدة الأميركية نفسها، ومحور المواجهة ليس في الميدان التقليدي لإدامة الصراع مع إسرائيل، بل في هزيمة المشروع
الإمبريالي الكبير للمحافظين الجدد، الهادف إلى إقامة الشرق الأوسط الجديد الأميركي العثماني ــ الخليجي ــ الأصولي.ينبغي أن نتوقف هنا، إذاً، لنرى دور سوريا الدولي في أفول مرحلة القطب الواحد، وولادة مرحلة التعددية القطبية. وبالمقابل، تفيد سوريا الآن من الدعم الروسي ــ الصيني لمقاومتها المديدة للعدوان الإمبريالي الرجعي المستمر والمتصاعد منذ ستة عشر شهراً، بهدف تحطيم وحدة ترابها الوطني ووحدة مجتمعها وتفكيك جيشها وتدمير قدراتها الاقتصادية وحيويتها الاجتماعية والثقافية.في وصف سوريا، لم يعد جائزاً، بعد خطاب نصر الله، القول
إنّها دولة ممانعة. إنّها، بالتحديد، دولة المقاومة العربية. فقد اتضح اليوم أنّ تلك المقاومة هي حزمة سياسية وعسكرية وأمنية واحدة متضافرة في نهج استراتيجي واحد عماده الدولة السورية. ولذلك، فإنّ خروج حماس من دمشق لا يعني انفكاك حركة مقاومة عن حلف إقليمي، بل يعني انفكاكها عن خط المقاومة نفسه؛ فخارج العلاقة التحالفية مع سوريا، لا توجد مقاومة، بل مفاوضات وصفقات وتموضع داخل التجديد الإخواني لكامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة.وسوريا هي دولة المقاومة العربية بامتياز، لأنّها، على خلاف المقاومات الجزئية، لم تتخذ، في خوضها الصراع مع تل
أبيب وواشنطن، معياراً جزئياً ــ طائفياً أو مذهبياً ــ بل ظل معيارها واحداً هو الصراع نفسه، وتوظيف المقاومات الجزئية ضده. قاتلت سوريا إلى جانب حزب الله الشيعي وحماس الإخوانية والفصائل العراقية السنية، مبرهنةً على تكوينها العروبي والتزامها الاستراتيجي بالمقاومات بغض النظر عن ارتباطاتها وميولها الجزئية. إنّ شجاعة ورجولة نصر الله في إعلانه الدور المركزي لسوريا ورئيسها وجيشها وصناعتها العسكرية وضباطها ــ وفي مقدمتهم الشهداء داوود راجحة وحسن تركماني وآصف شوكت ــ في انتصار تموز 2006، تلهمنا الشجاعة والرجولة، لكي نخرج، بدورنا، من
الدائرة الرمادية، ونعيد اكتشاف اصطفافنا السياسي وفق الأولوية المعيارية للصراع مع الإمبريالية والصهيونية. وفي سياق ذلك الاصطفاف الصريح والمحدد، سوف نرى، في الدولة الوطنية السورية، وفي ضوء الممكن الواقعي القائم بالطبع، وقبل الربيع العربي وبعده، المركز الرئيسي الأخير للمقاومة العربية وللروح العربية. وما تستهدفه الحرب المجنونة على سوريا اليوم هو تدمير هذا المركز وإلحاق سوريا بالمعسكر الأميركي الإخواني السلفي الرجعي.لا يعمينا ذلك عن التناقض القاتل الذي وقع فيه النظام السوري خلال العقد الماضي؛ فبينما كانت رئاسة الأسد
الابن تطوّر قدرات الجيش السوري، وتوطّد دورها في المقاومة، انزلقت إلى ما يشكّل الضد الاقتصادي الاجتماعي لذلك الدور من خلال تشجيع الغزو النيوليبرالي الكمبرادوري للاقتصاد والمجتمع السوريين. وهو ما تدفع سوريا ثمنه الآن، أولاً، بخسارة قسم من القاعدة الاجتماعية التقليدية للدولة والمقاومة، والمتمثلة بالفلاحين وجماهير الريف، وثانياً، بإفقار وتهميش مئات الألوف من الشباب الذين تحولوا خزاناً بشرياً للإرهاب الرجعي، وثالثاً، بنشر نموذج النجاح الفردي البرجوازي على نطاق واسع، مما أدى إلى اهتزاز منظومة القيم الوطنية لدى أوساط
