فورين بوليسي:الأسد حطم سوريا لكن المجتمع الدولي ووسائل الاعلام زادوا الامور سوءاً فيها

فورين بوليسي:الأسد حطم سوريا لكن المجتمع الدولي ووسائل الاعلام زادوا الامور سوءاً فيها
غزة - دنيا الوطن
نشرت مجلة "فورين بوليسي" امس الاربعاء تحقيقاً على موقعها الاليكتروني يقول فيه كاتبه جيمس هاركين ان الرئيس السوري بشار الاسد هو الذي حطم سوريا "لكن المجتمع الدولي ووسائل الاعلام جعلوا الامور اسوأ بالنسبة الى السوريين. وهنا نص التحقيق: "كنت اتردد على سوريا منذ عدة أعوام، كصحافي وكمواطن عادي معا، وكان ملهما بالنسبة إلي أن أرى التغيير الذي حدث في البلاد. عدد من أصدقائي مدنيون عاديون، وغيرهم هم الآن مشاركون في مجموعة متنوعة من منظمات المعارضة التي ظهرت منذ اندلاع الانتفاضة في آذار (مارس) العام الماضي. وما هو مفقود بشكل متكرر في الرواية عن الأزمة التي تواجه أنصار حقوق الإنسان، وصور اجسام الموتى والروايات عن الشر الذي لا يمكن تفسيره، هو كيف كانت الثورة ملهمة في الاصل بالنسبة الى كثير من السورين العاديين. وفعليا فإن كل الناس الذين أعرفهم في سوريا غيروا آراءهم بشكل جذري خلال العام الماضيين واصبحت مطالبهم أكثر جرأة وطموحا.

وفي الوقت الذي تلا فيه ربيع العام 2011 صيف وخريف، وتحرك النظام البعثي المتداعي لقمع المعارضة فكرت بعض منظمات المعارضة في اللجوء الى القوة المسلحة لحماية مظاهراتهم. وحوالي هذا الوقت ادت الجهود الدولية لممارسة الضغط على النظام إلى فرض عقوبات لا يريدها أي سوري (حتى الجيش السوري الحر). وقد خيبت مهمة سيئة المصير قام بها مراقبون عرب آمال الجميع، وحاليا هناك مبادرة من جانب الأمم المتحدة قللت مبدئيا حصيلة القتلى اليومية، لكنها فشلت في إرضاء الحكومة والمعارضة في آن واحد.

والسؤال هو ما الخطأ الذي وقع؟ المشكلة في رأيي هي أن أدوات القانون الدولي عاجزة عن حل المشكلات الحقيقية للصراع المدني. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) مثلا، هرّبت نفسي إلى حمص في الوقت الذي بدأت فيه المعارضة السورية اليائسة في التوجه نحو الجامعة العربية للتوسط بشأن صراعها مع نظام يزداد وحشيةً. ومع تدهور الوضع، كانت المظاهرات اليومية (التي كنت أستطيع سماع انطلاقها في تشرين الثاني/نوفمبر مترافقة مع لعلعة رصاص القناصة) ينضم إليها أفراد ميليشيات مسلحة لحماية الأحياء السنية في المدينة. ثم بدأ استغلال الأحداث سياسيا وجغرافيا.

وفي كانون الأول (ديسمبر) بدا وكأن المجلس الوطني السوري قام بجهد منسق لتحويل حمص إلى بنغازي سورية- وبنغازي هي المدينة الواقعة في شرقي ليبيا التي تسبب تهديد قوات معمر القذافي بتدميرها في التدخل الدولي في ليبيا العام الماضي. ونشر المجلس اخبارا في وسائل الإعلام العالمية على سبيل المثال أشار فيها إلى ان الجيش النظامي السوري حرك تعزيزات لضرب المدينة، وانه أعطى الحمصيين 72 ساعة لإلقاء أسلحتهم أو التعرض للقتل. وعندما اتصلت بناشط قديم في حمص اخبرني ان هذا القول ليس صحيحا ببساطة. كانت الامور سيئة، كما قال، دون الحاجة لاختلاق قصص مرعبة. وباثر رجعي، واعتمادا على السوابق في القانون الدولي، وليس من خلال قوة حركة المعارضة السورية في المنفى، بدا وكانها تضخم الخسائر في صفوف المدنيين في المدينة إلى حد القول إن هناك إبادة عرقية من أجل الضغط على أزرار المجتمع الدولي.

