البيان والخطة وعقلنة الحل في سورية
دمشق- دنيا الوطن
بقلم: زياد ابوشاويش
منذ بدأت وقائع الأزمة السورية قبل عام واختلف الناس في تشخيصها كما في توصيفها وجدنا أن كل من يتناول الشأن السوري يبحث عن الحل انطلاقاً من هذا التشخيص وذاك التوصيف، لكن كل الاقتراحات للخروج من المأزق الخطير الذي خلقته تداعيات الأحداث وردود الفعل عليها التقت في نقطة مركزية واحدة تتعلق بمصلحة الباحث عن هذا الحل وإن تغطى بثوب الوطنية السورية والمصلحة العامة.
سمعنا هتافات وشعارات تنادي بسقوط النظام ورحيل القيادة السورية، بل أكثر من هذا شاهدنا واستمعنا لبيانات ومظاهرات تطالب برحيل الرئيس بشار الأسد ولا تجد مصلحة سورية إلا في تحقيق هذه الشعارات والمطالب، لكننا نعرف أن هذا غلاف وطني لمصلحة هذه الفئة خاصة حين ترتبط هذه الشعارات والمطالب بتشريع التدخل الأجنبي في البلد، بل تصل الأمور بمطلقيها حد استدعاء حلف الناتو والتدخل العسكري الغربي.
وفي المقلب الآخر نجد من يتجاهل كلياً جوهر الأزمة وحق الناس في المطالبة بالإصلاح ويرى في كل الحراك المتواصل منذ عام مجرد مؤامرة خارجية، وأن هؤلاء المنافحين عن حريتهم وكرامتهم عبر التظاهر والمطالبة برحيل النظام مجرد أدوات عميلة للمؤامرة الخارجية وأنه يجب التصدي لهم بكل الوسائل بما فيها القتل والتنكيل حفاظاً على وحدة الوطن وسلامة مواطنيه ودرء خطر التدخل الخارجي أو الحرب الأهلية، لكننا أيضاً نعرف أن ذلك غلاف وطني لحفظ مصالح هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة وخاصة حين يرفعون شعارات من نوع "الأسد أو لا أحد" أو شعارات من نوع "نحن شبيحة بشار".
جميعنا استمعنا للرئيس بشار الأسد وهو يقول أننا تأخرنا في مباشرة الإصلاح وأن هناك فساداً في البلد لابد من كنسه والتخلص منه، كما سمعناه يقول أن هناك مسؤولين في سدة الحكم ارتكبوا أخطاء كبيرة واستغلوا مواقعهم ومناصبهم بشكل غير مقبول وخارج القانون. إذن تقتضي الحكمة أن يتم الاتفاق على تشخيص جدي وموضوعي ومنصف لما يجري وما وقع خاصة عندما يعود المرء بذاكرته إلى الأيام الأولى للمشكلة وما كان يجب أن يتم من أجل توفير سبل الحل السلمي لها، وكم من الخسائر الهائلة التي دفعتها سورية بكل مكوناتها ما تعلق منها بالشهداء والجرحى أو ما ارتبط منها بالاقتصاد الذي بلغت خسائره عشرات المليارات من الدولارات، ناهيك عن الخسائر في العلاقات الخارجية والحصار، والأهم تلك التي مست مباشرة وحدة الشعب السوري ومشاعره وجبهته الداخلية التي يحتاج ترميمها لسنوات طويلة.
ومع الإقرار بأن أخطاءً كبيرة ارتكبت سواء في التعبير عن المطالب والحاجات للناس أو في طريقة وأسلوب المعالجة من الدولة والحكومة للحراك الدائر في الشارع أوصلت سورية لحافة الكارثة فإن الوقت لم يفت على تدارك الأمور وفتح الطريق للحل السلمي الذي يحقق أهداف الشعب السوري في التغيير والإصلاح ويحفظ لكل الأطراف حقوقها وكراماتها.
