داعية: لا أرى أنه يجوز لأحد من خارج سورية الجهاد فيها إلا بناء على رخصة من بلده حتى لا يقع تحت طائلة المساءلة
غزة - دنيا الوطن
حذر عضو الإفتاء السعودي الشيخ خلف المطلق من نشوب صراع بسبب انقسام آراء السلفيين في جواز المشاركة السياسية في مصر، مطالبا باحترام الآراء المخالفة في هذا الشأن والحرص على لم الشمل وتوحيد الكلمة، وألا يصل الأمر إلى التحذير من التصويت لصالح حزب النور السلفي أو البراءة من منتسبيه. وأثنى فضيلته على جهود «جمعية إحياء التراث الإسلامي»، واصفا إياها بأنها إحدى الجمعيات السلفية التي لها الأثر الكبير في أوروبا وأميركا وبقية بقاع الأرض، كما أبدى إعجابه الشديد أيضا بجمعية «الآل والأصحاب» التي تؤسس النقاش بالتي هي أحسن، وتحرص على كشف ما في كتب السنة والشيعة لما يؤلف القلوب ويظهر الحق. وأكد فضيلته في اللقاء الذي جمعه مع ضيوفه من دولة الكويت أن الداعي إلى الله بحاجة إلى أصول الدعوة التي تقيه الدعوة إلى الباطل، وإلى طرق الدعوة التي ترغب الناس بدين الإسلام، لافتا إلى أن كثير من طلبة العلم يقع عنده خلط بين المداهنة التي فيها تنازل عن الثوابت لإرضاء المخالف وبين المداراة بالابتسامة والهدية التي هي من السياسة الشرعية. أسئلة عديدة طرحت على المطلق كحكم بناء الكنائس في الكويت، وموقف أهل السنة تجاه الشيعة، والجهاد في سورية أجاب عنها فضيلته، وفيما يلي تفاصيل اللقاء المفتوح:
نود من فضيلتكم في بداية اللقاء كلمة توجيهية تقدمونها لأبنائكم من دولة الكويت الذين اعتادوا على زيارة العلماء الأكابر في الرياض.
٭ الحمدلله رب العالمين على أن هدانا إلى دين الإسلام، وإلى مذهب أهل السنة والجماعة، نعم يجب أن نشكر الله على هذه النعم العظيمة، في حين أن البعض يقضي عمره لنشر مذهب باطني أو طريقة من طرق الصوفية، نحمد الله أن جعلنا على بصيرة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)، ثم إننا نعتبر «جمعية إحياء التراث الإسلامي» من الجمعيات السلفية، التي لها الأثر الكبير في أميركا وأوروبا وبقية بقاع الأرض، نسأل الله لهم الثبات والزيادة من الخير، وأن يرزقنا وإياهم البصيرة، والدعوة إلى الله أول ما بدأت في أميركا كانت عن طريق الكويتيين، فرغم أن الكويت بلد صغير الحجم إلا أن الله بارك فيها وبارك في أموالها، وإن كان لدول الخليج سهم في هذا الخير أيضا، لكن سهم الكويت كبير، وأنتم مبيضون الوجه في بقاع الأرض، فلا نسافر إلا ونجد أثر هذا البلد المبارك.
أحبتي نحن نحتاج إلى أصول الدعوة وإلى طرق الدعوة جميعا، فمن عنده طرق دعوة تجده يمد الجسور إلى الناس ويتبسم لهم ويتودد إليهم فيكون له قبول عندهم، لكن إذا لم تكن عنده أصول دعوة فقد يدعو إلى باطل، وفي المقابل تجد بعض طلبة العلم ما شاء الله عنده من أصول الدعوة الشيء الكثير، ومتمكنا من العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن عنده نزغ في الأخلاق فيكره الناس منه.