الأمم المتحدة وقعت في الشرك. وقالت نافي بيلاي، المفوضة العليا في الامم المتحدة لحقوق الإنسان: "هناك أصوات كثرة تحذر من هجوم كبير" على حمص على وشك أن يبدأ وأن حشودا عسكرية بدات تتجمع. واضافت: "لست في موقع يمكنني من تأكيد هذه التقارير. لكن إمكانية وقوع هجوم كهذا مقلقة للغاية".

وإذا كانت هناك استراتيجية لتدويل الصراع، فإنها فشلت على اي حال. ولا تستطيع الامم المتحدة فعل اي شيء، لكن الوعد بأنها ربما تفعل ذلك ربما وضع الناشطين العاديين وثوار الجيش السوري الحر حتى أمام خطر اكبر. فالكثيرون دُفعوا للاعتقاد بان النجدة قادمة بينما هي ليست قادمة بكل تأكيد.

تاريخ معظم التدخلات الإنسانية خلال السنوات الـ 15 الأخيرة مشابه. ومن خلال تعهد الأمم المتحدة بالمزيد من الامن أكثر مما تستطيع توفيره منطقيا، فقد وضعت حياة الذين تلقوا الوعود بمواصلة جهودهم في خطر اعظم في كل مكان، بدءا من سريبرينيتسا إلى جنوب لبنان. ومن خلال تغيير الحوافز التي تواجه طرفي الصراع، فالأمم المتحدة، في أسوا الحالات، تجعل تلك الحوافز عكسية النتائج- كما تجعل تحديد مواقفهما التفاوضية أكثر إشكالية.

وينطبق الشيء نفسه الى حد كبير على وسائل الاعلام الدولية. فابتداء من اواخر كانون الاول (ديسمبر) انتشر الصحافيون الغربيون مختبئين وراء مراقبي الجامعة العربية ليبحثوا عن "قصة الحرب". وسرعان ما قابلوا اعضاء الجيش السوري الحر وعادوا مسرورين بصور جنود مقنعين يبدون محترفين وهم يحملون قنابل صاروخية. وعلى المدى القصير كانت النتيجة فوزا دعائيا لكل من الصحافيين والجيش السوري الحر. ولكن ما ان غادرت وسائل الاعلام حتى جاءت القوات الحكومية لتقتل او تقبض على كثيرين من اؤلئك المقاتلين والذين اثبت ادعاؤهم بأنهم يستطيعون السيطرة على مناطق لاي فترة من الزمن انه ادعاء فارغ الى حد خطير.

كان هذا في الماضي. ولكن مع تحول الوضع الى حالة استعصاء موقت، يدرك كل شخص في المعارضة الان ان حلف شمال الاطلسي (ناتو) لا يملك الجَلَدَ او الموارد الان لتكرار ما فعله في ليبيا. ان هذا النوع من التدخل العسكري المنظم لن يحدث ببساطة. لكن المرحلة التالية من الديبلوماسية تحمل معها خطر جعل الامور اسوأ بكثير. ذلك ان المغريات المتبقية التي تعرض على نظام بشار الاسد تقرن الان بتهديدات مبطنة يعد فيها المجتمع الدولي بأن يغض الطرف عن الجهود السعودية والقطرية لدعم المعارضة المسلحة بقوة الاسلحة.

وقابل السوريون العاديون تدويل الصراع بمزيج من عدم التصديق والانتهازية. فقد توقفت، بينما كنت اتجول بالسيارة في نهاية شباط (فبراير) في حمص (الى ان اعتقلني الجيش السوري واعادني الى دمشق) عند مجموعة من الرجال المتقدمين في العمر في وسط المدينة واستفسرت منهم عن وجهة كنت ذاهبا اليها. وكان اول سؤال وجهوه الي هو "هل انت روسي؟". ويحتمل ان هؤلاء كانوا مؤيدين للحكومة ومن الممكن جدا انهم علويون وكانوا يعلمون ان الاجانب الوحيدين الذي يريدون التحدث اليهم بالفعل هم الروس، لكون موسكو اعلى المؤيدين صوتا في الدفاع عن نظام الاسد على المسرح الدولي.

