جزائريات يتوغلن في عمق الصحراء للعمل
الجزائر - دنيا الوطن
في الجزائر يعتبر اقتناص وظيفة في الصحراء، بالشركات النفطية الأجنبية تحديدا، فرصة لا تعوض في "الكولورداوا" التي تدر ذهبا أسود للجزائريين، غير أن الأمر يختلف إذا تعلق الأمر بالمرأة. ورغم ذلك اختارت الكثيرات خوض مغامرة "التغرب" في وطنهن للعمل في ظروف لا تغري حتى الرجال.
سعاد، حاملة شهادة ليسانس في اللغة الإنكليزية، وابنة مدينة بجاية بمنطقة القبائل في الشرق الجزائري، كانت من بين من اخترن خوض التجربة قبل سبع سنوات، تاركة رمال بحر مدينتها جوهرة الساحل الجزائري، لتعانق رمالا ملتهبة تحت أشعة شمس حارقة لا تقل عن 50 درجة تحت الظل، بمدينة إليزي الواقعة على بعد 1500 كيلومتر جنوب الجزائر.
وعن تجربتها تقول سعاد لـ"العربية.نت": "حلمت دائما بتطوير ذاتي والتمكن أكثر في لغتي الإنكليزية، وهو ما لم تتحه لي تجربتي في التدريس بمدينتي، خاصة مع الإضرابات التي عرفتها منطقتي منذ سنة 2001".
وتؤكد سعاد أن عائلتها باركت قرارها، فهي ابنة عائلة متعلمة، تنحدر من أصول نبيلة ومتدينة، من سلالة المجاهدة لالا فاطمة نسومر، معلقة "المبادئ التي نشأت عليها كانت كفيلة بحمايتي بعيدا عن سقف بيتي".
وتعمل سعاد حاليا بشركة نفطية كندية في تخصص الأمن الصناعي، تشتغل لعشر ساعات في اليوم، وغالبا ما يبدأ يومها في الخامسة صباحا، فحياتها مختزلة بين قاعدة الحياة أين تعيش، وبين المكتب.
ورغم العمل المضني تقول إنها لا تهتم مادامت قد حققت هدفها، وهو إثبات ذاتها، كما اكتسبت كفاءة من خبراء أجانب رشحتها لتلقي عدة عروض عمل خارج البلاد.
تضيف: "يردد المسؤولون دائما أن مشاريعنا نحن الفتيات وتيرتها أسرع من زملائنا الذكور، لكن بالنسبة لهؤلاء نحن فقط مجرد فتيات باحثات عن الحرية بعيدا عن قيود العائلة، أو أننا أخذنا فرصة يستحقها بني جنسهم".
وتستعد سعاد قريبا لخوض تجربة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية، مضيفة: "سأتبع طموحي حيث يقودني".
مليكة.. صمدت حين استسلم الرجال
وإن كانت سعاد قد وجدت كل الإمكانيات في قاعدة الحياة لتثبت ذاتها، لم يكن الأمر سهلا على مليكة عبيبسي ابنة مدينة بسكرة المهندسة في تخصص الري عندما حلت بولاية إليزي قبل عقدين، على بعد 1000 كيلومتر عن مسقط رأسها، لتشتغل في ظروف قاهرة ومدينة لم تكن تتوفر فيها أدنى شروط الحياة وقتها.
تقول مليكة لـ"العربية.نت": "لم يكن تواجدي في اليزي خيارا في البداية، إنما آخر حل بعد أن عجزت عن إيجاد وظيفة بمدينتي، قبل أن ترشحني الجامعة رفقة مجموعة من زملائي الذكور للعمل في محطة الصيد البحري وتربية المائيات بولاية إليزي، لم يكن الأجر مغريا، لكني أردت رفع التحدي، فأنا درست لأعمل لا لأضع شهادتي في الأدراج".
استقرت مليكة بالولاية رفقة والدها الذي تخلى عن عمله ليقف إلى جانبها هناك حين تمتد الرمال على مد البصر، في أرض مقفرة إلا من بعض البيوت القديمة، وبلا وسائل نقل، لكن احتضان أهل المدينة للوافدة الجديدة زاد من عزمها.
تضيف: "لم يكن الأمر سهلا، فبعكس أهل المدينة حاول بعض المسؤولين قتل عزيمتي منذ البداية، فكروا أنه لا يمكنني الصمود في مثل تلك الظروف، فأنا أول امرأة مهندسة تصل المنطقة، لكن الوقت أتبث العكس، فكل الزملاء الذين رافقوني عادوا أدراجهم، ولم يبق غيري، كان صعبا عليهم تحمّل قساوة الطبيعة وقلة الأجر والبعد عن الأهل".
