دنيا الوطن في دار المسنين : معاملة المسنّات في المجتمع الغزي مثل ما تدين تدان ولو بعد حين ! .. صور

دنيا الوطن في دار المسنين : معاملة المسنّات في المجتمع الغزي مثل ما تدين تدان ولو بعد حين ! .. صور
غزة - خاص دنيا الوطن - عبدالهادي مسلم 
لماذا أصبح الآباء والأمهات الكبار السن عبئا كبيرا على
الأبناء؟؟ ما الحكمة وراء وضعهما في دار المسنين؟؟ هل تم تأسيس دار المسنين أو الرعاية الاجتماعية لنضع فيها آبائنا وأمهاتنا , أو الغرض منها هو للفئات المحرومة التي ليس لها من يعيلها؟ لو كنت احد الأشخاص المهمين في المجتمع , وكان
والدك يسبب لك الإحراج بسبب كبر سنه هل من الممكن ان تتخلى عنه , وتضعه في أحد دور المسنين, وهل العادات والتقاليد تقف حجر عثرة في ذلك تحت حجة ما ذا سيقول الناس
عنا !!! وهل يا من أخدت أمك أو أباك من يده وأودعته في دور العجزة ألن يأتي يوم ويأخذك أبنائك أنت كذلك الى هناك فكما تدين تدان ؟؟ هذه أسئلة متنوعة ومتعددة تطرح في مجتمعنا الغزي !!

زيارة ميدانية 

وللوقوف أكثر على قصص المسنين والمسنات قمنا بزيارة إلى دار المسنين الذي يتبع جمعية الوفاء لنسمع حكايات وقصص غريبة منهم المسنة رحمة مراد (87 عامًا) والتي لم تفارق الابتسامة وجهها بالرغم من كبر سنها وولدت في سوريا، حيث كانت متزوجة ولكنها غير مُنجبة للأطفال، وتوفي عنها زوجها وبقيت وحيدة في قطاع غزة.وقالت الحاجة مراد " أنها تزوجت ولم تنجب أولادا , وعندما أيقنت أنه لا أمل بالإنجاب "طلبت من زوجي أن يتزوج" . وبالفعل تزوج , وأنجب عددا من الأبناء والبنات , وبعدها توفي , وتضيف وهي تبتسم " أن أولاد زوجها
لم يقصروا بواجبها , ولكني لا أرغب في تحميلهم مشقة خدمتي فاخترت عن قناعة القدوم إلى بيت المسنات وأوضحت أن المؤسسة توفر لهم كل شيئ وأن أولاد زوجي يأتون لزيارتي
باستمرار وإنها تُكثر من قراءة القرآن في شهر رمضان المبارك، وتقضي أوقاتها بالجلوس في حديقة المركز، والحديث إلى صديقاتها من المُسنات. وبابتسامتها التي لم تفارق وجهها طوال لقائنا، أكدت أن أصدقاءها يتواصلون معها دون انقطاع، مضيفة:
"أتمتع بقدرات اجتماعية كبيرة وأحاول أن أنسج علاقات جديدة دائمًا مع الزائرين. حيث أشعر بالراحة والطمأنينة والاستقرار عندما أراهم". ورغم كبر سنها، تشتاق مراد لتحضير وتجهيز الطعام كما كانت تُحضّره لزوجها، مبينة أن المركز يعمل على تذليل كل الصعاب لها، ولا يتوانى عن تقديم أفضل الخدمات.

 أما الحاجة زريفة أحمد فقصتها مختلفة تماما , حاولنا الحديث معها ولكنها لم تكن تجمع كلامها لكبر سنها ,وأصابتها بفقدان الذاكرة  فساعدتنا في الحديث أخصائية الخدمة الاجتماعية أمل العرير قائلة " أن الحاجة زريفة لم تتزوج , وكانت تعمل في مهنة الخياطة , واستطاعت جمع مبلغ من المال , وعندما علم أخاها في أبو ظبي بذلك , قرر القدوم إلى جباليا وأخذها معه , ليس محبة فيها وأنما طمعا في أموالها فوافقت , وتضيف أنه بعد مرور عدة سنوات أحضرها إلى غزة , وأسكنها عند بنت أختها ,ثم سافر فقامت ابنة أختها بإرسالها إلى هنا , تضيف أنه لا يقوم أحد بزيارتها والاطمئنان عليها من قبل أهلها , ولقد أصابها المرض والنسيان والخلط في الحديث , ويقوم المركز ومعها جميع المسنات بتقديم الخدمات لهن من جميع الجوانب 

