صفقة العصر بين (الإخوان المسلمين) والمنظومة الصهيوأطلسية
غزة - دنيا الوطن
صفقة العصر بين (الإخوان المسلمين) والمنظومة الصهيو:أطلسية
قيادة الإخوان في الخارج لا تعبّر عن جمهور الإسلاميين في الداخل السوري. الإسلاميون في الداخل السوري شديدو التعصب طائفيا (وهذا التعصب الطائفي هو المحرّك الذي يدفعهم لما يقومون به). ليس هذا فقط بل إن التعصب الطائفي في سورية موجود حتى عند غير الإسلاميين. موضوع العصبية الطائفية قضية غير مرتبطة بالدين. كثير من المتعصبين طائفيا هم ناس بعيدون عن الدين، وكلما ابتعدوا عن الدين ازدادوا تعصباً. التعصب هو قضية تنبع من خلل في التفكير أولا (بسبب سوء النظام التربوي وبسبب تراكم الحساسيات التاريخية) وثانياً من الظروف الحياتية الصعبة.
طبعا الإخوان المسلمون لديهم مبدأ يسمونه “التدرج في تطبيق الشريعة”، والمقصود بهذا المبدأ هو الاحتيال والنفاق، و(التقيّة والباطنية) التي يتّهمون الشيعة بها، بينما يمارسها الإخوان بمنتهى الانتهازية، لأسباب سياسية.. أمّا الشيعة فمارسوها، لأسباب غير سياسية، بغية الحفاظ على حياتهم. وهم – أي الإخوان - يعلنون مواقف في العلن ولكنهم فيما بينهم يقولون أن هذه المواقف مؤقتة ومن باب “التدرج”. ولكن بغض النظر عن هذه القضية فإن إعلان الإخوان المسلمين أنهم يؤمنون بدولة المساواة هو هدف سياسي تنفيذاً لصفقة العصر مع واشنطن التي تشرّع باب
السلطة أمام (الإخوان المسلمين) مقابل دعم هيمنة واشنطن على العرب والمسلمين، ومقابل التحالف غير المعلن مع إسرائيل، في مواجهة كل أعداء إسرائيل، مع السماح للإخوان بأنّ يقولوا ويعبرّوا عكس ذلك تماماً، فقط من باب (التقيّة السياسية) ولذلك تذاكى (الإخونجيون السوريون) وأصدروا وثيقتهم الأخيرة، ظناً منهم أنهم بذلك يستطيعون خداع بعض السوريين، كما أنهم يُرضون أسيادهم في العواصم الأطلسية.
مؤتمر الإخوان المسلمين بالأمس هو جزء من الحملة التي بدأت قبل شهر تقريبا ضد المسيحيين وبقية الفئات الداعمة للنظام.
الحملة تشمل نوعين من الممارسات: ممارسات ترهيبية وترغيبية. الممارسات الترهيبية تشمل الحملة التي شنها سمير جعجع على بطرك الموارنة والفتوى السعودية بهدم الكنائس ورفض شيخ الأزهر استقبال بطرك الموارنة والسيارات المفخخة في الأحياء المسيحية. أما الممارسات الترغيبية فمنها مؤتمر الإخوان المسلمين بالأمس وإعلانهم أنهم لا يمانعون المساواة التامة في جميع مناصب الدولة.
طبعا الحملة التصعيدية ليست ضد المسيحيين فقط وإنما ضد كل الفئات الداعمة للنظام السوري. مثلا بالأمس سمعنا خبر وفاة شيخ عقل الدروز، وهذا الخبر بغض النظر عن تفاصيله هو حتما مرتبط بالحملة التصعيدية ضد الدروز التي بدأها وليد جنبلاط عندما هاجم دروز سورية ووصفهم بأنهم شبيحة ويقتلون “إخوانهم السنة” كما قال (أو كما لقّنه معلّمه جيفري فيلتمان).
في مؤتمر اسطنبول قريبا سوف يتم الإعلان عن مساعدات مالية كبيرة لسورية “بعد سقوط النظام”، والهدف من هذا الإعلان هو إغراء الطبقة الوسطى ورجال الأعمال. هو محاولة ترغيبية مرتبطة بمؤتمر الإخوان بالأمس. بعض رجال الأعمال السوريين خضعوا في الأشهر الماضية لكثير من الترهيب (عقوبات وحصار، اغتيالات، إحراق معاملهم، إلخ) وقريبا سوف يبدأ الترغيب أيضا إلى جانب الترهيب. سوف يتم الإعلان عن مبالغ مالية كبيرة تمنح لسورية مقابل إسقاط النظام.
هذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها أميركا المال على سورية مقابل الاعتراف بإسرائيل. أميركا سعت منذ الأربعينات لإقناع السوريين بمهادنة إسرائيل مقابل المال. في الخمسينات كان هناك مشروع أميركي اسمه “مشروع أيزنهاور”، وهذا المشروع كان يقوم على فكرة منح مساعدات مالية للدول التي تلتحق بالمعسكر الأميركي. وقتها السوريون رفضوا هذا المشروع بشدة واعتبروه مؤامرة استعمارية. أيضا في السبعينات أميركا سمحت للسعودية ودول الخليج بأن تضخ مبالغ مالية كبيرة في سورية على أمل استمالتها إلى اتفاقية كامب دافيد، وعندما رفض حافظ الأسد الدخول في
اتفاقية كامب دافيد تم قطع المال عنه ودخلت سورية في عقد الثمانينات المظلم.
بعد حرب الخليج في عام 1991 تم أيضا ضخ مال خليجي في سورية لتشجيع حافظ الأسد على الانخراط في “عملية السلام”، وبعد فشل عملية السلام ورفض حافظ الأسد التنازل عن شبر واحد من الحقوق السورية والفلسطينية، تمّ قطع كل المال عن سورية وتم إخراجها من لبنان على أمل أن تؤدي صدمة الخروج من لبنان إلى انهيار النظام السوري.
ثم في عام 2008 عادت أميركا مجددا إلى سياسة الإغراءات المالية على أمل “جذب سورية بعيدا عن إيران” (وهذا المصطلح هو مصطلح كودي المقصود منه هو دفع سورية للتقارب مع إسرائيل). وقتها سمحت أميركا لسورية بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتم رفع اسم سورية عن قائمة الدول المحظور السفر إليها (مما أدى إلى ازدياد قدوم السياح الغربيين إلى سورية بشكل كبير) وأصدر أوباما عدة إعفاءات (waivers) تسمح بتصدير قطع غيار الطائرات المدنية إلى سورية، وأيضا جاء الخليجيون مجددا إلى سورية وعادت الاستثمارات الخليجية (التي أغلبها استثمارات عقارية وسياحية) وجاء
الملك السعودي إلى دمشق وأخذ بشار الأسد من يده إلى لبنان في حركة رمزية كان المراد منها هو القول لسورية بأننا سنعطيك لبنان إن “ابتعدت عن إيران” (أيّ إن اقتربت من إسرائيل).
إذن سياسة الإغراءات المالية لسورية هي سياسة قديمة وعريقة تعود إلى مشروع أيزنهاور وإلى ما قبل حكم البعث لسورية، والهدف من هذه السياسة هو دفع سورية للاعتراف بإسرائيل والدخول في حلف معها كما فعلت مصر والأردن ودول الخليج.
طبعا ممن يقرؤون هذا الكلام، سوف يتساءلون: ولماذا لا تعترف سورية بإسرائيل طالما أن كل الدول العربية اعترفت بإسرائيل بما في ذلك الفلسطينيين أنفسهم؟
الاعتراف بإسرائيل، هو الخطوة الأولى المطلوبة (أمريكياً وأطلسياً وصهيونياً) للتحالف مع إسرائيل (خاصة بعد ما رأيناه خلال الأشهر الماضية من مواقف العرب والفلسطينيين)، ولكن الاعتراف بإسرائيل لا يعني فقط التنازل عن السيادة السورية وجعل سورية تحت رحمة إسرائيل وإنما يعني أيضا التخلي عن الجولان.
إسرائيل لا تريد الانسحاب من الجولان. هي تريد أن تحتفظ ببحيرة طبرية بالكامل وتريد أن تحتفظ ببعض المستوطنات في الجولان وتريد أن تكون هناك قواعد أميركية للإنذار المبكر في جبل الشيخ، وطبعا هي تريد أن تكون الجولان منزوعة السلاح. ليس هذا فقط بل إنهم الآن يطرحون شرطا جديدا هو أن على سورية أن تقطع علاقتها بإيران وكورية الشمالية، والمقصود بذلك هو منع سورية من التسلح وجعلها تحت رحمة إسرائيل بشكل أبدي.
