مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج معقل الإفلات من المحاسبة والعقاب يتحدى سلطة رئيس الحكومة المغربي
الرباط - دنيا الوطن
بعدما أجبرت جميع المدرسين التابعين لها بالمهجر على تحمل قانون الغاب خلال عقدين من الزمن، دون أي اعتراض أو احتجاج من طرف السلطات المغربية ذات الاختصاص، تبدو مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج وكأنها تحولت بقدرة قادر إلى إدارة نافذة تمكنت دون غيرها من التملص من عواقب البند الأول من الدستور المغربي الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، و تمكنت بسياسة الظل في فرض مفهوم القوة في علاقاتها مع المؤسسات السياسية والإدارية المغربية.
أصبحت هذه المؤسسة، أكثر شهرة من غيرها، لكونها استطاعت أن تورث للحكومات المغربية المتعاقبة تدبيرا إداريا كارثيا بكل المقاييس القانونية والتنظيمية، متحدية بذلك مقتضيات الدستور المغربي وخصوصا تلك التي جعلت من محاربة الفساد واقتصاد الريع إحدى ركائزها. والمثير للغرابة، هو أن المؤسسة لم تكتف بالتملص من المساءلة والمتابعة فقط، بل تمكنت كذلك من تلميع وتسويق صورتها ومن الحفاظ على مكانة متألقة غير مبررة ضمن الأوساط المؤسساتية المغربية، وذلك بالرغم من انتقادات وشكاوى المدرسين المغاربة بالخارج، أول ضحايا تدبيرها المفجع لملف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية بالخارج.
هذا وتمكنت كذلك المؤسسة من إقحام نفسها بين المؤسسات الاستراتيجية المغربية التي تدخل صلاحيات تعيين مسؤوليها ضمن اختصاصات المؤسسة الملكية. غير أن شروط هذا التعيين أربكت حساباتها وخيب آمالها بشكل عارم لأنها تنبني أساسا على مقترح ترشيح يهيئه الوزير الوصي، ويتقدم به السيد رئيس الحكومة إلى ملك المغرب، خلال جلسة مجلس الوزراء. وقد راهنت المؤسسة طويلا على قدراتها التأثيرية في القرار السياسي والإداري المغربي بحكم تواجد رئيسها المنتدب بمقربة من مراكز السلطة.
وفي الواقع، لم يثر لها تدبيرها المأساوي لملف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية بالخارج أدنى نبرة عتاب محتمل، إذا ما استثنينا ما يقوم به أساتذة الجسم التعليمي المغربي بالخارج من تحركات واحتجاجات، في هذا المضمار، داخل وخارج الوطن. وما يبعث على القلق هو ما يروج في الأوساط المغربية العليمة من أخبار تفيد أن المؤسسة لازالت مصرة على الاستمرار في تدبيرها لهذا الملف، وأنها تشتغل وتعمل كأن شيئا لم يحدث، وكأن رغبتها ستحقق دون شك.
ومن زاوية أخرى، وفي نفس السياق، أدلت المؤسسة مؤخرا، بشهادة غير مباشرة عبر وسائل الإعلام المغربية، حاولت من خلالها طمأنة مدرسيها بالخارج من جهة، وتغليط النخبة السياسية والرأي الوطني المغربي من جهة أخرى، حيث أفصحت للجميع عن الخطوات التدبيرية التي اتخذتها لحلحلة مشاكل الجسم التعليمي المغربي بالخارج. ويبدو أنها لجأت لهذه الخرجة الإعلامية خصيصا للتقليل من مسؤولياتها في الكارثة التدبيرية وللتبخيس من جسامة الضرر وخطورة التجاوزات والخروقات التي يشتكي منها المدرسون التابعون لها من ناحية، ولالتفاف على مطالبهم الحقيقية من ناحية أخرى. هذه المطالب التي تعتبر حقوقا مشروعة تضمنتها قرارات اللجنة المختلطة ورسالة وزير المالية رقم 13-57، المؤرخة بتاريخ 19 مارس 2010، استنادا إلى قانون الوظيفية العمومية والنصوص التشريعية والتنظيمية المكملة له.
هذا ولخصت المؤسسة المعضلة في عائق تقني أدى إلى تأخير الدفعة الثالثة من متأخرات مستحقات الترقية عن الأجل المحدد لأدائها. وكأن المشكلة تنحصر في الأداء فقط! لقد قدمت المؤسسة تأجيل أداء مستحقات الترقية وكأنه قطب الرحى وتكتمت عن الأساس، يعني الانتهاكات الجسيمة لحقوق الموظفين المغاربة بالخارج التي يعاني منها الجسم التعليمي المغربي بالمهجر منذ 1992، سنة تولي مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج تدبير هذا الملف الاستراتيجي في صنع وصيانة الهوية الوطنية والثقافية والعقائدية المغربية بالمهجر.