التعامل مع طوائف المسلمين
ثم ينبغي علينا أيها الإخوة أن نعلم أن هذه الأمة اختلفت، وهذه معجزة من معجزات المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من افتراق الأمة إلى فرق شتى، كما قال «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، اختلفت هذه الأمة وافترقت جماعات وطوائف كثيرة في بقاع الأرض، والسؤال هو كيف نتعامل مع هذه الطوائف الآن؟ وما موقفنا منها؟ نقسم هذه الطوائف إلى قسمين، وهذا الذي ينبغي لطلبة العلم أن يصنفوا عليه هذه الجماعات: (1) قسم متلبس بشرك ليسوا من أهل القلبة، وإن كنا لا نحكم على أفرادهم بالكفر حتى نقيم عليهم الحجة، لكن نحكم على المبادئ والعقائد، مثل أن تكون العقائد فيها شرك فإننا نصنفها حينئذ على أنها بدع شركية، (2) وقسم في دائرة أهل القبلة، ليست عندهم شركيات، لكن نختلف معهم في المنهج، فنختلف معهم في طريقة الأخذ من الكتاب والسنة، يكون عندهم شيء من البدع، فهؤلاء يجتمع فيهم الحب والبغض والولاء والبراء، ونصلي خلفهم ويصلون خلفنا، نناصرهم على أعدائهم، ويكون بيننا وبينهم النقاش بالتي هي أحسن، ونسعى لإقامة حجة الدليل عليهم فإن استمعوا لها فالحمد لله، وإن لم يستمعوا لها فقد برئت ذمتنا.
وبالنسبة للقسم الأول من الجماعات المتلبسة بشرك، فإذا احتجنا لمداراتهم لكي ندعو في بلد معين مثلا فهي من السياسة الشرعية، وراجعوا كتاب البخاري وماذا قال العلماء في شروحه في باب المداراة، حتى أن زكاة المسلمين تدفع للمؤلفة قلوبهم، وهم 3 أصناف: صنف يرجى إسلامه، وصنف يرجى تقوية إيمانه، وصنف يتقى شره، فلما أعز الله الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه لم يحتج المسلمون إلى المداراة فألغى عمر هذا البند، فنحن إذا احتجنا الى المداراة مع تلك الجماعات عملنا بها، وأذكر في هذا الشأن قصة حدثت في دولة من دول جنوب شرق آسيا، فقد كان أحد الإخوة الدعاة في الرياض قد فتح معهدا سلفيا هناك، وكان معهدا نشيطا فيه عدد كبير من الطلاب ما الله به عليم، وكانت السلطة هناك لشيخ الصوفية، فكان يعمل معه بالمداراة، فيرسل له بعض الهدايا أملا في شق طريق الدعوة معه، فلما جاءت أحداث 11 سبتمبر وتضررت كثير من الأمور الدعوية الخيرية لم يصب ذلك المعهد بشيء من الضرر، وحماه الله بسبب تلك المداراة الشرعية.
الخلط بين المداراة والمداهنة
ومع الأسف كثير من طلبة العلم يخلط بين المداراة والمداهنة، فبعض الناس يداهن ويقول: هذه مداراة، وإذا رأى الآخرين يدارون قال: هذه مداهنة، وبينهما فرق عظيم، المداهنة تنازل عن شيء من الثوابت لإرضاء الغير، كما قال تعالى (ودوا لو تدهن فيدهنون)، أما المداراة فهي في الإبتسامة والهدية والزيارة لتثبيت الأمر وشق طريق الدعوة السلفية في الحياة فهذه يحصل بها مكسب.
الخلاف السائغ
وأما الخلاف في الأمور الفرعية الفقهية، فإنها لا تحدث افتراقا أو خلافا، وعلى الإخوة أن يقرأوا كتاب ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، الخلافات الفرعية وقعت حتى بين الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما)، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الشأن «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، ووقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، وذلك حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، فاختلفوا في طريقهم، فبعضهم نظر للمقاصد فقال مقصد النبي صلى الله عليه وسلم الإسراع فلذلك لم يؤخر الصلاة وصلاها في وقتها، والبعض الآخر قال: لا، لا نصلي ولو خرج وقت صلاة العصر، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم على واحدة من الطائفتين، وإن كان الصواب مع من صلى بالطريق، ينبغي أن مثل هذه الخلافات لا تكون مثل ما يحدث بين أندية الكرة، هذا النادي الفلاني وهذا النادي الفلاني، فنشجع من؟ لا.