اجتماعية عديدة، وفي مقدمتها بيروقراطية الحزب والدولة.من الثغر الكبرى لذلك التناقض، استطاع العدوّ النفاذ ليخوض المعركة ضد الدولة السورية داخل الأسوار. وهي معركة كسر عظم؛ فلن يتوقف التحالف الغربي العثماني الخليجي الرجعي، إلى أن يحقق الأهداف التالية: (1) شق المجتمع السوري على أسس طائفية ومذهبية تنهي وحدة الدولة، وتالياً امكاناتها ودورها الإقليمي، (2) تفكيك المؤسسة العسكرية وتصفيتها، (3) تفكيك القطاع العام والمؤسسات والقدرات الانتاجية الوطنية لصالح توطين النموذج النيوليبرالي الكمبرادوري نهائياً، (4) إلحاق سوريا بنادي
المتعاهدين مع إسرائيل.بالمقابل، ليس هناك من بديل أمام الدولة السورية سوى خوض المعركة حتى النهاية، بما يحقق الأهداف التالية: (1) سحق التمرد المسلح وتطهير البلد من العناصر الإرهابية، بصورة نهائية، وبأي ثمن وفي أقصر وقت ممكن، (2) اتخاذ كل ما يلزم من سياسات وإجراءات لتطهير جهاز الدولة من عناصر الفساد والترهّل، وتوفير السلع والخدمات وتنشيط الانتاجية الاقتصادية وإطلاق حملة وطنية لإسعاف الفئات الشعبية من الضنك المضاعف الذي ترزح تحته بسبب إفقارها وبسبب الظروف الأمنية الحالية، (3) تظهير أطروحة سياسية متماسكة وجذرية وهجومية، داخلياً
وسورياً، ترتكز، بلا لبس، على مبادئ التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، (4) التخلص، كلياً ونهائياً، من كل آليات ومظاهر النهج النيوليبرالي وضرب مواقع الكمبرادور واستعادة التحالف الاجتماعي الوطني وفق الخط الاشتراكي.
الأيديولوجيا العامل الحاسم في التكوين السوري
لعل الأساس المتين للنصر في المعركة الدائرة الآن في قلب الشام، وفي معارك المستقبل، يظل يتمحور حول الأيديولوجيا؛ فلا يمكن لبلد، كسوريا، متعدد العصبيات والجهات والمجتمعات المحلية من جهة، ويربض على موقع جيو سياسي استراتيجي، أن يتوحد إلا برابط أيديولوجي.ولا يمكن أن يكون هذا الرابط الأيديولوجي في سوريا دينياً، فبالنظر إلى أنّ العصبيات التي لا بد من لحمها لبقاء الدولة الموحدة، هي هنا طائفية ومذهبية، تغدو أي أيديولوجية من
هذا الصنف وصفة للتفكيك لا للتوحيد. ولا يمكن أن يركن السوريون للحم دولتهم بالأيديولوجية الوطنية الليبرالية؛ فالجمهورية العربية السورية لا تتطابق، في جغرافيتها، مع جغرافية الوطن السوري الجريح. وهي متعددة المراكز الجهوية المتقاطعة مع تنوّع المجتمعات المحلية، وارتباطاتها المجاورة، مما يجعل الأيديولوجية الوطنية الليبرالية، هنا، هي، أيضاً، تفكيكية. ولا يمكن، في أحسن الأحوال، تصوّر ديموقراطية ليبرالية في سوريا تزيد في إنتاجيتها على الديموقراطية الطوائفية في لبنان. يعني ذلك استحالة الدولة واستحالة الجيش الوطني الفاعل
