عود على بدء.. يوسف الشايب وحرية الصحافة

غزة - دنيا الوطن
غني عن القول أن حرية الصحافة، وضمان التعبير الحر عن الرأي، من أهم السمات التي تباهي بها  المجتمعات، وربما تكون من أهم معايير الحكم على ديمقراطية النظم السياسية باختلافها.
 وتباهي المجتمعات أيضاً بقوننة حرية الصحافة، فمدى تقدم القوانين الخاصة بالصحافة تقاس بمدى حجم الهامش المعطى للصحافة مقابل تقليص الصلاحيات المعطاة لما يسمى بالرقابة.
هذا نقاش فلسفي وقانوني عام وواسع جداً، ولا يختلف عليه اثنان، ومن السخرية أن يتهم الصحفي ثم يعاقب ويسجن على رأي أبداه أو على "معلومة موثقة" نشرها في صحيفته.
 ولكن الدخول في التفاصيل قد يعكر صفو النقاء الذي يحمله طابع هذه المبادئ السامية، وكما يقال "يكمن الشيطان في التفاصيل". التفاصيل هنا هي الفارق بين حرية الرأي والقدح والذم، وهي الفارق بين "المعلومة الموثقة" المستندة إلى قرائن وبينات وبين إلقاء التهم على عواهنها.
تبدو قضية يوسف الشايب في المبدأ أبسط من أن تكون قضية أساساً، فالرجل نشر اتهامات "بالتجسس والعربدة" متهماً أشخاصاً بعينهم بصفاتهم الشخصية والدبلوماسية، وهذا حقه الطبيعي إن توفرت لديه "المعلومات الموثقة"، بينما قامت الجهات التي اتهمها الشايب بتقديم شكوى ضده أمام الجهات الفلسطينية المختصة وهذا حقها أيضاً، وهو أيضاً قمة الرقي والتفكير والممارسة، وعلى الشايب الآن إبراز مصادر "معلوماته الموثقة" وإلا فإنه سيكون فاعلاً أساسياً في جريمة قدح وذم وتشهير بحق أشخاص وبحق مؤسسات.
 يرفض الشايب الافصاح عن معلوماته، ويطالب المتضامنون معه بالتحقيق مع الأشخاص الذين رفعوا الدعوى بالقضايا التي اتهمهم بها الشايب.
 وهو جوهر الحملة التضامنية مع الشايب. ولكن هدوءاً بسيطاً بعيداً عن ضوضاء التضامن والشعارات الكبيرة يظهر وببساطة أن هذه الاتهامات، ولكي تشكل قضية يجب أن تكون مسنودة بالأدلة، وهذه الأدلة يمتلكها الشايب وحده على ما يدعي، وبالتالي فعليه كواجب وطني وأخلاقي أن يتقدم بها إلى الجهات المختصة وبالأساس إلى النيابة العامة الفلسطينية التي تقوم بتقييم هذه الأدلة ومحاسبة "الجواسيس والعملاء والمعربدين" عن طريق تقديمهم إلى محاكمات علنية وعادلة. فتهمة التجسس ليست تهمة بسيطة، وحبذا لو يتخيل واحد من متضامني يوسف الشايب نفسه موضع اتهام بالتجسس هل كان سيسكت؟؟ على الأقل لم تخف البعثة الفلسطينية في فرنسا، ولم يخف الأشخاص الذين تم اتهامهم وقاموا بتقديم شكوى ضد الصحفي. بينما يرفض الشايب إلى الآن أن يتقدم بأدلته أمام النيابة العامة متمسكاً بحقه كصحفي بعدم الافصاح عن مصادره. وكما تقول القاعدة الشرعية والقانونية "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" فما على الشايب هو البينة وما على المذكورين سوى اليمين. والبينة تدحض اليمين.
لم تكن رغبتي في هذا المقال أن أدخل في نقاش قانوني لقضية واضح الأركان كهذه، غير أن التوضيح اقتضى ذلك للانتقال إلى نقاش مدى أخلاقية الشعارات التي رفعها المتضامنون مع يوسف الشايب: ما يثير الدهشة هو أن واحداً من هؤلاء لم يتوقف عند مدى خطورة التهم التي ألقاها الشايب، فاتهام اي انسان فلسطيني بالتجسس "لصالح جهات فلسطينية وأجنبية" هو مسألة خطيرة جداً ولا يجب أن تلقى هكذا، وكان على نقابة الصحفيين، التي اعطت موافقتها على التحقيق مع يوسف الشايب وحضر ممثلها جزءاً من التحقيق، أن تقف مع المتهم حتى تثبت براءته، وبراءة الشايب هنا بإبرازه وثائقه الدامغة التي تثبت هذه التهمة الخطيرة جداً تمهيداً لمحاكمة "الجواسيس" وإيقاع اقصى العقوبات القانونية بهم، أو، إن لم يمتلك هذه الوثائق، يجب نصره برده عن ظلمه، لا التمادي معه في هذا الظلم.
ولكن ربما يجد بعض المتضامنين أسبابهم الشخصية والأنانية للنيل من القضاء والسلطة الوطنية والتحقيقات والعملية القضائية برمتها قبل أن تبدأ، وربما يخاف بعض الصحفيين من أن يكونوا تالياً بعد يوسف الشايب أمام القضاء لأسباب شتى، وربما يكون البعض مدفوعاً بأنانية الصحفي الذي يحق له ما لا يحق لغيره، وربما.. وربما.. ولكن مجرد وقفة بسيطة مع الذات ستظهر أن الشايب نفسه، بعد أن فصلته جريدته وتنصلت منه ونشرت توضيحاً بخصوص تقريره الأساسي، وبعد أن نشر هو نفسه مقالاً توضيحياً على صفحات معاً تنصل فيه من مسؤوليته كصحفي عن تقريره، ستظهر أنه مواطن فلسطيني اتهم مواطنين فلسطينيين وعليه أن يتحمل تبعات هذا الاتهام قضائياً وبشكل حضاري، وبعيد كل البعد عن الجعجعة والصراخ والتمسح بحرية الصحافة.
 وبعض الصحافة السوداء التي لا هم لها سوى توسيع أي حادث ليصل إلى مستوى جريمة ترتكبها "السلطة الوطنية"، هي صحافة معروفة، ومعروف من وراءها، وما هي أهدافها في النيل من مؤسساتنا الوطنية ومن الأشخاص الذين يمثلونها سواء كانوا دبلوماسيين أم سياسيين أم حتى موظفين في أي دائرة.
 يحق للذين اتهمهم الشايب اللجوء للقضاء، ويحق للشايب أيضاً أن يلجأ للقضاء لرد الظلم عنه، والقضاء هو سلسلة من الإجراءات تبدأ بتحقيقات النيابة العامة وتنتهي بالحكم الذي يصدره القاضي المختص، فالنيابة العامة جزء لا يتجزأ من العملية القضائية، وحجة الشايب بأنه لن يفصح عن مصادره إلا أمام محكمة تضعه في مأزقين الأول مهني: مما يعني أنه لم يمتلك يوماً "معلومات موثقة" عن اتهاماته، والثاني أخلاقي – وطني: من حيث أنه يخفي عن النيابة العامة "معلومات موثقة" عن حالات تجسس في مؤسسة فلسطينية. 
وفي كلا الحالتين فإن ما يسمى بقضية "يوسف الشايب" هي قضية خاسرة حتى وإن حاولت الجوقة التي تحوم حوله إلى تحويلها إلى قضية رأي عام.

التعليقات