بما أن حديثنا عن المخالف، فما موقف علمائنا من الشيعة؟
٭ الشيعة طائفة وجدت معنا شئنا أم أبينا، وهم حاليا يعلمون الأنظمة الدولية، ويشتغلون تحت مظلتها، وما نوجه لهم الآن أن نقول نحن وإياكم منذ مئات السنين في هذه البلاد جيران، ليس هناك من يؤذي الآخر في ماله أو نفسه أو عرضه، فما الذي غير الأمور مؤخرا؟ كان في دول الخليج قبل 6 سنوات ممنوع أي كتاب يطبع أو خطيب يخطب أو محاضرة تلقى أو حتى برنامج في التلفزيون إلا بإذن، فما الذي صعد الأمور الآن؟ إيران تصعد الأمور متى ما أرادت، هم في اليمن في صعدة قلة، وتحركهم إيران لتعمل ضغوطا على دول الخليج وتريهم أنها تستطيع عمل ما تريد، وكذلك هم قلة في الكويت وفي قطر وفي السعودية وغيرها من الدول، فلو حصل بينهم نزال وبين أهل السنة ما بقي منهم أحد، ولو وقع الآن تصعيد آخر للفتن فمن الخاسر؟ الخاسر هم، وأما كونهم يريدون حقهم في المعيش كمواطنين فليس هناك من ظلمهم، والغلط الذي وقعنا فيه في الماضي أنه لم يكن بيننا وبينهم نقاش حول الخلاف الذي بيننا، فإن كانت الجنة عندهم فليأخذونا معهم، وإن كان الجنة عندنا فليأتوا معنا، ينبغي أن يكون النقاش بالتي هي أحسن، نحن نريد أن نعود معهم كما كنا جيران، ونحن كدعاة ما نملك إلا النصيحة، وليس في أيدينا إلا النقاش الهادئ، وفي هذا الشأن تعجبني جمعية «الآل والأصحاب» في الكويت والتي لها أفرع في البحرين ما شاء الله، يعجبني فيها النقاش بالتي هي أحسن، فتبين الآن التاريخ، وتبين ما عند الشيعة في كتبهم، وما عند أهل السنة في كتبهم، وتطبخ على نار هادية.
الثورات والسلفيون
ما موقف السلفيين تجاه المشاركة السياسية، خاصة بعد الثورات العربية الأخيرة؟
٭ السلطات في الإسلام 3، سلطة عادلة وسلطة جائرة وسلطة كافرة، فأما السلطة العادلة فيجب مناصرتها، وأما السلطة الجائرة فيجب مناصحتها ولا يجوز الخروج عليها، وأما السلطة التي فيها كفر بواح كالنظام البعثي، ولا يهمني هنا الحكم على الكافر، فمن أظلم الظلمة صدام حسين ومع ذلك لا نستطيع أن نقول انه مات على الكفر، لأنه صعب جدا الحكم على أفراد الناس، فالنظام الذي تحكم به البلد إن كان مأخوذا من الشريعة فهو إسلامي، وإن كان مأخوذا من القوانين الفرنسية البلجيكية فهو نظام كافر لا يشك به أحد، وهذه السلطة الكافرة لا يجوز الخروج عليها إلا بشرطين، الشرط الأول أن يكون فيها الكفر البواح، ويكون عند الناس عليه برهان، والشرط الثاني أن يكون عند الناس قدرة على التغيير، يعني لا تحدث فتن، مثل ما حصل مع الصوماليين لما خرجوا على «زياد بري» فانفلتت الأوضاع وحدثت أمور لا تحمد عقباها.
في هذا الصدد زارني بعض إخواني السلفيين من اليمن يسألون حين خرجت الجماهير عندهم إلى ساحة التغيير، فقلت لو كنتم تسألون في البداية وقبل الأحداث فقد كان لدينا لكم رأي آخر، لأن الخروج على السلطان لا يجوز إلا بشروط كما ذكرنا، لكن الآن وبعد ان امتلأت الشوارع فهل يقول السلفيون للناس «ارجعوا لبيوتكم؟» فلن يطاعوا إذن، لكن واجبنا كسلفيين هو أن نقول «انتبهوا لا تسيل الدماء، ولا تتعرضوا للممتلكات العامة، لا تعتدوا على الناس في أموالهم أو أعراضهم، ولا يطلق النار بعضكم على بعض»، هناك فرق بين السؤال قبل وبعد الخروج.