ووسط ما يعانيه سوريون كثيرون من انحدار كارثي في المستوى الاقتصادي فإنهم فخورون بان يكونوا محط هذا الاهتمام الدولي، وبان بلادهم لا يجري تجاهلها او نسيانها، كما يقولون. لكنهم ذوو حس وطني عميق ايضا وفخورون بالفسيفساء الاثنية والدينية لبلادهم. وكما قال لي بضعة مراهقين سوريين، فإن الحكومة القطرية نفسها التي تتحرك لحماية حقوق السوريين الانسانية، هي التي تحرمهم من تأشيرات لزيارة قطر. ولم يفت على انتباههم ايضا ان قطر والمملكة العربية السعودية متأخرتان ديمقراطيا لدرجة تجعل الحكومة السورية تبدو وكأنها ديمقراطية متسامحة. وقد بدا قرار المجلس الوطني السوري قبول اموال من دول الخليج لدفع رواتب لجنود الجيش السوري الحر متسما بالغرور، وهو يمثل سياسة سيئة للغاية. ذلك ان هذا لا يعطي مصداقية فقط لنظريات المؤامرة التي تشيعها الحكومة والقائلة بأن التمرد هو من عمل محرضين اجانب، وانما يحمل معه خطر تقسيم حركة المعارضة الداخلية وزيادة قوة نوع الجماعات السنية المتطرفة التي من المرجح جدا ان تذكي التوترات الطائفية.

ولا يعني اي من هذا ان السوريين لا ينبغي ان يأخذوا الامور بأيديهم. فبعد اكثر من سنة من عنف الدولة القاسي لم يعد هناك سوى قلة قليلة من المهادنين في صفوف المعارضة السورية. وكل من قابلتهم في سوريا كانوا متخوفين من ان الامور لا بد ان تصبح اسوأ بكثير قبل ان تتحسن ولا يتمنون تعرض ابناء وطنهم للعنف. ولكن اذا سمح للسعوديين والقطريين بتمرير كميات غير محدودة من الاموال النقدية والاسلحة عبر ممرات التعهريب التقليدية في البلاد فإن النتيجة المرجحة ستكون تعزيز طبقة جديدة من وسطاء بيع الاسلحة وتهربيها وتقوية مجموعات سلفية هامشية يسعدها ان تحول نفسها وجميع من عداها الى شهداء من اجل القضية.

ومهما قالت الحكومة السورية الان فإن نفوذ هذه الفئات السنية المتطرفة هامشي حالياً حتى داخل الجيش السوري الحر. ومعظم العسكريين الفارين هم ببساطة سنيون محافظون من قرى زراعية. ولكن تبدو على سوريا الآن اعراض فترة ما بعد الحرب على الارهاب. ولا يريد السوريون العلمانيون والجماعات اليسارية الاقرب الى القيم الغربية تدخلاً من جانب "ناتو"، بينما نجد ان نوع الناس الذين لا يحبون الغرب – اي البقايا القديمة من جماعة الاخوان المسلمين، وكذلك السلفيين الاحدث عهداً والاكثر راديكالية، هم الذين يتوسلون للغرب ان يتدخل.

ومن يدري: اذا استمر انجراف التفكير نحو ايجاد قوة "مجاهدين" في سوريا وايران (وهذه استراتجية نادى بها جيمس تاروب من "فورين بوليسي")، بعد عقد من اتلزمن صار فيه الراديكاليون السنة العدو رقم واحد في نظر اميركا، فقد يتعين تحويل اسامة بن لادن بعد موته الى صورة المقاتل من اجل الحرية التي رآها الاميركيون فيه في ثمانينات القرن العشرينوهو يزحف في المعركة لدحر آخر بقايا الكفر في الشرق الاوسط.

التعليقات