الطبيب والمفكر سراج الدين وحقوق الإنسان في سوريا (الحلقة الأخيرة)

الطبيب والمفكر سراج الدين وحقوق الإنسان في سوريا (الحلقة الأخيرة)
فيينا النمسا-دنيا الوطن 
 فيينا النمسا-دنيا الوطن  لا يمكن تصنيف الطبيب والمفكر السوري نديم سراج الدين إلا في خانة العباقرة وكبار الفلاسفة المعاصرين ، لا يمكن أن تتم مكافأته بمصادرة عيادته وسلب وتحطيم محتوياتها كما حدث ذات يوم !!. هذه الكلمات ليست من قبيل كيل المديح لشخصه والثناء عليه وهو الزاهد ، بل حقيقة دامغة تستند إلى تحليل وتفنيد علمي دقيق ودراسات وأبحاث مستفيضة كلفته جهدا استغرق عقودا. هزم الأنانية وتفوق على الانطوائية .  وخلص الفيلسوف إلى " أن الوقت هو الحد القاطع الذي يفصل الشرق عن الغرب ظاهريا وشكليا فالساعات والعقارب هي ذاتها لكن المضمون مختلف كليا ، ضاربا مثلا على ذلك الشرق الذي يرى الزمان بأنه بيد الله تعالى بينما الغرب يرى أن الزمان هو بيد العبد لله" . وعزا إصابة الأيديولوجية العربية ( بمرض الشيخوخة والكهولة ) كونها ذات جذور منشأها الخرافات والأساطير وتنتمي إلى عصر الجاهلية بحسب رؤيته . اليوم تنشر صحيفة دنيا الوطن الجزء الرابع والأخير من الكتاب الذي ألفه وأعده وطبعه عام 2001 ، الطبيب والفيلسوف ونائب رئيس اتحاد الأطباء العرب في أوروبا نديم سراج الدين ، كتاب ألفه باللغتين العربية والألمانية وعنونه ب " حوار نقدي عن حقوق الإنسان في سوريا"  . 
فيما يلي الجزء الأخير من الكتاب : الإنسان والدولة : 

