كيف وصل البكر الى رئاسة الجمهورية العراقيه ؟ والبكر كان لايفقه بالعلوم العسكرية شيئا

غزة - دنيا الوطن
17 تموز انقلاب عسكري وليس ثورة لان الثورة تشترك فيها الجمــاهير اما في 17 تموز فكانت الدبابة هي التي اقتحمت قصر عبد الرحمن عارف وفي اطار نهجها بكشف المخفي والمستور من تأريخ البعث وجلاوزته الذين حكموا العراق بالحديد والناار على مدى (35) عاماً وما زالت آثار السياط بادية على ظهور العراقيين وما زالت المقابر الجماعية أدلة وبراهين على دموية البعث وسياسيته الوحشية .

وفتحت مصادر اعلامية صفحات مطوية من هذا التأريخ الاسود للبعث بقلم الكاتب علاء الدين الطاهر.. واكدوا انهم واثقون أن ثمة تساؤلات كثيرة تريد الاجيال معرفتها منها : كيف وصل البكر الى رئاسة الجمهورية وهو لا يفقه بالعلوم العسكرية وما هي اسباب وظروف وملابسات انقلاب 17 تموز الاسود وغيرها من الحقائق التي نتركها لكي تقرأوها بدقة وعناية .

ولد احمد حسن بكر التكريتي في تكريت لاب كان يعمل قاطعا للتذاكر في السكك الحديدية وبعد ان انهى الدراسة المتوسطة التحق بدورة معلمي الدراسة الابتدائية حيث عمل معلما ريفيا في المدارس الابتدائية في منطقة تكريت لمدة ستة اعوام التحق بمساعدة مولود مخلص بالدورة السابعة عشر في المدرسة العسكرية والتي لم تشترط انهاء الدراسة الثانوية للدخول فيها، وتخرج منها بعد تسعة اشهر.

لم يفلح البكر بعدها في الحصول على الشهادة الثانوية رغم محاولاته المتكررة وبقي محدود الثقافة والمعرفة ومن الغريب ان تدعي الباحثة الاميركية فيبي مار بأن البكر انهى دراسة الحقوق في جامعة بغداد في فترة تقاعده بين عام 1964 وانقلاب 1968!!لم يترك البكر اثرا يذكر في خدمته العسكرية الاولية حيث يتذكره جرجيس فتح الله عندما التحق بدورة الضباط الاحتياط خائفا من آمر الدورة ويخشى منه تأخير ترفيعه.

ولم يشارك البكر في حرب فلسطين والتي اعطت للعديد من الضباط العراقيين الذين برزوا في الحرب نوع من "الشرعية" للتدخل في السياسة فيما بعد كما لم يحصل على شرعية بديلة او مساندة مثل شهادة الاركان او قيادة وحدات عسكرية كبيرة او المشاركة في عمليات الجيش القتالية.. فقد بقي البكر ضابطا خاملا دون اي تاريخ عسكري.وصل المقدم احمد حسن البكر الى المسيب في اواسط الخمسينيات ليعمل آمرا لسرية في الفوج الثاني للواء الاول.

وكان كل طموحه ان يترفع الى رتبة عقيد والتي كان من شروطها ان يكون الضابط قد تولى قيادة وحدة فعالة وحتى وهو في هذا المنصب الصغير نسبيا لم تبرز له اية مواهب عسكرية وقد قال لي آمره في تلك الفترة عبدالوهاب الامين بأنه كان في امكان اي ضابط برتبة ملازم اول او رئيس (نقيب) في الجيش العراقي ان يقوم بواجب افضل مما قام به البكر وكان البكر يتملص من حضور التدريبات الليلية ويذهب الى بيته..!! عاد البكر بعد ترفيعه الى بغداد كما كان يرغب حيث قضى فيها معظم خدمته العسكرية شاغلا مناصبا ليس له اهمية وفي المسيب ترك انطباعا جيدا عن طيبته وبساطته وكان يقضي معظم اوقاته مع بعض الضباط المتدينين مثل محمد فرج والذي قام بإعدامه في كانون الثاني 1970 او بعض الضباط المسلكيين (من الذين تدرجوا من مسلك الجندية الى رتب الضباط). لكنه ترك انطباعا بعدم نظافة ملبسه وهندامه.

وقد اخبرني د. وليد التميمي بأنه للبكر صورة مع والده في تللك الفترة توضح بلا ادنى شك وساخة ياقة قميص البكر وكان البعض يطلق عليه كنية "ابو ياخة الوسخة"!! ورغم ان البكر اعتبر عضوا في تنظيم الضباط الاحرار إلا ان الكثير من الشكوك تثار حول هذه العضوية.. فقد نفى لي الاستاذ عبدالوهاب الامين ان يكون البكر قد انتمى الى حركة الضباط الاحرار وهو ما سمعته ايضا من والدي (عبدالجبار عبدالكريم) الذي قال ان البكر كان ينقل الوصايا والتعليمات لهم عن طريق صديقه عبدالسلام عارف لان البكر لم يكن للاسباب اعلاه ضابطا تحوم حوله الشبهات.

