معا من أجل اعادة الاستعمار الى الجزائر

غزة - دنيا الوطن
منذ كنت صبيا وأنا أسمع الجزائريين يرددون مقولة ليس على صحتها دليل ينسبها مرددوها إلى الجنرال شارل ديغول وهي مقولة: "سوف نعود إلى الجزائر بعد خمسين سنة" وفي رواية أخرى "سوف نعود إلى الجزائر بعد ثلاثين سنة"؛ ولست أعلم علم يقين هل عاد الاستعمار إلى الجزائر أم لم يعد بعد ولكنني أسمع البعض يقول إنه قد عاد والبعض الآخر يتوقع عودته قريبا وفريقا ثالثا يدعي أن الاستعمار لم يغادر الجزائر كي يعود إليها.

قررت من باب السخرية من نفسي ومن سياسيي بلدي الغارقين في لعبة الوصول إلى الحكم والبقاء فيه أن أرفع شعارا أظن الكثيرين منهم يرفعونه اليوم وان لم يعلنوا ذلك صراحة أو حتى إن لم يشعروا بذلك: معا من أجل اعادة الاستعمار الى الجزائر!

لا أملك بصدق جوابا دقيقا شافيا للأسئلة التي طرحتها، وقد زاد من حيرتي أنني أجد اليوم نفس المعارضة التي ظلت توجع رؤوسنا سنوات طوالا بشعارات الولاء والبراء والعمل على اسقاط جنرالات فرنسا وتطهير الجزائر من القواعد الأمريكية في الصحراء التي يبدو أن الجن وحدهم قادرون على رصد مكانها؛ أجد نفس هذه المعارضة تركض اليوم وراء القوى الإقليمية الكبرى من أجل تكرار سيناريو ليبيا مرة أخرى في الجزائر.

رأسي لا توجعني فقط من شعارات المعارضة الجوفاء، بل كذلك من شعارات نظام ظل يزعم أنه الوريث الشرعي الوحيد لثورة 1954 ويجني من وراء هذا الزعم المكاسب السياسية والمالية التي تحولت بها الجزائر الى مزرعة كبرى فيها سادة وعبيد وخيل وحمير؛ وجع الرأس هذا لا يلازمني وحدي بل يلازم كل جزائري لا يجد نفسه ممثلا لا في زمرة النظام ولا في ثلة المعارضة، وأكثر الجزائريين كما أعرفهم لا يرغبون في ممارسة السياسة ولا يطمعون في مناصب الحكم. ما يهم أغلب الجزائريين كما يبدو لي هو أن تكون حكومتهم حكومة راشدة تلبي مطالبهم لا مطالب القوى الإقليمية، ومعارضتهم معارضة شريفة تحقق أهدافها بالتضحيات ولا تأنس للطرق السهلة المُهلكة كعقد الصفقات مع الأجنبي للإطاحة بنظام فاسد مستبد وابداله بنظام فاسد مستبد وعميل.

أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريده هؤلاء:

1- أريد أن يعود الاستعمار كما يريد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يتشبث بحكم منحه اياه الجنرالات توفيق وبلخير رغم مرضه وكبر سنه بل ويسعى الى توريثه لإخوته. بوتفليقة الذي يظن أنه المهدي المنتظر الذي ستسقط الجزائر بسقوطه فيمُن على الشعب الجزائري بإنجازين حققهما في 13 سنة: مصالحة انتقائية أعد لها جهاز المخابرات تمنع علي بلحاج من ممارسة السياسة وتمنح خالد نزار حصانة في الداخل وفي الخارج، وسداد دين ومشاريع فتحت أبواب الفساد على مصاريعها ولم تكن لتحدث لولا ارتفاع برميل البترول.

2- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد عباسي مدني الذي لم يملك شجاعة دعوة الجماعات المسلحة الى التوقف عن قتل الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في صراعه مع النظام، والذي بارك هو وأصحابه ثورة الناتو في ليبيا وانساق وراء الحملات الخليجية الطائفية في سوريا عن غفلة وسذاجة أو عن رغبة شعبوية في ركوب غضب الشارع.

3- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد الجنرال توفيق مدير المخابرات الذي يشبهه بعض الجزائريين بزوجة المفتش كولومبو التي يسمع بها الناس ولا يرونها أبدا؛ مدير مخابرات ليس له إلا صورة واحدة تتداولها كل المواقع بالإضافة الى صورة أخرى نشرها خالد نزار في أحد كتبه، حتى بلغ الأمر بالبعض إلى نشر صورة للجنرال المتقاعد حسين بن معلم والزعم بأنها صورة الجنرال محمد مدين (توفيق). توفيق الذي ضرب القانون والدستور بحذائه العسكري فأصبح يملك صلاحيات لا يملكها رئيس الجمهورية نفسه فيحرك الأحزاب والنواب والضباط والصحفيين من وراء الستار دون أن يستطيع أحد أن يحاسبه على قرار خاطئ أصدره أو على مال مسروق اكتسبه فيظل هو الثابت والكل متحولون.

4- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد المعارض لعربي زيطوط الذي ادعى في قناة الجزيرة أنه ترك الدبلوماسية ليصبح خبازا من أجل وطنه، ولم يذكر للناس أنه يملك في بريطانيا هو وأقاربه ثلاثة محلات على الأقل لصناعة الحلويات الفاخرة لم يفسر للناس مصدرها المالي. زيطوط الذي سافر لليبيا للتآمر مع ثوار الناتو على الجزائر والذي يريد ادخال هواتف الثريا إليها لإشعال ثورة فيسبوكية على طريقة موزة وبعيرها.

5- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد أحمد أويحي الذي لم يذق يوما طعم عصا الشرطي في مظاهرة أو اسفلت السجن في قضية سياسية، والذي طرد بدون رحمة آلاف العمال من شركاتهم وباعها بمبالغ زهيدة لرجال أعمال يحدد أسماءهم أولياء نعمته وعرابوه في الجيش والمخابرات بإشراف من صندوق النقد الدولي.

6- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد عبد الله جاب الله الذي ضرب بالقيم الجمهورية عرض الحائط وأرادها ملكا عضوضا على طريقة بني أمية فحول حزبه الى بزنس عائلي الأولوية في النضال داخله لزوجته وأصهاره ومريديه، بعد ان كانت الأولوية في الماضي لمن ينتسب الى مناطق معينة في شرق الجزائر هي نفسها التي ولد فيها جاب الله وشب. جاب الله الذي اعترفت زوجته للإعلام بأن قرار وضعها على رأس مرشحي العاصمة اتخذ وصودق عليه في اجتماع ثنائي بينها وبين زوجها لم يأخذ بقاعدة المحاسبة التي أقرها النبي: لو جلست في بيت أبيك لما أهدي لك.

7-أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد عبد العزيز بلخادم الذي تفنن في استغلال مناصبه لتحسين وضعه وأوضاع أقاربه مثلما تفنن في التجارة قبل ذلك بمواقفه السياسية المعارضة بعد اجبار الجيش له على التقاعد من رئاسة البرلمان سنة 1992. بلخادم الذي يحج أو يعتمر كل سنة تقريبا في ضيافة حكومة آل سعود والذي يحسن ارتداء الإسلام عباءة لطموحاته كما ارتداها الاخوان والسلفيون والخمينيون وقبلهم أمثال عبد الملك بن مروان الذي خاطب المصحف بعد توليه الحكم قائلا: هذا فراق بيني وبينك.

بلخادم الذي بلغت به الوقاحة أن يشبه حزبه الهزيل الذي يديره إخوة الرئيس وضباط المخابرات بجبهة التحرير التاريخية، فيزعم أن حزبه سينتصر على المعارضين كما انتصرت تلك الجبهة على الاستعمار؛ بالرغم من أن من بين منافسيه من كان في تلك المرحلة من قادة الثورة الجزائرية يوم كان هو رضيعا يقضي حاجته في قماطه، وبالرغم من أن أغلب قيادات الثورة خرجت من الحزب أو أخرجت منه ليحل محلها متسلقون متدروشون مثل عبد العزيز بلخادم.

8- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد سعيد سعدي الذي لن يتردد لحظة في تقسيم الجزائر لو كان ذلك سيوصله الى السلطة أو يقضي على أعدائه الإسلاميين والذي أصبح خبيرا في اللعب على كل الحبال: مرة على حبل توفيق ومرة على حبل بوتفليقة، مرة على حبل السفير الأمريكي ومرة على حبل برنارد هنري ليفي.

9- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد خالد نزار الذي بصق على وجه العدالة الجزائرية ولجأ الى عدالة فرنسا الاستعمارية لإنصافه من ضابط صغير اسمه لحبيب سوايدية. والذي يملك هو وأبناؤه أكبر شركة للإنترنت في الجزائر لم يرثها عن أبيه أو عن جده بل سرقها من قوت الجزائريين مستغلا منصبه الذي مكنه ويمكنه الى اليوم وهو الجنرال المتقاعد من اتخاذ القرارات المصيرية التي لا يستطيع البث فيها حتى الوزراء.

10- أريد أن يعود الاستعمار الى الجزائر كما يريد بوقرة سلطاني الذي تآمر وسلفه نحناح مع النظام على منتخبي جبهة الانقاذ، والذي يدير تابعه عبد الرزاق مقري مكتب فريدوم هاوس أكبر مؤسسة استخباراتية أمريكية للتدخل في شؤون الدول باسم الديمقراطية، والذي اغتنى هو ومناضلو حركة الإخوان من الصفقات المشبوهة التي كان يشرف عليها مع وزراء حزبه، ثم ها هو اليوم ينسحب من الحكومة متحولا الى معارض لأن المعارضة أصبحت كالدعارة لها أوقاتها ولادعاء الشرف أوقات.

ولأترك السخرية ولأعد إلى الجد، لا قداسة عندي الا للشعب الذي لولا ايواؤه للمجاهدين ودعمه لهم لانتهى الأمر بجبهة التحرير التاريخية اليوم إلى ما انتهى إليه أمر جماعة عنتر زوابري ؛ لا قداسة إلا للشهداء ولمن اعتزل السياسة بعد الاستقلال محافظا على رصيده بعد تحرير الجزائر، لا قداسة إلا لمن يرفض الاستعمار قولا وعملا ومن يملك روح التضحية من أجل شعبه.

روح التضحية هي التي تنقص النخبة السياسية في الجزائر اليوم كما كانت تنقصها بالأمس، بالأمس قتل كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبال زميلهم عبان رمضان لإنهاء صراعهم معه على النفوذ داخل قيادة الثورة واليوم تستعين المخابرات الجزائرية وحركة رشاد المعارضة بالحكومات الأوروبية لإضعاف بعضهما البعض ومن ثم اضعاف الجزائر. ومثلما سقط الشهداء واستفاد الانتهازيون من تضحياتهم يموت الجزائريون أو يسجنون ليسقط انتهازي ويأتي مكانه انتهازي ثم يزايد الانتهازيون على بعضهم البعض، ولكي تكون رئيسا عليك أن تكون مثل بوتفليقة الذي اختار دائما الانحياز الى الجانب المتغلب واقتناص الفرص.

لقد ذكر لي شريف بلقاسم الساعد الأيمن للرئيس الراحل بومدين عدة

التعليقات