قضية تشملك شخصياً ج 1 !

قضية تشملك شخصياً ج 1 !
 أيهاب سليم 
الجزء الأول
هل لَديك صديق حميم أو قريب تعزّه كثيراً؟ ماذا لو أتُّهمتَ أنك تحافظ على صداقته لأهداف أنانية؟ ألا يؤلمك ذلك وربما يُثير غيظك؟ في الواقع هذه هي التهمة التي ألصقها الشيطان أبليس بِكُل مَن لديهم علاقة حميمة بالله سُبحانه وتعالى.
 
فَكِر في ما حدثَ حينَ نجحَ الشيطان في جعل الزوجين البشريين الأولين, أدم وحواء , يكسران شريعة الله وينضمان اليه في تمرده على الخالق, فهل عنى ما حدثَ أن البشر لا يبقون طائعين لله الا اذا كانَ ذلك يؤول الى منفعتهم الخاصة ؟

بعد قُرابة 2500 سنة من عصيان أدم وحواء, أثارَ الشيطان أبليس القضية ذاتها مُتهماً هذه المرة رجُلاً أسمه أيوب, وبما أن التُهمة التي وجهها أبليس تُحدد بوضوح ماهية القضية ذات العلاقة فلنتفحّص الان من الرواية في القُران الكريم.
 
- وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ - صدق الله العظيم - سورة الأنبياء أيات 83 و 84.

- واذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ - صدق الله العظيم - سورة ص أيات 41-43.

كانَ ايوب رجلاً مُستقيماً يخاف الله ويحيد عن الشر, وكانَ كثير المال وله أولاد وأهل كثير, وكانَ ملاذاً وملجئاً للناس جميعاً وبيته قِبلة للفقراء لما علموا عنه كونه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيءً, وكانَ لا يطيق ان يرى فقيراً بائساً وبلغ من كرمه أنه لا يتناول طعاماً حتى يكون لديه ضيفاً فقيراً, وفوق ذلك كله أعلى الله مكانته وأختاره للنبوة, لكن الشيطان طعنَ في الدافع وراء أستقامة أيوب.

أفترى الشيطان على العلاقة بين الله عز وجل وأيوب كليهما مُدّعياً بأن أيوب يعبد الله لأنه أعطاه هذا الخير العميم والفضل الكثير من البنين والبنات والأموال فأيوب يعبد الله لذلك وخوفاً على أمواله ولو كانَ فقيراً ما عبد الله ولا سجد له, ووجدَ الشيطان من يسمع له ويصغي لما يقول من وساوس, فتغيرت نظرت الناس الى أيوب وأصبحوا يقولون: أن ايوب لو تعرض لأدنى مصيبة لتركَ ما هو فيه من الطاعة والأنفاق في سبيل الله..ألا ترون كثرة أولاده وكُثرة أمواله وكُثرة أراضيه المُثمرة.. فلو نزع الله منه هذه لتركَ عبادة الله بل سينسى الله, فتحولَ أهل حوران - المنطقة الجنوبية من سوريا حتى شمال الأردن - الى ناقمين على أيوب بعدما كانوا يحبونه حُباً جماً وأصحبوا يرون أيوب من بعيد فيتحدثون عنه بصورة مؤذية.   

رداً على ما أدّعاه الشيطان بأن الله أشترى ولاء أيوب, شاءَ الله بأن يمتحن أيوب وأن يُبين للناس أن أيوب رجلاً صابراً مُحتسباً ولا يَعبده لانه في غنى وعافية, أذ جاءت المصيبة تلو الأخرى, فسرقت كُل مواشي ايوب أو هلكت, وقُتلَ أيضاً الرعاة والفلاحين, فكانَ رد أيوب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
  
وفي اليوم التالي نزلت الصواعق من السماء على أحد حقول أيوب فأحرقت كُل شيء وأصبحت أرض ايوب رماداً, فقالت زوجة أيوب: ما هذه المصائب المتتالية؟! فأجابها أيوب: أصبري يا امرأة..هذه مشيئة الله.

وفي اليوم التالي حدثت مصيبة تتكسر أمامها قلوب الرجال .. لقد ماتَ جميع أولاده البنين والبنات, حيث أجتمعوا في دار لهم لتناول الطعام فسقطت عليهم الدار فماتوا جيمعاً.. وأزدادت محنة أيوب أكثر وأكثر فلقد أبتلى في صحته وانتشرت الدمامل في جسمه وتحول من الرجل الحسن الصورة والهيئة الى رجل يفر منه الجميع.

لم يبقى مع ايوب سوى زوجته الطيبة وأصبحَ منزله خالياً لا مال له ولا ولد ولا صحة, فهل نجحَ الشيطان في أدعاءته؟ كلا ! فعلمَ أيوب زوجته أن هذه مشيئة الله وعلينا ان نُسلم لأمره.