برالوالدين وإطاعتهما

يرى فضيلة الشيخ سمير إسماعيل مسلم , القائم بأعمال مدير
أوقاف غزة , : أن الإسلام دين التكافل الاجتماعي على أكمل وجه... والأسرة في الإسلام وحدة متكافلة، وقد عمل الإسلام على دعمها لتكون قوة متماسكة، ولقد اهتم القرآن الكريم ببيان أحكام الأسرة، وفي حث الدين الإسلامي الحنيف علي بر الوالدين، ترغيباً في صلة الرحم، فقد حرم الإسلام عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم. فعن عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس. فالدين الحنيف عمل على تعزيز التضامن الأسري بطريقة مباشرة، والإسلام ليس عقيدة فحسب ولكنه نظام اجتماعي ينظر إلى المجتمع ككل، بحيث نجد أن الأسرة المسلمة مازالت متمسكة برعاية الأبناء والآباء والأجداد ومن دلائل ذلك قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً). 

ومن ذلك كله نرى أن الإسلام حث على بر الوالدين والأقرباء،
ولم يقتصر على ذلك بل حث على بر أصدقاء الوالدين، أي شمل البر جميع المحيطين كذلك فإن الإسلام ينظر إلى من لا يرعى حق الكبار على أنه ليس جديراً أن ينتسب إلى مجتمع المسلمين، وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا"؛ فكبار السن بحاجة دائمة إلى الإيناس وإدخال السرور إليهم، والإسلام يرعى هذا الجانب، ويجعل من أفضل القربات عند الله تعالى إدخال السرور على قلوب الآخرين؛ فرعاية المسن أو العاجز تجب شرعاً على القريب لقريبه... ويضيف الشيخ اسماعيل أن هناك ضرورات يستوجب فيها إرسال كبار السن إلى دار المسنين ,في حالة لم يكن لهما أولاد أو أقارب يقومون بخدمتهم ,أو مرضي معاقين , أو ما شابه فلا عيب في ذلك , ولكن الأحرى والأفضل أن يتم رعايتهما
من قبل الأقارب .

مشاكل المسنين

الأخصائي الاجتماعي عادل التلباني قال ان المسنين أناس وصلوا إلى مرحله الشيخوخة، والعجز المصاحب لها بأن يحرمهم من حق العطاء إذا ما أرادوا، وعن دور الأسرة في
رعاية المسن يقول : إن الدين الإسلامي حث على رعاية كبار السن، وهي تعاليم مرعية، وليست منسية في كل الوطن العربي ...وإذا كنا بصدد الحديث عن الأم المسنة فعلينا أن نعي أن الأم المسنة بحاجه إلى ضرورة إيجاد أساليب لرعاية وتأهيل من خلال الرعاية الأسرية لها نفسياً واجتماعياً وصحياً لإتاحة الفرصة للأم والأب المسن بالاندماج في الحياة الاجتماعية بقدر ما تسمح الظروف والإمكانات ويعتقد الاجتماعي التلباني أن مشكلة المسن تنشأ من ضيق المكان في بيت الأسرة، أو من عدم القدرة على التفرغ لرعايته، أو من الضيق بحالته،أو من رفض زوجة الابن القيامَ بدور في رعاية هذا المسن، أو ارتفاع تكلفة علاجه ورعايته، أو من ذلك كله؟ولكن في تقديري المتواضع أن المشكلة - في أكثرها -:
ضيق في الصدر.ويضيف أن زوجة الابن في أكثر الحالات المشاهَدة هي التي تضيق بالأم أو الأب المسن، وتغري زوجها بإبعاد المسن عن المنزل إلى دور رعاية المسنين، وهذا
الضعف والانقياد إلى رغبة الزوجة هو انحراف ونكوص عن أداء الواجب نحو الوالدين من الابن صاحب المسؤولية في ذلك، ولا شك أن هذا السلوك هو ضعف في الشخصية، وضعف في
التَّدَيُّن.