هل يعقل أن تسلّم سورية نفسها لإسرائيل وأن تتخلى عن سلاحها وسيادتها بهذا الشكل المذل؟ ربما المعارضة السورية تقبل بهذا ولكن سورية كدولة لا يمكنها أن تستمر إن جعلت نفسها تابعة لإسرائيل، خاصة وأن المشروع الأميركي المطروح الآن ليس مجرد السلام مع إسرائيل وإنما أيضا أميركا تريد من سورية أن تنضم للمحور الوهابي المحارب للشيعة وجعل الصراع بين السنّة والشيعة، وبين العرب والفُرس هو صراع القرن الحادي والعشرين.
هل سورية وتركيبتها تحتمل أن نخوض حربا طائفية ضد الشيعة؟ هذا مطلب جنوني. أميركا تريدنا أن نحرق أنفسنا لأجل إسرائيل.
هناك أيضا قضية أخلاقية هي الوقوف مع إيران. إيران تعرضت للكثير من الظلم بسبب موقفها من القضية الفلسطينية ومن غير اللائق أن نتخلى عنها الآن وعند احتدام النزاع بينها وبين إسرائيل والغرب. صحيح أن أعراب النفط غدّارون وعديمو أخلاق ولكن هذا لا يعني أن نكون مثلهم.
مشكلة أميركا مع سورية ليست مجرد الاعتراف بإسرائيل. سورية أعلنت منذ عشرين سنة أنها مستعدة للاعتراف بإسرائيل إن كانت هناك صفقة عادلة تعيد الحقوق الوطنية إلى أصحابها، وتنفّذ قرارات الشرعية الدولية بخصوص الحقوق الفلسطينية. المشكلة هي أن أميركا لا تريدنا فقط أن نعترف بإسرائيل وإنما هي تريد من سورية ما يلي:
· التخلي عن السيادة
· التخلي عن السلاح
· الوقوع تحت هيمنة إسرائيل
· الدخول في مشروع الحرب ضد الشيعة
هذه مطالب تعجيزية لا يمكن لسورية أن تقبل بها. قبول سورية بهذه الشروط يعني تفكك سورية وتحقق مشروع الفوضى الخلاقة. لهذا السبب ما يجري الآن في سورية ليس صراعا على الحكم وإنما هو صراع على وجود سورية نفسها. أميركا تريد أن تحول سورية إلى مناطق نفوذ: منطقة تحت النفوذ التركي ومنطقة تحت النفوذ الإسرائيلي ومنطقة تحت النفوذ السعودي (وطبعا منطقة النفوذ السعودي سوف تستخدم في مشروع الحرب ضد الشيعة).
هل المبالغ التي سيعلن عنها مؤتمر إسطنبول هي ثمن كاف لتحقيق هذا السيناريو الجنوني؟ لو أعطوا سورية 100 مليار دولار سنويا فهذا لا قيمة له لأن المال لا يعني شيئاً إن ضاعت البلد.
الحل الأفضل لسورية هو المحافظة على تماسك البلد وبعد ذلك سيأتينا المال من العراق وإيران وروسيا والصين. المهم فقط هو وقف العنف وإخماد التمرد، ووضع حدّ للقوى الظلامية التكفيرية التدميرية واتباعها.
المال الذي سيأتينا من الشرق هو مال “نظيف” كما قال حسن نصر الله. دول الشرق لا تطلب منا التخلي عن سلاحنا ولا سيادتنا، بل بالعكس هذه الدول تعطينا التقنيات الصناعية (سواء العسكرية أم غير العسكرية). أما دول الغرب فهي تعطينا المال مقابل أن نتخلى عن كل شيء وأن نتحول إلى راقصي “هيب هوب” وأن يصبح كل همنا هو نيل رضا أسيادنا في واشنطن وتل أبيب.
لماذا نقطع علاقاتنا مع إيران وهي تساعدنا في صناعة الأسلحة وصناعة المركبات والآلات؟ ولماذا نذهب إلى السعودية التي لا تملك شيئا سوى العقارات والملاهي والمجون والفسق والفتن الطائفية والتخلف والعمالة؟
أميركا تصدر إلى إسرائيل أحدث تقنياتها العسكرية والصناعية، أما إلى أتباعها العرب فهي لا تصدر لهم شيئا سوى قنوات MBC والعربية والجزيرة (قنوات الغسيل الفكري).
