السيرة النضالية للاسيرة المحررة عائشة عودة

غزة - دنيا الوطن
هي المرأة الفلسطينية مجدداً، أسيرة أو شهيدة، معطاة دوما في مسيرة شعبنا الطويلة نحو الحرية والاستقلال.

ومنذ البدايات الاولى للصراع على هذه الارض كان للمرأة الفلسطينية دورها البارز في مسيرة التحرر الوطني فقدمت نماذج فريدة من العطاء والصمود والتضحية فوقفت دوما الى جانب الرجل في هذه المسيرة الطويلة والشاقة، ولذلك لم يكن غريبا ان تكون شهيدة او جريحة او اسيرة، ولعل تاريخ النضال الفلسطيني يزخر بالالاف بل عشرات الالاف من الصور المشرقة لعطاء المرأة الفلسطينية التي كانت دائما محورا اساسيا من محاور النضال وفي نفس الوقت كانت ركيزة اساسية لمسيرة التطور والنهوض المجتمعي. وفي الوقت الذي سطرت فيه الاسيرة هناء الشلبي ملحمة صمود في اضرابها الذي استمر 44 يوما، كما سجلت الكثير من الاسيرات الفلسطينيات قبل ذلك صفحات مشرقة في الاسر ، يواصل مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس بتوثيق وتسليط الضوء على معاناة وقضايا الاسرى ، وسنتناول تجربة الاسيرة المحررة عائشة عودة.

 

سيرة ذاتية

ولدت المناضلة والاسيرة المحررة عائشة عوده  أحمد عودة ، في العام  1944م، في قرية دير جرير قضاء رام الله ، ودرست المرحلة الابتدائية في مسقط رأسها، أما المرحلة الإعدادية والثانوية، ففي مدرسة بنات رام الله الثانوية ، تخرجت من معهد دار المعلمات الحكومي/ رام الله عام 1966 وعملت مدرسة رياضيات وعلوم بعد ذلك في مدرسة بنات عين يبرود الإعدادية.

البدايات

تنتمي عائشة إلى عائلة مناضلة عانت كثيرا من ممارسات الاحتلال, أخيها عاش مطلوبا للاحتلال فاضطر الهرب إلى الأردن. خالد ابن عمها تمت مطاردته ثلاث عشرة سنة إلى أن تم اعتقاله عام 1982. واحمد عودة ابن عمها وزوج أختها من أوائل من اعتقلوا ونسف بيته، وأعيد اعتقاله أكثر من مرة ثم أبعد إلى الأردن، كما أن معظم شباب العائلة و بعض بناتها قد عانوا من الأسر.

بدأت نشاطها السياسي (السرّي) في المرحلة الثانوية من خلال انضمامها إلى صفوف حركة القوميين العرب التي كانت محظورة من قبل السلطات السياسية آنذاك ،ثم انضمت إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي تأسست من حركة القوميين العرب عقب حرب 67 ، فنشطت في المقاومة الشعبية ثم في المقاومة العسكرية.

 وعلى اثر ذلك ، تم اعتقالها من قبل قوات الاحتلال في الأول من آذار عام 1969، على أثر مشاركتها في وضع القنابل في السوبرسول في القدس الغربية في 22 شباط عام 1969، والذي قتل فيه اثنان وجرح 10 وتضرر المكان وتم ايضا نسف منزل أسرتها إثر اعتقالها.

تعرضت المناضلة عائشة لصنوف من التعذيب البشع بهدف  ترهيب المجتمع ونساء فلسطين من مغبة اشتراكهن في معركة تحرير الوطن. إلا أنها تحوّلت إلى قدوة هي ورفيقاتها وأخواتها المناضلات الأسيرات. وفي 21 كانون الأول عام 1970، أصدرت محكمة عسكرية احتلالية في اللد بحقها أحكاما بعدد من المؤبدات وفوقها عشر سنوات.

حوّلت السجن إلى ساحة نضالية تحدت فيه السجن والسجان وحولته إلى مدرسة كادر تتخرّج منه الأسيرة كادرا نضاليا مسلحة بالثقة في نفسها وفي نضال شعبها وعدالة قضيته.

بعد أكثر من عشر سنوات أمضتها في الأسر حيث لم تيأس خلالها من أن ثورتها ستقوم بتحريرها، وقد تحقق ذلك وتم تحريرها ورفيقتها في عملية "النورس" التي تمت بين منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، وجيش الاحتلال الاسرائيلي، وذلك في 14/3/1979. حيث أفرج عن 76 مناضل ومناضلة ( 64 أسير +12 أسيرة) مقابل جندي إسرائيلي كان قد تم أسره إثر الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978.

لكن الاحتلال اشترط إبعادها هي وعدد آخر من المحررين والمحررات خارج أرض الوطن، وهكذا تم نفيهم على متن طائرة حطت في مطار جنيف الذي حصلت فيه عملية التبادل.