وأوضح أن المسن يحتاج إلى عناية جسدية ونفسية أيضًا، وحرمانه من الاهتمام به وإهماله يؤلمه ويفاقم مشاكله النفسية والبدنية، إلى جانب ما به من أمراض وآلام تجلبها الشيخوخة بطبعها.وقال "على الابن أن يقاوم الضغوط، ويحتفظ بوالده أو والدته تحت إشرافه، ويرى أن انتقال المسن إلى دار المسنين يؤلمه ويؤذيه، ويشعره بخسارة فادحة في جهده الذي بذله في تربية أولاده،ولكن في نفس الوقت أن كان لا يوجد للمسنة معيل وأنها لم تتزوج أو أنها تزوجت ولم تنجب أولادا , فالأحرى
أن ترسل إلى دار المسنين , ويجب أن لا تقف العادات والتقاليد عائقا في هذا الأمر , مشيرا إلى من يخاف من كلام الناس فليبادر ويوفر لها متطلباتها وخدمتها !!

العوامل النفسية

وبدوره قال أخصائي الصحة النفسية سفيان مطر قال "الأفضل أن تقوم الأسرة بتقديم الرعاية لمسنيها , حتى لا يفتح المجال للتخلي عن كبار السن , وتهرب الأسرة من تحمل مسئولياتها ,علما بأنه لا تخلو أي أسرة تقريبا من وجود مسن بداخلها , ويرى الأخصائي النفسي مطر أن توعية أفراد الأسرة جميعا نحو كيفية التعامل مع المسن باحترامه والابتعاد عن إثارة حساسيته الزائدة شيئ ضروري لأنه ليس لدى المسن أي عمل و لا هواية ولا اهتمامات وان نشعره بكيانه واحترامه . وأضاف أن عادات وتقاليد المجتمعات العربية والإسلامية , جاءت متماشية ومنسجمة مع تعاليم ديننا الحنيف في أهمية رعاية المسنين والاهتمام بهم من النواحي الجسمية والنفسية والاجتماعية ,
إضافة إلى تحقيق التكافل الاجتماعي داخل الأسرة إدراكا بأهمية دور الأسرة في رعاية المسن 

وأضاف " أما في حالة عدم وجود أسرة للمسن ,فان الدولة هي المكلفة بتوفير جميع الخدمات للمسنين وضمان الحقوق المادية والصحية والاجتماعية لهم .وهناك العديد من الأبعاد النفسية
التي تؤثر على المسن سلباً أو إيجابا ويرى أن مرحلة الشيخوخة يشهد خلالها الإنسان تغيرات متعددة قد تؤثر على الحياة النفسية
والاجتماعية للأم المسنة خاصة، وقد نجد أن القصور البدني أو تدهور بعض الوظائف الحيوية للأم المسنة، وهو أمر لا مفر منه، قد يفضي إلى اضطرابات نفسية وانفعالية أعمق، إذا لم تجد المسنة الإحاطة الوجدانية والحميمة الكافية التي تشعرها بالأمان .. فالأم المسنة في هذه المرحلة تكون في أمس الحاجة إلى التوافق النفسي والاجتماعي، والتوافق هو تواجد الأم في
علاقة توازن وانسجام مع الذات، ومع المحيط .. مما يستوجب
ضرورة توفر عوامل ذاتية وموضوعية لتحقيق هذه الغاية ...
ومن الضروري أن نعي حساسية الأم المسنة خلال هذه الفترة، وهي تمثل ظاهرة عادية، لذا يجب على الأسرة أن تحقق
للأم المسنة التفاعل الاجتماعي، والدعم العاطفي، فالحاجات
المادية وحدها لا تكفي، ولكن الأهم هو حسن التفاعل مع هذه
الفئة، خاصة في ظل العديد من المتغيرات العميقة التي تشهدها مجتمعاتنا العربية؛ إذ أصبحت الأم المسنة لها نفسية هشة للغاية من أبسط المواقف، لذا فإنها تكون بحاجة إلى رعاية نفسية مضاعفة خوفاً عليها من الإحساس المعنوي القاتل لها.