ويؤيد هذا جاسم كاظم العزاوي في مذكراته حين يعتبر البكر من المؤيدين للحركة وليس من اعضائها مثلما كان ناظم الطبقجلي وعبدالعزيز العقيلي كما قام فؤاد عارف بمهمات مماثلة لمهمات البكر دون ان ينتمي فؤاد عارف الى التنظيم‎ وهناك شئ من هذا القبيل عن احمد حسن البكر في موسوعة خليل ابراهيم حسين عن ثورة 14 تموز لكن من المسلم به ان البكر كان معاديا للنظام الملكي وكان يحمل نفس المشاعر السياسية التي حملها الضباط الاحرار.

بعد ثورة 14 تموز حاول عبدالسلام عارف تعيينه آمرا للواء العشرين لكن عبدالكريم قاسم عارض هذا الاختيار بسبب عدم صلاحية البكر واختار بدلا منه ضابط الركن هاشم عبدالجبار لكن عبدالكريم قاسم وافق بعد الحاح عبدالسلام عارف على تعيين البكر آمرا لاحد افواج اللواء العشرين وبعد عزل عبدالسلام عارف حاول البكر القيام يإنقلاب عسكري لكن المحاولة اكتشفت قبل تنفيذها وتم اعتقال البكر وصادف ان يزور والدي البكر في نفس اليوم فوجد حارسا يقف على الباب ويحمل بندقية.. سأل الحارس والدي عن الشخص الذي يريد مقابلته فأجابه والدي « احمد حسن البكر» فسمح له بالدخول.

وعندما دخل والدي على البكر قال له مازحا :صرت آمر فوج وعندك حرس على الباب يمنع دخول الضباط عليك فماذا ستفعل لو صرت رئيسا للوزراء؟ وبقى البكر اثناء الزيارة يتصرف وكأن شيئا لم يكن وعند خروج والدي من غرفة البكر تقدم اليه احد ضباط الاستخبارات العسكرية طالبا منه الحضور للتحقيق معه.. عندها عرف والدي بأن البكر كان معتقلا في غرفته بسبب محاولة انقلابية.

واثناء مكوث البكر في المعتقل احتك ببعض الضباط البعثيين المعتقلين معه وكان حزب البعث يبحث عن ضباط برتب كبيرة فوجد في البكر ضالته وفي الوقت نفسه وجد البكر ضالته في حزب البعث حيث لم يكن يتوقع لنفسه مكانا بين ضباط اكفأ وأشهر منه في التنظيمات العسكرية المعادية لحكم عبدالكريم قاسم كما كان الجناح المدني لحزب البعث يتألف من شباب لا يزالوا في الكليات والمدارس او تخرجوا منها حديثا وبهذا اصبح البعث والبكر توأما سياميا يخدم كلا منه الطرف الاخر في سبيل الوصول الى السلطة ولهذا تجد في مجلس وزراء البكر معلمي الدراسة الابتدائية ممن لم ينهوا الدراسة الثانوية او من المطرودين والفاشلين في دراستهم الجامعية او يحوي نائب ضابط او بائعا للثلج لم ينه الدراسة المتوسطة.. فبين امثال هؤلاء وامثالهم فقط صعد نجم البكر وارتفع.

بينما لم يكن للبكر احترام يذكر بين قادة الضباط او المتعلمين من السياسيين العراقيين على عكس ما ذكره سمير الخليل ( كنعان مكية ) في "جمهورية الرعب" بأن البكر كان من الضباط الاحرار ذوي الاحترام العالي لكن محاولة البكر الانقلابية الاولى ضد عبدالكريم قاسم منحته رصيدا كبيرا عند الضباط القوميين.. اصبح البكر رئيسا للوزراء بعد نجاح انقلاب 8 شباط وظهر ولائه الضيق لابناء منطقته.

وشارك مع غيره من الضباط البعثيين مثل طاهر يحي التكريتي ورشيد مصلح التكريتي وحردان التكريتي وسعيد صليبي مع عبدالسلام عارف في الانقلاب على حزب البعث في 18 تشرين الثاني 1963 حيث اصبح نائبا لرئيس الجمهورية كما التحق قريبه صدام حسين التكريتي للعمل في دار الاذاعة العراقية مؤيدا للانقلاب لكن وزير الثقافة والارشاد الجديد عبدالكريم فرحان امر بطرده ورفض مقابلته عندما جاء يتوسط لعودته الى الوظيفة.ولم تمض ثلاثة شهور على الانقلاب عندما استقال البكر مكرها من هذا المنصب وبضغط من عبدالسلام عارف.