الابعاد

بعد الإفراج عنها ضمن عملية التبادل التي عرفت ( بعملية النورس ) بين الجبهة الشعبية القيادة العامة وإسرائيل،وهي أول عملية علنية لتبادل الأسرى  بين الثورة الفلسطينية وإسرائيل،حيث حرر بموجبها 76 مناضلاً فلسطينياً كانوا معتقلين داخل السجون الإسرائيلية،من مختلف التنظيمات الفدائية الفلسطينية مقابل إطلاق سراح جندياً إسرائيلياً كان  أسيراً لدى الجبهة الشعبية -القيادة العامة .

ومن الجدير ذكره هنا بأن تلك العملية بدأت في  التاسع من آذار عام 1979 حيث تم جمع المعتقلين والمعتقلات في مكان واحد داخل الأراضي المحتلة، وأنتهت في يوم 14 من الشهر نفسه،بإطلاق سراح  76 أسيراًً من سجون الإحتلال الإسرائيلي، وإطلاق سراح الأسير الإسرائيلي ( بان عمرة ) بالمقابل .

امضت عائشة فترة الإبعاد في الأردن لقربها من وطنها، فبقيت متواصلة مع النضال الوطني، وكانت عضوا فاعلا في لجنة متابعة الأرض المحتلة التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إضافة إلى عملها في مؤسسة أسر الشهداء والأسرى والجرحى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلى حين عودتها إلى أرض الوطن مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاقات أوسلوا عام 1994.

 أصبحت عائشة عضو مجلس وطني فلسطيني عام 1981 وحضرت جميع دوراته التي عقدت بعد ذلك، ما عدا المجلس الذي عقد في غزة وحضره الرئيس كلنتون ، ، ورئيس رابطة نساء أسر من أجل الحرية ( مسيرة ) ،وذلك بهدف توحيد جهود الأسيرات المحررات وتوثيق تجاربهن ، وهي عضو مؤسس لمنتدى ( جذوة عسقلان الثقافية ) ، وقد أسست ايضا جمعية سيدات دير جرير للتنمية في قريتها أثناء الحصار عام 2002، وشاركت في منتدى الفنانين الصغار حيث أن لها اهتمامات فنية،وهي الان متفرغة للعمل الإبداعي والإجتماعي والوطني ، بعد ان عملت في وزارة الشئون الاجتماعية ومن ثم في وزارة العمل حتى تقاعدت عام 2005

 

أعمالها الإبداعية

أنجزت عائشة عودة مجموعة هامة من الأعمال الروائية التي تلخص تجربتها النضالية منها:-

1-      أحلام بالحرية.

2-      يوم مختلف.

3-      ثمناً للشمس .

كتبت المناضلة الجزء الأول من تجربتها في كتابها الأول "أحلام بالحرية" الذي صدر عام 2004 عن مؤسسة مواطن في رام الله، إذ تناول تجربتها فترة التحقيق. ولقي الكتاب حفاوة من قبل العديد من الكتاب والنقاد والمثقفين في الداخل والخارج ، وكتبت عنه عشرات المقالات في مختلف الصحف، وتناوله العديد من الدارسين موضوعا لدراساتهم وأبحاثم.

شهادات عن كتاباتها

مما كتبه الناقد الدكتور عادل الأسطة:

" وأنا اقرأ ( أحلام بالحرية ) قلت : هانحن ننجح أخيراً في كتابة نصاً ناضجاً فنياً وأدبياً ولغوياً، تعبر فيه صاحبته تعبيراً موفقاً عن تجربة الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، نصاً يمكن أن يوضع بجداره الى جانب رواية ( شرق المتوسط ) وربما يعود السبب في هذا الى أن عائشة عودة لم تتعجل الكتابة فهي التي مرت بتجربة السجن في بداية الإحتلال الإسرائيلي وأنتظرت ثلاثين عاماً ونيفاً حتى كتبت نصها "  .

 

وأما الكاتب والروائي ابراهيم نصرالله فكتب:

"... استطاعتْ عائشة لحسن حظنا أن تعبر عن تجربتها كمناضلة، وأن تُقدِّم لنا في كتابها هذا باكورةَ أعمالِ كاتبةٍ حقيقيةٍ، متمكِّنةٍ، قادرةٍ على التحرُّك بحرية بين ذكرياتها ومناطق أحاسيسها المتضاربة العاصفة، وأن تقدم كتابا (أدبيا) على مستوى عال، وهذا ما يدفعني للقول: إن عائشة التي أعطتنا بتجربتها الحياتية رمزاً من أهم رموز النضال الفلسطيني، استطاعتْ أن تكون هنا هذه الكاتبة التي تحملُنا عبرَ لغتها الشفافة نحو أدقِّ التفاصيلِ التي تجعلنا نحس في أحيان كثيرة بأن عائشة كانت تدافع عن الوردة وشجرة البطم ...... لقد دخلت عائشةُ السجنَ مناضلةً وخرجتْ منه رمزاً،وقد دخلتْ هذا الكتابَ مناضلةً وخرجتْ منه كاتبةً". " لقد أعادت عائشة عودة إبداع تجربتها الإعتقالية بأسلوب أدبي روائي متوهج يستطيع بجماله وشفافيته ودفئه أن ياسر القارئ على الفور"

أما الشاعر والكاتب على الخليلي فكتب؛

" لقد أعادت عائشة عودة إبداع تجربتها الاعتقالية بأسلوب أدبي روائي متوهج يستطيع بجماله وشفافيته ودفئه أن يأسر القارئ على الفور..."