دول الشرق كلها تريد تصدير تقنياتها إلينا، فلماذا نتركها ونذهب إلى الغرب الذي يريد أن يستعمرنا ويقضي على وجودنا وهويتنا؟
صفقة العصر بين (الإخوان المسلمين) والمنظومة الصهيو:أطلسية
قيادة الإخوان في الخارج لا تعبّر عن جمهور الإسلاميين في الداخل السوري. الإسلاميون في الداخل السوري شديدو التعصب طائفيا (وهذا التعصب الطائفي هو المحرّك الذي يدفعهم لما يقومون به). ليس هذا فقط بل إن التعصب الطائفي في سورية موجود حتى عند غير الإسلاميين. موضوع العصبية الطائفية قضية غير مرتبطة بالدين. كثير من المتعصبين طائفيا هم ناس بعيدون عن الدين، وكلما ابتعدوا عن الدين ازدادوا تعصباً. التعصب هو قضية تنبع من خلل في التفكير أولا (بسبب سوء النظام التربوي وبسبب تراكم الحساسيات التاريخية) وثانياً من الظروف الحياتية الصعبة.
طبعا الإخوان المسلمون لديهم مبدأ يسمونه “التدرج في تطبيق الشريعة”، والمقصود بهذا المبدأ هو الاحتيال والنفاق، و(التقيّة والباطنية) التي يتّهمون الشيعة بها، بينما يمارسها الإخوان بمنتهى الانتهازية، لأسباب سياسية.. أمّا الشيعة فمارسوها، لأسباب غير سياسية، بغية الحفاظ على حياتهم. وهم – أي الإخوان - يعلنون مواقف في العلن ولكنهم فيما بينهم يقولون أن هذه المواقف مؤقتة ومن باب “التدرج”. ولكن بغض النظر عن هذه القضية فإن إعلان الإخوان المسلمين أنهم يؤمنون بدولة المساواة هو هدف سياسي تنفيذاً لصفقة العصر مع واشنطن التي تشرّع باب
السلطة أمام (الإخوان المسلمين) مقابل دعم هيمنة واشنطن على العرب والمسلمين، ومقابل التحالف غير المعلن مع إسرائيل، في مواجهة كل أعداء إسرائيل، مع السماح للإخوان بأنّ يقولوا ويعبرّوا عكس ذلك تماماً، فقط من باب (التقيّة السياسية) ولذلك تذاكى (الإخونجيون السوريون) وأصدروا وثيقتهم الأخيرة، ظناً منهم أنهم بذلك يستطيعون خداع بعض السوريين، كما أنهم يُرضون أسيادهم في العواصم الأطلسية.
مؤتمر الإخوان المسلمين بالأمس هو جزء من الحملة التي بدأت قبل شهر تقريبا ضد المسيحيين وبقية الفئات الداعمة للنظام.
الحملة تشمل نوعين من الممارسات: ممارسات ترهيبية وترغيبية. الممارسات الترهيبية تشمل الحملة التي شنها سمير جعجع على بطرك الموارنة والفتوى السعودية بهدم الكنائس ورفض شيخ الأزهر استقبال بطرك الموارنة والسيارات المفخخة في الأحياء المسيحية. أما الممارسات الترغيبية فمنها مؤتمر الإخوان المسلمين بالأمس وإعلانهم أنهم لا يمانعون المساواة التامة في جميع مناصب الدولة.
طبعا الحملة التصعيدية ليست ضد المسيحيين فقط وإنما ضد كل الفئات الداعمة للنظام السوري. مثلا بالأمس سمعنا خبر وفاة شيخ عقل الدروز، وهذا الخبر بغض النظر عن تفاصيله هو حتما مرتبط بالحملة التصعيدية ضد الدروز التي بدأها وليد جنبلاط عندما هاجم دروز سورية ووصفهم بأنهم شبيحة ويقتلون “إخوانهم السنة” كما قال (أو كما لقّنه معلّمه جيفري فيلتمان).
في مؤتمر اسطنبول قريبا سوف يتم الإعلان عن مساعدات مالية كبيرة لسورية “بعد سقوط النظام”، والهدف من هذا الإعلان هو إغراء الطبقة الوسطى ورجال الأعمال. هو محاولة ترغيبية مرتبطة بمؤتمر الإخوان بالأمس. بعض رجال الأعمال السوريين خضعوا في الأشهر الماضية لكثير من الترهيب (عقوبات وحصار، اغتيالات، إحراق معاملهم، إلخ) وقريبا سوف يبدأ الترغيب أيضا إلى جانب الترهيب. سوف يتم الإعلان عن مبالغ مالية كبيرة تمنح لسورية مقابل إسقاط النظام.