 للوصول إلى تقدم ملموس لتنفيذ حقوق الإنسان علينا أولا أن نعرف بوضوح مفهوم الدولة والمواطن . إنه لا يوجد تناقض أو معاكسة بين الدولة الطيبة والإنسان الشرير أو الدولة السيئة والإنسان الطيب ، بل يوجد الإنسان الذي هو شرير وسيء النية في الدولة في المجتمع وحتى في العالم .هنا نرى السبب الأساسي في تخريب جذري مستمر دائمي في العالم الداخلي والخارجي . الإنسان الطيب والدولة الطيبة هما الموضوعان الرئيسيان لمعالجة حقوق الإنسان . ولتحقيق هذه الخطوة نحتاج إلى شجاعة واستعداد لدفع الثمن المطلوب لذلك . العالم الإجتماعى الألماني "جورج سيميل" حلل الوضع الفكري الحرج الذي يعيشه الإنسان كما يلي : حتى في أسوأ الأوضاع الاضطهادية والقاسية يوجد قسط كبير للحرية الشخصية .ولكن نحن في هذه الحالات ليس عندنا إدراك لها لأن تحقيق الحرية في هذه الحالات قد تكلف تضحية التي يجب علينا أن تأخذها على عاتقنا .فقط في التعذيب الجسدي تنتهي ويقضى على حرية الإنسان وإلا في الحالة العادية علينا لتحقيق الحرية دفع ثمن مرتفع يصعب علينا أن ندفعه في أغلب الأحيان .( من أعمال جورج سيميل مجموعة رقم 2 دراسات في الأنظمة الاشتراكية –برلين 1958 صفحة 1002) السؤال المطروح علينا هو : هل بإمكاننا إقناع الدولة بأن طريق العدالة والحرية هو الطريق الصحيح والضروري أم لا ؟ منطق الحاكمين في الدولة عبر عنه سياسي فرنسي بهذا الشكل :الدول ليس لها أصدقاء بل عندها مصالح :المناقشة العلنية هي لذلك ضرورية ، لأن شجاعة المجرم تكون دائما داخلية وشخصية وسرية .شجاعة المستقيم والعادل من ناحية أخرى هي مفتوحة وصوتها عالي .الأيديولوجية والأنظمة الثورية اكتسبت المعرفة بمرور الوقت أن شعبهم أصبح كتلة صلبة مغلقة والأمة مجموعة أفراد واقفون بجانب بعضهم البعض منفردين وليست كتلة متضامنة ومترابطة مع بعضها .المجتمع الجديد أنحل إلى أجزاء متعددة متباعدة عن بعضها البعض .هروب الإنسان إلى الانعزالية الخصوصية الانطوائية هي أحد مظاهر هذا الاتجاه المعاصر .لذلك مناقشة حقوق الإنسان ستكون مناقشة بناءة وإيجابية يشترك فيها كل ما عنده الرغبة والإرادة الطيبة .في دراستنا عن مظاهر الخوف ( نشرت في مجلة النظام والتركيب- دراسات فلسفية للفيزياء النظرية – برلين 1996 ) قد وجدنا بأن الخوف بجوهره هو علاقة عدائية متبادلة بين شخصين بغض النظر من هو منهم الضعيف أو القوى .الإنسان المسالم وبدون سلاح عنده تحت ظرف معين خوف أقل من الجندي المدجج بالسلاح .من الملاحظ في كثير من الأحيان بأن الخوف يستعمل كحجة للتهرب من الواجب.وأحيانا لتشهير أجهزة الدولة وإيذاء سمعتهم .وإذا كان الشاهد لا يريد في المحكمة قول الحقيقة فيدعى بأن السبب هو الخوف كمثال لتغطية مصلحته الشخصية .إذا محامى تواطأ ضد موكله ، وإذا أستغل قاضى سلطته للمنفعة الشخصية ، عندما تفصل القضايا ضد العدالة والقانون ويحكم المرء غيابيا ، إنه هناك أمثلة كثيرة عن أنواع الفساد والرشوة .كل هذه الملاعبات وخرق القوانين سببها كما يدعى البعض الخوف من الدولة ومخابراتها السرية . وفيما إذا كان هذا الخوف هو المبرر فإنه لا يمكن تأييده قطعا . وفى حالات عديدة كشفنا بأن الناس التي كانت تدعى الخوف كانت قد حاولت إخفاء الحقيقة . الرأي العام وقضية الحقيقة : التقدم التكنولوجي قد أعطى الإنسان إمكانية الكشف والمراقبة المتبادلة لكل ما يحدث بين السماء والأرض . الملاحة الجوية المتطورة ( إمكانية تحديد المكان الجغرافي لكل نقطة في العالم ) كما هو مبين بالصورة تستطيع هذه الأجهزة مع الأقمار الصناعية أن تعين بالسنتيمتر الواحد ماذا يحدث تماما . انتشار هذه المعلومات قد أدى إلى كشف إدعاءات وأقوال الدولة المعنية في الصحف والجرائد والإذاعات التي تملكها . المجلة الألمانية –شبيغل-( رقم 6/1999/ص1929 ) أدعى بأن سوريا في حوزتها (15) جهاز سرى الذي يشكل الركن الرئيسي لقوة نظام الدولة . هذا العدد المرتفع هو غير واقعي ، لأنه عادة تملك كل دولة حوالي 3 أجهزة سرية .وفى محادثة مع أحد المسؤولين السوريين ، قيل لنا بأن هذا العدد بالواقع هو عدد الأقسام المتفرعة الاختصاص . في وسائل الإعلام المتقدمة وفتح الحدود للمعلومات ( انترنت) من الصعوبة جدا إخفاء وتغطية أمور غير مرغوب في كشفها .حديثا توجد مؤسسات تصدر نشرات تصنيفية اقتصادية عن أغلب دول العالم وبها تصنف الدول حسب وضعها الإقتصادى والسياسي ، أي هل هذه الدول موثوق بها ويعتمد عليها أم لا ؟ . هذه المعلومات تقرر فيما إذا كان يوجد إمكانية التعامل معها ( استثمار) أم لا . هذه المعلومات تحدد سمعة بعض الدول إذا كانت جيدة أم سيئة .التجارب والخبرة السيئة التي اكتسبتها بعض الحكومات الأوروبية وخصوصا بسياق الهجرة المكثفة في السنوات الأخيرة دفعتها لإصدار قوانين جديدة لمكافحة الرشوة والفساد وخصوصا ما يسمى بالجريمة المنظمة . واحد هذه الخطوات هو القانون "ريكو". وفى قضية الرجل الاقتصادي الأسباني ( لوبيتس ) الذي أنتقل من شركة فولكس فاكن الألمانية وأخذ معه مخططات وأسرار لإنتاج سيارة حديثة قد طبق هذا القانون بحقه في عام 1966 بعد إكمال محاكمته في الولايات المتحدة الأمريكية ، لأن هذا العمل يعد قضية تجسس في المجال الأقتصادى . يعتبر المجتمع .السؤال المطروح على مجلس الشعب السوري لم يجب حتى الآن ها هي خطط الحكومة السورية لقمع الفساد والرشوة في صورة فعلية . الخلاصة : طلب تحقيق حقوق الإنسان هو مربوط في طلب تحقيق واجب الإنسان كمواطن أمام الدولة .مناقشة أمور حقوق الإنسان عليه أن يتجاوز تحليل نظريات ما هو تركيب فكرة الإنسان المجردة . حيادية وجهة النظر تؤدى إلى التغلب على الآراء المعاكسة بين الديمقراطية والدكتاتورية . عدم الانحياز يساعدنا على عدم التورط في الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب . الموضوعية والتحفظ في التفكير هي التي تحدد وتفرق أخيرا من هو العدو ومن هو الصديق .خرق والتعدي على حقوق الإنسان أصبحت ظاهرة عامة موجودة في كل المجتمعات . حسب النظريات الفيزيائية المتطورة  يعتبر المجتمع كجزء لا يتجزأ بداخل الطبيعة وممكن تعرض للأمراض حتى انهيار كيانه .هذه النظرية البيولوجية لفهم وتعليل التطور والفرضية تختلف عن النظرية الإيديولوجية التاريخية والاجتماعية العامة المجردة وفى تطبيق المبدأ الفيزيائي ترموديناميك تعتبر الرشوة والفساد وسوء استعمال السلطة ...الخ ...قضايا تخريبية ذات ديناميكية داخلية محركها نفسي إرتجالى وغير عقلاني .منشأ هذه الطاقة هي الأنانية الفطرية .السؤال الجوهري ما هو موقف الأغلبية من الناس بخصوص تفسير والتعامل مع هذه المظاهر والقضايا .هل عندنا القوة والعزة والاستعداد لإيقاف هذه التطورات وإلا علينا تحمل هذه الأوضاع مع نتيجة التأخر والتخلف عن الركب الحضاري الذي لا ينتظر أو يرحم .

 ريغنسبورغ / ألمانيا   
عضوا في الأمانة العامة لحقوق الإنسانفي البلاد العربية ( أومراس برلين )
دكتور نديم سراج الدين 

التعليقات