الآن وبعد أن قامت الدنيا هل نكتفي بأن نقول «ما يجري فقط حرام»، نترك البلد لمن؟ الأميركان والأوروبيون والإسرائيليون الآن يراقبون الوضع، ويحرصون على عدم وصول الحكم الشرعي الإسلامي إلى تلك الديار، وأنه لو وصل فهم يريدون إسقاطه، فلا ينبغي أن نشغل أنفسنا الآن بالتلاوم بعد أن قام الناس، بل لابد أن نفكر بالمصالح العليا للأمة، وألا ننزوي، ما يحدث اليوم هي كعكة تقسم، فإما أن نأخذها أم يأخذها غيرنا.
وقد انقسم السلفيون قسمين في هذا الشأن الآن، قسم قال لا ندخل بالسياسة، وقسم مثل الشيخ محمد حسان وعدد من الإخوة رأى أنه من الضروري المشاركة فيها، فلا نريد أن ينشأ عن هذا صراع، فإن كنت لا تريد أن تدخل في السياسة فهذا رأيك، لكن لا تأتي وتقول لا تصوتوا لحزب النور، أو تقول هؤلاء أصبحوا حزبيين لست منهم وليسوا مني، فرق الآن بين امور مضت وما يحدث الآن، هي أمور اجتهادية يجب أن تحترم فيها الآراء، وجودنا مهم الآن للتهدئة وجمع الشمل وتوحيد الكلمة.
الساحة مفتوحة الآن لنا، والمستقبل بإذن الله للدعوة السلفية، وفي تونس الآن فرصة للعمل في المساجد، فالبلد فتح وأموال الخليج تتدفق عليه، وليس هناك مثل عقيدة السلف حين تعرض، فكلها قال الله قال الرسول، لكن أهم شيء حسن الخلق ولين الجانب في الدعوة، ورحم الله الشيخ الألباني حين قال «أصيب المسلمون في عقيدتهم، وأصيب السلفيون في أخلاقهم»، السلفيون يبيضون الوجه، لكن الطابع الآن على بعضهم الشدة والخصومة في أمور اجتهادية فقهية لا يراعى فيها الخلاف.
هل يصح الجهاد بالنفس لمن هو خارج سورية؟
٭ لا شك في أن الشعب السوري شعب مظلوم من قبل طائفة نصيرية خبيثة وبعث خبيث، والآن هناك فرصة لإزالته، لكن هل الوقت حان للأفراد للذهاب هناك؟ المعلوم أن الغريب يكشف الذي معه، وإذا أتى في قرية انتبهت له العيون بخلاف أهل البلد، وفي السابق بعض إخواننا كانوا يقولون لنا لا نريد إلا المال، ولا نريد أحدا يأتي، لكن إذا أصبح هناك مجال للجهاد، وفتحت تركيا أو الأردن أو غيرها بابا للجهاد ومكانا لانطلاق الناس ففي ذلك الوقت يسأل حينها طلبة العلم إن كان يشرع الجهاد أم لا، وأنا لا أرى أحدا يذهب إلا بناء على رخصة من بلده حتى لا يقع تحت طائلة المساءلة، واليوم ولله الحمد نرى كل دول الخليج واقفة موقفا مشرفا تجاه سورية.
لا نتنازل عن مبادئنا
أثيرت عندنا في الكويت قضية منع بناء الكنائس فما الرأي الشرعي في هذه القضية؟
٭ جزيرة العرب عند المسلمين مثل الفاتيكان عند النصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يبقى في جزيرة العرب دينان»، فللجزيرة خاصية عن غيرها يجب أن يفهمها القاصي والداني، ثم ماذا يريد الغرب؟ تبادل المصالح بيننا وبينهم والتبادل التجاري؟ التبادل موجود، فمن ينقب البترول إلا هم، ومن الذي يسوقهم إلا هم، والأرصدة تستثمر في ديارهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وأما رغبتهم في بناء كنائس عندنا في جزيرة العرب فلا يجوز لنا السماح لهم، الدين ليس فيه مساومة عندنا، ويجب أن نفهم الغرب أن لدينا دينا ومبادئ لا نتنازل عنها، وفي ظل لوم الغرب لنا، ووجود علمانيين انهزاميين لدينا يجب ألا ندافع عن ديننا فقط بل نهاجم أيضا، وندعوهم إلى الله.