هذه ليست المرة الأولى التي تعرض فيها أميركا المال على سورية مقابل الاعتراف بإسرائيل. أميركا سعت منذ الأربعينات لإقناع السوريين بمهادنة إسرائيل مقابل المال. في الخمسينات كان هناك مشروع أميركي اسمه “مشروع أيزنهاور”، وهذا المشروع كان يقوم على فكرة منح مساعدات مالية للدول التي تلتحق بالمعسكر الأميركي. وقتها السوريون رفضوا هذا المشروع بشدة واعتبروه مؤامرة استعمارية. أيضا في السبعينات أميركا سمحت للسعودية ودول الخليج بأن تضخ مبالغ مالية كبيرة في سورية على أمل استمالتها إلى اتفاقية كامب دافيد، وعندما رفض حافظ الأسد الدخول في
اتفاقية كامب دافيد تم قطع المال عنه ودخلت سورية في عقد الثمانينات المظلم.
بعد حرب الخليج في عام 1991 تم أيضا ضخ مال خليجي في سورية لتشجيع حافظ الأسد على الانخراط في “عملية السلام”، وبعد فشل عملية السلام ورفض حافظ الأسد التنازل عن شبر واحد من الحقوق السورية والفلسطينية، تمّ قطع كل المال عن سورية وتم إخراجها من لبنان على أمل أن تؤدي صدمة الخروج من لبنان إلى انهيار النظام السوري.
ثم في عام 2008 عادت أميركا مجددا إلى سياسة الإغراءات المالية على أمل “جذب سورية بعيدا عن إيران” (وهذا المصطلح هو مصطلح كودي المقصود منه هو دفع سورية للتقارب مع إسرائيل). وقتها سمحت أميركا لسورية بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتم رفع اسم سورية عن قائمة الدول المحظور السفر إليها (مما أدى إلى ازدياد قدوم السياح الغربيين إلى سورية بشكل كبير) وأصدر أوباما عدة إعفاءات (waivers) تسمح بتصدير قطع غيار الطائرات المدنية إلى سورية، وأيضا جاء الخليجيون مجددا إلى سورية وعادت الاستثمارات الخليجية (التي أغلبها استثمارات عقارية وسياحية) وجاء
الملك السعودي إلى دمشق وأخذ بشار الأسد من يده إلى لبنان في حركة رمزية كان المراد منها هو القول لسورية بأننا سنعطيك لبنان إن “ابتعدت عن إيران” (أيّ إن اقتربت من إسرائيل).
إذن سياسة الإغراءات المالية لسورية هي سياسة قديمة وعريقة تعود إلى مشروع أيزنهاور وإلى ما قبل حكم البعث لسورية، والهدف من هذه السياسة هو دفع سورية للاعتراف بإسرائيل والدخول في حلف معها كما فعلت مصر والأردن ودول الخليج.
طبعا ممن يقرؤون هذا الكلام، سوف يتساءلون: ولماذا لا تعترف سورية بإسرائيل طالما أن كل الدول العربية اعترفت بإسرائيل بما في ذلك الفلسطينيين أنفسهم؟
الاعتراف بإسرائيل، هو الخطوة الأولى المطلوبة (أمريكياً وأطلسياً وصهيونياً) للتحالف مع إسرائيل (خاصة بعد ما رأيناه خلال الأشهر الماضية من مواقف العرب والفلسطينيين)، ولكن الاعتراف بإسرائيل لا يعني فقط التنازل عن السيادة السورية وجعل سورية تحت رحمة إسرائيل وإنما يعني أيضا التخلي عن الجولان.
إسرائيل لا تريد الانسحاب من الجولان. هي تريد أن تحتفظ ببحيرة طبرية بالكامل وتريد أن تحتفظ ببعض المستوطنات في الجولان وتريد أن تكون هناك قواعد أميركية للإنذار المبكر في جبل الشيخ، وطبعا هي تريد أن تكون الجولان منزوعة السلاح. ليس هذا فقط بل إنهم الآن يطرحون شرطا جديدا هو أن على سورية أن تقطع علاقتها بإيران وكورية الشمالية، والمقصود بذلك هو منع سورية من التسلح وجعلها تحت رحمة إسرائيل بشكل أبدي.
