كلمة المحامي خليل بركات عضو اللجنة التنفيذية للمنتدى القومي العربي رئيس هيئة المحامين في تجمع اللجان والروابط الشعبية

بغداد - دنيا الوطن
نلتقي اليوم في مناسبتين، هما في الحقيقة مناسبة واحدة، وهي ذكرى الغزو الأمريكي للعراق الذي سبقه عدوان وحصار وتوّجه احتلال سعى إلى تدمير العراق شعباً ووطناً، مكونات مجتمعية وبنى تحتية، حياة إنسانية ودولة وجيش، طاقات علمية وموارد نفطية، بل نجم عن ممارساته أكثر من مليون شهيد وإضعافهم من الجرحى والمهجرين والمعتقلين الذين جاء استشهاد الرفيق أبو العباس احد أبرز عناوين هذه الجرائم الأمريكية.

لقد ظن الأمريكيون أنهم بغزوهم العراق واحتلاله سيطلقون عصراً جديداً في المنطقة اسموه مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي هو امتداد لما أسموه أيضاً بالقرن الأمريكي الجديد، لكن المقاومة الباسلة لشعب العراق وقواه الوطنية والقومية والإسلامية والمتكاملة مع المقاومة العربية للاحتلال في فلسطين ولبنان، حوّلت هذا الغزو إلى هزيمة، والاحتلال إلى بداية تراجع وتأزم للمشروع الاستعماري الأمريكي برمته، ولامتداده الصهيوني، وهو ما نلمسه في الأزمات البنيوية التي يعيشها النظام الاحتكاري الاستعماري في مراكزه الرئيسية وفي مقدمها واشنطن

وإذ كان المحتل الأمريكي قد أضطر بفعل المقاومة إلى اجلاء قواته النظامية عن العراق، دون ان يسحب مشروعه الأصلي بتمزيق العراق وتدمير دوره، فان من واجبنا بالمقابل ألا ندع المجرم الاستعماري يفلت من العقاب، وان نطالب المجتمع الدولي المستقل عن الهيمنة الأمريكية إلى محاكمة مجرمي الحرب والاحتلال الأمريكيين والصهاينة، فهم الأولى بالمحاكمة وعدم الإفلات من العقاب، بل هم أصل الإرهاب والقتل والاجرام في منطقتنا والعالم.

أما أبو العباس، الأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية، فهو اسم لمع في عالم مقاومة الاحتلال الصهيوني الفلسطيني وذهب شهيداً في سجون الاحتلال الأمريكي ليبقى ذكرى خالدة، وفي  وجدان المجاهدين والمخلصين من أبناء أمتنا دليلاً على ترابط معركة الأمة في فلسطين والعراق وعلى امتداد الأمة.

لقد قاد أبو العباس جبهة التحرير لفلسطينية بجدارة، وهمة نضالية عالية، حيث قامت بتنفيذ عمليات نوعية، موجعة للعدو الصهيوني، لعلّ أشهرها العملية التي حملت اسم القائد الراحل جمال عبد الناصر، في أواخر السبعينات ، استشهد فيها مناضلو المجموعة، وأسر فيها المناضل الرمز سمير القنطار، عميد الأسرى العرب.

لقد جسد أبو العباس، في نضاله، الترابط الحي بين فلسطين والانتماء القومي للأمة. فالأمة عندما  تخوض معركة تحرير فلسطين، إنما تخوض معركة تحررها ووحدتها وتقدمها وبناء مستقبلها، فتكون أمة جديرة بالحياة، تسهم في صنع الحضارة الإنسانية، وتخليص المجتمع الدولي من هيمنة واستبداد وتحكّم الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية عموماً، بالمجتمع الدولي، وهذا الأمر أدركه ثوريو وأحرار العالم، فاندفعوا في تأييد النضال من أجل تحرير فلسطين والعراق وكل ارض عربية محتلة.

إن فلسطين هي البوصلة، التي يجب  أن تتجه اليها أنظار الأمة، وان تصب في مجراها نضالات الأمة. وتحويل الأنظار عن فلسطين، يصب حتماً في مجرى التبعية لأعداء الأمة، والتخلي عن تحرير فلسطين، كل فلسطين، هو استسلام مذلّ للصهاينة ومن خلفهم الإمبريالية الأميركية. وذلك فان معيار الحكم على الأنظمة العربية، ومعيار الحكم على جدّية وإخلاص وصدقية الأحزاب والقوى والهيئات والشخصيات السياسية العربية، هو مدى توجهها نحو فلسطين، ودعم النضال من اجل فلسطين، واتخاذ المواقف الجدّية  قولاً وفعلاً، من  الكيان الصهيوني، واستخدام القدرات والإمكانات العربية، لاسيما البترول، كسلاح فعال، في العلاقات الدولية، لا سيما مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الأخرى، من أجل وقف مساعدات هذه الدول للكيان الصهيوني، وعزله دولياً.