إن أهم مؤشرات الخروج من المأزق الراهن ورؤية الضوء في نهاية النفق كما يقولون ظهر في الإقرار من المجتمع الدولي بأن هناك أزمة سياسية في سورية يتصارع فيها طرفان رغم المسؤولية الأكبر التي تقع على عاتق الحكومة والدولة، كما جرى الإقرار بأن الحل يجب أن ينطلق من الداخل السوري وبقيادة سورية وليس من أي طرف آخر، وهذا أمر جديد كلياً حيث تعودنا أن نسمع تشخيصاً واحداً يقول بأن هناك دولة وقيادة تقمع شعبها في مقابل تحركات سلمية تدفع الدم من أجل الحرية والعدالة.
هذا الإقرار تجسد في وثيقتين هامتين صدرتا عن الأمم المتحدة، الأولى خطة كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة باعتباره مبعوثاً لها وللجامعة العربية، هذه الخطة التي ركزت في نصوصها على المصالحة والتفاوض والحل السلمي، بالإضافة للجانب الإنساني المتعلق بالإغاثة للمتضررين من القتال والعنف.
إن أهم ما في خطة عنان ومعها بيان مجلس الأمن أنها تطالب بوقف العنف من جانب جميع الأطراف وليس من جانب الحكومة السورية فقط، وهذا النص كما ورد تم التأكيد عليه في الوثيقتين بإجماع الدول حولهما الأمر الذي يعني أنهما اكتسبا الدرجة القطعية في الرأي العام الدولي، ولم يعد بمقدور أي جهة أن تتراجع عنها خاصة مؤتمر ما يسمى أصدقاء سورية الذي سينعقد في اسطنبول أول نيسان (ابريل) القادم، والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا.
المدقق في نصوص البيان الرئاسي لمجلس الأمن وخطة السيد كوفي عنان سيجد أن الحل السلمي (أو الانتقال المتدرج للسلطة والديمقراطية والتعددية) بات إمكانية واقعية تجنب البلد والشعب مصيراً غير محمود وبالغ الصعوبة في حال استمرار العنف والمواجهة.
إن موافقة الأطراف المعادية لسورية كأمريكا والغرب عموماً على البيان الداعم للخطة يشي بتراجع عقلاني من جانب هذه الدول باتجاه تغليب الحل الممكن الذي يحفظ مصالحهم وماء وجوههم، ولعلنا نتذكر العدد الكبير من التصريحات الداعية لرحيل الرئيس الأسد واللغة التي كانت تستخدم في هذا الإطار وكيف انتهت إلى بيانات وتصريحات تشجب العنف وتدعو لوقفه من الجميع.
إن العودة لمنطق العقل والحكمة في معالجة الأزمة السورية لم يأت من فراغ، أو بسبب اتضاح مجريات الأحداث وظهور الحقيقة، بل بسبب الصمود والمثابرة التي أظهرتها القوى الداعية للحل السلمي، والتي قامت بتشخيص هادئ ودقيق لجوهر الأزمة باعتبارها أزمة سياسية أمنية يختلط فيها الداخلي والخارجي بطريقة معقدة وخطيرة، وبالتالي لا مجال للحل عن طريق القتال أو العنف أو التدخل العسكري من الخارج، وأن المعالجات الأمنية الداخلية التي تجاوزت في بعضها حدود القانون والإنسانية لا تغني عن الحل السياسي الذي يرضي كافة الأطراف ولا ينتهي بغالب ومغلوب أو مهزوم ومنتصر، ولعل هذه الصيغة التي تم التوافق أخيراً عليها لا تبقي أي منتصر في سورية سوى الشعب السوري وحقه في الإصلاح والديمقراطية وحرية الاختيار، ويبقى أن تعلن المعارضة بكل مكوناتها قبول الخطة والبيان إن كانت حريصة على حقن دماء السوريين وتجنيب البلد خطر التدخل الخارجي.
