يصدر كتاباً جديداً عن "التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية"

دبي- دنيا الوطن

أصدر "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" كتاباً جديداً عن "التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية" تضمّن أوراقاً بحثية لعدد من الباحثين والمفكرين شاركوا في المؤتمر السنوي السادس عشر، الذي أقامه المركز في أبوظبي تحت عنوان "التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية" خلال الفترة 21-23 مارس 2011، عن التحديات المعاصرة في العالم، كتداعيات "الأزمة المالية العالمية"، وقضايا العنف والصراعات والنزاعات في عدد من بلدان العالم، والمتغيرات الاستراتيجية المؤثرة في موازين القوى الدولية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتحدث الكتاب عن التراجع الواضح لدور الولايات المتحدة الأمريكية، وتزايد نفوذ الشرق، ونمو دور المنظمات الدولية، وكيف أدّت هذه التحديات ببعض المراقبين والباحثين إلى التساؤل عن الكيفية التي سيكون عليها توزّع القوى العالمية في العقدين المقبلين.

وعن الرؤية الاستراتيجية المستقبلية المفترضة لمنطقة الخليج، دعت أوراق بحثية في الكتاب إلى ضرورة أن تشمل مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك الجوانب الوطنية والإقليمية والعالمية. فمن ناحية، يجب على دول المنطقة تطوير قدراتها المحلية بشكل أقوى، وذلك للتكيّف مع التطورات الاستراتيجية الجديدة، من خلال تمتين الروابط بين المواطنين في الدولة، وبشكل يقلّل من تعرضهم للقوى المعادية العابرة للحدود القومية. ومن جهة ثانية، على دول الخليج تعميق روابطها مع دول الشرق بشكل أكبر، خاصة مع دول مثل كوريا الجنوبية واليابان والصين والهند وأستراليا، حيث إن لكل من هذه الدول أسلوبها الخاص المختلف، ومن خلاله يمكن الإسهام في الاستقرار الإقليمي.

ودعت ورقة بحثية في الكتاب إلى ضرورة أن تصبح دول الخليج مصدِّرة للأمن بدلاً من أن تكون مجرد مستوردة له، فتساهم في البعثات الدولية التي تقرها الأمم المتحدة والجهات الدولية الفاعلة الأخرى. فالدول التي لديها هذا الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية الدولية تصبح أكثر حيوية في النظام العالمي كلّه. وفي إمكان دول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" تحسين أجهزتها الأمنية الإقليمية، وزيادة مرونتها أيضاً. وفضلاً عن هذا فإن على دول "مجلس التعاون" السعي إلى بناء روابط مؤسساتية أقوى في ما بينها. كذلك فإن دول المنطقة بحاجة إلى أن تعي جيداً أهمية الحكم الرشيد ومكانته لضمان استقطاب المجتمع الدولي، والأخير قادر على الانخراط من جهته، بشكل فعّال، مع دول الخليج.

 كما يتقصّى الكتاب التحولات الإقليمية الجذرية التي عصفت بالمنطقة العربية منذ مطلع عام 2011، التي تمثلت في أحداث ما يسمى "الربيع العربي" الذي أسفر عن إطاحة أنظمة حكم عتيدة، كما في تونس ومصر وليبيا، وتهديد أنظمة حكم أخرى، كما في اليمن وسوريا، وإثارة احتجاجات في دول أخرى.

ومع أن معالي عبدالرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكان احد المشاركين في المؤتمر يشير إلى الفروق الجوهرية بين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" مقابل نظيرتها في الدول العربية الأخرى، فإنه يشدّد على أهمية مواصلة مسيرة التنمية السياسية في دول المجلس، ولكن بوتيرة أسرع لتنسجم مع تسارع التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في دول المجلس، والأحداث الجارية في المنطقة العربية منذ مطلع عام 2011.

وهو لا يكتفي بالدعوة إلى تعزيز المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار على المستوى الفردي للدول الأعضاء فقط، بل على مستوى صنع القرار الجماعي في إطار "مجلس التعاون" أيضاً. وكما يؤكد ضرورة تكريس مفهوم المواطنة في دول المجلس، بما يحمله هذا المفهوم من قيم الانتماء والولاء للوطن، والمشاركة الفاعلة للمواطن في المجتمع الذي ينتمي إليه، وهو ارتباط راسخ يتعدّى الولاءات التقليدية القبلية والمذهبية، فإنه يؤكد كذلك أهمية تحقيق المواطنة الخليجية بمفهوميها الاجتماعي والاقتصادي.

وبدوره، يلفت صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل النظر إلى استجابة دول "مجلس التعاون" للتحديات التي واجهت كلاً من مملكة البحرين وسلطنة عُمان، في إثر الاحتجاجات التي اندلعت فيهما في خضم "الربيع العربي"، فقد أسرعت دول المجلس إلى إعلان تقديمها دعماً مالياً لكل دولة منهما بمقدار 10 مليارات دولار، للوفاء بحاجات مواطنيها ومطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، كما أسرعت إلى تقديم الدعم الأمني إلى البحرين، بموجب اتفاقية الدفاع المشترك، الذي درأ خطر أي تدخل خارجي عنها.