زيادة في عدد المسنين 

وأظهرت البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني زيادة ملحوظة في عدد المسنين في المجتمع الفلسطيني الذي تصل نسبتهم إلى 3.5% من مجموع السكان، حيث يبلغ متوسط الحياة للمسنين الذكور 71 سنة، وللإناث 74
سنة تقريباً، وذلك بسبب موت الجيل والنشء الجديد باستمرار، وتعرضه للسجون والقهر المؤدي إلى زيادة في استشهاد الكثير من الشباب، وحسب توقع البنك الدولي لعام 1997، تصل نسبة المسنين عام 2010 إلى 5.56% في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة 3.85%، وتشير الإحصاءات إلى انخفاض المستوى التعليمي في صفوف المسنين، فنسبة الذين لم يتعلموا 76.2%، وأن 26% من المسنين يعولون أنفسهم، و37.5% يعتمدون على الزوج، و56% من الذكور و41% من الإناث يعتمدون على أبنائهم في إعالتهم، كما تظهر الإحصائيات أن نسبة المسنين الذكور المتزوجين تبلغ87.5%.


توفير المأوى

من جهته، أوضح أشرف حمادة مشرف رعاية مسنين في مركز
الوفاء لرعاية المسنين بغزة : أن المركز ينقسم إلى قسمين، قسم للرجال وآخر خاص بالنساء، وُتقدّم فيه عدة خدمات منها الإقامة والإيواء، والخدمات المعيشية والصحية والاجتماعية، وربط المسن بالمجتمع وذويه، مشيرًا إلى أن كافة الخدمات تقدم مجانًا
وبدون مقابل . ويستهدف المركز المسنين الذين تتجاوز أعمارهم الـ60 عامًا فما فوق، وليس لهم أبناء ذكور، ويعانون من ظروف مادية واجتماعية صعبة . وأضاف أن المركز يعمل على تقديم الرعاية الصحية للمسنين من خلال الكشف الطبي الدوري والعناية التمريضية على مدار الساعة، وخدمات العلاج الطبيعي والعلاج النفسي، ونظام تغذية محدد يراعي ظروف كل مسن، إضافة إلى الخدمات الأخرى من خلال مستشفى الوفاء كالأشعة والتحاليل الطبية وغيرها.وقال " أن المركز لا يشجع الأبناء على عقوق والديهم , لهذا إذا رغب الابن في إرسال أحد والديه إلى دار المسنين " تحت أي سبب كان , فاننا نرفض استقباله بتاتا إلا إذا كان الابن معاقا أو مريضا أو مجنونا "

وقال حمادة أن هناك حالات إنسانية كثيرة في القطاع بأمس الحاجة للإيواء , . ولكن المركز لا يستطيع استيعاب إلا 32 ما بين مسن ومسنة بعد اجراء بحت ميداني وموافقة الأهل على ذلك , مشيرا إلى أن نسبة الأرامل والمطلقات والعوانس من النساء , تفوق نسبة الرجال من 3-1 والبعض منهم يعاني  من أمراض مزمنة 

وأقر حمادة بوجود حالات كثيرة من المسنين ,والذين هم بأمس الحاجة إلى رعاية ويجدون الأهمال والتقصير , يرفض ذويهم وأقاربهم إرسالهم إلى المركز خوفا من العار والهواجس والكلام ويطرحون أننا أولى برعايتهم خاصة إذا كان لديهم مال أو عقار أو أرض والشواهد والأمثلة عديدة مشيرا أن أغلب  مشاكل المسنين في البيوت من زوجات الأبناء ,ويضيف بعد أخذ ما لديهم من أموال وعقارات وأراضي ويصابون بالأمراض خاصة الزهايمر وتحت إلحاح زوجة الابن يضطرون إلى إرسالهم لأنهم لا يستطيعون خدمتهم , ولهذا نقوم بأجراء بحث
ميداني عن بعض هذه الحالات , إذا أبلغنا عنها من أهل الخير وكان وضعها صعب جدا فنعمل على استيعابها مشيرا إلى أن أغلب الحالات الموجودة في المركز فقيرة جدا ولا يوجد لها معيل وعن الصعوبات التي يواجهها المركز قال " نظرة المجتمع تجاه المسنين وتفضيلهم تقديم تبرعاتهم وخدماتهم لصالح الأطفال الأيتام."لهذا وتقوم إدارة المركز بحملة جمع تبرعات على نطاق الإذاعات المحلية والمرئية والمقروءة من أجل دعم المسنين .




التعليقات