بقلم: زياد ابوشاويش
منذ بدأت وقائع الأزمة السورية قبل عام واختلف الناس في تشخيصها كما في توصيفها وجدنا أن كل من يتناول الشأن السوري يبحث عن الحل انطلاقاً من هذا التشخيص وذاك التوصيف، لكن كل الاقتراحات للخروج من المأزق الخطير الذي خلقته تداعيات الأحداث وردود الفعل عليها التقت في نقطة مركزية واحدة تتعلق بمصلحة الباحث عن هذا الحل وإن تغطى بثوب الوطنية السورية والمصلحة العامة.
سمعنا هتافات وشعارات تنادي بسقوط النظام ورحيل القيادة السورية، بل أكثر من هذا شاهدنا واستمعنا لبيانات ومظاهرات تطالب برحيل الرئيس بشار الأسد ولا تجد مصلحة سورية إلا في تحقيق هذه الشعارات والمطالب، لكننا نعرف أن هذا غلاف وطني لمصلحة هذه الفئة خاصة حين ترتبط هذه الشعارات والمطالب بتشريع التدخل الأجنبي في البلد، بل تصل الأمور بمطلقيها حد استدعاء حلف الناتو والتدخل العسكري الغربي.
وفي المقلب الآخر نجد من يتجاهل كلياً جوهر الأزمة وحق الناس في المطالبة بالإصلاح ويرى في كل الحراك المتواصل منذ عام مجرد مؤامرة خارجية، وأن هؤلاء المنافحين عن حريتهم وكرامتهم عبر التظاهر والمطالبة برحيل النظام مجرد أدوات عميلة للمؤامرة الخارجية وأنه يجب التصدي لهم بكل الوسائل بما فيها القتل والتنكيل حفاظاً على وحدة الوطن وسلامة مواطنيه ودرء خطر التدخل الخارجي أو الحرب الأهلية، لكننا أيضاً نعرف أن ذلك غلاف وطني لحفظ مصالح هؤلاء الذين يفكرون بهذه الطريقة وخاصة حين يرفعون شعارات من نوع "الأسد أو لا أحد" أو شعارات من نوع "نحن شبيحة بشار".
جميعنا استمعنا للرئيس بشار الأسد وهو يقول أننا تأخرنا في مباشرة الإصلاح وأن هناك فساداً في البلد لابد من كنسه والتخلص منه، كما سمعناه يقول أن هناك مسؤولين في سدة الحكم ارتكبوا أخطاء كبيرة واستغلوا مواقعهم ومناصبهم بشكل غير مقبول وخارج القانون. إذن تقتضي الحكمة أن يتم الاتفاق على تشخيص جدي وموضوعي ومنصف لما يجري وما وقع خاصة عندما يعود المرء بذاكرته إلى الأيام الأولى للمشكلة وما كان يجب أن يتم من أجل توفير سبل الحل السلمي لها، وكم من الخسائر الهائلة التي دفعتها سورية بكل مكوناتها ما تعلق منها بالشهداء والجرحى أو ما ارتبط منها بالاقتصاد الذي بلغت خسائره عشرات المليارات من الدولارات، ناهيك عن الخسائر في العلاقات الخارجية والحصار، والأهم تلك التي مست مباشرة وحدة الشعب السوري ومشاعره وجبهته الداخلية التي يحتاج ترميمها لسنوات طويلة.
ومع الإقرار بأن أخطاءً كبيرة ارتكبت سواء في التعبير عن المطالب والحاجات للناس أو في طريقة وأسلوب المعالجة من الدولة والحكومة للحراك الدائر في الشارع أوصلت سورية لحافة الكارثة فإن الوقت لم يفت على تدارك الأمور وفتح الطريق للحل السلمي الذي يحقق أهداف الشعب السوري في التغيير والإصلاح ويحفظ لكل الأطراف حقوقها وكراماتها.