وفي سياق موضوع المؤتمر، يذكر الأمير الفيصل أن العالم يشهد توزيعاً جديداً للقوى بفعل التحول في مفهوم القوة وعلاقاتها وأنماطها، ما ينبئ ببروز قطبية تعددية جديدة تتغير معها طبيعة السياسة الدولية، ونوعية التفاعلات بين الأمم، لافتاً النظر إلى صعود قوى جديدة، وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا، إضافة إلى روسيا و"الاتحاد الأوروبي" واليابان.

ونظراً إلى ما تتمتع به دول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" من إمكانيات عظيمة في مجالي الطاقة والمال، فإن سموه يضع دول المجلس ضمن القوى الصاعدة، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد أن هذه الدول لن تصبح طرفاً فاعلاً وأساسياً في السياسة الدولية ما لم تتخلص ممّا تعانيه من "انكشاف استراتيجي"، وهو يرى أن تخطي هذا الانكشاف يكمن في تحصين الجبهة الداخلية من خلال القيام بإصلاحات شاملة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتطوير المنظومة الخليجية من نموذج التعاون إلى نموذج الاتحاد، مع ما يستدعيه هذا من استكمال تطبيق أدوات التكامل والوحدة وبرامجهما بين الدول الخليجية الست.

وتضمّن الكتاب ورقة بحثية تناولت أهمية مسألة إعادة هيكلة "مجلس الأمن" ضمن تصور أوسع يقوم على إصلاح هيئة الأمم المتحدة بكليّتها، بغية التكيف مع متطلبات عالم متعدد القطبية يتغير بسرعة، وواقعه. وتشمل التدابير جعل الأمم المتحدة منظّمة تتمتع بمزيد من الفعالية والصدقية، وإصلاح "مجلس الأمن" من خلال توسيع العضوية فيه، وجعله أكثر تمثيلاً بحق، وبناء توافق بين أعضاء المجلس لمواجهة أعمال الإبادة والفظائع الجماعية، وتقوية قدرات قوات طوارئ السلام الأممية في الأزمات الدولية، وتعزيز الحوكمة في الأمم المتحدة ووكالاتها.

ويتناول القسم الثالث والأخير من الكتاب التهديد الواضح للاستقرار العالمي المعاصر المتمثل في التداعيات الجارية لـ "الأزمة المالية العالمية". ويبيِّن مانو باسكاران مجموعتين من التغيرات السياسية الكبرى التي ستؤثر في مسار الاقتصاد العالمي، هما: التحولات الأيديولوجية، إذ إن ردود الفعل المناهضة لفكر السوق الحرة ستتسارع لتصل إلى نقطة يبدأ عندها إعادة التفكير في السياسة الأساسية، والتغيرات الجيوسياسية، حيث ستضمحل هيمنة الولايات المتحدة على العالم، ما سيسرع بصعود قوى جديدة مثل الصين. وسيكون اقتصاد الولايات المتحدة أقل دينامية لبضع سنوات على الأقل ليتكيف مع الصدمات الناجمة عن "الأزمة المالية"، كما أن عمليات التكيف من شأنها أن تستنزف الطاقات الاقتصادية للبلاد. لذا، فإن الولايات المتحدة ستعاني لفترة محدودية مواردها المالية، والموارد الأخرى المتاحة لها، لمواصلة هيمنتها الجيوسياسية. ومع وجود قوى أخرى تحاول شق طريقها، فإن الولايات المتحدة –ولا سيما أن قدراتها الخاصة مقيدة- ستتحول من قوة مهيمنة لطيفة وغيرية إلى قوة مهيمنة أكثر أنانية.

لقد أدت الأزمة إلى تسارع التغيرات الجيوسياسية، وانخفاض الأهمية الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة وأوروبا في الاقتصاد العالمي. ومن المرجّح أن تنعكس هذه السرعة التصاعدية لتراجع القوى على هيكل الإدارة الاقتصادية العالمية.

وبالنسبة إلى آثار الأزمة في الاقتصادات الناشئة، فإن معاينة مشهد ما بعد الأزمة توحي أن الأوضاع ستكون متقلبة في هذه الاقتصادات. ومع ذلك، فإن الحل الأمثل بالنسبة إلى هذه الاقتصادات لا يكمن في الانفصال عن العالم، وعزل نفسها عن الاقتصاد العالمي، لأن ذلك سيحرمها الفوائد الهائلة التي تتمخض عن الانفتاح الاقتصادي. وبما أن استمرار الانفتاح يعني التعرض للصدمات، فقد سلطت الأزمة الأخيرة الضوء على حقيقة أن الاقتصادات الناشئة يجب أن تركز على بناء المرونة الاقتصادية، وضمان أن تكون الحكومات قادرة على الاستجابة بسرعة وفاعلية في حال وقوع الصدمات.

