تعليق النشاط النووي الكوري خطوة مهمة في توقيتها

غزة - دنيا الوطن
ليست هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها بيونغيانغ على تعليق جوانب مهمة من أنشطتها النووية. كما ليس هناك ضمان بأن لا تكون مبادرتها الأخيرة في هذا المجال، كسابقاتها: وعود واتفاقيات يتلوها تراجع ثم عودة إلى مسلسل الدوران والابتزاز من البداية. مع ذلك، كان لإعلان كوريا الشمالية الأسبوع الماضي، عن خطوة التعليق وقعه المختلف وربما الواعد، في واشنطن.

ولو أنه حصل في إطار اتفاق أقرب إلى مقايضة التجميد بمساعدات غذائية. فقد توقف المراقبون وإن بتحفظ كبير، عند نقطتين: من ناحية أنه صدر في ظروف جديدة وعن قيادة جديدة ولو محكومة بالاستمرارية في التوجهات الأساسية. كما أنه جاء بسرعة غير متوقعة.

فالزعيم الوارث لم تمر بعد فترة المئة يوم على غياب والده، التي تعتبر فترة حداد حسب التقاليد الكورية. الأهم من ذلك، فيما يتعلق الأمر بواشنطن وبقضية انتشار السلاح النووي في العالم، هو توقيت هذه المبادرة. فهي أتت في لحظة التهاب نووي شرق أوسطي، ينذر بوقوع حرب إقليمية واسعة.

وكأنها بذلك، سكبت بعض الماء البارد على هذا الموضوع المهدّد بالانفجار، في واحدة من أخطر مفاصله وساحاته. على الأقل شكّلت فتحة تعزّز الدعوة إلى معالجة هذا الملف بالطرق الدبلوماسية أينما كانت ساحته، كما أنها تشكّل سابقة لاستنساخها في الحالات المشابهة. وبالتحديد الحالة الإيرانية. وفي هذا الخصوص، جاءت المبادرة الكورية لتقدم ورقة للرئيس أوباما وتدعم التوجه الذي يتمسك به إزاء مسألة الحدّ من السلاح النووي.

الردود الأميركية على هذا التطور، يلخّصها عموماً توصيف إدارة أوباما له بأنه خطوة "مهمة وإن كانت محدودة". فهو مفتوح مبدئياً لمدة سنة، توقف خلالها كوريا تخصيب اليورانيوم وإجراء التجارب مع السماح بعودة المفتشين الدوليين إلى أراضيها. بالمقابل تتعهد واشنطن بتزويد بيونغيانغ بعشرين ألف طن من الأغذية شهرياً ولمدة سنة.

لكن من دون أن يشمل ذلك مواد أساسية كالقمح والأرز. وفيما حرصت كوريا الشمالية على ربط المساعدة بتجميد النشاط النووي، أصرّت إدارة أوباما على الفصل بينهما، بزعم أن المساعدات يجري تقديمها من باب إنساني. فهي تسعى إلى جعل التعليق بداية لمشروع تفكيك النووي الكوري بالحوار. الربط بين الاثنين، يعطّل تحقيق هذا الهدف، إذ يبقي الاتفاق في حدود مقايضة جامدة.

حتى الآن لم يحسم أمر هذه النقطة. ولا تحدّد موعد العودة إلى الطاولة ولا موعد عودة المفتشين. مع ذلك، شمل الترحيب بكين وطوكيو وسيؤول وموسكو، إلى جانب واشنطن. وزاد من جرعة التفاؤل، على محدوديتها، أن أحد عناصر فريق التفاوض الكوري الشمالي في الشأن النووي، سيحضر هذا الأسبوع إلى جامعة سيراكيوز الأميركية، للحديث في ندوة حول النووي.

السوابق فرضت التحفظ عام 2006 وبعد مفاوضات مديدة أقدمت كوريا على طرد المفتشين الدوليين وقامت بتجربة تفجير نووي. وكررت ذلك في 2009. والمعروف أن كوريا تملك، وفق التقديرات الأميركية، ما يكفي من اليورانيوم لصنع 6 إلى 8 قنابل نووية.

وعلى الرغم من ذلك، يميل المراقبون الآن إلى رؤية احتمال حدوث حلحلة في الملف النووي الكوري. ولو من نوع كسر الجليد. فالرئيس كيم جونغ أون بحاجة إلى عبور مرحلة الانتقال بثبات. وتوفير الغذاء هو أحد الوسائل لتعميم الثقة بقيادته. ثم أنه على ما يبدو يطمح إلى ترك الانطباع بأنه قادر على عقد صفقات مع الكبار مثل أميركا.

كما يقول أحد المحللين. ومن علامات الليونة أنه ارتضى خلافاً لما كان يجري في السابق، أن تنصّ الصفقة على "آليات تضمن عدم ذهاب المعونات الغذائية إلى النخبة والجيش، بحيث تصل إلى الإنسان الكوري العادي المحتاج إليها".

عودة كوريا إلى الملف النووي من جديد، أخذت حجم الحدث. وهي فتح لملف أزمة مزمنة ومقلقة. زاد من الأهمية، أن موضوع هذا السلاح هو الآن حديث الساعة. قد يتبين لاحقاً أن التحرك الكوري لم يغادر التكتيك الموروث. وقد لا يكون له تأثير على ملفات أخرى مشابهة. "فالنووي الكوري يختلف عن الإيراني في أكثر من جانب".

كما يقول الخبير جيمس أكتون من مركز أبحاث "كارنجي للسلام" بواشنطن، في جوابه على سؤال "البيان". ويضيف: "لكنه قد يساعد في تزخيم خطاب الرئيس أوباما في هذا الخصوص". مع ذلك، جرى التعامل معه كمشروع تحوّل تحت الاختبار.


التعليقات