حذر عضو الإفتاء السعودي الشيخ خلف المطلق من نشوب صراع بسبب انقسام آراء السلفيين في جواز المشاركة السياسية في مصر، مطالبا باحترام الآراء المخالفة في هذا الشأن والحرص على لم الشمل وتوحيد الكلمة، وألا يصل الأمر إلى التحذير من التصويت لصالح حزب النور السلفي أو البراءة من منتسبيه. وأثنى فضيلته على جهود «جمعية إحياء التراث الإسلامي»، واصفا إياها بأنها إحدى الجمعيات السلفية التي لها الأثر الكبير في أوروبا وأميركا وبقية بقاع الأرض، كما أبدى إعجابه الشديد أيضا بجمعية «الآل والأصحاب» التي تؤسس النقاش بالتي هي أحسن، وتحرص على كشف ما في كتب السنة والشيعة لما يؤلف القلوب ويظهر الحق. وأكد فضيلته في اللقاء الذي جمعه مع ضيوفه من دولة الكويت أن الداعي إلى الله بحاجة إلى أصول الدعوة التي تقيه الدعوة إلى الباطل، وإلى طرق الدعوة التي ترغب الناس بدين الإسلام، لافتا إلى أن كثير من طلبة العلم يقع عنده خلط بين المداهنة التي فيها تنازل عن الثوابت لإرضاء المخالف وبين المداراة بالابتسامة والهدية التي هي من السياسة الشرعية. أسئلة عديدة طرحت على المطلق كحكم بناء الكنائس في الكويت، وموقف أهل السنة تجاه الشيعة، والجهاد في سورية أجاب عنها فضيلته، وفيما يلي تفاصيل اللقاء المفتوح:
نود من فضيلتكم في بداية اللقاء كلمة توجيهية تقدمونها لأبنائكم من دولة الكويت الذين اعتادوا على زيارة العلماء الأكابر في الرياض.
٭ الحمدلله رب العالمين على أن هدانا إلى دين الإسلام، وإلى مذهب أهل السنة والجماعة، نعم يجب أن نشكر الله على هذه النعم العظيمة، في حين أن البعض يقضي عمره لنشر مذهب باطني أو طريقة من طرق الصوفية، نحمد الله أن جعلنا على بصيرة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)، ثم إننا نعتبر «جمعية إحياء التراث الإسلامي» من الجمعيات السلفية، التي لها الأثر الكبير في أميركا وأوروبا وبقية بقاع الأرض، نسأل الله لهم الثبات والزيادة من الخير، وأن يرزقنا وإياهم البصيرة، والدعوة إلى الله أول ما بدأت في أميركا كانت عن طريق الكويتيين، فرغم أن الكويت بلد صغير الحجم إلا أن الله بارك فيها وبارك في أموالها، وإن كان لدول الخليج سهم في هذا الخير أيضا، لكن سهم الكويت كبير، وأنتم مبيضون الوجه في بقاع الأرض، فلا نسافر إلا ونجد أثر هذا البلد المبارك.
أحبتي نحن نحتاج إلى أصول الدعوة وإلى طرق الدعوة جميعا، فمن عنده طرق دعوة تجده يمد الجسور إلى الناس ويتبسم لهم ويتودد إليهم فيكون له قبول عندهم، لكن إذا لم تكن عنده أصول دعوة فقد يدعو إلى باطل، وفي المقابل تجد بعض طلبة العلم ما شاء الله عنده من أصول الدعوة الشيء الكثير، ومتمكنا من العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن عنده نزغ في الأخلاق فيكره الناس منه.