لقد أدّت المناقشات حول الأسباب الجذرية لـ "الأزمة المالية العالمية" إلى إثارة الانتباه من جديد إلى النظام النقدي الدولي والتطورات والإصلاحات الممكنة لهذا النظام. ويحاول د. كمال درويش أن يستقصي الاتجاهات المحتملة لتغير النظام النقدي الدولي الرابع الحالي، الذي يسميه "نظام بريتون وودز الثاني"، مرجّحاً أننا قد نكون في مرحلة انتقالية نحو نظام نقدي دولي خامس.

ويتوقع أن المستقبل القريب سيشهد تحركاً نحو مزيد من القطبية الثلاثية في الاقتصاد العالمي والنظام النقدي الدولي، فمن الممكن أن النظام النقدي الدولي خلال السنوات العشر المقبلة تقريباً، سيدور حول الدولار واليورو واليوان فقط، مع استمرار استخدام طفيف للجنيه الإسترليني والين كأصول احتياطية، ودور ضئيل للغاية لحقوق السحب الخاصة. لكن ستكون هناك رغبة، على الأرجح، في توسيع حقوق السحب الخاصة، وجعلها بمنزلة "دعامة رابعة" للنظام النقدي المالي إلى جانب العملات الثلاث.

ومن جهته يتتبع معالي سلطان بن ناصر السويدي التدابير التي اتخذتها المؤسسات المالية الدولية الكبرى للاستجابة لـ "الأزمة المالية العالمية". وتمثلت استجابة "صندوق النقد الدولي" في تبني ثلاثة أنواع من الإجراءات، هي: الإجراءات الفورية، والتغييرات في هيكل قيادة الصندوق، والتغييرات على المدى الطويل، خاصة في مجالي الإقراض والمراقبة بهدف تجنب المزيد من الأزمات.

أما على صعيد "البنك الدولي"، فقد تم إصلاح نظام الإدارة في مجموعة البنك، من أجل زيادة قوة التصويت للبلدان النامية، كما قام البنك، وبنوك التنمية متعددة الأطراف، بمضاعفة الإقراض السنوي الإجمالي، في حين أن "مجلس الاستقرار المالي" خضع لتوسيع العضوية ليشمل كل دول "مجموعة العشرين"، كما تم توسيع صلاحياته.

لقد شكلت "الأزمة المالية العالمية" تحدياً للنظام المالي في دولة الإمارات العربية المتحدة، ما دفع "المصرف المركزي" والحكومة الاتحادية، إلى اتخاذ عدد من الخطوات لضمان الاستقرار. وقد دخلت البلاد طور التعافي الاقتصادي، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي 2.5% في عام 2010، والتوقعات، آنذاك، أن يصل إلى أكثر من 3% عام 2011، وتتطلع الحكومة إلى الوصول إلى نمو مستدام بمعدل 5% سنوياً في السنوات المقبلة. ولا تزال دولة الإمارات العربية المتحدة تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم العربي من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

وفي موضوع ذي صلة، يرى د. عادل عبداللطيف أن التقدم الهائل الذي تم تحقيقه في "دليل التنمية البشرية" على مدى السنوات الأربعين الماضية في مختلف أنحاء العالم قد جلب معه تحديات جديدة أيضاً، كالاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن أنواع تحديات الاستدامة الثلاثة لدى كثير من البلدان تتفاعل في ما بينها بقوة لدرجة تمكّننا ربما من الإشارة إليها مجتمعة باسم "الاستدامة البشرية". والسؤال الرئيسي للاستدامة البشرية هو: هل كان يمكننا أن نتوقع أن الناس في المستقبل ستكون لديهم فرصة كبيرة للعيش برغد كما نحيا نحن اليوم؟

وبدورها حققت دول الخليج نجاحاً هائلاً في مجال التنمية البشرية، ونتيجة لذلك كان هناك تحديان للاستدامة ينموان بشكل متزايد لبعض الوقت، ويدركهما صناع القرار الخليجيون والمجتمع الخليجي على حدّ سواء، التحدي الأول هو نقص المياه، أما التحدي الثاني، فهو النضوب المتوقع لموارد النفط والغاز الطبيعي.

ويشير الكتاب إلى أن اللجوء إلى التنوع الاقتصادي الواسع، إلى جانب الاستثمارات في مجال تكنولوجيا تحلية المياه والطاقة الجديدة، يدل بلا أدنى شكّ على أن القادة والمجتمعات يتمتعون بفهم عميق للاستدامة، فهي في صلب تفضيلاتهم السياسية والأداء المؤسسي. وبعبارة أخرى: إن هذه الدول تظهر غريزة التفكير في المستقبل.

التعليقات