بعد ذلك, حاولَ الشيطان أن ينال من قلب أيوب فأخذَ يوسوس اليه من كُل جانب قائلاً: ماذا فعلت يا ايوب حتى يموت أولادك وتُصاب في أموالك, ثم تصاب في صحتك. فأستعاذ أيوب بالله من الشيطان ففرَ من أمامه, وكذلك فعلت زوجته وطردت وساوس الشيطان وكانَ ايوب لا يزداد مع زيادة البلاء الا صبراً وطمأنينة.

ويأس الشيطان من أيوب وزوجته الصابرين المُحتسبين, فاتجه الى أهل حوران ينفث فيهم الوساوس حتى جعلهم يعتقدون أن أيوب أذنب ذنباً كبيراً فحلت به اللعنة, ونسج الناسُ الحكايات والقصص حول أيوب, وتطور الأمر أكثر حتى ظنوا أن في بقائه خطراً عليهم, وعقدوا العزم أن يخرجوا أيوب من القرية وجاءوا الى منزله ولم يكن معه سوى زوجته, وقالوا له: نحن نظن أن اللعنة قد حلت بك ونخافُ أن تعم أراضينا كلها فاخرج من قريتنا واذهب بعيداً عنا .. فقال أيوب: يا رب سامح هؤلاء على جهلهم..لو كانوا يعلمون الحق ما فعلوا ذلك بنبيهم.

ضاقت الأحوال على أيوب, فقعدَ لا يستطيع أن يكسب قوت يومه, وخرجت زوجته تعمل في بيوت حوران لقاء قوت يومها, وكانت زوجة أيوب تستمد صبرها من صبر زوجها وتحمله, وقد أعدت لأيوب عريشاً في الصحراء يجلس فيه وكانت تخاف عليه من الحيوانات الضالة.

وفي يوم من الأيام..وبينما كانت الزوجة الصالحة خارج البيت .. مرَ رجلان من أهل حوران وكانا صديقين له قبل ذلك, توقفا عند أيوب ونظرا اليه فرأوه على حالته السيئة من المرض والفقر والوحدة, فقال أحدهما: أأنت أيوب .. سيد الأرض ! ماذا أذنبت لكي يفعل الله بك هذا؟! وقال الأخر: أنك فعلت شيئاً كبيراً تستره عنا فعاقبك الله عليه, تألم أيوب وقال بحزن: وعزة ربي أنه ليعلم ببراءتي مما تقولون.

وتحت ضغط الحاجة والفقر, أضطرت زوجة أيوب ان تقص ضفيرتيها لتبيعهما مُقابل رغيفين من الخبز, ثم عادت الى زوجها وقدمت له زغيف الخبز وعندما رأي أيوب ما فعلت زوجته بنفسها شعر بالغضب ولم يأكل رغيفه, ثمَ نظر أيوب الى السماء وقالَ: يارب إنّي مسّني الشيطان بنصبٍ وعذاب .. يا رب بيدك الخير كله والفضل كله وإليك يرجع الأمر كله .. ولكن رحمتك سبقت كل شيء .. فلا أشقى وأنا عبدك الضعيف بين يدك.. يا رب.. مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين.

وهنا أضاء المكان بنور شفاف جميل وامتلاً الفضاء برائحة طيبة ورأى أيوب ملاكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول: نعم العبد انتَ يا أيوب .. إن الله يقرئك السلام ويقول: لقد أُجيبت دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين .. أضرب برجلك الأرض يا أيوب.. واغتسل في النبع البارد وأشرب منه تبرأ بإذن الله.

 غابَ الملاك, وشعرَ أيوب بالنور يضيء في قلبه فضرب بقدمه الأرض, فانبثق نبع بارد عذب المذاق .. إرتوى أيوب من الماء الطاهر وتدفقت دماء العافية في وجهه, وغادره الضعف تماماً.

 خلعَ أيوبُ ثوب المرض والضعف وارتدى ثياباً تليق به يملؤها العافية والسؤدد, وشيئاً فشيئاً.. ازدهرت الأرض من حوله وأينعت, عادت الصحة والعافية.. عاد المال .. ودبت الحياة من جديد.

عادت الزوجة تبحث عن زوجها فلم تجده ووجدت رجلاً يفيض وجهه نعمة وصحته وعافية, فقالت له باستعطاف: ألم ترَ أيوب .. أيوب نبي الله؟! ـ أنا أيوب ـ أنت؟! إن زوجي شيخ ضعيف .. ومريض أيضاً! ـ المرض من الله والصحة أيضاً.. وهو سبحانه بيده كل شيء - نعم.. لقد شاء الله أن يمنّ عليّ بالعافية وأن تنتهي محنتنا !

وأمرها أن تغتسل في النبع، لكي تعود إليها نضارتها وشبابها, فاغتسلت في مياه النبع فألبسها الله ثوب الشباب والعافية.. ورزقهما الله بنينا وبنات من جديد, وعَرِفَ الناسُ جميعًا قصةَ أيوب وأيقنوا أن المرض والصحة من الله وأن الفقر والثراء من الله, غير ان الشيطان لم يكن ليستسلم بسهولة فبعد ذلك مُباشرة عمم الشيطان أدعاءه ليشمل كامل الجنس البشري.  

التعليقات