التعامل مع طوائف المسلمين
ثم ينبغي علينا أيها الإخوة أن نعلم أن هذه الأمة اختلفت، وهذه معجزة من معجزات المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من افتراق الأمة إلى فرق شتى، كما قال «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، اختلفت هذه الأمة وافترقت جماعات وطوائف كثيرة في بقاع الأرض، والسؤال هو كيف نتعامل مع هذه الطوائف الآن؟ وما موقفنا منها؟ نقسم هذه الطوائف إلى قسمين، وهذا الذي ينبغي لطلبة العلم أن يصنفوا عليه هذه الجماعات: (1) قسم متلبس بشرك ليسوا من أهل القلبة، وإن كنا لا نحكم على أفرادهم بالكفر حتى نقيم عليهم الحجة، لكن نحكم على المبادئ والعقائد، مثل أن تكون العقائد فيها شرك فإننا نصنفها حينئذ على أنها بدع شركية، (2) وقسم في دائرة أهل القبلة، ليست عندهم شركيات، لكن نختلف معهم في المنهج، فنختلف معهم في طريقة الأخذ من الكتاب والسنة، يكون عندهم شيء من البدع، فهؤلاء يجتمع فيهم الحب والبغض والولاء والبراء، ونصلي خلفهم ويصلون خلفنا، نناصرهم على أعدائهم، ويكون بيننا وبينهم النقاش بالتي هي أحسن، ونسعى لإقامة حجة الدليل عليهم فإن استمعوا لها فالحمد لله، وإن لم يستمعوا لها فقد برئت ذمتنا.
وبالنسبة للقسم الأول من الجماعات المتلبسة بشرك، فإذا احتجنا لمداراتهم لكي ندعو في بلد معين مثلا فهي من السياسة الشرعية، وراجعوا كتاب البخاري وماذا قال العلماء في شروحه في باب المداراة، حتى أن زكاة المسلمين تدفع للمؤلفة قلوبهم، وهم 3 أصناف: صنف يرجى إسلامه، وصنف يرجى تقوية إيمانه، وصنف يتقى شره، فلما أعز الله الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه لم يحتج المسلمون إلى المداراة فألغى عمر هذا البند، فنحن إذا احتجنا الى المداراة مع تلك الجماعات عملنا بها، وأذكر في هذا الشأن قصة حدثت في دولة من دول جنوب شرق آسيا، فقد كان أحد الإخوة الدعاة في الرياض قد فتح معهدا سلفيا هناك، وكان معهدا نشيطا فيه عدد كبير من الطلاب ما الله به عليم، وكانت السلطة هناك لشيخ الصوفية، فكان يعمل معه بالمداراة، فيرسل له بعض الهدايا أملا في شق طريق الدعوة معه، فلما جاءت أحداث 11 سبتمبر وتضررت كثير من الأمور الدعوية الخيرية لم يصب ذلك المعهد بشيء من الضرر، وحماه الله بسبب تلك المداراة الشرعية.
الخلط بين المداراة والمداهنة
ومع الأسف كثير من طلبة العلم يخلط بين المداراة والمداهنة، فبعض الناس يداهن ويقول: هذه مداراة، وإذا رأى الآخرين يدارون قال: هذه مداهنة، وبينهما فرق عظيم، المداهنة تنازل عن شيء من الثوابت لإرضاء الغير، كما قال تعالى (ودوا لو تدهن فيدهنون)، أما المداراة فهي في الإبتسامة والهدية والزيارة لتثبيت الأمر وشق طريق الدعوة السلفية في الحياة فهذه يحصل بها مكسب.
الخلاف السائغ
وأما الخلاف في الأمور الفرعية الفقهية، فإنها لا تحدث افتراقا أو خلافا، وعلى الإخوة أن يقرأوا كتاب ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، الخلافات الفرعية وقعت حتى بين الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما)، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الشأن «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، ووقع الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، وذلك حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، فاختلفوا في طريقهم، فبعضهم نظر للمقاصد فقال مقصد النبي صلى الله عليه وسلم الإسراع فلذلك لم يؤخر الصلاة وصلاها في وقتها، والبعض الآخر قال: لا، لا نصلي ولو خرج وقت صلاة العصر، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم على واحدة من الطائفتين، وإن كان الصواب مع من صلى بالطريق، ينبغي أن مثل هذه الخلافات لا تكون مثل ما يحدث بين أندية الكرة، هذا النادي الفلاني وهذا النادي الفلاني، فنشجع من؟ لا.