واستحالة الاستقلال. كذلك، فإنّ التركيب الاجتماعي السياسي السوري المعقد في فئاته الطبقية وتقاطعاتها العصبية والجهوية والإقليمية، لا تسمح بصراع طبقي صاف في ظل الليبرالية الاقتصادية التي تعمل هنا كآلية إفقار وتهميش وتفتيت بين العصبيات لا فوقها.هذه اللوحة هي التي انتجت بالأساس الحركات البعثية والقومية والشيوعية في سوريا، بوصفها إجابات عن سؤال الدولة والوحدة والدور. ولأنّ البعثيين قدموا صيغة ايديولوجية تمثل ضفيرة من العلمانية الوطنية والعروبة والاشتراكية، فقد تمكنوا من حكم سوريا، وهمّشوا الشيوعيين والقوميين، في حين حكمت
اللوحة الاجتماعية السياسية السورية نفسها على الإخوان المسلمين السوريين بالفشل التاريخي، وحوّلتهم إلى جماعة متعصبة ودموية ومرتبطة بالاستعمار والرجعية الخليجية على طول الخط. وهي لن تستطيع، تحت أي ظرف، أن تقدم إطاراً أيديولوجياً مطابقاً لاحتياجات الدولة السوريا، ولن يعدو دورها إلا أن يكون جزءاً من ماكينة التقسيم أو في أحسن الأحوال جزءاً من التمثيل السني في شبه دولة تقوم على المحاصصة الطائفية والمذهبية. إنّ الطريق المفضي إلى قيادة دولة وطنية في سوريا مغلق مسبقاً أمام أي منظمة أصولية بحكم تكوينها. وهذا هو السبب الجوهري في أنّ
الإخوان السوريين، رغم كونهم القوة الرئيسية المدعومة في المعارضة السورية، ورغم ما يتمتعون به من دعم خليجي وصلات دولية، عاجزون عن صياغة خطاب وطني موجه إلى سوريا موحدة، مثلما هم عاجزون عن تشكيل الثقل اللازم لتوحيد المعارضة السورية التي لا توجد بين صفوفها، بحكم التكوين السوري نفسه، قوة مركزية تشكّل بديلاً ممكناً للنظام السوري الذي، على أخطائه وخطاياه، لا يزال قادراً على تقديم إطار وطني موحد للسوريين.لقد تمكن الرئيس الراحل حافظ الأسد من توليف الصيغة الأيديولوجية البعثية بظلال شديدة المرونة والواقعية من الاشتراكية
السوفياتية والقومية السورية، ووحّد السوريين وراء دور إقليمي طموح انعقد على متلازمة البراغماتية المقيدة بالاستقلال والصراع الحتمي مع إسرائيل. وقد اختلّت هذه الصيغة المعقدة في عهد الوريث لصالح صيغة متناقضة من اللبرلة الاقتصادية في الداخل والتشدد في الخارج. وهي صيغة انفجرت عندما اجتمعت عليها ايديولوجية «الربيع العربي» ــ وهي خليط ديماغوجي من الليبرالية السياسية والأصولية الإسلامية والعدمية القومية ــ جنباً إلى جنب مع الخطط الانتقامية المعدّة مسبقاً ضد سوريا بسبب دورها في المقاومة، وهوس الخليج بالتخلص من آخر مركز للقومية
العربية، ومتطلبات التوسع الإقليمي للبرجوازية التركية التي أعادت اكتشاف ضرورة العثمنة كإطار أيديولوجي سنّي للمجال الحيوي التركي.الرابطة الأيديولوجية اللاحمة ليست خياراً في سوريا، وإنما قدر البلد والدولة. المعارضة، بأجنحتها الأصولية والليبرالية، عاجزة وستظل عاجزة عن تكوين خطاب وطني، بينما النظام الحاكم لا يزال متردداً، لكنّه يستطيع مع حلفائه الشيوعيين والقوميين السوريين أن يضفر الرابطة الأيديولوجية المطابقة لاحتياجات الدولة، عروبية ولكن مشرقية، علمانية ولكن وطنية وتراثية، واشتراكية ولكن ديموقراطية

التعليقات