هل يعقل أن تسلّم سورية نفسها لإسرائيل وأن تتخلى عن سلاحها وسيادتها بهذا الشكل المذل؟ ربما المعارضة السورية تقبل بهذا ولكن سورية كدولة لا يمكنها أن تستمر إن جعلت نفسها تابعة لإسرائيل، خاصة وأن المشروع الأميركي المطروح الآن ليس مجرد السلام مع إسرائيل وإنما أيضا أميركا تريد من سورية أن تنضم للمحور الوهابي المحارب للشيعة وجعل الصراع بين السنّة والشيعة، وبين العرب والفُرس هو صراع القرن الحادي والعشرين.
هل سورية وتركيبتها تحتمل أن نخوض حربا طائفية ضد الشيعة؟ هذا مطلب جنوني. أميركا تريدنا أن نحرق أنفسنا لأجل إسرائيل.
هناك أيضا قضية أخلاقية هي الوقوف مع إيران. إيران تعرضت للكثير من الظلم بسبب موقفها من القضية الفلسطينية ومن غير اللائق أن نتخلى عنها الآن وعند احتدام النزاع بينها وبين إسرائيل والغرب. صحيح أن أعراب النفط غدّارون وعديمو أخلاق ولكن هذا لا يعني أن نكون مثلهم.
مشكلة أميركا مع سورية ليست مجرد الاعتراف بإسرائيل. سورية أعلنت منذ عشرين سنة أنها مستعدة للاعتراف بإسرائيل إن كانت هناك صفقة عادلة تعيد الحقوق الوطنية إلى أصحابها، وتنفّذ قرارات الشرعية الدولية بخصوص الحقوق الفلسطينية. المشكلة هي أن أميركا لا تريدنا فقط أن نعترف بإسرائيل وإنما هي تريد من سورية ما يلي:
· التخلي عن السيادة
· التخلي عن السلاح
· الوقوع تحت هيمنة إسرائيل
· الدخول في مشروع الحرب ضد الشيعة
هذه مطالب تعجيزية لا يمكن لسورية أن تقبل بها. قبول سورية بهذه الشروط يعني تفكك سورية وتحقق مشروع الفوضى الخلاقة. لهذا السبب ما يجري الآن في سورية ليس صراعا على الحكم وإنما هو صراع على وجود سورية نفسها. أميركا تريد أن تحول سورية إلى مناطق نفوذ: منطقة تحت النفوذ التركي ومنطقة تحت النفوذ الإسرائيلي ومنطقة تحت النفوذ السعودي (وطبعا منطقة النفوذ السعودي سوف تستخدم في مشروع الحرب ضد الشيعة).
هل المبالغ التي سيعلن عنها مؤتمر إسطنبول هي ثمن كاف لتحقيق هذا السيناريو الجنوني؟ لو أعطوا سورية 100 مليار دولار سنويا فهذا لا قيمة له لأن المال لا يعني شيئاً إن ضاعت البلد.
الحل الأفضل لسورية هو المحافظة على تماسك البلد وبعد ذلك سيأتينا المال من العراق وإيران وروسيا والصين. المهم فقط هو وقف العنف وإخماد التمرد، ووضع حدّ للقوى الظلامية التكفيرية التدميرية واتباعها.
المال الذي سيأتينا من الشرق هو مال “نظيف” كما قال حسن نصر الله. دول الشرق لا تطلب منا التخلي عن سلاحنا ولا سيادتنا، بل بالعكس هذه الدول تعطينا التقنيات الصناعية (سواء العسكرية أم غير العسكرية). أما دول الغرب فهي تعطينا المال مقابل أن نتخلى عن كل شيء وأن نتحول إلى راقصي “هيب هوب” وأن يصبح كل همنا هو نيل رضا أسيادنا في واشنطن وتل أبيب.
لماذا نقطع علاقاتنا مع إيران وهي تساعدنا في صناعة الأسلحة وصناعة المركبات والآلات؟ ولماذا نذهب إلى السعودية التي لا تملك شيئا سوى العقارات والملاهي والمجون والفسق والفتن الطائفية والتخلف والعمالة؟
أميركا تصدر إلى إسرائيل أحدث تقنياتها العسكرية والصناعية، أما إلى أتباعها العرب فهي لا تصدر لهم شيئا سوى قنوات MBC والعربية والجزيرة (قنوات الغسيل الفكري).
دول الشرق كلها تريد تصدير تقنياتها إلينا، فلماذا نتركها ونذهب إلى الغرب الذي يريد أن يستعمرنا ويقضي على وجودنا وهويتنا؟

التعليقات