بما أن حديثنا عن المخالف، فما موقف علمائنا من الشيعة؟
٭ الشيعة طائفة وجدت معنا شئنا أم أبينا، وهم حاليا يعلمون الأنظمة الدولية، ويشتغلون تحت مظلتها، وما نوجه لهم الآن أن نقول نحن وإياكم منذ مئات السنين في هذه البلاد جيران، ليس هناك من يؤذي الآخر في ماله أو نفسه أو عرضه، فما الذي غير الأمور مؤخرا؟ كان في دول الخليج قبل 6 سنوات ممنوع أي كتاب يطبع أو خطيب يخطب أو محاضرة تلقى أو حتى برنامج في التلفزيون إلا بإذن، فما الذي صعد الأمور الآن؟ إيران تصعد الأمور متى ما أرادت، هم في اليمن في صعدة قلة، وتحركهم إيران لتعمل ضغوطا على دول الخليج وتريهم أنها تستطيع عمل ما تريد، وكذلك هم قلة في الكويت وفي قطر وفي السعودية وغيرها من الدول، فلو حصل بينهم نزال وبين أهل السنة ما بقي منهم أحد، ولو وقع الآن تصعيد آخر للفتن فمن الخاسر؟ الخاسر هم، وأما كونهم يريدون حقهم في المعيش كمواطنين فليس هناك من ظلمهم، والغلط الذي وقعنا فيه في الماضي أنه لم يكن بيننا وبينهم نقاش حول الخلاف الذي بيننا، فإن كانت الجنة عندهم فليأخذونا معهم، وإن كان الجنة عندنا فليأتوا معنا، ينبغي أن يكون النقاش بالتي هي أحسن، نحن نريد أن نعود معهم كما كنا جيران، ونحن كدعاة ما نملك إلا النصيحة، وليس في أيدينا إلا النقاش الهادئ، وفي هذا الشأن تعجبني جمعية «الآل والأصحاب» في الكويت والتي لها أفرع في البحرين ما شاء الله، يعجبني فيها النقاش بالتي هي أحسن، فتبين الآن التاريخ، وتبين ما عند الشيعة في كتبهم، وما عند أهل السنة في كتبهم، وتطبخ على نار هادية.
الثورات والسلفيون
ما موقف السلفيين تجاه المشاركة السياسية، خاصة بعد الثورات العربية الأخيرة؟
٭ السلطات في الإسلام 3، سلطة عادلة وسلطة جائرة وسلطة كافرة، فأما السلطة العادلة فيجب مناصرتها، وأما السلطة الجائرة فيجب مناصحتها ولا يجوز الخروج عليها، وأما السلطة التي فيها كفر بواح كالنظام البعثي، ولا يهمني هنا الحكم على الكافر، فمن أظلم الظلمة صدام حسين ومع ذلك لا نستطيع أن نقول انه مات على الكفر، لأنه صعب جدا الحكم على أفراد الناس، فالنظام الذي تحكم به البلد إن كان مأخوذا من الشريعة فهو إسلامي، وإن كان مأخوذا من القوانين الفرنسية البلجيكية فهو نظام كافر لا يشك به أحد، وهذه السلطة الكافرة لا يجوز الخروج عليها إلا بشرطين، الشرط الأول أن يكون فيها الكفر البواح، ويكون عند الناس عليه برهان، والشرط الثاني أن يكون عند الناس قدرة على التغيير، يعني لا تحدث فتن، مثل ما حصل مع الصوماليين لما خرجوا على «زياد بري» فانفلتت الأوضاع وحدثت أمور لا تحمد عقباها.
في هذا الصدد زارني بعض إخواني السلفيين من اليمن يسألون حين خرجت الجماهير عندهم إلى ساحة التغيير، فقلت لو كنتم تسألون في البداية وقبل الأحداث فقد كان لدينا لكم رأي آخر، لأن الخروج على السلطان لا يجوز إلا بشروط كما ذكرنا، لكن الآن وبعد ان امتلأت الشوارع فهل يقول السلفيون للناس «ارجعوا لبيوتكم؟» فلن يطاعوا إذن، لكن واجبنا كسلفيين هو أن نقول «انتبهوا لا تسيل الدماء، ولا تتعرضوا للممتلكات العامة، لا تعتدوا على الناس في أموالهم أو أعراضهم، ولا يطلق النار بعضكم على بعض»، هناك فرق بين السؤال قبل وبعد الخروج.