إصرار وتحدي مليكة لم يذهبا سدا، فقد حققت أكثر مما كانت تحلم، وهي اليوم رئيسة المحطة التي وصلتها يوما شابة غريبة دون تجربة، ولا تفكر حتى في مغادرة الولاية: "وجدت راحتي في هذه المدنية الهادئة، وهنا نمى طموحي الذي سقيته بعرق جبيني، ولن أغادر مادامت لدي نفس الرغبة في العمل والقدرة على التغيير.. هنا يحتاجون لشهادتي أكثر من أي مكان آخر".
فاطمة.. لغة فولتير في عقر دار الطوارق
أما فاطمة ابنة 22 ربيعا، التي تخرجت حديثا بشهادة ليسانس في اللغة الفرنسية، فلم تضيّع الوقت كثيرا في البحث عن عمل بعد تخرجها، لتنتقل من ولايتها تيسمسيلت شمال غرب الجزائر، إلى ولاية تمنراست، عاصمة الطوارق، 2000 كيلومتر جنوبا، بعد نجاحها في مسابقة توظيف منذ سنة تقريبا.
وتحدثت فاطمة عن تجربتها لـ"العربية.نت" قائلة: "ليس سهلا الحصول على وظيفة كأستاذة لغة فرنسية في الشمال، بعكس المناطق الصحراوية، ولأنني بحاجة لتدعيم سيرتي الذاتية كأستاذة مبتدئة لم أفكر كثيرا لاتخاذ قرار التوجه إلى ولاية تمنراست، ولو أني ما كنت لأخوض التجربة لو لم يكن شقيقي العسكري يقيم بنفس المدينة".
ورغم قساوة الطبيعة وعزلة المنطقة وقلة وسائل النقل، وغلاء تكاليف المعيشة بالمقارنة مع الشمال، وكذا عدم تقاضيها لأجرتها منذ 7 أشهر، تؤكد فاطمة أنها لن تغادر المدينة إذ لم تأتها فرصة عمل في ولايتها، "فهي مرحلة وستمر المهم أن أكتسب الخبرة".
وتضيف: "لم أجد صعوبة في الاندماج، هنا بعكس الشمال، تحظى المرأة في مجتمع الطوارق باحترام كبير إلى درجة التقديس، ولا تراقب حركاتها فلها مطلق الحرية، لهذا أشعر بالأمان هنا".
في الجزائر يعتبر اقتناص وظيفة في الصحراء، بالشركات النفطية الأجنبية تحديدا، فرصة لا تعوض في "الكولورداوا" التي تدر ذهبا أسود للجزائريين، غير أن الأمر يختلف إذا تعلق الأمر بالمرأة. ورغم ذلك اختارت الكثيرات خوض مغامرة "التغرب" في وطنهن للعمل في ظروف لا تغري حتى الرجال.
سعاد، حاملة شهادة ليسانس في اللغة الإنكليزية، وابنة مدينة بجاية بمنطقة القبائل في الشرق الجزائري، كانت من بين من اخترن خوض التجربة قبل سبع سنوات، تاركة رمال بحر مدينتها جوهرة الساحل الجزائري، لتعانق رمالا ملتهبة تحت أشعة شمس حارقة لا تقل عن 50 درجة تحت الظل، بمدينة إليزي الواقعة على بعد 1500 كيلومتر جنوب الجزائر.
وعن تجربتها تقول سعاد لـ"العربية.نت": "حلمت دائما بتطوير ذاتي والتمكن أكثر في لغتي الإنكليزية، وهو ما لم تتحه لي تجربتي في التدريس بمدينتي، خاصة مع الإضرابات التي عرفتها منطقتي منذ سنة 2001".
وتؤكد سعاد أن عائلتها باركت قرارها، فهي ابنة عائلة متعلمة، تنحدر من أصول نبيلة ومتدينة، من سلالة المجاهدة لالا فاطمة نسومر، معلقة "المبادئ التي نشأت عليها كانت كفيلة بحمايتي بعيدا عن سقف بيتي".
وتعمل سعاد حاليا بشركة نفطية كندية في تخصص الأمن الصناعي، تشتغل لعشر ساعات في اليوم، وغالبا ما يبدأ يومها في الخامسة صباحا، فحياتها مختزلة بين قاعدة الحياة أين تعيش، وبين المكتب.
ورغم العمل المضني تقول إنها لا تهتم مادامت قد حققت هدفها، وهو إثبات ذاتها، كما اكتسبت كفاءة من خبراء أجانب رشحتها لتلقي عدة عروض عمل خارج البلاد.