وكتب الاستاذ نائل البلعاوي:

"،،،لقد انتهت المعركة بهزيمتهم الأكيدة، فلولا تلك الهزيمة لما كان لعائشة عودة أن تعود إلى تلك الساعات الأكثر عنفاً وجنوناً في حياتها كامرأة وسجينة. وتكتب عنها بهذا القدر من الصدق مع الذات والآخر. ولولا تلك الهزيمة الأخلاقية للمحتل لما كان نص الكاتبة عميق الجذور إنسانياً، أن يصل لهذا المدى من البوح والكشف ويصبح بالتالي نموذجاً جميلاً للكتابة العفوية التي تأخذ مفرداتها من خبايا الروح، لتلامس تلقائياً بشفافية وأناقة متناهيتين روح المتلقي وتنبش في خلاياها."

أما الاستاذ ناهض زقوت فيقول:

"،،، لقد سجلت "عودة" تجربتها في التحقيق بمنتهى الصدق والشفافية الإبداعية, وبشجاعة نادرة, ولا تتردد في تسجيل لحظات الضعف الإنساني, إلى جانب الصمود والمواجهة. لهذا يعيش القارئ تجربتها بكل أناتها وآلامها وأفكارها وهواجسها ومخاوفها".

انتظر القراء من عائشة الاستمرار في كتابة تجربتها، لكنها فضلت الانتقال إلى الكتابة الإبداعية. فإلى جانب كتابتها المقالات في مجالات مختلفة، كتبت القصة القصيرة، وأصدرت مجموعتها القصصية في كتابها الثاني "يوم مختلف" والذي صدر عن دار الشروق عام 2007. لكن عائشة تفاجئنا هذا الشهر أي آذار 2012 بنشر الجزء المكمل ل"أحلام بالحرية" بعنوان "ثمنا للشمس"

إضافة لنشاط عائشة الوطني والثقافي، فهي نشيطة اجتماعيا،

أما الأستاذ فهد أبو الحاج مدير عام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة فيقول " أن الحديث عن تجربة المناضلة عائشة عودة،بشقيها النضالي والإبداعي،يعني الحديث عن ما تحمله تلك التجربة من خصائص تبرز ما تتمتع به المرأة من قدرات وإمكانات خارقة،ويعني الحديث أيضاً عن مرحلة نضالية هامة من مراحل كفاح شعبنا،وهي نهاية ستينيات القرن العشرين،لأنها كانت مرحلة كفاح الأسيرات والوطنيات  الفلسطينيات بإمتياز،عندما تقدمن الصفوف بدون خوفاً أو تردد وبادّرن الى مواجهة الإحتلال في ساعات إغتصابه الأولى  للديار،لهذا فأنها كانت مرحلة مكتظة بالأسماء والرموز النسوية المكافحة  كشادية أبو غزالة  وسعاد الحافي وفاطمة برناوي وعبلة طه وسارة جودة ولطفيه الحواري ورسمية عودة وعايدة سعد ومريم الشخشير وتريز هلسا و وداد قمري ونهيل عويضة، وسامية مصطفى وابتسام غرايبه وإيمان الخطيب وفريال سمعان وعفيفة بنوره وعليا ابو دية وريما طنوس ،ولم يرهبن بطش وعنفوان الإحتلال العسكري،ولم يمنعهن كذلك من الإلتحاق بالمعركة الى جانب أخوانهن الفدائيين ". 

ويضيف ابو الحاج "لذا فأنه لا يجوز لنا نسيان ما قدمنه مناضلاتنا تحت أي ظرف من الظروف،لا بل ويجب العمل على منحهن ما يستحقن من تكريم وثناء،وصولاً الى إيفاء المطلوب منا من واجبات، ومن أجل هذه الغاية فأن مركز أبو جهاد لشون الحركة الأسيرة في جامعة القدس، قرر جمع أطراف وتفاصيل ووقائع الرواية الفلسطينية الخاصة بالأسيرات بشكل كامل وبلا أي نقصان، ومنح المرأة الفلسطينية فرصة تعبئة  المساحة المتاحة والمخصصة لها، ضمن صفحات مشروع موسوعة توثيق وتأريخ نضالات الحركة الوطنية الفلسطينية الاسيرة،وهي موسوعة ستعنى بتجميع القصص والوقائع والروايات الخاصة بالأسرى والأسيرات منذ ان بدأوا كفاحهم ،وفي هذه المناسبة فأنني أوجه ندائي من خلال هذه الزاوية الى كل الأسرى الأسيرات الى أن يقوموا بالمبادرة الى كتابة سيرهم الشخصية والنضالية، والإتصال بنا لعمل ما يلزم ،لكيلا ننسى أحد ولكيلا يظلم أياً منا نفسه بسبب التقاعص والكسل " .

التعليقات