وفي هذا المجال نقول، انه لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن يتجه الحراك الشعبي في اي بلد عربي، إلى طلب الاستنجاد بالقوى المعادية، ومن يدور في فلك هذه القوى، من أنظمة مرتهنة للقوى المعادية، بحجة رفع الظلم والاستبداد عن الشعب وإجراء الإصلاحات، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي بالحراك الشعبي المشروع إلى التبعية للأجنبي، وتهديد وحدة الكيانات القطرية، الأمر الذي يشكل خدمة للعدو الصهيوني وأمريكا والدول الغربية عموماً.

فإذا كانت الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتحول نحو الديمقراطية والتعددية ومكافحة الفساد، أمراً ملحاً وحيوياً لشعبنا، في كافة أقطاره، فان الوصول إلى هذا الهدف لا يكون بالالتجاء إلى القوى المعادية، التي لن تجلب معها سوى الخراب والدمار والفساد والتبعية وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية والجهوية، كما حدث في العراق، وكما يحصل اليوم في ليبيا، بحيث ينطبق هكذا حال مع قول الشاعر<< كالمستجير من الرمضاء بالنار>>.

إن الأحداث التي  بدأت في سورية منذ سنة، يجب وضع حد لها من خلال حوار وطني شامل عبر تسوية تاريخية، تقوم على تحقيق الإصلاحات مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية لسورية، التي دعمت المقاومة ووقفت حجر عثرة في وجه المحاولات والضغوطات التي رمت إلى إسقاط المنطقة في حضن المشروع الأميركي الصهيوني.

ان الحوار الداخلي هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق تلك التسوية التاريخية، فاستجداء التدخل الأجنبي والمراهنة عليه، سوف يزيد من المعاناة، ويؤدي إلى إضعاف سورية ودورها، كما يزيد من التدخلات الأجنبية، ويسهم في تحويل الأنظار عن فلسطين وما يجري فيها من تهديد متسارع للقدس واستيطان متزايد في الضفة الغربية من فلسطين.

لقد كان على الجامعة العربية أن تلعب دوراً ايجابياً في وأد الفتنة، لا ان تلعب دوراً سلباً في إشعالها، أن تكون حاضناً لتسوية تاريخية صحيحة، لا غطاء لتدخلات دولية، لأنها  تصبح عندئذ أداة في يد القوى الدولية المعادية أو في المحميات الأمريكية في الخليج التي تنفذ املاءات الأمريكية والمرتبطة بدورها بالمخططات الصهيونية.

في الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الخارجية العرب، منذ أسبوع، صدر بيان استنكار عن المجتمعين للممارسات الصهيونية في فلسطين. دون القيام بأي خطوات عملية للرد على ما يجري هناك. وقبله كان هناك مؤتمر من أجل القدس في قطر ما زلنا ننتظر دون جدوى تنفيذه قراره الوحيد بإحالة قضية القدس إلى مجلس الأمن.

أليس ما يجري في فلسطين، من تهويد للقدس وتهديد لوجود المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وإقامة المستوطنات، وقتل لشعب فلسطين، أليس في ذلك ما يستوجب الدعوة إلى << مؤتمر أصدقاء فلسطين >>، أم إن ذلك يغضب الإدارة الأميركية ومعها الكيان الصهيوني، فاقتضى ذلك صرف النظر عن هكذا دعوة، والاكتفاء ببيان الاستنكار.

في ذكرى غزو العراق واحتلاله، وفي ذكرى استشهاد << أبو العباس >>، نستذكر القادة الكبار في فلسطين والعراق ولبنان وعلى مستوى الأمة الذين قضوا في ساحات الجهاد من اجل فلسطين و والعراق وتحرر الأمة، نستذكر المقاومين الأبطال الذين حرروا الأرض، وصانوا الثوابت، وحموا الأوطان، مؤكدين لهم جميعاً إن المقاومة هي نهجنا الثابت في التحرير وإسقاط المشاريع المعادية، وان الوحدة هي ضمانة انتصارنا وطريق مستقبلنا.

التعليقات