تضيف: "يردد المسؤولون دائما أن مشاريعنا نحن الفتيات وتيرتها أسرع من زملائنا الذكور، لكن بالنسبة لهؤلاء نحن فقط مجرد فتيات باحثات عن الحرية بعيدا عن قيود العائلة، أو أننا أخذنا فرصة يستحقها بني جنسهم".
وتستعد سعاد قريبا لخوض تجربة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية، مضيفة: "سأتبع طموحي حيث يقودني".
مليكة.. صمدت حين استسلم الرجال
وإن كانت سعاد قد وجدت كل الإمكانيات في قاعدة الحياة لتثبت ذاتها، لم يكن الأمر سهلا على مليكة عبيبسي ابنة مدينة بسكرة المهندسة في تخصص الري عندما حلت بولاية إليزي قبل عقدين، على بعد 1000 كيلومتر عن مسقط رأسها، لتشتغل في ظروف قاهرة ومدينة لم تكن تتوفر فيها أدنى شروط الحياة وقتها.
تقول مليكة لـ"العربية.نت": "لم يكن تواجدي في اليزي خيارا في البداية، إنما آخر حل بعد أن عجزت عن إيجاد وظيفة بمدينتي، قبل أن ترشحني الجامعة رفقة مجموعة من زملائي الذكور للعمل في محطة الصيد البحري وتربية المائيات بولاية إليزي، لم يكن الأجر مغريا، لكني أردت رفع التحدي، فأنا درست لأعمل لا لأضع شهادتي في الأدراج".
استقرت مليكة بالولاية رفقة والدها الذي تخلى عن عمله ليقف إلى جانبها هناك حين تمتد الرمال على مد البصر، في أرض مقفرة إلا من بعض البيوت القديمة، وبلا وسائل نقل، لكن احتضان أهل المدينة للوافدة الجديدة زاد من عزمها.
تضيف: "لم يكن الأمر سهلا، فبعكس أهل المدينة حاول بعض المسؤولين قتل عزيمتي منذ البداية، فكروا أنه لا يمكنني الصمود في مثل تلك الظروف، فأنا أول امرأة مهندسة تصل المنطقة، لكن الوقت أتبث العكس، فكل الزملاء الذين رافقوني عادوا أدراجهم، ولم يبق غيري، كان صعبا عليهم تحمّل قساوة الطبيعة وقلة الأجر والبعد عن الأهل".
إصرار وتحدي مليكة لم يذهبا سدا، فقد حققت أكثر مما كانت تحلم، وهي اليوم رئيسة المحطة التي وصلتها يوما شابة غريبة دون تجربة، ولا تفكر حتى في مغادرة الولاية: "وجدت راحتي في هذه المدنية الهادئة، وهنا نمى طموحي الذي سقيته بعرق جبيني، ولن أغادر مادامت لدي نفس الرغبة في العمل والقدرة على التغيير.. هنا يحتاجون لشهادتي أكثر من أي مكان آخر".
فاطمة.. لغة فولتير في عقر دار الطوارق
أما فاطمة ابنة 22 ربيعا، التي تخرجت حديثا بشهادة ليسانس في اللغة الفرنسية، فلم تضيّع الوقت كثيرا في البحث عن عمل بعد تخرجها، لتنتقل من ولايتها تيسمسيلت شمال غرب الجزائر، إلى ولاية تمنراست، عاصمة الطوارق، 2000 كيلومتر جنوبا، بعد نجاحها في مسابقة توظيف منذ سنة تقريبا.
وتحدثت فاطمة عن تجربتها لـ"العربية.نت" قائلة: "ليس سهلا الحصول على وظيفة كأستاذة لغة فرنسية في الشمال، بعكس المناطق الصحراوية، ولأنني بحاجة لتدعيم سيرتي الذاتية كأستاذة مبتدئة لم أفكر كثيرا لاتخاذ قرار التوجه إلى ولاية تمنراست، ولو أني ما كنت لأخوض التجربة لو لم يكن شقيقي العسكري يقيم بنفس المدينة".
ورغم قساوة الطبيعة وعزلة المنطقة وقلة وسائل النقل، وغلاء تكاليف المعيشة بالمقارنة مع الشمال، وكذا عدم تقاضيها لأجرتها منذ 7 أشهر، تؤكد فاطمة أنها لن تغادر المدينة إذ لم تأتها فرصة عمل في ولايتها، "فهي مرحلة وستمر المهم أن أكتسب الخبرة".
وتضيف: "لم أجد صعوبة في الاندماج، هنا بعكس الشمال، تحظى المرأة في مجتمع الطوارق باحترام كبير إلى درجة التقديس، ولا تراقب حركاتها فلها مطلق الحرية، لهذا أشعر بالأمان هنا".

التعليقات