الآن وبعد أن قامت الدنيا هل نكتفي بأن نقول «ما يجري فقط حرام»، نترك البلد لمن؟ الأميركان والأوروبيون والإسرائيليون الآن يراقبون الوضع، ويحرصون على عدم وصول الحكم الشرعي الإسلامي إلى تلك الديار، وأنه لو وصل فهم يريدون إسقاطه، فلا ينبغي أن نشغل أنفسنا الآن بالتلاوم بعد أن قام الناس، بل لابد أن نفكر بالمصالح العليا للأمة، وألا ننزوي، ما يحدث اليوم هي كعكة تقسم، فإما أن نأخذها أم يأخذها غيرنا.
وقد انقسم السلفيون قسمين في هذا الشأن الآن، قسم قال لا ندخل بالسياسة، وقسم مثل الشيخ محمد حسان وعدد من الإخوة رأى أنه من الضروري المشاركة فيها، فلا نريد أن ينشأ عن هذا صراع، فإن كنت لا تريد أن تدخل في السياسة فهذا رأيك، لكن لا تأتي وتقول لا تصوتوا لحزب النور، أو تقول هؤلاء أصبحوا حزبيين لست منهم وليسوا مني، فرق الآن بين امور مضت وما يحدث الآن، هي أمور اجتهادية يجب أن تحترم فيها الآراء، وجودنا مهم الآن للتهدئة وجمع الشمل وتوحيد الكلمة.
الساحة مفتوحة الآن لنا، والمستقبل بإذن الله للدعوة السلفية، وفي تونس الآن فرصة للعمل في المساجد، فالبلد فتح وأموال الخليج تتدفق عليه، وليس هناك مثل عقيدة السلف حين تعرض، فكلها قال الله قال الرسول، لكن أهم شيء حسن الخلق ولين الجانب في الدعوة، ورحم الله الشيخ الألباني حين قال «أصيب المسلمون في عقيدتهم، وأصيب السلفيون في أخلاقهم»، السلفيون يبيضون الوجه، لكن الطابع الآن على بعضهم الشدة والخصومة في أمور اجتهادية فقهية لا يراعى فيها الخلاف.
هل يصح الجهاد بالنفس لمن هو خارج سورية؟
٭ لا شك في أن الشعب السوري شعب مظلوم من قبل طائفة نصيرية خبيثة وبعث خبيث، والآن هناك فرصة لإزالته، لكن هل الوقت حان للأفراد للذهاب هناك؟ المعلوم أن الغريب يكشف الذي معه، وإذا أتى في قرية انتبهت له العيون بخلاف أهل البلد، وفي السابق بعض إخواننا كانوا يقولون لنا لا نريد إلا المال، ولا نريد أحدا يأتي، لكن إذا أصبح هناك مجال للجهاد، وفتحت تركيا أو الأردن أو غيرها بابا للجهاد ومكانا لانطلاق الناس ففي ذلك الوقت يسأل حينها طلبة العلم إن كان يشرع الجهاد أم لا، وأنا لا أرى أحدا يذهب إلا بناء على رخصة من بلده حتى لا يقع تحت طائلة المساءلة، واليوم ولله الحمد نرى كل دول الخليج واقفة موقفا مشرفا تجاه سورية.
لا نتنازل عن مبادئنا
أثيرت عندنا في الكويت قضية منع بناء الكنائس فما الرأي الشرعي في هذه القضية؟
٭ جزيرة العرب عند المسلمين مثل الفاتيكان عند النصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يبقى في جزيرة العرب دينان»، فللجزيرة خاصية عن غيرها يجب أن يفهمها القاصي والداني، ثم ماذا يريد الغرب؟ تبادل المصالح بيننا وبينهم والتبادل التجاري؟ التبادل موجود، فمن ينقب البترول إلا هم، ومن الذي يسوقهم إلا هم، والأرصدة تستثمر في ديارهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وأما رغبتهم في بناء كنائس عندنا في جزيرة العرب فلا يجوز لنا السماح لهم، الدين ليس فيه مساومة عندنا، ويجب أن نفهم الغرب أن لدينا دينا ومبادئ لا نتنازل عنها، وفي ظل لوم الغرب لنا، ووجود علمانيين انهزاميين لدينا يجب ألا ندافع عن ديننا فقط بل نهاجم أيضا، وندعوهم إلى الله.

التعليقات