وعاد بعدها الى حزب البعث وشارك في محاولة انقلابية في خريف 1964 واعتقل في حينها لفترة وجيزة حيث افرج عنه بعدما الح عبدالكريم فرحان وسعيد صليبي بالافراج عنه واعتمادا على ما قاله لي مصدر موثوق فإن هذا الافراج تم بعد وساطة عارف عبدالرزاق المباشرة واعلن البكر عندها اعتزال السياسة والانصراف لتربية اولاده كما اعلن برائته من حزب البعث وبعد انقلاب 18 تموز 1968 قام البكر بإعتقال عبدالكريم فرحان والذي تعرض مع طاهر يحي التكريتي وغيره من ضباط وسياسيي العهد العارفي الى ابشع الوان التعذيب وعندما سنحت لفرحان الفرصة اخبر عائلته بما كان يتعرض له من تعذيب طالبا منها اخبار المسؤولين حيث اعتقد ان القيادة السياسية لم تكن تعرف بما كان يتعرض له السجناء.

ناظم كزار

بعدها جاء ناظم كزار والذي كان يشرف على التعذيب الى المعتقل ليشتم المعتقلين ويعرضهم الى الوان جديدة من العذاب بسبب الشكوى التي اوصلوها الى البكر وفي الواقع كان البكر مصمما على البقاء في السلطة هذه المرة مهما كان الثمن.. فقد قال لطالب شبيب بعد الانقلاب بأنه سيذبح هيثم (ابنه) اذا اقتضى الامر.

ورفض البكر وساطة احد الوزراء السابقين للافراج عن طاهر يحي وبعض وزرائه قائلا :احنا عاضينها (أي السلطة) بسنونا اما وصول البكر الى السلطة في عام 1968 فكان ثمنه بخسا وبسيطا.. فعلى الرغم من ان البكر وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي كانوا يخططون لامر ما (حدثت لقاءات عديدة بين الثلاثة) إلا ان البكر لم يكن يملك القوة العسكرية للقيام بإنقلاب عسكري ما عدا لواء مدرع في منطقة الرمادي يسيطر عليه حماد شهاب التكريتي والذي كان يلعب ايضا على حبل رئيس الوزراء طاهر يحي التكريتي كما اثبتت محاولة عارف عبدالرزاق الانقلابية في 30 حزيران 1966 صعوبة اسقاط نظام عبدالرحمن عارف دون السيطرة على لواء الحرس الجمهوري والقطعات العسكرية في بغداد.فضلا عن ان البكر قال لوالدي في عام 1966 بأن الناس لم تنس ما فعله حزب البعث عام 1963.

لكن الفرصة سنحت عندما اتصل عبدالرزاق سعيد نايف بحردان التكريتي بعد ان فشل نايف في ايجاد من يوافق على شروطه من الضباط الكبار للمشاركة في انقلاب عسكري.تلهف البكر ووافق على كل شروط عبدالرزاق نايف وشريكه في الانقلاب آمر لواء الحرس الجمهوري ابراهيم عبدالرحمن داود.

ولم يمضي اسبوعين على الانقلاب حتى غدر بهما البكر وتمكن من السيطرة مع اعوانه على السلطة ورغم احترام البكر الظاهري للمؤسسة العسكرية إلا انه سحق بأقدامه القوانين العسكرية والانظمة.. فقد منح للبعثيين المدنيين رتبا عسكرية عام 1963 ووافق مع غيره من قادة البعث على ترفيع عبدالسلام عارف من رتبة عقيد الى مشير وصالح عماش من مقدم الى فريق وحردان التكريتي من مقدم الى زعيم ( عميد ) وقد احتسب لنفسه ولبقية ضباط الانقلاب فترة الاحالة على لتقاعد في عهد عبدالكريم قاسم خدمة لغرض التقاعد والترفيع وبهذا حصل هو ورشيد مصلح وطاهر يحي وغيرهم من ضباط الانقلاب على رتبتين او ثلاثة اعلى.

وبعد انقلاب 1968 وافق على ترفيع ابراهيم عبدالرحمن داود من رتبة مقدم الى فريق وحردان التكريتي الى رتبة فريق وعماش الى رتبة فريق اول مع احتساب فترة التقاعد في العهد العارفي خدمة لغرض التقاعد وشملت هذه القرارت كل الضباط البعثيين وقام البكر بترفيع حماد شهاب التكريتي الى رتبة فريق من رتبة عميد ومنح رتبة فريق اول للرائد سعدون غيدان كما منح رتبة نقيب لسائقه العريف والذي اخذ يترفع مع بقية الضباط وفي عام 1976 منح صدام حسين رتبة فريق اول لكن البكر نفسه بدا بعد الانقلاب متعففا عن منح الرتب لنفسه بل خدع الناس عندما ظهر برتبة عميد (مع انه رفّع نفسه عام 1963 وهو يشغل منصب رئيس الوزراء المدني الى رتبة لواء) لكن هذه الخديعة لم تستمر طويلا.. فلم يمض شهران على الانقلاب حتى منح نفسه رتبة المشير بعد تسميتها بـ "المهيب" وكان سبب هذه التسمية الجديدة النكات التي كانت تطلق على عبدالسلام عارف مثل "المشير الفطير".

التعليقات