أصبح هذا التدبير مصدرا للكثير من التناقضات: فهو مستساغ، من جهة، لدى مجموعة الظل من المتواطئين مع المؤسسة وأصحاب المصالح، وتطاول ، من جهة أخرى، على اختصاصات الغير بالنسبة للمعنيين وبعض المتدخلين الغيورين عن سمعة الوطن وكرامة المدرس المغربي بالخارج. ورغم كل محاولاتها الهادفة إلى تكميم أفواه الضحايا، وقطع أرزاقهم بسيف الطرد التعسفي المغلف بإنهاء المهام خارج القانون الإداري، ريثما تتم عملية تغليط باقي الأطراف المعنية بالملف كوزارات الخارجية والهجرة والمالية والتربية، فإن المؤسسة تتواجد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في وضعية أقرب من الامتثال أمام السلطات العليا للبلد بتهمة سوء التدبير وإهدار المال العام.
وفي أجواء أخرى بعيدة عن الساحة العمومية، تتباحث أدمغة خفية حول أفضل السبل لتمكين مؤسسة الحسن الثاني للمغارية المقيمين بالخارج من الاستفادة من نقاط ضعف السيد رئيس الحكومة بهدف السماح لها بالاستمرار في وضعية لا حسيب ولا رقيب. وفي الوقت نفسه، وبالموازاة مع هذه المحاولات السرية، تدور، خلف الأبواب المغلقة في المغرب، مشاورات سياسية وإدارية أخرى بشأن إمكانية سحب هذا الملف من المؤسسة ومتابعة المسؤولين عن الكارثة التدبيرية أمام القضاء. هناك تطاحن في هذا الشأن بين حكومة الظل والمؤسسات الرسمية.
لقد تمكنت مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج من قضاء سنوات عديدة في وضعية الإفلات من المحاسبة والعقاب، بعيدة عن التحولات السياسية والاستحقاقات المؤسساتية، غير معنية بالشكوك التي تحوم بخصوص كفاءات ومهارات مواردها البشرية، وغير مبالية بالتساؤلات حول مدى جاهزيتها بخصوص تدبير ملف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية في شقيه الإداري والبيداغوجي. ومع مرور الوقت، وتعدد، وتزايد، واختلاف التراكمات، بدأت الاستفهامات تطرح نفسها بحدة والاشتباهات تطفو، شيئا فشيئا، على الساحة العمومية المغربية وتحديدا لدى الفرقاء الاجتماعيين وهيئات المجتمع المدني ذات الاختصاص على مستوى الرصد. وهذه علامة من العلامات الأولية التي توحي بقرب تفشي حقيقة صادمة ظلت متخفية عن الأنظار منذ عقدين من الزمن، لا يكتوي بنارها سوى الأستاذ المغربي بالخارج الذي لم ينقطع صوته من التذمر والصراخ.
ويظل السؤال المحرج إلى اللحظة الراهنة، هو ماذا سيفعل رئيس الحكومة في هذا الإطار؟ هل سيستمر في سياسة النعامة المتبعة من طرف الحكومات السابقة أم سيستفيد من مقتضيات الدستور المغربي الجديد التي خولته صلاحيات واسعة بهدف تمكينه من تطبيق مبدئ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أظن أن المعادلة واضحة، خصوصا إذا علمنا أن النقطة 157 من الفقرة 2 من الفصل 5، من البرنامج الانتخابي لحزب رئيس الحكومة، تنص حرفيا على إعادة النظر في هيكلة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج أو حلها. وهذه فرصة سانحة قد تسمح للسيد عبد الإله بنكيران بضرب عصفورين بحجر واحد، يعني تنزيل الدستور الذي صادق عليه الشعب المغربي و في نفس الوقت، تنفيذ برنامج حزبه الانتخابي الذي صوت لصالحه الشعب المغربي بأغلبية صريحة.
لقد حل موسم القطاف ولم يبق لرئيس الحكومة أي خيار سوى إعداد تقرير، في موضوع تدبير ملف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية بالخارج، وإحالته على المؤسسة الملكية أو القضاء المغربي، إن تم الاقتناع بحقيقة التعسفات الإدارية التي تمارس باستمرار على الجسم التعليمي المغربي بالخارج. تعسفات أصبحت تتأكد بشكل متصاعد بين الأوساط السياسية والإدارية المغربية بعدما سوقتها المؤسسة، خلال سنين متعددة، بمثابة إشاعات يروجها بعض الأساتذة المتمردين من خارج الوطن كمعطيات مغلوطة. هل سيكون السيد عبد الإله بنكيران في مستوى السلط المخولة له دستوريا؟ هذا هو الرهان الحقيقي، رهان مستقبل المغرب وطنا ومؤسسات، مواطنين ومواطنات. رهان تطبيق واحترام الدستور الذي هو فرض عين على جميع المواطنين، كل من زاويته، ورئيس الحكومة أكثر من أي واحد!

التعليقات