إن أهم مؤشرات الخروج من المأزق الراهن ورؤية الضوء في نهاية النفق كما يقولون ظهر في الإقرار من المجتمع الدولي بأن هناك أزمة سياسية في سورية يتصارع فيها طرفان رغم المسؤولية الأكبر التي تقع على عاتق الحكومة والدولة، كما جرى الإقرار بأن الحل يجب أن ينطلق من الداخل السوري وبقيادة سورية وليس من أي طرف آخر، وهذا أمر جديد كلياً حيث تعودنا أن نسمع تشخيصاً واحداً يقول بأن هناك دولة وقيادة تقمع شعبها في مقابل تحركات سلمية تدفع الدم من أجل الحرية والعدالة.
هذا الإقرار تجسد في وثيقتين هامتين صدرتا عن الأمم المتحدة، الأولى خطة كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة باعتباره مبعوثاً لها وللجامعة العربية، هذه الخطة التي ركزت في نصوصها على المصالحة والتفاوض والحل السلمي، بالإضافة للجانب الإنساني المتعلق بالإغاثة للمتضررين من القتال والعنف.
إن أهم ما في خطة عنان ومعها بيان مجلس الأمن أنها تطالب بوقف العنف من جانب جميع الأطراف وليس من جانب الحكومة السورية فقط، وهذا النص كما ورد تم التأكيد عليه في الوثيقتين بإجماع الدول حولهما الأمر الذي يعني أنهما اكتسبا الدرجة القطعية في الرأي العام الدولي، ولم يعد بمقدور أي جهة أن تتراجع عنها خاصة مؤتمر ما يسمى أصدقاء سورية الذي سينعقد في اسطنبول أول نيسان (ابريل) القادم، والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا.
المدقق في نصوص البيان الرئاسي لمجلس الأمن وخطة السيد كوفي عنان سيجد أن الحل السلمي (أو الانتقال المتدرج للسلطة والديمقراطية والتعددية) بات إمكانية واقعية تجنب البلد والشعب مصيراً غير محمود وبالغ الصعوبة في حال استمرار العنف والمواجهة.
إن موافقة الأطراف المعادية لسورية كأمريكا والغرب عموماً على البيان الداعم للخطة يشي بتراجع عقلاني من جانب هذه الدول باتجاه تغليب الحل الممكن الذي يحفظ مصالحهم وماء وجوههم، ولعلنا نتذكر العدد الكبير من التصريحات الداعية لرحيل الرئيس الأسد واللغة التي كانت تستخدم في هذا الإطار وكيف انتهت إلى بيانات وتصريحات تشجب العنف وتدعو لوقفه من الجميع.
إن العودة لمنطق العقل والحكمة في معالجة الأزمة السورية لم يأت من فراغ، أو بسبب اتضاح مجريات الأحداث وظهور الحقيقة، بل بسبب الصمود والمثابرة التي أظهرتها القوى الداعية للحل السلمي، والتي قامت بتشخيص هادئ ودقيق لجوهر الأزمة باعتبارها أزمة سياسية أمنية يختلط فيها الداخلي والخارجي بطريقة معقدة وخطيرة، وبالتالي لا مجال للحل عن طريق القتال أو العنف أو التدخل العسكري من الخارج، وأن المعالجات الأمنية الداخلية التي تجاوزت في بعضها حدود القانون والإنسانية لا تغني عن الحل السياسي الذي يرضي كافة الأطراف ولا ينتهي بغالب ومغلوب أو مهزوم ومنتصر، ولعل هذه الصيغة التي تم التوافق أخيراً عليها لا تبقي أي منتصر في سورية سوى الشعب السوري وحقه في الإصلاح والديمقراطية وحرية الاختيار، ويبقى أن تعلن المعارضة بكل مكوناتها قبول الخطة والبيان إن كانت حريصة على حقن دماء السوريين وتجنيب البلد خطر التدخل الخارجي.

التعليقات